دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 1

البحث التالي هو جزء من عدة مواضيع قام الباحث بالعمل عليها، ونال إثرها شهادة الدبلوم في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الأكاديمية السورية للتدريب والتطوير.

نشر البحث في موقع الأكاديمية : www.sia-sy.net مع بعض الاختصار التزاماً بشروط فنية، وفيه أخطاء طباعية عديدة، وهنا يعاد نشره كما كان قبل الاختصار.
العلاقة بين الطوائف المختلفة : سنية وعلوية ومسيحية وشيعية ودرزية واسماعيلية وغيرها، لماذا لا يتم حديث صريح حولها؟ وإلى متى ستبقى جدران التاريخ الصماء تفصل بينهم بالأوهام! يأمل الباحث أن يعالج موضوعه جزءاً من الموضوع الطائفي في سورية، وبطريقة سليمة ومتوازنة.
يهم الباحث توضيح عدة أمور: أولها أن التراحم أو التسامح لا يقصد به أي نوع من التمييع للمعتقدات والأصول التي يؤمن بها هو أو غيره، بل يعتقد أن الإيمان الحق هو رحمة واسعة وعظيمة للبشر جميعاً[1]، فالاختلاف والتنوع هو نوع من الغنى الإنساني الذي يزيد الحياة حيوية وقوة، وإن “الحضارة تتشكل من آلاف الألوان، والتمازج الثقافي ليس شيئاً سلبياً … وأنا المسلم مسرور جداً لأن بلادي سورية هي حصيلة عشرة آلاف سنة من الحضارة، ولها عشرات الألوان الجميلة … إنك ما دمت تعيش في هذا العالم فعليك أن تعلم أن قوة البشر هي في تعددهم، وليس في تطابقهم، فالألوان الكثيرة هي التي تعطي هذا العالم جماله الآخاذ، والتعدد من آيات الله العظيمة كما يقول القرآن الكريم: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)[2]….”[3].
(ولو شاءَ رَبُّكَ لجَعلَ النَّاسَ أمَّةً واحِدَةً)[4]، ولكنه قدر التنوع فيهم، والدنيا دار عمل صالح وتراحم ودعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا إكراه في الدين، وهناك في اليوم الآخر يحكم الله بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.
كما أن الباحث لا يقبل بعض الأفكار التي جانبها النضوج، والتي نتيجتها تأتي عكس المقصود، عبر تمييع ما يعتقده الناس، ومن خلال تصريحات دعائية عجولة تزيد تعقيد الأمور ولا ترسي شيئاً من التسامح بل تخلق جواً من التوتر والتباعد والحساسيات[5]، ويعتقد الباحث أن ما يدندن به البعض حول وحدة الأديان إنما هو حيلة لتمييع الأديان كلها ، تقودها جهات لا دينية تتلاعب بالجميع.
إهداء
إلى المبخوسَين حقهما حيين وميتين
العالمين الجليلين والمفكرين الإسلاميين الأصيلين
أحمد مظهر العظمة و محمد بن كمال الخطيب الحسني
وإلى رجال جمعية التمدن الإسلامي في كل زمان وأرض
أقدم عملي المتواضع

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية
والوعي الإسلامي تجاهها (جمعية التمدن الإسلامي نموذجاً)
كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

في أكثر بقاع العالم يمكن أن يشاهد بوضوح أثر السياسة الدولية في تحريك النزعات الطائفية، ولعل منها تصريح الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، قبل مدة، والذي حذر فيه من “أنه في حال فشلت أو انهارت الانتخابات السودانية واتفاق السلام، فمن شأن ذلك إشعال حرب أهلية وأخرى دينية إقليمية”[6]. إنها رسالة واضحة لا لإطفاء الحريق الذي يأكل جنوب السودان وغربها في دارفور،، بل تهيئة نفسية لإشعال النار، وتحقيق مخططات تمزيق السودان.

كما دهش المجتمع الدولي حقيقة للبعد الطائفي الذي تحرك من خلاله الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، بكلامه عن حرب صليبية جديدة! ثم بتصريحه: “إن الولايات المتحدة مدعوة إلى إيصال هدية الحرية التي منحها الرب لكل إنسان على وجه المعمورة”[7].

إن المتتبع لدور السياسة الدولية في السياسة في إثارة النعرات الطائفية، سيفهم جيداً لماذا كانت “باكورة أعمال الجنرال غورو إحداث دولة لبنان الكبير ثم تأسيس دولة العلويين، بموجب قرارين بتاريخ 31 آب 1920، ثم تلا ذلك إقامة دولة دمشق فدولة حلب وتبعها إقامة دولة الدروز بتاريخ 4 آذار 1921″[8]. بل إنه لن يدهش عندما يعلم أن السياسة الدولية للفرنسيين قد “طرحت فكرة اغتيال أحد عملاء الفرنسيين في سورية، لإجبار فرنسة على التدخل”[9].

هذا البحث الموجز ، سيظهر دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية، والوعي الإسلامي تجاهها، من خلال أداء جمعية التمدن الإسلامي، إحدى المنارات الإسلامية الرائدة في بلاد الشام.

مشكلة البحث: الطائفية هي إحدى العقد الحقيقية في مجتمعاتنا، ولايعتقد الباحث أن بإمكان السياسيين وقادة الرأي وعلماء الدين والموجهين الروحيين، أن يغيروا شيئاً من أحوال مجتمعاتهم البائسة تغييراً حقيقياً، مالم يكن هناك فكر قوي ينطلقون منه، فهل هناك محاولة ما، لم تتم الاستفادة منها؟ هذا ما سيحاول الباحث لفت الأنظار إليه، لا من خلال شيء يخترعه، بل من خلال تجربة إسلامية عريقة، استفاد منها، ويحاول أن يتابع الطريق من خلالها.
أهمية البحث: لأن سورية هي فسيفساء العالم وإحدى لوحاته الأجمل، فإن المصالح تتصارع حولها، ومن أخطرها مصالح السياسية الدولية التي تجد في الغرائز الطائفية وأوقات الغفلات فرصة للاقتحام، لذا فإن أي مشروع يهدف إلى التوحيد، ويتجاوز إشكاليات التاريخ، هو مشروع ضروري، سيحاول البحث عرضه، من أجل وطن حر ومنيع.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى توضيح التسامح، بل التراحم الطائفي الذي عاشته بلاد الشام، من خلال قلبها دمشق، وخلال عصور مديدة، والتركيز على نقاط التلاحم والتعامل الإنساني بين الطوائف المختلفة، والذي جنبها الصراع الطائفي، كما يهدف إلى بيان دور المصالح السياسية الدولية في استثمار الغرائز الطائفية، ودور الوعي الإسلامي في عدم السماح بذلك، من خلال فكر إسلامي نقي، خط درباً مميزاً غير مسبوق، في لم شمل الأمة والسمو بها عن كيد السياسات العالمية، ونأى بها عن الضياع في متاهات التاريخ.
فروض البحث: خلال عشرات السنين تم استخدام أدوات مختلفة من كافة الأطراف، لتجاوز العوائق الطائفية، بعضها اعتمد على السلطة السياسية والقمع، والآخر على المواجهة المسلحة، وربما استخدم الجميع الحقن الطائفي، أو استدعوا التاريخ ودخلوا في سراديبه المظلمة! فهل كان حقاً ذلك هو الطريق؟ وإذا لم يكن فما هو الصواب؟ وهل هناك تجربة ما قدمت نموذجاً تمكن الاستفادة منه؟ هذا ما سيناقشه هذا البحث المختصر.
منهج البحث: اعتمد الباحث بشكل رئيس على المنهج التاريخي، ثم الوصفي، ولكن ذلك كله محاط بالمنهج التجريبي الذي تم فيه وخلال أكثر من ربع قرن، مراقبة نضج الأفكار المطروحة وتوازنها واختبارها من خلال تجارب مختلفة شخصية أو جماعية ، وقد حققت نتائج مميزة وفعالة.
أدوات البحث: لقد كانت المراجع الرئيسة المتوفرة بين يدي الباحث من مصادر تاريخية، ووثائق، ومجلات هي أدواته الأساسية، إضافة إلى محاضر جلسات ووقائع تمت الإشارة إليها، وساعد الباحث في الأمر أنه قضى قريباً من عشرين عاماً في مجلس إدارة جمعية التمدن الإسلامي، كانت تسع سنوات منها في رئاستها، ومعايشة أفكار رجالها الذين أشادوا فكراً إسلامياً موضوعياً ومتوازناً يلم الجميع.
الدراسات السابقة: ضمن حدود معرفة الباحث فإنه لم يتم تناول هذا الموضوع بوضوح من قبل،وبهذا فللبحث ريادة على مستويين: الصراحة في تناول بعض المواضيع الطائفية الحساسة من وجهة نظر إسلامية، وبما يتعلق بالحالة السورية، والمستوى الآخر هو إخراج تاريخ مدفون وعمل فكري متقدم قامت به جمعية التمدن الإسلامي ولا تزال، في إيجاد مظلة جامعة لكل طوائف الأمة.
يؤكد الباحث أنه لا يقدم فكراً من إبداعه، بمقدار ما يبرز مدرسة عريقةً لم تأخذ حقها، وهو يقرر حقائق تاريخية، ولا يقوم باسترضاءات أو مواجهات سياسية مع أي طرف، ويحاول أن يلتزم بالعدل والموضوعية ما استطاع.
منهج البحث: يبدأ البحث بتمهيد ثم مقدمات البحث، فتعريف بجمعية التمدن الإسلامي، ثم المبحث الأول: السياسة الدولية تمد أصابعها في كل مكان، يتلوه المبحث الثاني: التراحم الطائفي والريادة الإسلامية فيه، فالمبحث الثالث:الظلم الذي طحن الجميع، أعقبه المبحث الرابع: فكر محلق فوق الطائفية، تلاه ملخص فجريدة المراجع فالوثائق ثم الملاحق.
الصعوبات التي صادفت البحث: لم يكن هناك سوى صعوبة واحدة، وهي اتساع الموضوع بشكل لم يخطر ببال الباحث من قبل، ووجود أفكار رائدة وأنواع من السلوك الاجتماعي المميز، الذي يحتاج إلى مزيد من الجهد لإخراجه، وبالتأكيد فإن مكر السياسة الدولية هو بدوره أكبر من أن يحيط به بحث متواضع مثل هذا.

تعريف بجمعية التمدن الإسلامي[10]:
جمعية التمدن الإسلامي، من أقدم الجمعيات الأهلية في سورية، وقد تأسست عام 1932، على يد مجموعة من العلماء والقادة الإصلاحيين، وفكرتها الأساسية قامت على أن الاستعمار يأتي ومعه فكر وفن وثقافة ومدارس وتعليم، ومقاومته بالسلاح لا تكفي، فلا بد من مقابل لكل ما يطرحه، فكان هدف الجمعية الرئيس: “تبيان الإسلام تبياناً صحيحاً شاملاً في كل مناحي دعوته وثقافته ومكارمه وعدالته وحضارته، والعمل على تحقيق ذلك”[11]، ويقول عبد الكريم اليافي: “لقد تبلور جزء من المشاعر الدينية في سورية أول الأمر في جمعية التمدن الإسلامي التي تأسست عام 1932 وعكفت على إصدار مجلتها الشهرية ومنشوراتها المتعددة والقيام ببعض المحاضرات العامة ولكنها كلها تدور حول الإسلام والحياة الاجتماعية”[12]، وقد صدرت مجلة الجمعية لمدة تسعة وأربعين عاماً! قبل أن تجبر على التوقف، وقد ضمت الجمعية كبار رجال العلم والفكر[13]، وتميز بفكرها، بالعلنية، وابتعدت عن الصراع السياسي، كما رفضت العنف كمبدأ في العمل، وعملت بشكل مفتوح، فلم تقع في متاهة العمل السري، وما تزال حتى اليوم (رغم منعها من أي نشاط ثقافي)، تقوم بدور رائد في مساعدة الفقراء وعلاج آلاف المرضى كل عام[14].

[1] – من أجمل العبر في الرحمة التي يزرعها الإيمان في النفوس، ما سمعناه من علمائنا عن رجل مؤمن كان يتناول طعامه، فمر به شيخ عجوز قد تجاوز الثمانين، وقال العجوز للمؤمن: هل لي ببعض الطعام ياسيدي، فإني عاجز تماماً ومريض! نظر المؤمن إلى العجوز قائلاً: من أين أنت؟ قال العجوز: من بلاد النار [بلد افتراضي أهله من الكفار]، فقال المؤمن: أرجو أن لا تكون على دينهم الفاسد! قال العجوز بأدب شديد: يؤسفني يا سيدي أن أقول لك: إنني أتبع دين قومي في تلك البلاد! قال المؤمن: إذا تركت دينك وآمنت فيمكنني إطعامك! ورفض الشيخ العجوز تغيير دينه.
في المساء رأى المؤمن في الرؤيا ملكاً قال له : إن الله ساخط عليك في هذا اليوم! قال المؤمن بدهشة: استغفر الله! لماذا؟ لقد فعلت الكثير من الصالحات في هذا اليوم بالذات! قال الملك: إنك لم ترض أن تطعم الكافر لقمة واحدة حتى يغير دينه! مع أن الله يطعمه منذ ثمانين عاماً!!
[2] – سورة الروم ،22.
[3] – من رسالة بعث بها الباحث إلى النائب الهولندي خيرت فيلدرز بتاريخ: بسبب هجومه على الإسلام، وقد نشرتها العديد من المواقع، وانظر للنص العربي: http://www.darbuna.net/word/?ID=907 ، وللنص الهولندي: http://www.islamwijzer.nl/forums/vbnews.php?do=viewarticle&artid=94&title=Open%20brief%20aan%20Wilders
[4] – سورة هود، 118.
[5] – كان أحد المفتين إذا سئل عن الفرق بين الإسلام والمسيحية يقول: الأمر بسيط ، نحن نقول مجدرة [أكلة شامية قديمة] ، وهم يقولون : برغل، عدس، رز؛ قاصداً من ذلك التوحيد [المجدرة]، والتثليث: [برغل، عدس، رز]، وهذا المنطق غير مقبول عند مسلم ولا مسيحي، فالتوحيد عند المسلم أساس دينه وعموده، والتثليث في المسيحية فلسفة دينية عميقة، وكسب العوام بهذه الطريقة لا يأتي بنتيجة، وهو مرفوض شرعاً وعقلاً.
كما نقل عن صاحب منصب ديني أنه لم يملك نفسه أمام وفد أميركي، وهو يريد أن يظهر له تسامح الإسلام، فقال: لو أن محمداً أمرني بقتل الناس لقلت له: أنت لست نبياً! وهي عجلة في التعبير غير مؤدبة، ولا ينبغي الوقوع فيها، وقد علق العلامة البوطي على أمثال هذا الكلام بأنه تعالم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما صرح العلامة القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة بأن مثل هذا الكلام ليس من المجاملة بل النفاق!
[6] – انظر بتاريخ الاحد, 11 أبريل/ نيسان, 2010, 22:21GMT موقع: http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/04/100411_sudan_elex_carter_tc2.shtml
[7] – انظر مجلة نيوزويك الأمريكية (11/3/2003) عدد بعنوان “بوش والرب”. وراجع للموضوع مقالة معتز الخطيب المنشورة في إسلام أون لاين: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1173695208143&pagename=Zone-Arabic-Daawa%2FDWALayout

[8] – نزار كيالي، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر (1920-1950) ، دمشق ، دار طلاس ، 1997. 47-49، باختصار.
[9] – من تقرير وزير فرنسة في القاهرة بتاريخ 16 تشرين الثاني 1912. وانظر :
– وجيه الكوثراني، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين (قراءة في الوثائق)، معهد الإنماء العربي، طرابلس الغرب، 1980، 175.
[10] – ما تزال جمعية التمدن الإسلامي ممنوعة من إصدار مجلتها الشهيرة، كما تمنع من إقامة أي برنامج ثقافي، وأجبرت أواخر عام 2008 على تغيير مجلس إدارتها على نحو غير قانوني.
[11] – نظام جمعية التمدن الإسلامي، شهر برقم 490 وبتاريخ 8 حزيران 1960.
[12] – عبد الكريم اليافي، الدين والإحياء الروحي في الوطن العربي اليوم، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 2004، 16.
[13] – منهم السادة: حسن الشطي، رشيد بقدونس، محمد جميل الخاني، سعيد الأفغاني ، مصطفى الزرقا، محمد بهجة البيطار، أحمد مظهر العظمة، عبد الفتاح الإمام، محمد أحمد دهمان، عارف التوام، محمد سعيد الباني، عز الدين علم الدين التنوخي، أحمد حمدي الخياط ، صلاح الدين المنجد، عزت الطرابلسي، محمد بن كمال الخطيب…
[14] – انظر: أحمد معاذ الخطيب الحسني، رحلة التمدن الإسلامي، بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيس الجمعية، محاضرة بتاريخ دمشق 17 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 2 حزيران 2007م، وقد نشرت في موقع دربنا: www.darbuna.net كما نشرتها بالفرنسية مجلة :
ashreb-achrek, N 198-Hiver 2008-2009, Paris, 79-89.

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف المناهج. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.