قل هو من عند أنفسكم

من أسباب ضياع الأمة

قال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في كتاب : تأويل مختلف الحديث : (وحدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور سمر ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم ، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصدَ الشهوات ، وإيثار اللذات ، والدخول في معاصي الله عز وجل ومساخطه ؛ جهلا منهم باستدراج لله تعالى وأمنا من مكره تعالى فسلبهم الله تعالى الملك والعز ونقل عنهم النعمة ، فقال له صالح بن علي : يا أمير المؤمنين إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هارباً فيمن اتبعه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر ، فركب إلى عبيد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ،ويسأله عن ذلك ؛ فأمر المنصور باحضاره وسأله عن القصة فقال :
ياأمير المؤمنين قدمت أرض النوبة بأثاث سَلِم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثاً فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا ، فدخل عليَ رجل طوال أقنى حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب فقلت : مايمنعك أن تقعد على ثيابنا ، فقال : إني ملك ، وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله عز وجل إذ رفعه الله ، ثم أقبل علي فقال لي : لم تشربون الخمور وهي محرمة ، فقلت : اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا . قال : فلم تطؤون الزرع بدوابكم والفساد حرام ؟ قلت : يفعل ذلك جهالنا . قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم ، فقلت : زال عنا الملك ، وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. فأطرق ملياً وجعل يقلب يده ، وينكت في الأرض ثم قال : ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ماحرم عليكم وركبتم ماعنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله تعالى العز وألبسكم الذل بذنوبكم وآثامكم ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزودوا مااحتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي ففعلت ذلك).

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف تذكرة, منائر. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.