من طبائع الاستبداد للكواكبي – الاستبداد والعلم

عبد الرحمن الكواكبي
الاستبداد والعلم

ما أشبه المستبد في نسبته إِلى رعيته بالوصي الخائن القوي, يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضِعافاً قاصرين, فكما أنه ليس من صالح الوصي [الفاسد] أن يبلغ الأيتام رشدهم, كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبد, مهما كان غبياً, أن لا استعباد ولا اعتساف إِلاَّ ما دامت الرعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء, فلو كان المستبد طيراً لكان خفاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل, ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل, ولكنه هو الإنسان يصيد عالِمَهُ جاهِلُهُ.
العلم قبسة من نور الله وقد خلق الله النور كشافاً مبصراً, ولاَّداً للحرارة والقوة, وجعل العلم مثله وضَّاحاً للخير فضَّاحاً للشر, يولِّد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة, العلم نور والظلم ظلام ومن طبيعة النور تبديد الظلام, والمتأمل في حالة كل رئيس ومرؤوس يرى كل سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبد لا يخشى علوم اللغة, تلك العلوم التي بعضها يقوِّم اللسان وأكثرها هزل وهذيان يضيع به الزمان, نعم لا يخاف علم اللغة إذا لم يكمن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الأولوية, أَو سحر بيان يحل عقد الجيوش, لأنه يعرف أن الزمان ضنين بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال الكميت وحسان أَو مونتيسكيو وشيللار.
وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد المختصة ما بين الإنسان وربه, لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة, وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم حتى إذا ضاع فيها عمرهم, وامتلأتها أدمغتهم, وأخذ منهم الغرور ما أخذ, فصاروا لا يرون علماً غير علمهم, فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمَن شر السكران إذا خمر. على أنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامهم في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم, ويسدُّ أفواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس, صغار الهمم, يشتريهم المستبد بقليل من المال والإعزاز؛ ولا يخاف من الماديين لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس, ولا من الرياضيين لأن غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية, والفلسفة العقلية, وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع, والسياسة المدنية, والتاريخ المفصل, والخطابة الأدبية, ونحو ذلك من العلوم التي تكبِّر النفوس وتوسِّع العقول وتعرِّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها وكيف الطلب, وكيف النوال, وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أَو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: ,أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ- , وفي قوله: ,وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ-, وإن كان علماء الاستبداد يفسرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد, كما حوَّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إِلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة أن المستبد يخاف من هؤلاء العلماء العاملين الراشدين المرشدين, لا من العلماء المنافقين أَو الذين حفر رؤوسَهم محفوظاتٌ كثيرة كأنها مكتبات مقفلة!
كما يبغض المستبد العلمَ لنتائجه يبغضه أيضاً لذاته, لأن للعلم سلطاناً, فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينيه على من هو أرقى منه علماً, ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً, فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله ” فاز المتملقون” , وهذه طبيعة كل المتكبرين بل في غالب الناس, وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشر.
وينتج مما تقدم أن بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء نورها, والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا, وإذا خافوا استسلموا, كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوَّة المستبد وقُوتُهُ, بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم, فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم, فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض, فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم, يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم ولم يمثِّل, يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إِلى خطر الموت, فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة.
والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة, فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف, وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم, كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه, وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أَو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم, بترقيها, المستبد اللئيم على الترقي معها والانقلاب, رغم طبعه, إِلى وكيل أمين يهاب الحساب, ورئيس عادل يخشى الانتقام, وأب حليم يتلذذ بالتحابب. وحينئذ تنال الأمة حياة رضية هنيئة, حياة رخاء ونماء, حياة عزٍّ وسعادة؛ ويكون حظ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ, بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد, لأنه كان على الدوام ملحوظاً بالبغضاء ومحاطاً بالأخطار, غير أمين على رياسته, بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قط أمامه من يسترشده فيما يجهل لأن الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً, لا بد أن يهابه فيضطرب باله فيتشوش فكره ويختل رأيه فلا يهتدي إِلى الصواب, وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبد, فإن رآه متصلباً فيما يراه فلا يسعه إلاَّ تأييده رشداً كان أَو غيَّاً؛ كل مستشار غيره يدَّعي أنه غير هياب فهو كذاب؛ والقول الحق إن الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناء عليه لا يستفيد المستبد قط من رأي غيره بل يعيش في ضلال وتردد وعذاب وخوف, وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده الناس وقد خلقهم ربهم أحراراً.
إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه, لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم؛ وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه, وخوفهم عن توهم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه, وخوفهم على لقيمات من النبات على وطن يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه, وخوفهم على حياة تعيسة فقط.
كلما ازداد المستبد ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته, وحتى من هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُخْتَم حياة المستبد بالجنون التام. قلت التام لأن المستبد لا يخلو من الحمق قط لنفوره من البحث عن الحقائق, وإذا صادف وجود مستبد غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أَو العته؛ وقلت إنه يخاف من حاشيته لأن أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم لأن هؤلاء هم أشقى خلق الله حياة, يرتكبون كل جريمة وفظيعة لحساب المستبد الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين, يجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أَو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرد أنهم لا يعلمون الغيب, ومن ذا الذي يعلم الغيب, الأنبياء والأولياء؟ وماهؤلاء إِلاَّ أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبَك نبيٌّ ولا وليٌّ, ولا يدَّعي ذلك إِلاَّ دجَّال, ولا يظن صدقه إِلاَّ المغفَّل, فإنَّك اللهم قلت وقولك الحق: ,عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا- وأفضل أنبيائك يقول: لو علمت الخير لاستكثرت منه.
من قواعد المؤرخين المدققين أن أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدين, كنيرون وتيمور مثلاً, يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذر والتحفظ, وإذا أراد المفاضلة بين عادلين, كأنوشروان وعمر الفاروق, يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما.
لما كانت أكثر الديانات مؤسَّسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام والشمس وزحل, والعقل والشيطان, رأت بعض الأمم الغابرة أن أضرَّ شيء على الإنسان هو الجهل, وأضرَّ آثار الجهل هو الخوف, فعملت هيكلاً للخوف يُعبد اتقاء لشره.
قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود, وأعوانه هم الكهنة, ومكتبته هي المذبح المقدَّس, والأقلام هي السكاكين, وعبارات التعظيم هي الصلوات, والناس هم الأسرى الذين يقدِّمون قرابين الخوف؛ وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان, والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف, ولا وسيلة لتخفيف الخوف أَو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه, لينكشف للإنسان أن لا محل فيه للخوف منه, وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأن المستبد امرؤ عاجز مثلهم زال الخوف منه وتقاضوه حقوقهم.
ويقول أهل النظر إن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليهم في شنآن الملوك وفخامة القصور وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات وعلائم الأبهة [وكثرة المباهاة بالأفعال ، والمن على الأمة المسكينة ، وعدم قدرة الضعيف على استنقاذ حقه ، وتولية المناصب بميل النفس والمزاج ، وبالباطنية في إدارة الأمور ، وكثرة سرقات الحاشية وإدعاء أن كبيرهم لايعلم تنزيهاً له وتقديساً في عقول الصبيان], ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضاً عن العقل والمفاداة, وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبد كما يلجأ قليل العز للتكبر, وقليل العلم للتصوف, وقليل الصدق لليمين, وقليل المال لزينة اللباس.
ويقولون إنه كذلك يستدل على عراقة الأمة في الاستعباد أَو الحرية باستنطاق لغتها هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية مثلاً, أم هي غنية في عبارات الخضوع كالفارسية وكتلك اللغة التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا وأنت بل سيدي وعبدكم.
والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان, فكل إِدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم, وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس, والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكِّلون بهم, فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره, وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام, عليهم الصلاة والسلام, وأكثر العلماء الأعلام والأدباء النبلاء تقلَّبوا في البلاد وماتوا غرباء.
إن الإسلامية أول دين حضَّ على العلم, وكفى شاهداً أن أول كلمة أُنزلت من القرآن هي الأمر بالقراءة أمراً مكرراً, وأول مِنَّة أجلَّها الله وامتن بها على الإنسان هي أنه علَّمه بالقلم, علَّمه به ما لم يعلم. وقد فهم السلف الأول من مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلم القراءة والكتابة على كل مسلم, وبذلك عمت القراءة والكتابة في المسلمين أَو كادت تعم, وبذلك صار العلم في الأمة حرَّاً مباحاً للكل لا يختصُّ به رجال الدين أَو الأشراف كما كان في الأمم السابقة؛ وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذاً عن المسلمين! ولكن قاتل الله الاستبداد الذي استهان بالعلم حتى جعله سلعة يُعطى ويُمنح للأميين ولا يجرؤ أحد على الاعتراض؛ أجل, قاتل الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إِلى الأمية فالتقى آخرها بأولها, ولا حول ولا قوة إِلاَّ بالله.
قال المدققون إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة, وأن يعرفوا النفس وعزها, والشرف وعظمته, والحقوق وكيف تُحفظ, والظلم وكيف يُرفع, والإنسانية وما هي وظائفها, والرحمة وما هي لذاتها.
أما المستبدُّون الشرقيون فأفئدته هواء ترتجف من صولة العلم, كأنَّ العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس كلمة (لا إله إِلاَّ الله) ولماذا كانت أفضل الذكر, ولماذا بني عليها الإسلام. بني الإسلام بل وكافة الأديان [الحق] على (لا إله إِلاَّ الله), ومعنى ذلك أنه لا يعبد حقاً سوى الصانع الأعظم؛ ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد, فيكون معنى لا إله إِلاَّ الله : ( لا يستحق الخضوعَ شيءٌ غيرُ الله). وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذراً من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل, والحالة هذه, يناسب غرض المستبدين أن يعلم عبيدهم أن لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع, إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض. كلاَّ لا يلائم ذلك غرضهم, وربما عدوا كلمة (لا إله إِلاَّ الله) شتماً لهم؛ ولهذا كان المستبدون ولا زالوا من أنصار الشرك وأعداء العلم.
إن العلم لا يناسب صغار المستبدين أيضاً كخَدَمة الأديان المتكبرين وكالآباء الجهلاء والأزواج الحمقاء وكرؤساء كل الجمعيات الضعيفة. والحاصل أنه ما انتشر نور العلم في أمة قط إِلاًّ وتكسَّرت فيها قيود الأسر, وساء مصير المستبدين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين.
[رحم الله الإمام الشافعي إذ يقول:
إن أنا عشت لست أعدم قوتاً وإن أنا مِتُّ لستُ أعدم قَبرا
همتي همــــــة الملـوك ونفسي نفس حـر ترى المذلــة كُفرا ]

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على من طبائع الاستبداد للكواكبي – الاستبداد والعلم مغلقة

شيء من الصراحة في عمل المرأة الدعوي

المتتبع للعمل الدعوي سواء أكان في المساجد أم في خارجها يجد قصوراً ملحوظاً في القسم النسائي، وبعض الجماعات الإسلامية لا تُفرد قسماً خاصاً بالنساء، الأمر الذي أدَّى إلى ندرة الداعيات اللائي اشتهرن، وإذا الواحد منَّا أراد أن يتذكر أسماءهن فلا يتذكر إلا <زينب الغزالي> في مجال الدعوة\”، و<عائشة عبدالرحمن بنت الشاطئ> في مجال العلم والثقافة، وفي المقابل نجد كثرة في جانب الرجال تفوق ـ بنسبة كبيرة جداً ـ على عدد النساء، وقد تصل نسبة النساء الداعيات إلى 1% أمام الرجال الدعاة·
في حين تعج السيرة النبوية بأسماء الصحابيات اللواتي كان لهن دور كبير في خدمة الإسلام في نواحيه المختلفة كالدعوة والعلم والجهاد، فالمرأة المسلمة في العصر الأول لم تجلس مكتوفة الأيدي، ولم تدع للرجل أن يأخذ نصيب الأسد في خدمة هذا الدين، لأن الأمر الإلهي موجّه لكلا الجنسين سواء بسواء، وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم> التوبة:71، فالخطاب القرآني هنا ردٌّ طبيعي وعمل مضاد على أعوان الشر الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) التوبة:68·
فالشر يدعو إليه أصحابه من الرجال والنساء، والخير ينبغي أيضاً أن يدعو إليه أصحابه من الرجال والنساء، وأي تقصير في أحد الجنسين سيؤدي إلى غلبة الفريق الآخر·
وقد قدمت المرأة المسلمة في العصر الأول أنموذجات رائعة في خدمة الدين ونشره، فمن يُنكر دور عائشة رضي الله عنها في توصيل العلم النبوي إلى الناس، ومن يُنكر دور أم عمارة، وخولة بنت الأزور في الجهاد، ومن يُنكر دور أسماء بنت أبي بكر في الهجرة؟ وتروي كتب السيرة أن أبا طلحة الأنصاري كان الذي دعته إلى الإسلام إحدى النساء الأنصاريات التي أصبحت فيما بعد زوجته·
أما المرأة المسلمة اليوم فقد غُيِّبت عن العمل الإسلامي في كل نواحيه، ففي جانب العمل المسجدي لا نرى لها دوراً ملحوظاً، وفي جانب العلم والثقافة نرى قصوراً واضحاً، وفي جانب الجهاد لا نرى شيئاً أبداً، وعلى سبيل المثال لم نرَ ولم نسمع عن مجاهدة واحدة في الجهاد الأفغاني السابق، ولا في الجهاد الفلسطيني الحالي الذي تتزعمه حركة حماس، اللهم إلا في الآونة الأخيرة حين اشتد الحصار في مدينة رام الله، حيث ظهرت بعض الاستشهاديات، ولكن لم يتجاوز عددهن الثلاث· فلماذا هذا الغياب والتغييب لدور المرأة المسلمة؟ هل عصرنا لا يحتمل وجود داعيات وعالمات ومجاهدات؟ أم أن الأمر يعود للخلل الفكري في تصورنا لدور المرأة المسلمة؟
أنا أرى أن الخلل الفكري الذي أصاب تصورنا هو السبب الرئيس، بل هو السبب الأوحد لذلك، وأعود بالقارئ إلى بدايات القرن العشرين، فعندما فتحت الجامعة المصرية أبوابها للطالبات لم يقبل الأزهر أن يفتح المجال لهن، فتخرجت في الجامعة المصرية دفعات كثيرة من الطالبات اللواتي تثقفن على الطريقة الغربية في التعليم، ثم بعد عشرين سنة قَبِل الأزهر أن يفتح قسماً خاصاً بالطالبات، ولكن بعد أن أخذت المرأة التي تخرجت في الجامعة المصرية الأماكن الحساسة في المجتمع، وبعد أن أصبحت الفئة المثقفة من النساء هُن ممن يحملن الأفكار الغربية بدءاً بهدى شعراوي، وانتهاء بنوال السعداوي، وحدث في الدول العربية والإسلامية مثلما حدث في مصر تماماً، وكانت النتيجة الطبيعية أن تخرجت أجيال نسائية تربّت على أفكار هذه الفئة من النساء، فتحولت المرأة المسلمة في عموم حياتها عن منهج الإسلام وتعاليمه، اللهم إلا من رحم ربي وهن قليل، وانتشر السفور بشكل كبير بحيث أصبحت المتحجبات قلة في المجتمع·
وقد تنبّه إلى هذا الخلل الكبير الذي أصاب مجتمعنا الإسلامي بعض العلماء وبعض المفكرين، فراحوا يُعيدون النظر في دور المرأة المسلمة في بناء المجتمع الإسلامي السليم بشكل عام، وفي دورها في العمل الدعوي بشكل خاص، فيقول الشيخ محمد الغزالي ـ يرحمه الله ـ في هذا الشأن: <المسلمون في العصر الحديث حرموا المرأة حق العبادة في المساجد، ويوجد في مصر نحو سبعة عشر ألف مسجد لا ترحب بدخول النساء، ولم يُبنَ في أحدها باب مخصص للنساء كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى مسجده بالمدينة المنورة، وهم رفضوا أن يكون للمرأة دور في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وصيانة الأمة بنشر المعروف وسحق المنكر، ولم تدخل المرأة الأزهر إلا بعد تطويره الحديث مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل طلب العلم فريضة على الرجال والنساء، وعندي أن إفلات النهضة النسائية في قيود الإسلام الحقيقية يرجع إلى هذا العجز والغباء>(1)·
ويقول الدكتور ماهر حتحوت في هذا الشأن أيضاً: <لقد أسقطوا المرأة تماماً من حسابات الحركة الإسلامية سواء في تكوينها أو في مجالات النشاط المتاحة لها أو في أسلوب معاملتها، ورغم أنه أُفلت من هذا الحصار قليلات من الأخوات الفاضلات المناضلات، إلا أن العموم كان على غير ذلك تماماً وعلى نقيض، ولا أنسى يوم دُعيت لتجمع عربي مسلم وطلب مني أن أتحدث عن حقوق المرأة في الإسلام، وجالت عيني في القاعة فإذا هي خالصة للرجال دون امرأة واحدة، وتساءلت عن حقوق أي امرأة تتحدثون؟ وما جدوى حديث الحقوق إذا أُلغي الوجود؟>(2)·
وفي المقابل، فقد قامت المرأة التي تربّت على الثقافة الغربية بنشاط ملحوظ ومدروس في كل مرافق المجتمع، فوجدت في المراكز الثقافية والمؤسسات الاجتماعية والمنتديات والمؤتمرات، وشاركت في المهرجانات والوسائل الإعلامية المختلفة كأي عنصر فعَّال في المجتمع، ولم تدع مجالاً يمكن أن تؤدي فيه دوراً إلا ووضعت بصمات لها فيه·
في حين تراخت المرأة المسلمة الداعية، واقتصر نشاطها على بعض المساجد ضمن حدود ضيقة جداً، فأفسحت ـ بتقصيرها ـ للمرأة التي تربّعت على الثقافة الغربية أن تأخذ حصة الأسد في توجيه الأجيال النسائية، وقد كان التقصير بسبب بعض الحجج الواهية التي لا سند لها في الشرع، وأقول ـ صراحة ـ والحزن ملأ نفوسنا لو كان للمرأة الداعية دور فعّال كدور المرأة العلمانية لكان حال الأجيال النسائية اليوم يختلف تماماً عمّا هو عليه الآن·
وأنا هنا أفتح باب المصارحة مع بعض العاملين في الحقل الإسلامي ممن يخافون خوفاً ـ لا داعي له ـ على المرأة الداعية من مشاركتها في بناء المجتمع ظناً منهم أنهم يطبقون شرع الله في ذلك، فأقول لهؤلاء: إن ديننا دين رجال ونساء، وقد أعطى لكل منهما دوراً في الحياة، وإن دور المرأة المسلمة ليس في بيتها فقط، وإنما في كل مرافق المجتمع، ولكن بالقدر الذي حدده لها الشرع، بحيث تقوم بتأدية دورها ضمن سياج شرعي، ولكن حين لا يقوم المجتمع بتوفير هذاالسياج الشرعي، فلا يعني أن تحبس المرأة نفسها في بيتها، وإنما تسعى ـ كما يسعى الرجال المؤمنون ـ إلى إيجاد المجتمع الإسلامي ضمن مراقبة ذاتية·
فديننا الحنيف يسمح للمرأة أن تشارك في بناء المجتمع الإسلامي السليم، ولا سيما حين تكون هذه المشاركة لأجل الدعوة· فلا يوجد مانع شرعي من أن توجد المرأة الداعية في المساجد والمراكز الثقافية وفي كل مرفق من مرافق المجتمع، فتقوم بمهمة الدعوة بين جيل النساء، وتشارك في الندوات والمؤتمرات والمهرجانات المختلفة وغير ذلك من التجمعات الثقافية والاجتماعية·
وستضطر المرأة الداعية إلى كثرة الخروج من البيت، وقد يكون خروجها على حساب بعض المهام البيتية، ولا حرج ولا غضاضة في ذلك مادام خروجها لأجل الدعوة، ولكيلا تحدث خلافات في البيت تحاول الزوجة الداعية أن تتفاهم مع زوجها على مواعيد الخروج من البيت، فكما أن كثيراً من النساء يخرجن من البيت من أجل الرزق والعمل برضا الزوج، فلا مانع أن تخرج المرأة الداعية لأجل الدعوة، وعلى الزوج أن يتفهَّم ذلك، وما المانع من أن يضغط الزوج ـ في حال كونه من الإسلاميين ـ على نفسه قليلاً فلا يتضايق إذا رجع إلى البيت فلم يجد الطعام جاهزاً، إذا كان السبب هو خروج الزوجة للعمل الدعوي؟ ألسنا نرى بعض الدعاة يسمح لزوجته بالعمل الوظيفي لزيادة الدخل المالي للعائلة؟ فلماذا يتضايق عندما تُطرح عليه فكرة خروج الزوجة من البيت للدعوة؟ هناك يسمح لها من أجل المال، وهنا لا يسمح لها من أجل الدعوة·
وبعض الإسلاميين لا يجد حرجاً أبداً من إرسال ابنته إلى الجامعة <وهي في الأغلب جامعة مختلطة>، فيحدث احتكاك كبير بين الطلاب والطالبات ولا سيما في المختبرات والمعامل العلمية، ثم تجده يعترض على ابنته إذا أرادت الخروج إلى المسجد للمشاركة في الأعمال الدعوية، وذلك بحجة أن هذا الزمن زمن الفتن، وأن الأولى للمرأة أن تجلس في بيتها، أليست هذه المفارقات تحتاج إلى ألف استفهام عليها؟ وألا تدل هذه المفارقات على ضبابية في التفكير والتصور؟
ودعوتي إلى خروج المرأة من البيت للدعوة المقصود منه المرأة الداعية، ولا أقصد المرأة المسلمة العادية، لأن المرأة الداعية تكون ـ عادة ـ متسلحة بالثقافة الإسلامية ومشحونة بالإيمان الذي تكتسبه من العبادات المختلفة، ولديها الهمّ الدعوي الذي يحولها إلى صخرة صلبة أمام الفتن والمغريات، فتختلط بالمجتمع ونصب عينيهما هدف تغيير هذا المجتمع إلى مجتمع إسلامي·
ولا أعني أن تقوم المرأة الداعية بدعوة الشباب والرجال، وإنما تترك هؤلاء إلى إخوانها الدعاة، فتتجه هي إلى النساء، فتحاول ـ ما استطاعت ـ أن تنزوي بهن عن التجمعات التي يكثر فيها الذكور فتقيم معهن حوارات ومناقشات وصداقات لتعريفهن بأمور الدين·
وأركّز هنا على الصداقات النسائية، والمثل يقول: <الصاحب ساحب> لأن اللقاءات السريعة في التجمعات الثقافية لا تعطي نتائج مرضية، فلا بد من جلسات مطولة ولقاءات مركّزة، ويمكن أن تتعاون الأخوات الداعيات على صحبة واحدة ـ مثلاً ـ أو على صحبة مجموعة صغيرة، ومن خلال اللقاءات المتعددة بهن يمكن الوصول إلى الهدف المنشود·
وقدوة المرأة الداعية في هذا الاختلاط الصحابيات الجليلات اللواتي وجدن في كل مكان وُجد فيه الرجال كالمسجد والهجرة والغزوات، فقد كانت المرأة الصحابية تحضر دروس العلم في المسجد النبوي، وتشارك في الهجرة، وتخوض المعارك، وتقاتل المشركين وجهاً لوجه، ولم يمنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، بل لم يعتريه صلى الله عليه وسلم خوف لا داعي له عليها جراء هذا الاختلاط الشديد بين الصحابية والمشركين، مع أنه كان من المحتمل أن تشتبك الصحابية بالأيدي مع المشركين في حال وقوع السيف من يدها، وكان من المحتمل أيضاً أن تقع في الأسر، وتتعرض للاغتصاب، ومما يروى عن خولة بنت الأزور <وهي صحابية جليلة> أنها كانت تخترق صفوف الروم في معركة اليرموك، وتصل إلى نهاية جيشهم، ثم تعود إلى أوله، وفعلت ذلك مراراً، حتى أن خالد بن الوليد رضي الله عنه ذُهل من بطولتها وجرأتها وشجاعتها، ومع ذلك لم يمنعها ولم يعتره خوفٌ عليها كخوف الإسلاميين اليوم على المرأة المسلمة الداعية من اختلاطها بالمجتمع·والمشكلة تكمن في كون النساء يُشكِّلن نصف المجتمع، وترك هذا النصف من دون دعوة يسبب مشكلات جمة، بدءاً من كون المرأة سلاحاً خطيراً في حال استغلال أعداء هذا الدين لأنوثتها وجسدها، وانتهاء بكون المرأة مربية للأجيال، ومادام الرجال الدعاة لا يقومون بدعوة النساء، كان من الضرورة بمكان أن تتكفَّل النساء الداعيات بدعوتهن·
أما أن يخبئ كل واحد منَّا زوجته، وأخواته، وبناته الكبريات في البيت، ثم ننتظر بعد ذلك أن يتغير المجتمع، فهذا بعيد المنال، وبعيد عن المفهوم الصحيح لمهمة المسلم والمسلمة في الحياة، ولا سيما في هذا العصر الذي تكالب الأعداء علينا فيه من كل حدب وصوب·
وأنا لا أدري من سيقوم بدعوة النساء إذا فقدت المرأة الداعية في البيت؟ ومن الغريب في الأمر أن بعضهم يقول: إنه يكفي على المرأة الداعية أن تقوم بتربية أولادها على التدين، فأقول إن تربية الأولاد هو جزء من العمل الدعوي للمرأة ولابد أن يرافقه دعوة الناس·
ويرى الشيخ فيصل مولوي في كتيبه: <دور المرأة في العمل الإسلامي> أن خروج المرأة المسلمة من البيت للدعوة فرض عليها وليس مندوباً أو مستحباً أو غير ذلك فيقول: <إن الإسلام اليوم معرّض للخطر، وإن الشعوب الإسلامية كلها في خطر، وإن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، كل ذلك من أهم الواجبات الشرعية المطلوبة من الأمة كلها رجالاً ونساء، وللمرأة دور كبير في هذا المجال، يعرض عليها الخروج من منزلها، ويفرض على زوجها أن يأذن لها بذلك لتُسهم بدورها في بناء مجتمع نسائي مسلم يكون جزءاً من المجتمع الإسلامي المنشود>(3)·
فالإسلام اليوم يحتاج إلى تضحيات كبيرة، وخروج المرأة الداعية من بيتها للدعوة هو جزء من هذه التضحيات، وعلينا سواء أكنا آباء أم أزواجاً أم إخوة أم أبناء أن نتفهم ونعي هذا الأمر جيداً، وأن نعمل على حض نسائنا على الخروج من البيت لأجل الدعوة·

الهوامش
1 ـ كتاب <حصاد الغرور> محمد الغزالي، دار الثقافة، ط23، 1985م، صفحة 257 وما بعدها·
2 ـ مقال: <قل للمؤمنين والمؤمنات> نُشر في مجلة <نوافذ> اليمنية، العددان السابع والثامن، شباط وآذار سنة 1998م·
3 ـ فصل <المرأة والرجال أمام التكاليف الشرعية> صفحة 25·

بقلم: نجدت كاظم لاطة
رقم العدد:- 444 -الشهر: 10 السنة- 2

الوعي.أوقاف.نت

Alwaei.awkaf.net

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على شيء من الصراحة في عمل المرأة الدعوي مغلقة

التيارات الفكرية السائدة في العالم الإسلامي

د. أسامة القاضي*
إن هذه العجالة تدرك مُقدماً صعوبة التقسيمات الحدية فيما يخص الشأن المعرفي، فالتداخل في الأفكار والمنظومات الابستمولوجية يستحيل معها بناء حواجز دقيقة يتميز بها تيار على آخر، وتستعصي عندها الدراسات الكمية التي يمكنها أن تعطي تصوراً شبه مادي عن اتساع رقعة تيار على حساب آخر، وهذه قاعدة لا تشذّ عنها التيارات الفكرية في العالم الإسلامي. ورغم هذه الصعوبات إلا أن الكثير من المفكرين خاضوا هذا الغمار بجرأة، ولايستطيع أحد أن يقدم تقسيماً على آخر بدعوى الصواب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولكن هي في معظمها مقاربات تسعى لإعطاء تصور أفضل عن التضاريس المعرفية في العالم الإسلامي، مما يتيح فهماً أعمقاً لها ويرشد للطرق الأنجع للتعامل معها. فأحال المفكر المغربي عابد الجابري هذه التيارات إلى ثلاث عوالم: البيان والبرهان والعرفان كما أحالها المفكر البحريني جابرالأنصاري إلى ثلاث عوالم أخرى: السلفية والتوفيقية والرفضية، وغيرهم كثير.
أريد أولاً التأكيد على أن هذه الورقة تتحدث عن المهتمين بالمسألة الثقافية أو المنتمين طوعاً للذات الحضارية والذين يشعرون بالهمّ الحضاري، ولكن ليس بالضرورة أنها تتحدث عن “اللامنتمين” للذات الحضارية أو غير الجادّين، أو غير المهتمين أصلاً بهذا الجدال المعرفي.
إن هذا البحث يؤمن أن التيارات الفكرية التي تقتسم الخارطة المعرفية في العالم الإسلامي طبقاً لتركيبتها المفاهيمية لا تعدوعن كونها واحدة من خمسة تيارات ينبثق عنها تيارات متفرعة تصل إلى اثني عشر وهي تختلف بحسب أدواتها المعرفية، وأدوات التغيير التي تتبناها، وأساليب الدعوة التي تطبقها، ودرجة الفهم، وتصورها للحلول، ونوعية القراءة، وتعاملها مع الآخر، وأخيراً تعاملها مع الواقع المعاش.

1-“التيار الخوارجي” أو ” تيار نفي الآخر”
ويتمثل في إقصاء الآخر سواء كان هذا الآخر من داخل أو من خارج الإطار المعرفي الإسلامي.
ورغم أن فرقة الخوارج تاريخياً بدأت كفرقة ظهرت أواخر العقد الرابع من القرن الأول للهجرة عقب خروجهم على عليّ كرم الله وجهه إثر قبوله بالتحكيم في شأن الخلافة التي آلت لمعاوية، وتبنت هذه الفرقة فهماً سقيماً نصيّاً، سِمَته العنف والإقصاء الجسدي، لكنه انسحب بعدها الحكم بالـ “خوارجية” على كل من خرجَ على الحاكم وكل من كّفره.
هذه العجالة تعتبر العقلية الخوارجية هي كل عقل يخرج على حدود الموضوعية ويقرر إلغاء الآخر بل تصفيته جسدياً بغير وجه حق، ويقسر الآخر بالعنف على تبني رأيه.
إن أساليب التغيير التي يتبناها هذا التيار هي ثورية بالدرجة الأولى، وتباشر التغيير بـ”اليد” التي هي أقوى الايمان، وسمة دعوتهم الأساسية هي المباشرة بالتصريح، وليس التلميح، أو النمذجة المقنعة.
أُقفل باب الاجتهاد لدى هذه المدرسة بأغلظ الأقفال، وعندهم السلف لم يترك شيئاً للخلف، ولا حاجة لإضاعة الوقت في إعمال العقل الذي يجب أن يهتم في تصحيح عقيدة الأمة طبقاً لفهمهم، وهم يتمتعون بأعلى درجات الرضا عن النتاج المعرفي التاريخي، لذا فإنه من الطبيعي أن تكون قراءاتهم تراثية محضة، ويتميزون بإقصاء مخالفيهم من حيث القراءات التراثية، فلديهم انتقائية واضحة في التعامل مع المقروء التاريخي، ومن باب أولى المعاصر.
بالنسبة للتعامل مع الواقع المعاش فإنهم يتأرجحون مابين “جلد الذات” وتكريس إحساسهم بمسؤوليتهم عن فشل الأمة في ماضيها وحاضرها، إلى “قتل الذات” واتباع كل أساليب التغيير الجذري والثوري، وأما الآخر المخالف فهو يمكن أن ُينعت بنعوت تبتدأ بالتكفير ولا تتوقف عند الاستغراب والعلمانية والاعتزالية. أصعب ما يلاقيه أبناء هذا التيار هو في التعامل “بواقعية” مع الواقع المعاش، ويكون ذلك في الغالب باعتزال العالم وإنشاء نماذج غير جديرة بالحياة أو النمذجة، تحيا بعيدة عن أي تيارات فكرية أو تجديدية في العالم.

2-التيار الوجداني (صوفي)
هذا التيار له تقاليدٌ في تقديم الوجدان وما تهواه القلوب على ماصح عقلاً ونقلاً، وأصحابه يؤمنون بأن “المقبول قلبا”ً مقدمٌ على “المقبول عقلاً”، والمقاربات تجري باستمرار ما بين المقبول شرعاً والمقبول قلباً. ورغم الشذوذ أحياناً والشطط أحياناً أخرى، إلا أن اصحاب هذا التيار لا يستغنون عن الغطاء الشرعي الضعيف “نصاً” أحياناً والهزيل “سنداً” في أحيان أخرى، وذلك في سبيل إرضاء القلوب المتعطشة “للحب الإلهي”، وعندهم كل شيء يهون طالما أنه يعين المريد على طريق “الفناء” في الذات الإلهية.
التغيير الواقعي للمؤسسات السياسية والاقتصادية والفلسفية ليس هدفاً يُسعى إليه، فهُمْ غير ثوريين بالطبيعة، لأن العبد إذا حقق العبودية المطلوبة من الإكثار من الأذكار، وتواصل العبادة فإن أمره في خير، وما على المريد إلا أن يؤمن بالشعار القائل “سلّم الأمر إلينا فنحن أولى بك منك”، لذا فإن درجة الثورية شبه منعدمة في هذا التيار وإن الطرق السلمية، والدعاء حتى للمستبد، هو أمر محمود على أمل أن يهديه الله ويرده إلى صوابه، فدعوى التغيير لديهم غير مباشرة، أو مباشرة بلطف الموعظة.
لذا تجد أن معظم أنواع السلطات المستبدة في العالم الإسلامي تُشجع ازدياد عدد الحلقات والزوايا والتكايا، لا لحبهم للمتفانين في “الحب الإلهي” ولكن لأن أهداف هذه المجموعات محض أخروية وتحّملها ومصابرتها على الظلم عالية جداً لما تأمله من الثواب في الدار الآخرة.
باب الاجتهاد عند هؤلاء إما مغلق نهائياً أو أنه محصور بما قيل، وإعمال العقل واستحداث آراء جديدة هو “خروج عن الأدب” ومنهي عنه، اللهم إلا أن يكون هامشاً على تفسير، أو قراءة تُضيف البركة والإعجاب بما سبقها من أقوال، خالية من أي نقد للمطبوعات “المنـزهة عن النقد” أو التحليل الجديد، فما قد قيل اكتسب قدسية التاريخ والتي في الغالب تحمل صفة “الكمال”. والقارئ المعاصر بما يحمله من آثام، والتي في غالبها يعود سببه إلى أنه يعيش خارج الإطار التاريخي المقدس “شبه الخالي من الآثام” وبسبب انغماسه في “المعاصر” لذا فقد “تلوث بآثام اللاتاريخ أو المعاصرة”، ذنبه أنه يعيش عصره لا عصر غيره من “المقدَسين”.
إن هذا الإحساس المفرط بعقدة الذنب والإحساس بالابتعاد عن الكمال الذي “حظي به السلف” والشعور بالتفريط في جنب الله، يتصدر أولويات “الوعي” عند هذا التيار، و “جلد الذات” مقدمٌ على “فهم الذات” الذي يكون ديدنه البحث في العمق عما يعيق الأمة عن تقدمها في محاولة الخروج من أزماتها.
يسعى أرباب هذا التيار إلى إفهام الُمريد “المُخلص” أن مدخل تغيير العالم ليس الأخذ بأسباب نجاح الأمم، وأن “الله يمد هؤلاء وهؤلاء وما كان عطاء ربك محظورا”، آيةً تفيد معنى الاستدراج لهذه الأمم، وأن على المريد ألاينبهر بـ”زخرف الدنيا” عند من أخذ بأسبابها، أو يُؤخذ لبّه بما يرى من فارق مدني، وصناعي، وزراعي هائل بين العالم الإسلامي وغير الإسلامي، فجنّة العبد هي قلبه، وليس هذه التمظهرات البائدة إلا حجّة على أصحابها، وأن التركيز كلّه يجب أن ينصبّ على “المدخل التربوي” لتغيير العالم.
يتم تصوير الإشكالية الأساسية في الإجابة عن أسئلة من مثل “لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم” لأتباع هذا التيار على أنها هي مشكلة “الأدب مع الله” لا الأخذ بأسبابه في الأرض، رغم أنه يصحّ عقلاً مراعاة الحفاظ على الأدب مع الأخذ بالأسباب، فلا تعارض بالضرورة بينهما، ولا يوجد داع لخلق نوع من “التناقض المفتعل” بينهما كأنه انعدمت سبل التقريب، لكن الحقيقة أنه هو نوع من “التثبيط ” غير المقصود في كثير من الأحيان عن القيام بإعمار “المباني ” على حساب بناء “المعاني”.
لا شك أن طبيعة قراءات أتباع هذا التيارهي القراءة التراثية المحضة ما بين قراءات تُعين المريد على “التخلية” وأخرى تفيد “التحلية”، فهي مطبوعاتٌ إما تاريخية أو “تاريخوية” بمعنى أنها تعيد قراءة التراث بروح وأدوات معرفية تراثية مُنبتّة عن المعاش، فكأنها طبعة جديدة من الكتب الصفراء.
السمتُ العام لهذا التيار هو الانكفاء على “الذات الحضارية” و الاكتفاء بـ”عبق التاريخ” عن “لوثة الحاضر” بما فيه من آثام وشرور، وإنشاء جزر منعزلة عن الواقع ترفض الانتماء إليه، اللهم إلا في مسألة تربية أبنائه “العُصاة”. لعل أبناء هذا التيار يُفوّتون الكيثر من الفرص على الأمة لو أنهم أحسنوا المقاربة بين المدخل العلمي والتربوي في التغيير، وشمّروا السواعد للنـزول إلى ساحة المعاش ليصححوا فيه وليسددوا ويقاربوا، فالأذكار والأوراد لا تتنافى مع الأخذ بأسباب الله في الأرض، والنصوص الثابتة -وما أكثرها بحمد الله- تغني عن الاستعانة بالموضوعات من الأحاديث وأخبار “الصفوة” التي يشوبها الكثير من الخلط ولا يعلم لها القارئ إسناداً صحيحاً. والصحاح من الأصول الثابتة تحض على التعامل الموضوعي مع الواقع، وتقويّ من عزيمة المؤمن، ولا تحيلهُ إلى “جبريّة” ساكنة تنتظر الموت كي تلتحق بمن سبق من “المباركين” بروح رومانسية تهمّش “العقلانية الدينية”.

3- التيار النَصّي (سلفيين)
أبناء هذا التيار –الذين يُسموّن سلفيين أحياناً- على عكس “الوجدانيين” أعملوا عقولهم في أسناد النصوص، ومحّصوا فيه، وهم من ألّد أعداء التيار الثاني، والذين تتراوح ُتهمهم ما بين مبتدع وكافر مروراً بالشرك.
يشنّ أصحاب هذا التيار “ثورة بيضاء” ضد المبتدعة، وسلاحهم التغيير باليد، والمطبوعة التي تتجرأ على التكفير ولا تتوانى عن مهاجمة “المبتدعة” وملاحقتهم لو أمكن، ولا مكان للـ”الآخر” المبتدع لأن تصوراتهم ذات بُعد عقديّ لا يسمح فيه للآخر بالمخالفة، فهو إما “ولاءٌ” وإما “براءٌ” ولايوجد منـزلة بين المنـزلتين، لذا فإن دعوتهم تحمل نفس الجهاد المقدس بـ”اللسان”. لكن هذه الثورة “النصية” تظل ثورة بيضاء إلى أن يتبناها نظام سياسي يريد خدمة مصالحه، والتي هي محض ذاتية، فيقوم بتثوير هذا التيار ليريق دم غيره بحجة الخلاف “العَقدي” مع الآخر، والضحية في الغالب هو مسلمٌ مخالف في النهج الفكري.
إن الفارق بين التيار”النصي” و “الخوارجي” هو في درجة الثورية، فالـ”نصي” لا يلجأ للتصفية الجسدية لكنه لا يتوانى عن تصفيته “دينياً وشعبياً” وتصنيف الآخر “الضّال الُمضّل” على احتلال أسفل درك من النار حتى تطمأن نفسه بأنه انتصر في حربه “المقدسة” وضمنَ بهذا الجهاد الأبيض مكاناً علياّ لأنه نافحَ عن “فهمه” لدين الله.
يؤمن أرباب هذا التيار أن الأصل في الأشياء التحريم و ليس الإباحة، فلا بد للمسلم أن يحفظَ أكبر كمية من النصوص التي تعينه على “شرعنَةَ” كل حركاته وسكناته، وليس فقط ما شكّ في شرعيته أو “حاكَ في صدره” من المستجدات، وبذلك يدخل في منطقة المكروهات عند الشارع من ” كثرة السؤال”.
باب الاجتهاد لا يمكن فتحه إلا بـ “مفاتيح القدماء” فهم من أغلقوه- على الأقل حسب فهم هذا التيار- ولا يمكن لهذه المغاليق أن تفتح إلا بشقّ الأنفس، وبضمانات عدم الحياد عما انتهجه السلف الذي لم يترك شيئاً للخلف، وضمان عدم استخدام أدوات معرفية جديدة “ابتداعية” أو “استغرابية كافرة”، وباب الاجتهاد محصور في استقدام “المجتهد الأريب” للأدلة التاريخية لعلماء عاشوا تاريخهم- رغم أنهم هم أنفسهم اختلفوا في كيفية التعامل مع الحادثة الواحدة وفي فهم النص- وما على هذا “المجتهد المشبع اتباعاً” إلا أن يستعير من حوادث التاريخ، ويجتهد ولو على حساب “لوي عنق النص” والتمادي في استخدام أساليب “القياس”، ولو اضطر الأمر أن يثبت صحة وحلّية بناء البنوك وإنشاء سوق أوراق مالية وتعاملات نقدية بحادثة عابرة منذ أكثر من 14 قرناً أو الإستدلال على الصلاة في الطائرة بفتوى للأحناف فيما يسمى “المعقول الفقهي” فيمن صلى في الهواء، وعلى الـ”مجتهد” أن ينسى كل الفوارق المدنية، وتطور الدلالات الاصطلاحية، والمعرفية، ويهمّش تاريخية الحادثة، ولا يعطي الواقعة التاريخية حقها من “الفهم الواقعي للتاريخ” ومن أسباب النـزول، بما فيها من أساليب الانتاج والاستهلاك، والاتصال، والفهم المعرفي، ومايفرضه الواقع الصحراوي، ودرجة المدنية، والأهم من ذلك الفهم المقاصدي للنص.
إن أحفاد أبو الفرج الحنبلي (795 هـ) الذي يؤمن بفضل السلف الذي يعيش في الأزمان الفاسدة كما يسميها على الخلف يتبنون مقولته: “وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة”.
إن هذا الأسلوب في الفهم المعرفي لايفيد “فهم الذات” ولا يعيد طرح “الذات الحضارية” مرة أخرى بالزخم المطلوب. بل إنها تُقسر العقل والروح على العيش في “عقدة ذنب أبدية”، لأنه ببساطة لن يقدر الرجل مهما أوتي من “سعة الحافظة” أن يسع بالنصوص المحفوظة كل الكم الخيالي من التطورات اليومية والاقتصادية والتبدلات الفلسفية في السياسة والاجتماع وعلوم الإنسان والتكنولوجيا والفلك والطب.

4- التيار المعتدل (الوسطي، المقاصدي)
تتوجه الموصلة المعرفية لهذا التيار نحو المقاصد الشرعية واستنباط علل الأحكام للوصول إلى غاية الشارع، ويلخص هذا المبدأ الابستمولوجي قول ابن رشد (520-595 هـ) في “فصل المقال”: “كما أن المعقولية في العلوم الطبيعية والعلوم الالهية الفلسفية مبنية على مبدأ السببية فإن المعقولية في الشرعيات مبنية على قصد الشارع، ولذلك كله من الضروري بناء الاستدلال في الدين، وبالتالي البرهان على الظاهر من العقائد التي قصد الشارع حمل الجمهور عليها”.
وأصحاب هذا التيار يحصرون في الغالب توجههم نحو السعي للنمذجة وللأسلوب غير الفج في الدعوة للإسلام كتابة وشفاهاً، من خلال الحوار مع التيارات الأخرى في محاولة جادة لـ”فهم الذات” الحضارية ومن خلال استيعاب المشتركات مع التيارات الأخرى.
إن قراءات هذا التيار متنوعةٌ، غير مقتصرة على التراث، بل هناك سعي جاد لهضم التاريخ وقراءة الكتابات المعاصرة وانتاج خطاب إسلامي بأدوات معرفية إسلامية قابلة للحياة، لا يقصي الآخر، ومن باب أولى لا يؤمن بتصفيته الجسدية على الطريقة “الخوارجية”، ويتعامل مع العلوم الحديثة على أنها مفرٌز عصري له ايجابياته ولا يخلو من سلبيات، ويسعى لحوار جاد مع كل التيارات الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية بنَفَس تجديدي يبتعد عن الشطط، وينأى بنفسه عن نعت المخالف “الآخر” بنعوت “لاعلمية” أو عاطفية، ولكن يسعى لتحديد مساحات الخلاف والاشتراك مع كل “المحيط المعرفي” ويتقيد بوصف الشيء على ما هو عليه ما أمكنه ذلك.
إن باب الاجتهاد عند أصحاب هذا التيار مفتوحٌ، بل واجب لمن ملك الباءة المعرفية، وأن السلف ترك إرثاً عظيماً وقد استوعب زمانه أيما استيعاب، وحان دور المسلم والمجتهد المعاصر أن يبحث عما ينفع الأمة من أمور محدثة، ويبتكرُ حلولاً منضبطة بالنص والمقصد مع الاستئناس بمن سبقهم من أقوال السلف من غير حجر على الفكر، ومع الاعتراف بهامش الحرية للمجتهد المعاصر وحقه الشرعي في الاختلاف.
لا يجد أصحاب هذا الفكر في الغالب مشكلة في “الاندماج الايجابي” مع المجتمع والعالم، وهم يقاومون أي إفناء لـ”ذاتهم الحضارية” أو تذويب هويتهم بحجة “العولمة” أو “اتباع المغلوب للغالب”، بل إنها مرحلة أخرى من البحث عن دور”الشهود الحضاري” التي ينتظر فيها العالم من المسلمين أن يدلو بدلوهم، رغم أنهم حالياً في الدرك الأسفل من سّلم الانتاج الحضاري. كل ذلك دون تكريس “عقدة الذنب” الحضارية، بل عبر الإشارة للأمراض المعرفية والإشكالات الفكرية الخاطئة، كي يتم تجنبها وأخد “العقارات المعرفية” اللازمة للشفاء على الرغم من مرارتها أحياناً، فـ “كل مرّ شفاء” كما جاء في الأثر.
وينبّه تيار الاعتدال إلى أنه من الصعب على أصحاب التيار النصي أو الوجداني -ومن باب أولى الخوارجي- استيعاب فكرة أن تاريخنا مليءٌ بالعظماء لكن صنّاعه ليسوا ملائكيين، بل لديهم أخطاء من حيث الأسلوب أو من حيث التطبيق، وأحياناً أخرى من حيث المنهج، وأن تفصيل الأمر يضيف “صبغةً إنسانية على التاريخ” وينـزع عنه الصفة الملائكية، وعندها فقط يستطيع الباحث التعامل معه بأريحية، والأهمّ أنه لا يستطيع تجنب ما وقع فيه الأولون –ولا ينقص هذا من مكانتهم العالية- ويعيد طرح المشروع الإسلامي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل واقعي، ولا يبقى مكانٌ لمن يريد أن يتذرع –سواء شخص عادي أو حاكم مستبد – عندما يُسأل عن أن ينهج نهج بعض السلف من الصحابة أو التابعين ليستعجلك بالإجابة أنه لا يستطيع أن يصل للدرجة “الملائكية” التي وصلها فلانًٌ بعظمته. إن هذا التصوير الملائكي و “اللامعقول” و المنافي للواقعية التاريخية للمجتمعات والعلماء والعظماء في تاريخنا، يُبعد الأمة عن تاريخها أكثر مما يقربها.
إن أصحاب هذا التيار يعتقدون أن عدم إغفال السياق التاريخي، وطرح التاريخ دون تحريف “ملائكي”، وتذويق “رومانسي”، ُيقرب أجيال الأمة من تاريخها ويجعل الأمة تستفيد من تجارب التاريخ.*
ويؤمن الذين خرجوا من عباءة هذا التيار بفلسفة “البدائل”، فلا يستعجل أحدهم التحريم قبل أن يبذل وسعه لايجاد البدائل “الواقعية الشرعية”، وإن لم توجد فهي دعوة للقائمين على الأمر لتأمينها، وعندها ينتقل الشعور بالذنب من العامة إلى السلطة التي حَجبت مناخ الحلال فاستشرى بعدها الحرام، وبذلك يتم النقل الشرعي لـ “عقدة الذنب” من الجمهور إلى أولياء الأمور الذين حُرموا رؤيته فترة طويلة، لأن دأب السلطان على الدوام هو إشاعة مناخ يوحي بالتصريح أو بالتلميح عن مسؤولية الجمهور عن المآسي والذنوب التي يرتكبوها، ويقوم بعض أصحاب الوعظ من الجهلة أو المأجورين بتعميق ذلك، فالاستدانة من المصارف الحكومية بفائدة لشراء منـزل للسكن علّته فساد الدين والدنيا، والحل الناجع رجوع المواطن إلى الله وتركه الحرام، وليس الضغط على الحاكم لفتح بنوك إسلامية، أو السماح لها بالتواجد على الأقل، والأزمة الاقتصادية سببها تكاثر السكان، أو الابتعاد عن الله جل وعلا، وليس سوء توزيع الثروة والاستيلاء على مواردها من قبل سلطة محلية أو عالمية، وإن استشراء الفساد سببه كثرة المرتشين وضعاف النفوس الذين ابتعدوا عن الإسلام، وليس ضيق ذات اليد عند عّمال الدولة وعدم إشاعة مناخ التعليم الديني، وملاحقة الواعين من أبنائه، وانتشار المحسوبية التي أشاعها السلطان والتي بها أفسد نظام الأمة.
إن علاج الأمة المريضة لايتم بقتل الأمة “المريض”، والإمعان في “جلد الذات”، ولكن بالإشارة لأمراضها بجرأة وواقعية وبَنفَس إصلاحي، على طريق “فهم الذات”.
إن المتبنّين لهذا التيار لا تنطلي عليهم “التخريجات السلطانية” للإشكالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية رغم الاستعانة بـ”الخبراء الدينيين” للتغطية والتعْمية على حقائق الأمور، ولكنهم وبنَفَس إصلاحي يواجهون الحاكم الذي استأسد بالسلطان بوقائع الفساد وأسبابه الحقيقية، وبالحاجة للاصلاحات المؤسسية، كما كان الدور السياسي للأئمة الأربعة ومن بعدهم.
إن كل هذه الإصلاحات المؤسساتية يجب أن تتم بالتدريج ضمن آلية للتغيير تحترم النص الديني وتفهمه وتؤصل لرؤية واقعية هي “الأكثر نموذجية” برأي هذا التيار لتمثيل الفهم الحقيقي للمقاصد الشرعية، لأن هذا التيار أعطى للعقل حقه من التقدير، وأعطى لروح التاريخ والأصول حقّها من الرعاية، دون إغفال المستجدات من الحوادث.
كما أنهم لا يؤمنون بغلق باب الاجتهاد متمثلين قول الشوكاني (1250-1173هـ) فيما يخص اختصاص سلف هذه الأمة بإحراز فضيلة السبق في العلم دون خلفها ودعوته للتحرر من “عرى التقليد”: “تعذر وجود مجتهد بعد المائة السادسة مقولة مخذولة وحكاية مرذولة تنذر بضياع الشريعة…فالله تفضل على الخلف كما تفضل على السلف”.

5- التيار اللاديني (علماني-حداثي-عقلاني)
يحسنُ بداية القول أن نزع صفة العقل على هذا التيار لا يعني بالضرورة نفيه عن باقي التيارات، لكن قُصد منه اتخاذ العقل كمرجعية فكرية ومعرفية دون الرجوع لأي معطىً معرفيّ آخر. يلتقي هذا التيار مع التيار الخوارجي في ثوريته وحّدته في الطرح، فهو يريد إقصاء “النص” واستبعاد الأدوات المعرفية الأصولية، فهو تيار همّه “نفي الذات” كما كان همّ “الخوارجيين ” الأساسي “نفي الآخر” بحجة احتكار الحقيقة والحفاظ على نقاء “المناخ المعرفي”. يصف البعض هذا التيار بأنه علماني وبأنه حداثوي أو أية صفة أخرى، ولكن لا مشاحّة في الاصطلاح إنما الأولى بالاهتمام هو تفصيل المكونات المعرفية لهذا التيار.
يتبّع أبناء هذا التيار أساليب ثورية في التغيير سواء في التغيير السياسي أو المعرفي، فمن محاربة أعداء “الوطن” في عوالم السياسية، إلى استئصال شأفة “أعداء العقل” من النصيين والوجدانيين. ولعل ضيق صدر أبناء هذا التيار وإصرارهم على تجاوز التاريخ وعدم موضوعيتهم أحياناً في تناول”الذات الحضارية” بل نسفهم لأصولها النصية أحياناً كثيرة ونفيهم لأحقيتها في لعب دور في تشكيل المستقبل، ُيشكّل عائقاً حقيقياً أمام أي حوار بنّاء مع التيارات الثلاثة الأولى، وبشكل أخف مع التيار المعتدل وذلك لسعة صدر الأخير.
يتمتع أبناء هذا التيار بحساسية عالية ضد كل ما هو تراثي، ولا يتوانون عن كيل التهم للتاريخ بحق وبغير حق، في محاولة لنـزع “الشرعية” و”المرجعية” عنه، لذا فإن تناولهم للتراث ولوقائع التاريخ يكون بقصد النقد الذي قد يُفهم منه “الهدم” لا “البناء”، أو بعبارة أخرى بقصد “قتل الذات”، و”أنسنة” المعارف.
إن أدواتهم المعرفية غربيةٌ في الغالب، مستوحاة من أنساق معرفية غريبة على التراث الإسلامي، فتارة يُلجأ للنظم التفكيكية، وتارة البنيوية وأخرى بالألسنية أو ربما حتى بالقراءة الماركسية، فيصور مثلاً أبو ذرٍّ أنه إمام الاشتراكية في الإسلام، مما ينفي صفة الموضوعية على خطابهم. لا غرابة إذن في أن شعبية هذا التيار ضعيفة بسبب الأساليب الغريبة والمصطلحات المقعرة التي تزيد بعدهم عن العامة، وما يزيد هذه الهوة عُمقاً هو تحييدهم للخطاب الديني “الأكثر شعبية”. وكردة فعل يلجأ أصحاب المنابر الدينية من التيارات الثلاثة الأولى إلى تعميم أسمائهم كونهم “أعداء الله” وتثوير العامة ضدهم باعتبارخطرهم على “صفاء العقل المسلم”، فما أكثر مايُكّفَرون وُيّفًسقون و يُطلّقون من نسائهم بفتاوى شرعية، أو يُجرى اغتيالهم في حالات أخطر.
* * *
الواقع أننا لو استثنينا التيار المعتدل فإن مايتبقى من الحوار هو تبادل للاتهامات، وكيل الشتائم، فالتيار النصي يكفّر الأشاعرة وأصحاب المذاهب الفقهية، ولديه مشكلة مع التيار المعتدل لأنه مفرطّ ومبتدع ٌ كونه يدعو للتجديد، ومن البدهي أن مشكلته مع “المتصوفة” وأصحاب التيار الوجداني أكبر لأنهم “مشركون” بالله. أما أبناء التيار العقلاني فلديهم مشكلة مع كل التيارات، الوجدانية منها والنصّية لأنهم “لاحداثويين”.
إن الحل الناجع بالنسبة للأمة هي تكثير سواد أرباب التيار المعتدل الذي لديه الرصيد الأقل من الأعداء مع باقي التيارات، والذين لديهم من السعة بما يكفي لإتاحة الفرصة للآخر دون مصادرة للرأي، ودون استعداء المخالفين، والنموذج المطروح من قبلهم هو الأكثر قابلية للنمذجة في مجتمعات يستحيل أن تنتظم إلا ضمن تراثها ومن خلاله، وبأدواته دون إفراط أو تفريط.
المشكلة القائمة في عالم التيارات الفكرية في العالم الإسلامي – وأحياناً يجري تصديرها للعالم غير الإسلامي كأمريكا مثلاً – هي مشكلة نوعية الانتاج معرفي. فربما يُغرق سوق الكتاب بمطبوعات التيارات الثلاثة الأولى، وهذا ليس دليل عافية معرفية بالضرورة، وقد تجد مطبوعات التيار العقلاني والذي لا يجدّ قراءً بالحجم التجاري الكافي فيجري تحييده، وتكون مهمته إعطاء مادة فكرية وإعلامية للتيار الخوارجي والأصولي للنقد وكيل التهم، وكذلك هي “مشكلة استهلاك” ومشكلة “من ُتقلد” لا “ماذا ُتنتج” بسبب حالة الإشباع التاريخي من كثرة المطبوعات للعلماء الأوائل، فتظل طباعتها تتكرر ويعاد تغليفها فيصرف الجهد على التذويق الفني والمطبعي، مالا يُصرف عُشرهُ على تحليل وقراءة ما بين دفتي الكتاب التراثي قراءة متأنية.**
وبسبب هذه التخمة التاريخية فإنّ القارئ – على ندرة وجوده مع ارتفاع نسب الأمية في دول العالم الإسلامي– في الغالب يجد نفسه ميّالاً للكتب التاريخية، فهو ينصاع للحملة الإعلامية التي يقودها الخطباء، فينتقي ما يلائمه تبعاً للتيار الذي يميل إليه، فالصوفي يقتني الرسالة القشيرية وإحياء علوم الدين والسلفي يقتني ابن تيمية وابن قيم.
الملاحظ أن مطبوعات التيارات الثلاثة الأولى هي الكتب الأولى “شعبية” وهذا شيء غير مستبعد إذا علمنا أن التيارات الثلاثة الأولى هي التيارات “الأكثر رعاية” من قبل ولاة الأمر، وإن كان بدأ الإمداد ينحسر عن التيار الأول لأن الخوارجية بدأت تطال ولاة الأمر أنفسهم فهذا الدعم اللامحدود وتهيء المناخ “الأكاديمي” الذي يخدم انتشار التيار الثاني على وجه التحديد يخلق طلباً على تلك الكتب، وأما التيار الوجداني فهو الأكثر مقبولية لدى العامة لقلة الحاجة للعلم وإجهاد العقل لفهمه، والمرء يميل إلى السهولة كما لايخفى أنه مستساغ من ولاة أمر لما فيه من تحييد العنصر السياسي من محاولات الإصلاح، فمهمة المريد “طاعة ولي الأمر”ولو كان عبداً ذا زبيية، والزهد فيما هو سياسي أقرب للحق لأنه يقسي القلب ويجعل المريد ينغمس في الدنيا تحت شعار “السياسة نجاسة”.
إن التيار المعتدل فيما يبدو هو المرشح لتقديم المخزون التاريخي كتجربة رائدة مرة أخرى وكمنطلق لتجديد أمر هذا الدين، وبذلك تعود الحياة للمعارف الإسلامية، دون استثاراة لـ “النعرات المعرفية” بين التيارات، ولذا يلزمه عنصر الانتشار المقروء والمسموع، حتى تصل الأمة إلى مرحلة الشهود الحضاري وتستفيد الأمة من طاقة كل أبنائها.
لكن للأسف هو تيار غير مأمون جانبه من قبل السلط الحاكمة لأنه لا يفتئ يستثير العقل “مسبب المتاعب” لأن نهضة العقل والحوار البناء سيفرض على الحاكم أن يكون إما مادة للحوار أو طرفاً فيها، وهذا ما لايرضاه في العموم الغالب الحاكم المستبد لأنه “منـزّه عن السؤال” وبنفس الوقت لا يقبل هذا التيار التدجين لصالح سلطة، وهذا يجعل أمر التعامل معه أكثر صعوبة؛ فهو بحق الأكثر قدرة على استيعاب بقية التيارات لكنه بحواره الهادئ لا يتوانى عن النقد البنّاء الذي يطال الجميع بغاية الإصلاح. لكن للأسف فإن المستبد بالسلطة في أحسن أحواله يريد إصلاحاً مهمته استقرار ملكه لا الإشارة للمرض ومعالجته بمبضع معرفي ملائم لأنه ببساطة قد يكون هو وبطانته أحد أهم اسباب المرض وهيهات أن يقبل العلاج.
أما التيار الخامس اللاديني فقد استخدمت السلطات المستبدة بعض أبنائه كأداة لتدجين الشعوب وقمعها أحياناً، تارة باسم القومية وأخرى باسم الماركسية حتى أفقدتها قاعدتها الشعبية. ولكن هذا التيار يعمل أحياناً كذراع للـ”الآخر” السياسي في المنطقة، فيشنُّ الحاكم على روادها حرباً شعواء، والتاريخ المعاصر مليء بالأمثلة على اضطهاد الشيوعيين ومؤخراً الليبراليين بتهم تتراوح بين “عملاء الاستعمار” إلى “عملاء الامبريالية” وتشويه “السمعة الوطنية”. أما على الصعيد الشعبي فقراءة مطبوعاتهم تحتاج إلى ثقافة من نوع خاص لأنها تحفل باصطلاحات “إفرنجية” أو فلسفية أحياناً مما يجعل معه انتشار كتبهم بين العامة أمر شبه مستحيل خاصة إذا علمنا أن الخطباء على المنابر يحذرّون “أبناء الأمة ” من قراءة كتبهم أو الاختلاط بهم كونهم “شرذمة” من “العلمانيين” و “الضالين” و “المطرودين من رحمة الله”، فيشكل هذا حصاراً لا يستهان بحجمه يمنع من انتشار”عدواهم المعرفية” للقّراء المولعين بالتاريخ.
إن هذه العجالة لن تكفي لإعطاء الموضوع مايستحق من أهمية لأنه يحتاج لدراسات أكثر عمقاً وتتطلب إحصائيات تفيد معرفة الفئات العمرية من أبناء كل تيار وعدد مطبوعاتهم وحصر المفكرين ضمن تياراتهم، وبعدها إجراء الدراسات الرقمية- بأخذ عينات عشوائية – التي تفيد حجم انتشار كل تيار عبر الزمن لنقارن مثلاً معه حجم انتشار أي من هذه التيارات ومناطق “نفوذها”، وليدرس الباحثون الاجتماعيون الأسباب الرئيسية وراء انتشار هذا التيارأو ذاك وكيفية ضبطه أودعم انتشاره، وذلك بالاستعانة بالمفكرين الاسلاميين وغير الإسلاميين وعلماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة والنفس والتاريخ، كي يتم تشخيص حقيقي لكل تيار، وعندها فقط تتحقق ثمرة هذا البحث بالشكل المطلوب.***
________________________
*ليس هناك فائدة من ذكر أن علياً كرم الله وجهه حمل باباً كمتراس أثناء القتال ولم يستطع سبعين رجلا حمله بعد الانتهاء منه، أو أن رابعة العدوية بكت حتى انسدت مجاري بغداد! أو غيرها من محاولات إسباغ نوع من “الاسطورية” على عظماء الأمة لا يحتاجونها حقيقةً، لأن عظمتهم واضحة بالنص التاريخي الصريح والموثقّ، ولايحتاج لأي إضافات “للتثوير الشعبي”.
**لازالت الأمة – بحجة التقليد والامتثال لظاهر النص دون مقصده – مشغولة في مسألة اختلاف المطالع، ويصوم ويفطر المسلمون في كل بلد بشكل مختلف – ولو استطاعوا لأدّوا الحج بمواقيت مختلفة – ولو ضمن منطقة جغرافية واحدة بحجة الرؤية العينية، وكأن لدى الأمة أكثر من قمر، أو أن الرعيل الأول رضوان الله عليهم كانت لديهم المراصد الفلكية ووّفروها وزهدوا في الأقمار الصناعية في تحديد ولادة القمر بالثانية، فمالذي يعيق وحدتهم اللهم إلا الانتماء إلى إحدى التيارات الآنفة الذكر التي تلغي “الذات الحضارية” من حيث هي تتباكى على إعادة الحيوية لها، وتكرس “تحييد العقل” بحجة أننا أمةٌ “أميةّ”، وكأن الإقرار بأن أمة الرعيل الأول كانت أميّةّ دليل على “مباركة الجهل” حاشى الرسالة السماوية، وليس دافعاً لـ “محو الجهل”.
***للأسف فإن هذا لايتم إلا برضى الحاكم والذي قد لاتكون له كبير مصلحة في السماح أو دعم هذه الدراسات فتبقى هذه الدراسات معطّلة حتى تنالها عين السلطان بالرعاية، ويظل العالم الإسلامي في تخبط لايدرك كيفية تشكل التيارات المعرفية فيه ولا حتى كيفية توظيفها توظيفاً يرفع شان الأمة حتى يسمح المناخ السياسي.

جدول العلاقات بين التيارات الفكرية الخمسة في العالم الإسلامي:

 

التيارات الخمسة التي تقتسم العالم الإسلامي*

*تتفرع عن هذه التيارات تيارات سبعة :خوارجي وجداني، خوارجي نصي، وجداني معتدل، وجداني لاديني، وجداني نصي، نصي معتدل، لاديني معتدل.
نقلاً عن مجلة الرشاد

كُتب في المناهج | التعليقات على التيارات الفكرية السائدة في العالم الإسلامي مغلقة

المهندس نجاد برانكوفيتش

خطب مدلهم أسود , ليل كثيف قاتم يجثم على الأيام والأحداث , وفي صدر الأمة الإسلامية العاري تشخب الجروح دماً , وهناك جرحٌ مازال ينز , والقلب منه يئن رغم مرور بضع سنين , هل أبصرته؟ إنه شلال الدماء في البوسنة!

حدق بالجرح ملياً ففيه يعشش الموت وحوله تنتثر المأساة , لكن,حدق ثانيةً بعمق , ففي أغوار الموت هناك مَن يضيء مشاعل للحياة , هناك مَن يصنعها بصمت ويغذيها بإخلاص تاركاً بصماتٍ مسلمةً على جدار السنين , واضعاً لبنةً إبداعيةً إسلاميةً وبصمة تفوق لا تمحى على جبين الأمجاد , نعم , إن من أعظم المبدعين رجالٌ يجيدون الإعمار في جحيم الخراب , ومن رحم الموت يصنعون الحياة. ويبدو الشاهد في هذه القصة جلياً ، ولا يظننها أحدٌ ضرباً من خيالٍ وإن بدت كذلك , ففيها يتتأجج لهيب الحرص على الأمة ويتدفق الإيمان ويتقد العقل وتظهر عظمة الأيدي التي تقاوم وتبني ولا تعرف المستحيل.

تبدأ قصتنا من جسر نهر (درينا) القريب من قرية (فيتشوجراد) بالبوسنة , فهناك طفل صغير وقف يرقب صفحة النهر و الجسر يظللها بعينين دامعتين , كان يعلم أن مياهه اختلطت بدماء المسلمين سنين عديدة , لقد أخبروه وهو صغير أن اثنا عشر ألف مسلم ذبحوا في قرية (فوتشا) وألقيت جثثهم في النهر! لكنه يحس بالمرارة اليوم أكثر , فلقد فقد أباه! قتله الصرب في سراييفو حيث أُرسل إلى العاصمة في مهمة ولم يعد منها , فبقي الطفل وحيداً مع أمٍ وأخٍ شقيق كتب عليهم أن يصارعوا الحياة وحدهم , وتمر الأيام مسرعة ليغدو ذاك الطفل (نجاد برانكوفيتش) مهندساً من ألمع المهندسين , إنه يتخصص في بناء الجسور ويبرع في مجاله ويشارك وهو مازال مهندساً ناشئاً في بناء سبعة وثلاثين جسراً على التوالي مما أكسبه خبرة عريضةً في ذلك , لقد انتقل إلى سراييفو وحصل على منزل متواضعٍ مناسبٍ لعائلته الغضة بعدما أنجب ابنه (عدنان) إنه يحبه جداً , لكن الصغير يبكي وينتفض برعبٍ ويصرخ في أهله : “لماذا أنجبتموني لأعيش في هذا الجحيم؟” عن أي جحيمٍ تتحدث أيها الصغير؟ إنها الحرب التي اندلعت شرارتها فأرعبت الصغير و أذهلت الشيخ الكبير ؛ انفجارات وحرائق وقذائف تهز الأبنية وتخترق جدرانها ونوافذها فتقتل الأهل والجيران والأحباب, لكن تلك العبارة تطن في أذن نجاد وتزق نياط قلبه , لقد انفجر باكياً وهو يحتضن ابنه ويقول له : “إن الله معنا ولن يتخلى عنا!”.

نجادٌ جنديٌ اليوم في الجبهة مع كل أقرانه من الموظفين المدنيين الذين تحولوا إلى جنودٍ يدافعون عن سراييفو والبوسنة التي لم يكن لها جيش! وحين دمر الصرب خطوط السكة الحديد المؤدية إلى مدينة (موستار) , كان (نجاد) في مقدمة الذين طلب منهم ترميم تلك الجسور , غير أنه فوجئ ذات يوم بالجنرال (رشيد زورلاك) -قائد الإمدادات- يستدعيه ، ويصدر إليه الأمر بإعداد تصميمٍ لنفقٍ سريٍ تحت مدرج المطار يصل ما بين منطقتي (دوبرينا) في شمال سراييفو و (بوتميرا) الواقعة في منطقةٍ يسيطر عليها المسلمون وراء الخطوط الصربية. إن (سراييفو) تختنق , وما لم يتوافر منفذٌ يوصل المؤن والأغذية للمدينة فإنها لن تستطيع الاستمرار في المقاومة! لم ينم نجاد ليلته تلك ,كان صوت ابنه يطن في أذنيه حاثاً له , وطيف أبيه يشد على يده مؤيداً ، وجسر نهر(درينا) المصبوغ بدماء الأبرياء يلوح من يعيد وتلوح معه الفكرة , إن عليه أن يعاين الموقع بنفسه ليحدد مكان النفق , لكن المشكلة أن المطار والمدرج ضمناً يقعان تحت سيطرة القوات الصربية والدولية , والمنطقة مليئة بالأسلاك الشائكة والصرب يطلقون النار على كل من يحاول عبور المدرج ، و(نجاد) لا يتعين عليه قطع المسافة من (دوبرينا) إلى الجهة الأخرى والبالغة أربعمائة وخمسين متراً فقط , بل يجب أن يعود من حيث ذهب , مما يضاعف المغامرة! وأخيراً وجد الحل وعرضه على المهندس (باقر) ابن الرئيس (علي عزت بيكوفيتش) , لصلة ٍسابقةٍ معه , إنهم سيركضون بثياب الرياضة بين النقطتين كمن يقوم برياضة الصباح , ولقد فعلوها أربعاً وعشرين مرة , وفي كل مرةٍ كانوا يتعرضون لإطلاق النار! لكن الله كان يحرسهم ولم يتخل عنهم . خلال شهر كان قد انتهى من تصميم النفق وإعداد الدراسات اللازمة واقترح أن يتم الحفر من الجانبين في وقت واحد ليلتقي في نقطة معينة , وألا يكون النفق مستقيماً وإنما منحرفاً في شقٍ منه للتمويه على الصرب , لكن متخصصين آخرين شككوا في إمكانية نجاح الفكرة. استمع الرئيس (علي عزت) إلى كل الآراء وأخيراً أيد رأي المهندس نجاد , وفي الثاني عشر من كانون الثاني عام 1993صدر الأمر بالبدء في حفر النفق , كان الأمر حافلاً بالصعوبات , فالأمن والتخفي هي المشكلة الأولى , إخفاء الأتربة التي يستخرجونها من بطن الأرض والتي قدرت بثلاثة آلاف مترٍ مكعبٍ ونقص الإمكانات هو المشكلة الثانية , وكل ما توافر هو وسائل بدائية ، وإضافةً إلى ذلك مشكلات التنفس والتهوية والإضاءة , وإمكانية وقوع مفاجآت مثل ظهور المياه أو الاصطدام بالصخور , والعاملون معظمهم من كبار السن لأن الشبان الأقوياء كانوا على الجبهة , لكن المسألة كانت مسألة صمودٍ أو هزيمة! بل بقاءٍ أو فناء! كان عليهم أن يحفروا مسافةً بطول خمسمائة متر بين نقطتي الدخول والخروج , وأن يكون ذلك تحت سطح الأرض بثمانين سنتمترا ًو أن تنجز المهمة في أربعة أشهر ٍ, لكي يتم ذلك يجب الحفر في كل يوم خمسة أمتار ، وهذا يعني تواصل العمل طيلة أربعٍ وعشرين ساعةً وهو ما حدث بالفعل , قام به مائة وعشرون جندياً , ستون على كل جانب , ولم يكن ما جرى خارج النفق أقل إثارةً فقد هرب أحد الجنود الصرب الذين كانوا يعملون مع اللواء الميكانيكي البوسني وأخبر الصرب بخبر النفق , ولكن من رعاية الله أن العمل كان في أوله فاستطاعوا أن يعرفوا موضع الحفر دون وجهته , فما كان منهم إلا أن أمطروا نقطة البدء في (دوبرينا) بالقاذفات ، ولم يصيبوا الهدف لكفاءة التخفي في الجانب المسلم , وظهرت حسنة (نجاد) باقتراحه جعل النفق مائلاً عندما أحضر الصرب الجرافات التي ظلت تدق الأرض في النقطة الواصلة يشكلٍ مستقيم مع بداية النفق والواقعة تحت سيطرتهم في منطقة المدرج ولكن دون جدوى , ولفتة ٌطريفةٌ كريمةٌ أخرى من (نجاد) ظهرت في مخطط النفق , ذلك أنه كان بعرض مترٍ واحدٍ وارتفاع 160سم من (دوبرينا) و180سم من الناحية الأخرى من (بوتميرا) مما يسمح للشخص العادي بالمرور, لكنه عندما يريد الخروج من الطرف الثاني فلا بد أن ينحني قليلاً وحين سئل نجاد عن سبب ذلك قال ضاحكاً :”لكي يحني كل واحدٍ رأسه وهو داخلٌ إلى سراييفو”. اقتربت اللحظة الحاسمة في السادس والعشرين من تموز , يوم اللقاء المفترض للحفر , وعلا وجيب قلب نجاد وهو يستمع لدقات الحفر على الجانب الآخر ويتخيل الرئيس علي عزت في جنيف ، وانتظاره للخبر الذي سيحدد مصير المفاوضات , كان يتصل باستمرار ليستعلم النبأ , لكن اليوم المرتقب قد حل ولم يلتق الطرفان , من يحمل مثل قلب نجاد يدرك أي ألم يعتصره الآن , إنه يدخل في النفق يقف عند آخر نقطةٍ يتأملها و يفكر ثم يخرج , ثم يدخل ثانيةً , طيلة أربعة أيام مرت كالدهور صارع خيبة الأمل التي كادت تمزقه ، وأقلقه وقض مضجعه تعلق مصير المفاوضات-التي تعمد الرئيس علي عزت إطالتها في جنيف- بنجاح عمليته , لكنه في مساء اليوم الرابع لاح له الأمل مع قطعة السيخ التي اخترقت التراب من الجانب الآخر , إذاً لقد نجحوا!

طار (نجاد) على جناح البشرى ليزفها للرئيس , لقد اخترقوا بعون الله حصار سراييفو , واتخذ الرئيس علي عزت موقفاً متشدداً رافضاً التنازلات , الفرحة والدهشة تعم العاملين في النفق , فقد كان اللقاء في النقطة المحددة تماماً دون أن يحيد ولو سنتمتراً واحداً , وهو ما يعد معجزة هندسية في حفر يتم من اتجاهين , وبسرعة وهمة مدت القضبان الحديدية في النفق ومضت عليها العربات تحمل الذخيرة والمؤن والنجاة لسراييفو , تلك النجاة التي عبرت على جسد (مجيد عاريفوفيتش) أحد الحفارين الذي بدأ العمل بحماسة من (دوبرينا) وكله أمل برؤية زوجه وابنه الذي ولد بعيداً عنه في (بوتميرا) لكن قذيفةً صربية أوصلته إلى الجنان ، وأشعلت بروحه الطاهرة وجثته الممزقة , نار العزيمة والتصميم العنيد في (سراييفو) وبثت روح المقاومة والثبات في مئات الآلاف من المحاصرين والجياع! أ فتخفى على الناظر لبنةٌ مضيئةٌ كهذه اللبنة وآلاف غيرها مازال المبدعون المسلمون يعمرون بها صرح الحياة ، ويصنعونها بإخلاص مذهل وصمت عجيب

الكاتب : الأخت الفاضلة ريم نقلاً عن مجلة وا إسلاماه

كُتب في مقالات القراء, منائر | التعليقات على المهندس نجاد برانكوفيتش مغلقة

(بين مأساة المصطلح … والطريق إلى الصواب) ! – 2006-02-01

هجرة مباركة يسري طيفها في قلب كل مسلم ، وعام يأتي وآخر يمضي وبراعم الصواب تتفتح … وهجر الخطأ إلى الصواب بداية طريق الموفق .. وفي طريقنا عقبات لابد أن ترفع ومنها على سبيل المثال عقبة المصطلحات التي أعاقت عن كثير من الفعاليات ، وقد قدم العلامة أبو الحسن الندوي في رسالته النافعة : (ربانية لا رهبانية) بحثاً مهماً حول : جناية المصطلحات على الحقائق .. فمثلاً إذا قلت : أريد الوصول إلى مقام الإحسان والافتقار إلى الله وافقك الناس ، فإن أدخلت ذلك في مصطلح التصوف ذعر الكثيرون ورفضوك وقالوا بدعة وخرافة ، وإن سألت عن إتباع الدليل وتحري الكتاب والسنة وافقك القوم فإن سميت ذلك سلفية رفضوك وقالوا: وهابي شديد.

وطرح الندوي فكرة أن نترك الأسماء ونتفق على الحقائق ، وهذا رأي سديد! ولكن دونه في الواقع العملي عقبات! ورغم أن أي طالب علم يعرف أنه : “لامُشاحَّةَ في الاصطلاح ” ولابُخل في البيان إلا أن العاطفة الجامحة والحساسية البالغة من بعض المصطلحات تكاد تطيح بكثير من الحقائق ، وقد دهشت لحد الصدمة يوماً من رجل يحسب على أهل العلم انفجر في وجهي عندما تحدثت عن الحرية وضرورتها للأمم ليقول بملء فيه : الإسلام عبودية وليس فيه حرية ، وسمعت من صاحب عمامة كبيرة نفس المنطق بطريقة أكثر أدباً.
لقد استقر في وعي كثير من المتدينين أن الحرية مرادف لقلة الدين وتفكك الأخلاق بل العمالة للغرب! وساعد على ذلك حكام ماكرون وأصحاب عمائم سذج ربوا الأمة على الخنوع ناسين أن عبودية المسلم لله وحده وأن العبودية لغير الله شرك وكفر وضلال مبين ، وأن المسلم لا يمكن أن يقيم الحق في الأرض مادامت عبوديته لفرعون وقومه.
لقد اختل أمن الأمة المسلمة منذ أصبح الملك عضوضاً تتناقله أسرة وراء أسرة ، والعدل العمري العظيم دكه دكاً من ذبح آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رأسهم سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين رضي الله عنه ، ويقول العلامة المرحوم محمد الغزالي أن الاستبداد بدأ في الأمة عندما قام دجال منافق فقال : أمير المؤمنين هذا ، فإن هلك فهذا وأشار إلى ابن الحاكم ، فمن أبى فهذا ، ولوح بالسيف !! واليوم يزرع السذج في عقول الناس وتحت بريق السيف والانتخابات المزورة والإعلام الهابط والفكر الهالك ؛ أن الاستبداد ضرورة لازمة والعدل بدعة ، وقبول الاضطهاد فيه أجر عظيم ، وأن حكام الأمة مصدر خير وسعادة ورفاه وبركة وأن نساء الأرض قد عقمت وليس في الشعب المسكين رجل رشيد إلا ما تتفتق عنه أرحام الطغاة …. فحتى متى تبقى الشعوب المسلمة تجتر هذا الكذب على الله ….

أظن بعض منافقي السلاطين لو وجدوا في دار عبد الله بن جدعان لاعترضوا على حلف الفضول ، والذي قال عنه النبي الهادي صلى الله عليه وسلم أنه لودعي إليه في الإسلام لأجاب (وهو حلف لنصرة المظلومين مهما كانوا) ، ولوسمعوا قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؛ لقالوا : الحرية مرفوضة ، والأمة ملك يمين للحاكم والعبودية له هي الأصل في الإسلام.
لقد أخذ هذا الأمر من حياتي سنوات ، إلى أن ظهر لي سبب من أسباب المشكلة! إن بعض العقول آلية تماماً إذا لم يكن هناك كلمة صريحة شديدة الوضوح فإنها لا تلتقط المعنى ولو كانت كل مقاصد الشريعة تقود إليه! وفي الإسلام لم تأت كلمة الحرية بالسياق المطلوب ، ولم تأت كلمة منظمات حقوق الإنسان في قرآن ولا سنة ، ولم يرد مصطلح حقوق الإنسان في كتاب سابق فغفلنا عنه! ونادى الغرب به فصار الحديث به قرين الضلال المبين!

في بعض البلاد التي تاهت عن الله قد تبيع المرأة نفسها بثمن علبة كبريت أو أقل فهي حرة في نفسها! والإسلام نأى بها عن ذلك فحوط تلك الحرية بالكرامة فالمسلمة حرة في الزواج من كفء لها ، ولو تعنت الولي فإن القاضي ولي من لا ولي له وهي حرة بمعنى أرقى بكثير من حرية بلا كرامة ، وقد رد عليه الصلاة والسلام زواج من أجبرها أبوها على الزواج من ابن أخيه ليرفع خسيسته ، فقالت : قد أجزت ماصنع أبي ولكن أردت أن أعلم الآباء أن ليس لهم من الأمر شيء!! حرية كاملة محاطة بكرامة كاملة!
ونحن أحرار إذا شئنا أن لانتصدق على فقير يسألنا ، ولكن الله تعالى كرمنا عن أن نكون عبيداً للمال ، فأمرنا بالصدقة والبذل ، وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأنه ما أمن به من بات شبعان وجاره جائع إلى جواره وهو يعلم! وحفظت كرامة الفقير فقال تعالى : “وأما السائل فلا تنهر “، وتعلمنا جميعاً أن المال مال الله فهو المالك وهو المعطي وهو المانع!
ونحن أحرار كبشر في أن نستخدم أجسادنا كما نشاء بل حتى أن ننهي تلك الأجساد بالأداة التي نختار! انتحاراً من شاهق أو تلفاً بالدخان أو انغماساً في شهوة! ولكن قمة التكريم عندما نعلم أن لأجسادنا علينا حقاً ، وأنها أمانة وضعت بين أيدينا وإن من كرامتنا أن لا نكون لصوصاً فنرد تلك الأجساد نقية كما خلقت ، ونحرم الانتحار والمهلكات والمفسدات … (جوارحنا حفظناها من المعاصي صغاراً فحفظها الله لنا من الآفات كباراً).

وفي كل أنظمة الأرض يتوق الناس إلى الحرية أو تضيق أرواحهم عن تحمل الظلم فيجهر البعض بالحق فيموتون من أجل الحرية ، والإسلام لم يتوقف عند تلك العتبة فالكل يموت ، بل كرم ذلك الطالب لقيام الحق فجعله قريناً لسيد الشهداء رضي الله عنه: “سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ” كما علمنا الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم … وغير ذلك كثير ….
وديننا يأمرنا أن نحترم النظام وأن نصغي لأولياء الأمور علماء ثم حكاماً ، ولكن الله كرمنا فلم يجعلنا ضحايا لاعوجاج فتاويهم إن حادوا عن الحق ، أوسوائم بين أيديهم المباركة إن سرقوا ونهبوا وسجنوا ونكلوا وخنقوا الأمة وصادروا كل مقومات وجودها ثم جعلوها مزرعة متخلفة كل الناس فيها عبيد يسبحون بحمد مولانا وتعينه جوقة عملاء أو سذج مغرورين … كرمنا الإسلام عن ذلك المآل فقال صلى الله عليه وسلم : “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ” وأي معصية أكبر من يُجعل خلق الله في عبودية غير الله !!
إن إيجاد الكرامة في الأمة فريضة لازمة (ولقد كرمنا بني آدم) ، وهي شيء أوسع نطاقاً من مجرد الحرية الغريزية المنزوعة الكرامة …. وبهذا يستطيع المسلم أن يكون صاحب مظلة في الخير أوسع بكثير مما رسم له من الحدود والقيود …. بل يستطيع أن يكون نواة لحلف فضول جديد يقوده مسلم حر يبشر لا بالحرية بل بالكرامة الموفورة التي تستمد نورها من هداية الله ، بعد أن رأت الأرض كلها مكر النظام العالمي الجديد ولصوصيته وحريته المزورة المكذوبة.

من المؤلم جداً أن هناك بلاداً بكاملها يتحدث فيها الجسم الديني دائماً عن وجوب نصرة الأنظمة الحاكمة ولم يحدث قط أن خطيب منبر تحدث عن حقوق الإنسان أو الاعتقالات الجائرة وسجن الأبرياء من دون محاكمة مشهودة أو عن قمع الحريات العامة ، ومنع حرية الاجتماع والرأي والصحافة والإعلام ..، أو عن الاضطهاد الديني وتدخل الأنظمة في كل كبيرة وصغيرة من شؤون الدين وهي تدعي العلمانية المزعومة ….. بل إن بعض المتدينين صار أداة قمع لما قل القمع ضده وصار يستجير بفروع الأمن لخنق خصومه بدل أن يواجههم بالفكر النظيف !!
ومؤسف أيضاً أن العديد من بلاد المسلمين سفك فيها من دم المسلمين ما يصبغ وجه الأرض كلها بالنجيع الأحمر القاني ، وامتلأت بهم السجون ثم تجد أكثر من يدافع عنهم علماني أو يساري أو قومي … لا تهتز بينهم عمامة واحدة تقودهم ، لأن الحكمة تقتضي من بعض السادات البقاء في المواقع الحساسة وحفظ أنفسهم من الهلاك ولو محقت الأمة … كي لا يخرب الإسلام ولا تخلو حفلات الأعراس والولائم من البركة الدفاقة ، من القطعي أنه لا تخلو الأمة من علماء يعشقون الحق ولكن غالبهم مقموع يموت ببطء في بيته بعدما ملأ الظالمون حياته ظلماً وحصاراً. …

علينا أن لانتكلم سراً عما نوقن أنه الصواب ، وكفى تيهاً في سراديب التاريخ وجناية المصطلحات ، ووهم العافية .. وعلينا أن نتعلم أن صلاح الحياة الدنيا والآخرة قرين بكرامتنا عند الله ، و(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .. ,اننا يجب أن نسير في طريق كرامتنا ونترك القعود ، ونبحث عن أقصر الطرق إلى الصواب .
لقد توهم بعض الإخوة الصواب في العزلة فجمعوا حولهم أنصاراً يعيشون جميعاً في قوقعة ما ولا يقدمون للمجتمع شيئاً بل شأنهم الانتقاد لكل عامل تعويضاً عن نقص العمل لديهم ، فعملهم الأساسي انتقاد كل عامل في جيوب مقفلة لا تتسلل الشمس إليها فيحيط بها الغلط ويلفها إذ مامن أحد يشهد لها.

وآخرون لديهم إخلاص وهمة .. ولكن الفكر العسكري والصدامي هو القائد ، يدفعون الأثمان الباهظة لأمور بسيطة ويوقعون الأمة في النكبات التي لم يدرك بعض الغيورين أبعادها بعد .. ابتداءً من حادثة نيويورك العصماء التي نعتقد بعدم جوازها شرعاً ، ومروراً بما يحرضون به بعض الشباب الصغار من أن العنف وحده هو طريق فوز الإسلام ، ولو جنى أفدح الكوارث عليه.
لقد مرت بالعالم الإسلامي تجربتان ملفتتان للنظر خلال الشهر الماضي : أما الأولى فهو فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس الكاسح في فلسطين ، وهذا نصر لا بد له من تتمة ، ولكنه رفع معنويات المسلمين في الأرض وأوضح لهم أنه لا يموت حق وراءه مطالب وأن العمل القليل المستمر فعال ، وأحب العمل إلى الله ماداوم عليه صاحبه.. وأن سنن الله في نصرة الإيمان بل حتى ماوعد الله به من التمكين للأمة ليس بعيد المنال.

أما التجربة الثانية فهي انتهاك دانيمركي سافر وعدوان لئيم على مقام النبوة وعلى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وبارك الله في كل من بذل أدنى جهد في نصرة الرسول الهادي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ارتجفت من أعماقي وأن أقرأ ملصقاً وضعه شباب غيارى على الإسلام ، وقد كتب فيه : نحري دون نحرك يارسول الله ….. وصدق أولئك الشباب فنحورنا وأهلنا وأرواحنا وأبناؤنا وأرزاقنا كلها تحت قدميك فداء لك يارسول الله … حاشا للظلام أن يخدش النور ، وحاشا لتراب الأقدام أن يطاول الثريا ….
هاتان التجربتان لاتتوقفان عند خصوصيتهما ، وأقول أن على العالم الإسلامي أن يكتشف نفسه وقوته وفعاليته ، وعليه أن يتخلى عن خوفه أو تهوره .
تجربتان ناجحتان ، الأساس فيهما عمل صغير تراكم فأينع ، وجهد صادق بر فوفى … وحركة صحيحة مضت فأصابت.
لنبحث عن المشروع الذي نقوم به جميعاً ، المشروع ذي التكلفة القليلة والمردود الهائل ؛ المشروع الذي ليس فيه خسائر إن لم يكن فيه أرباح (بل هو الربح كله) ، المشروع الذي يجبر الخصم على الاستسلام بعد أن صار الاقتصاد مهدداً والتجارة معطلة والمصالح في خطر ، والأمور مرشحة للمزيد من التأزم.

تعلم التفكير الجماعي أفراداً وجماعات وشعوباً فريضة لاسير دونها ، وكذلك الخروج من أزمة الديكتاتورية الخانقة التي بدأت في السياسة فطوت تحت جناحها كثيراً من أصحاب العمائم والدعاة ، ثم طالت أهل الجهاد فاستبدوا بقرارات جلبت على الأمة المسلمة من البلاء الذي يمكن تفاديه ما لايعلمه إلا الله.
عندما كان المسلمون يذبحون في البوسنة كان الكثيرون متحرقين للذهاب إلى الجهاد العسكري والكسول فينا من فكر بالتبرع بالمال ، ونسينا أن خطوط الإمداد والتموين والدعم الخلفي أهم بكثير في بعض الأحيان من خطوط الالتحام الأولى! وعندما قال الرئيس الفرنسي وقتها أن أوربة لن تسمح بقيام دولة إسلامية في وسطها ، لم يطلب وقتها الرئيس المجاهد علي عزت بيكوفيتش من الأمة المسلمة أن تدعمه بجيوش من الرجال الذين يحبون الموت بل قال أطلب من المسلمين في العالم أمراً واحداً : مقاطعة العطور الفرنسية! واخجلتاه منك أيها الإسلام فلم يصلنا صوت بيكوفيتش وبقي أهل الأناقة في العالم الإسلامي يصرفون حتى الآن مليارات الدولارات على العطور ومن لم يصدق فليسأل أهل الجزيرة العربية والخليج …

في الولايات المتحدة وقبل سنوات دخلت فتاة أميركية في الإسلام فطردت من عملها في شركة ضخمة لارتدائها الحجاب … لم يقم أحد بتحريض شاب على الاغتيال أودس متفجرة هنا أو ذبح مدير الشركة ذبح النعاج … انتصاراً لكرامة الأخت المسكينة والإسلام العظيم ، بل قام مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية بتوجيه رسالة يطلب فيها إعادة الأخت إلى العمل ويشرح وضع الحجاب في ديننا (فبعد الهداية مطلوب ولا يجوز أن يغيب عن خطابنا) وتجاهلت الشركة الموضوع وبدأت حملة بين المسلمين لمقاطعة بضائع الشركة الممتدة في كل الولايات المتحدة! وتراجعت الشركة بعد الإصرار الإسلامي ، رغم أنه لم يكن شديد القوة ، فأعادت الأخت واعتذرت من المسلمين.
أما شركة نايك للملبوسات الرياضية فقد صنعت حذاء في مؤخرته مايشبه لفظ الجلالة، ورفضت الاعتذار ، وبدأت المقاطعة بداية من شعب ماليزية ثم الكويت .. ثم العديد من الجهات ؛ فاعتذرت الشركة عما فعلت وتعهدت بعدم التكرار وبإتلاف كل موجود من البضاعة الخبيثة.

هذه الأمور ليست ابتكاراً مفاجئاً بل علم واسع يسمى المقاومة المدنية ، وصار له أسس وقوانين ، ومقاطعة المجتمع المسلم لكعب ابن مالك رضي الله عنه مع الذين خلفوا وجه آخر من ذلك ، وفعله رضي الله عنه في إحراق كتاب ملك الروم إليه نوع من ذلك ، وأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بترك أكل اللحم لما غلا ؛ نوع من تلك المقاومة لظرف اقتصادي ،

هناك موضوع لابد من ذكره ، وهو التجيير الساسي من قبل بعض الأنظمة لتلك الحادثة وأحرى ببعض الدول أن تسن قانوناً واضحاً يمنع سب الله والرسول فيها قبل أن تظهر نفسها حامية لحمى الإسلام في الأرض. ومن الصواب ماذكره باحث قنوني ومستشار مالي في إحدى القنوات العربية حين طالب الحكومات العربية وخصوصاً حكومة بلاده أن تترك الأمر بشكل عفوي. فمن الواضح تماماً أن بعض البلدان العربية التي تأتي في مقدمة الدول التي تقمع الحريات والحقوق قد ركبت الموجة بشكل لافت للنظر بل ومفضوح!

في إحدى الدول خرج حوالي خمسة عشر شخصاً بينهم أخوات في مظاهرة متواضعة أمام السفارة الدانيماركية في بلادهم ، ولكنها تعبر عن ألمهم مما حصل ووقفوا لا يدرون ماذا يفعلون فلم يسبق لكثير من المواطنين العرب أن خرجوا في مظاهرة غير التي تمجد الحكام بارك الله فيهم ، وهم لايعرفون حقيقة ماذا يفعل الناس في المظاهرات عادة! وجاءهم شرطي طيب! قال لهم: اهتفوا: لاإله إلا الله!

ومن الملاحظات المهمة جداً أن يكون الاحتجاج والمقاطعة دقيقة ولا تركبها العاطفة الدفاقة، والتجييش السياسي ، والبارحة مساء الخميس الثاني من شباط ظهر في قناة العربية لقاء مع رئيس وزراء الدانيمرك واتصلت القناة بممثل لمسلمين دانيمركيين فقال أن ماذكره رئيس الوزراء يعتبر اعتذاراً ، ورفض الشيخ سلمان العودة ذلك الاعتذار؟ وقال المسلم النرويجي : أن ينبغي إدراك اختلاف الترجمة والنقل [والعبارات التي ذكرها رئيس الوزراء تعتبر اعتذاراً بالمقاييس الدانمركية].

إننا لانشك في أن هناك من يكيد بالإسلام ويحاول أن يهينه ويسيء إليه ، ولكن المبالغة في الخصومة ينبغي أن تدرس جيداً وتحسب الآثار المترتبة عليها ، ولا نريد للمسلمين في الغرب وجالياتهم وأقلياتهم بعد أن اعتذر رئيس وزرائهم أن يتعرضوا لضغوط نحن لانشعر بها ولا ندركها ، والمسلمون الذين فرحوا بحادثة نيويورك العصماء لم يحسوا بما دمرته للمسلمين في الأرض وهو شيء أعظم بكثير من أي كسب متصور(هذا إن كانت تصح شرعاً ونحن لانعتقد بذلك). ونخشى أن تبقى التصريحات النارية بدل التخطيط المحكم هي السائق في وضع لايخفى ضعفه على أحد!بل علينا بعد أن تم الردع أن نتصرف بدقة بالغة وأن نرى ماهي المصلحة الآن وخصوصاً للمسلمين هناك قبل إطلاق عبارات تحمل ولا شك غيرة هائلة على الإسلام ولكنها بحاجة لحساب دقيق!

ماعمله المسلمون في العالم من مقاطعة البضائع النرويجية عمل رائع يؤسس لخير عميم إن بقي فقهه واضحاً والأحرار القائمون به كثيرون ، والتخطيط له محكماً ودقيقاً ، وما يواجه المسلمين وماسيواجههم كثير ولكن الأساس في نجاحهم هو مقدار مايتحررون به من سلطان الخوف الأول الذي شل ألسنتهم في بلادهم وقمع نواديهم ومؤسساتهم وصحفهم وجمعياتهم … فإن الحرية شيء لايمكن تجزيئه ، والشعب المسلم المقموع في بلده لن يحل مشكلة في بقعة أخرى من أرض الله ، أو سيكون له دور محدود وعليه أن لايقع فريسة التجيير الخاص..
بداية الفعالية من الداخل ، ضعفنا الأول من الداخل ، انبعاث الخير فينا من الداخل .. من إدراك الإيمان وقوته ، وتقوية الجماعة الواسعة المتفقة على الخير وتناغمها … بعيداً عن الخوف أو التهور … وإن نصر الله قريب.
أسئلة وأجوبة مهمة :

تأتينا من كثير من الإخوة ملاحظات وأسئلة بعضها فقهي وبعضها سياسي وخطنا الأساسي دعوي لذا نأمل إحالتها على المتخصصين بذلك …
ولكن هناك أموراً ربما تحتاج لبيان لأنها تؤثر على الكل ومنها على سبيل المثال : الموقف من تحالف الإسلاميين مع الأستاذ عبد الحليم خدام أو مع اللواء رفعت الأسد وغيرهم من المخلِّصين لسورية وشعبها المظلوم …
الجواب : بعد استقراء لرأي العديد من العاملين الإسلاميين في داخل سورية فإن الحركة الإسلامية بمجملها وبمختلف امتداداتها واجتهاداتها ترفض رفضاً قاطعاً التعامل مع هذين الرجل مهما كانت الأسباب وتعتبر أنهما المسؤولان الأساسيان الأحياء عن الحالة المزرية التي وصل إليها الشعب السوري ، وأمامهما ملف هائل من القضايا القانونية والجرائم التي لايمكن معها التعامل معهما بحال ، ولا يوجد شيء مشترك بينهما وبين أي مسلم ملتزم أو وطني نزيه ، ومن الملفات على سبيل المثال وغالبها مشترك بينهم : تدمير مدينة حماة ، استئصال الإسلاميين في سورية ، إعدام الآلاف من خيرة كوادر سورية الإسلامية والوطنية ، مذابح تدمر ، مصادرة حرية الشعب السوري وتمريغ كرامته ، تحويل سورية إلى بلد بدائي ومتخلف ، نهب أموال الأمة ، تحقير الدين وأهله والاستهزاء السافر بالإسلام ، مصادرة المؤسسات والنقابات والاتحادات … إهانة المسلمين جميعاً عن طريق نشر سب الله والدين في مؤسسات الدولة ومرافقها … خلع الحجاب عن رؤؤس الحرائر .. إدخال النفايات المشعة .. زرع الحساسيات الطائفية … تجاوز القانون ونشر الفوضى وفكر العصابات بين كوادر الدولة … تخريب البنية التحتية للبلد … تهجير عشرات الألوف من خيرة كوادر سورية … المتاجرة ببلادنا المسكينة …. وغير ذلك مما لايحاط به في هذه العجالة ….
أما عما تناقلته وسائل الفضائيات عن استعداد بعض الجهات الإسلامية للتعامل معه بشروط … فنقول : إن الأستاذ خدام قد غازلها في قذيفته الإعلامية فغازلته .. وهو أمر مفهوم في السياسة نتحفظ عليه ، وفيما نعلم لم يصدر أي شيء رسمي فيما نسمع عن أي طرف إسلامي سوري لقبول تعاون حقيقي.

السؤال الثاني: يتعلق بالدخول في أحزاب إسلامية أو غيرها عند صدور قانون جديد للأحزاب.
الجواب : إن شهوة السلطة لا ينبغي أن تترافق مع عملنا الدعوي والشرعي ، وما لم يكن هناك تغيير دستوري جذري ، وإلغاء للمادة التي تقول بوجود حزب ينفرد بقيادة الدولة والمجتمع ، وما لم يُلغ قانون الطوارئ ، والقانون 49 ، وتتوقف الممارسات غير القانونية ضد الشعب وخصوصاً تجاه الدعاة والعلماء ، وما لم يكن هناك حرية كاملة للأمة فأعتقد بعدم صواب المشاركة في أي نشاط لأنه سيكون نوعاً من التمويه وتبييض الأوراق .. وعندما تتغير الظروف فتقدر المصلحة والضرورة بقدرها ، والعمل الأساسي الآن هو التغيير دون أن يلغي هذا استعداد من له كفاءة في أن يجمع القوى ويتحاور مع الأقران ، وينشر فكره بين الناس.

السؤال الثالث : هل يجوز التعاون مع الولايات المتحدة وغيرها لتغيير النظام السوري
الجواب : على الإسلاميين أن يدركوا أن الحكم ليس هدفاً لنا بل الهدف هو العدل ، وإقامة الحق ، فأي طرف وطني يقيم ذلك فليس لنا معه أية مشكلة ، أما الاستقواء بالخارج فمن الثابت في الشرع والسياسة والمنطق أنه لا يوجد شيء دون ثمن ولن نرضى أن ندفع لأحد أي شيء على حساب بلادنا ، والتغيير يجب أن يكون من الداخل وبأيدي أبناء الأمة لا الدخلاء .. وقد صبرت الأمة طويلاً ويمكنها التحمل فالتغيير سنة قادمة نحققها بأيدينا ؛ كي لاننتقل من ظلم ذوي القربى إلى ظلم من لا يخفى ظلمهم على أحد.
والله تعالى أعلم.
نرجو الله تعالى لجميع الإخوة عاماً مباركاً مليئاً بالخير والتوفيق والكرامة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على (بين مأساة المصطلح … والطريق إلى الصواب) ! – 2006-02-01 مغلقة

الإسلام في كوريا الجنوبية

بتصرف يسير من تقرير عن المسلمين في كوريا

أعده د.أبو بكر كيم

ونشرته الندوة العالمية للشباب المسلم في ندوة حول الأقليات المسلمة في العالم عام 1420هـ/1999م

1 ـ الخلفية التاريخية للوجود الإسلامي في كوريا: الإسلام دين جديد في جمهورية كوريا ، ويعتقد أن المسلمين العرب جاءوا إلى كوريا لأول مرة في أثناء حكم أسرة شن ـ وا في القرن الثامن الميلادي ، وفيما يلي وصف تاريخي منقول من السجل عن تلك الزيارة المبكرة التي قام بها الزائرون من العرب لكوريا: » في سبتمبر من السنة السادسة عشرة لحكم الملك هيونج ـ جونج في خلافة جو ـ ريو في القرن العاشر الميلادي زار مائة عربي بلادنا وعرضوا ثقافتهم وحضارتهم على الكوريين «. » وكان التجار العرب لا ينطقون كلمة » جو ـ ريو « نطقاً صحيحاً ومن ثم أطلق على بلدنا اسم كوريا ، ولا يوجد أثر لانتشار الإسلام ، آنئذ «. » وقد شبت الحرب الكورية سنة 1950 م ، وطلبت الأمم المتحدة من الدول المحبة للسلام أن ترسل جنودها للدفاع عن كوريا الجنوبية ضد الهجوم العسكري الذي شنه الجنود الشيوعيون المتحدون من الشمال . وقد كانت تركيا وهي دولة مسلمة بين الدول التي استجابت لطلب الأمم المتحدة فأرسلت جنودها إلى كوريا الجنوبية . وقد استطاع الجنود الأتراك نشر الدين الإسلامي بين الكوريين فضلاً عن أدائهم واجبهم في الدفاع عن كوريا الجنوبية ، واعتنق الكوريون الإسلام لأول مرة عام 1955 م . ونتيجة لذلك أرسلت تركيا اثنين من الأئمة إلى كوريا ، الشيخ / زبير كوجي والشيخ / عبد الرحمن وذلك لتعليم الكوريين الدين الإسلامي ، وبنى الجنود الأتراك مسجداً مؤقتاً باستخدام خيمة قديمة يؤدي فيها الكوريون الصلاة ويتعلمون الإسلام . ومنذ ذلك التاريخ بدأ دين الله ينتشر في كوريا ببطء شديد. وفي السنوات التالية بلغت أنباء اعتناق بعض الكوريين الإسلام إلى الدول المسلمة المجاورة وقد أبدت منظمات وهيئات إسلامية عديدة اهتماماً كبيراً بهذا العدد الصغير من المسلمين الكوريين . وتأتي » ماليزيا « في مقدمة تلك الدول . وفي سنة 1963 بادر السيد داتو حاج نوح المتحدث باسم البرلمان الماليزي بزيارة كوريا على رأس وفد ماليزي للاطلاع على أوضاع المسلمين الكوريين الجدد ، ودراسة نشر الإسلام في كوريا . وبعد عودته إلى ماليزيا ، فتح مجالاً للتعاون المتبادل بين المسلمين الماليزيين والمسلمين الكوريين ، ونتج عن ذلك دعوة أحد عشر كورياً من بينهم » ثلاث فتيات « على منح من حكومة ماليزيا لتعلم أصول الإسلام ومبادئه وذلك في الكلية الإسلامية في سيلانجور . وفي سنة 1965 زار السيد داتو حاج نوح كوريا مرة أخرى وتم تأسيس الاتحاد الإسلامي الكوري بناء على نصيحته ، وحتى اليوم لا يزال هذا الاتحاد قائما ، بل إنه المنظمة الإسلامية الوحيدة الموجودة في كوريا والمعترف بها قانوناً من الدولة ويشعر المسلمون الكوريون بالعزة والاعتزاز بسمات هذا الاتحاد الفريدة المميزة . وبعد عودته إلى ماليزيا قام السيد / تنكو عبد الرحمن الذي أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء ماليزيا بمنح مائة ألف دولار ماليزي أي بما يعادل 33000 دولار أمريكي لدعم أوجه نشاط الدعوة الإسلامية في كوريا . وقد أكدت هذه المساعدة المالية لدى المسلمين في كوريا الأحلاف وروابط المحبة والإخاء التي تبرز واضحة جلية في الإسلام . وقد شجعهم ذلك على العمل بجد أكبر في نشر الإسلام ، وهكذا تقف ماليزيا على رأس الدول الإسلامية التي تدعم الإسلام والمسلمين في كوريا ، ونحن نقدر هذا الموقف تقديراً بالغا .

ومن الناحية الأخرى فإن باكستان هي الدولة المسلمة الأولى التي أتاحت الفرصة للمسلمين الكوريين في الأيام الأولى بما في ذلك أربعة عشر طالباً لتعلم أصول الإسلام ومبادئه ومعاني القرآن الكريم والحديث ، وعلاوة على ذلك فلا يمكن أن ننسى إسهام جماعة التبليغ من الباكستان وعملها على نشر الإسلام في كوريا . وبدأ الإسلام ينتشر في كوريا بسرعة كبيرة عندما فتحت معظم الدول العربية والإسلامية الأخرى أيديها وقدمت دعماً مخلصاً لإقامة مسجد ومركز إسلامي في سيول عاصمة كوريا وذلك في سنة 1976 م .

2 ـ المساجد والمراكز الإسلامية في كوريا: وفي مايو 1976 م أتم اتحاد المسلمين الكوريين بناء أول مسجد ومركز إسلامي في كوريا بالمساعدات المادية من الدول الإسلامية التالية ، المملكة العربية السعودية ، ليبيا ، والكويت وقطر والمغرب والإمارات العربية المتحدة … إلخ وكانت أكبر المساعدات من رابطة العالم الإسلامي بالمملكة العربية السعودية وجمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا ، وقد شارك في حفل افتتاح المسجد الكبير والمركز الإسلامي في سيول أكثر من خمسين وفداً حضروا من عشرين دولة إسلامية . وقد مرت ثلاثون عاماً منذ أن دخل الإسلام لأول مرة في كوريا ومرت عشرون سنة على إنشاء الاتحاد الكوري الإسلامي . وقد كانت أوجه نشاط الاتحاد راكدة قبل إنشاء المركز الإسلامي والمسجد الكبير في سنة 1976 م وبعد إنشائهما وتشييدهما استطاع الاتحاد أن يحقق نجاحاً ملموساً في زيادة عدد المسلمين من 3000 مسلم إلى أكثر من 300.000 مسلم خلال عشر سنوات وقد نتج عن ذلك زيادة في الإدراك والوعي بالإسلام في كوريا من خلال وسائل الدعوة الفاعلة .

وقد افتتح المسجد الثاني بحمد الله وتوفيقه تعالى عام 1980 في مدينة بوزان ثاني أكبر المدن الواقعة في جنوبي كوريا ، وبحضور أكثر من 50 مندوباً من مختلف الدول الإسلامية ، وتمت تغطية تكاليف مباني هذا المشروع من مساهمة الإخوة الكرماء في ليبيا بصورة عامة ومن الدكتور علي الفلاغ وزير المالية الليبي وقتئذ ، بصفة خاصة . بالإضافة إلى ذلك أقيم حفل افتتاح المسجد الثالث والمركز الإسلامي في يوليو 1981 وشاهده أكثر من 40 مندوباً من الدول الإسلامية بما فيها الجزائر وأوغندة وبنجلاديش وباكستان والهند وإيران وتركيا وليبيا ومصر والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر وهونج كونج وغيرها ويقع المسجد والمركز على بعد 30 ميلاً من العاصمة . توجد بلدة صغيرة وسط حوالي عشرين قرية تسمى سسانج ـ يونج ـ دي يسكنها حوالي 700 نسمة ـ اعتنقوا جميعاً الإسلام منذ عامين وبدأ أحد رجال الدعوة في القرية بنشر حقائق الإسلام في القرى المجاورة . وفي مايو سنة 1979 زار كوريا سعادة الأستاذ محمد ناصر الحمضان العتيبي وكيل وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت ، كما زار القرية ساسانج ـ يونج دي التي أطلقت على نفسها القرية الإسلامية وشجع المسلمين الجدد . وبعد عودته إلى الكويت زار القرية سعادة الشيخ إبراهيم الصقعبي قاضي الإستئناف بالكويت ووعد بأن يتحمل جميع تكاليف المسجد والمركز الإسلامي ، وقد تبرع بالأرض واحد من المسلمين المخلصين في نفس القرية . ويأمل الاتحاد أن يكون هذا المسجد الثالث نقطة تحول جذري في نشر تعاليم الإسلام بين المواطنين في تلك المنطقة ، ونشر الإسلام نشراً منتظماً في المناطق الريفية المجاورة في أنحاء البلاد .

3 ـ الحالة الاجتماعية للمسلمين في كوريا: رغم العدد القليل والتاريخ القصير ، للمسلمين في كوريا فإنهم يعملون اليوم بجد ونشاط في كل مشارب الحياة ، بعضهم تقلد مراكز مرموقة في المجتمع كأساتذة ومحامين وأطباء وموظفي حكومة وديبلوماسيين واقتصاديين كما يوجد منهم الصحفيون والمهندسون والجنود ورجال الأعمال وغيرهم وطلاب الجامعات بنين وبنات وعمال وفلاحون ، جميعم يبدون اهتماماً بحقيقة وتعاليم الإسلام رغم الجهل بالإسلام السائد في كوريا . الإسلام دين غير مفهوم في كوريا بسبب سوء النية وتشويه التعاليم الإسلامية على يد المثقفيين الغربيين ، إذ إن معظم خريجي الكليات يعرفون جيداً أنه يوجد أكثر من 30.000 مسلم في كوريا ومعظهم اعتنق الإسلام خلال السنوات العشر الماضية بعد إنشاء أول مسجد وأول مركز إسلامي في عام 1976 ولم يرفع أحد سيفاً واحداً لإجبارهم على الدخول في الدين الجديد وفي نفس الوقت لا يزال بعضهم يصر على تصديق الخرافات التي تعلموها على يد معلميهم المستغربين ، وبالإضافة إلى ما سبق يدرس أكثر من 1000 طالب العربية والدراسات الإسلامية في أقسام اللغة العربية وفي أربع جامعات كورية . كانت البوذية في الماضي هي الديانة التقليدية والدين الرسمي خلال حكم أسرة كو ـ ريو في القرن الثامن . ودخلت الكونفوشيوسية في الحياة الكورية خلال حكم أسرة لي لمدة 600 عام ثم دخلت الديانة الكاثوليكية الرومانية منذ 201 عام رغم الإضطهاد الحكومي العنيف ، ولكن كوريا الآن دولة علمانية لا يعتنق 55 % من شعبها أية ديانة ولا يوجد لديهم عبادة خاصة ، ومع ذلك فإن كثيراً من عاداتهم القديمة وتقاليدهم ودياناتهم الموروثة تشبه إلى حد كبير تعاليم الإسلام ، فإذا استمرت الجهود والنوايا لنشر تعاليم الإسلام في كوريا فإن مستقبل الإسلام فيها سيكون باهراً وواعداً ، وهذا التفاؤل مبني على الأسباب الآتية: 1 ) أن 55% من الشعب الكوري لا ديانة له ولا عقيدة ولا يرتبط بأي تعاليم دينية ولا يوجد لديهم أية طقوس أو أية صلوات . 2 ) أكثر من 99% من الكوريين ـ رجالاً ونساء ـ متعلمون و80% منهم نالوا تعليماً عالياً . 3 ) كثيراً من التقاليد القديمة للشعب الكوري متفقة مع تقاليد الإسلام كما يشاهد في فكرة وحدانية الله . 4 ) تاريخياً ـ لم تقم أية صورة من صور العداء بين كوريا والبلاد الإسلامية . 5 ) تعتبر الحضارة والثقافة الكورية ـ إلى حدِ ما ـ ذات أصل شرقي . وهناك حقيقة معروفة جيداً هي أن 38 جامعة و62 كلية ذات برامج دراسية لمدة 4 سنوات و145 كلية مهنية تنتمي إما إلى الإرساليات التبشيرية المسيحية وإما إلى المنظمات البوذية ، وقد دخلت المسيحية البروتستنتية كوريا منذ 100 عام وطبقاً للإحصائيات الصادرة عن وزارة الثقافة والإعلام فإن عدد المسيحيين بما فيهم الروم الكاثوليك والنحل الأخرى يبلغ الآن ستة ملايين ويكمن السر الاستراتيجي وراء هذا النجاح البارز في الحقائق التالية : توضح التقارير حول المسيحية وأنشطتها في كوريا أن البعثات التبشيرية ركزت كل جهودها منذ البداية على تربية الشباب الكوري على أسس المعتقدات المسيحية ولم يستخدم المسيحيون الكنائس في كوريا لزرع تعاليم المسيحية إلا في حالات نادرة جداً . فالكنيسة بالنسبة للكوريين مجرد مكان للعبادة لأن العامل الكوري أو رجل الأعمال الكوري لا يتوفر له وقت الفراغ الكافي كي يذهب إلى الكنيسة باستمرار ويستمع إلى قداس القسيس ، لذا فقد ركزوا جهودهم في إنشاء مدارس إبتدائية وثانوية وكليات وجامعات وقد تربى الطفل الكوري فيها منذ حداثته حتى تخرجه كشاب مسيحي بكل معنى الكلمة ، وعموماً فإن الوالدين أو الأسرة في كوريا لا تتدخل في الديانة أو الملة التي يختارها أبناؤهم . وفي الوقت نفسه دعنا نتخذ مثالاً من البوذية ، التي كانت ديانة الدولة في كوريا لقرون طويلة قبل ظهور أسرة لي عام 1392 ، لذا كان يوجد أكثر من 1000 معبد بوذي على مستوى عظيم في البلاد ، ولا يختلف الأسلوب البوذي في نشر تعاليمه عن الأسلوب المسيحي فهو ينشئ المعاهد التعليمية من المستوى الإبتدائي إلى المستوى الجامعي وينفذ المناهج الدراسية على أساس العقيدة البوذية ، ومع ذلك فإن المعاهد التعليمية المسيحية أكثر عدداً من البوذية وذلك يساعد المسيحيين على جذب كثير من البوذيين ليصبحوا مسيحيين خلال مناهجهم المرسومة في المعاهد التعليمية . 4 ـ المشاكل التي تواجه أنشطة الدعوة الإسلامية في المجتمع المسلم في كوريا: لقد أُهملت الأقليات المسلمة في الشرق الأقصى لزمن طويل بلغ حوالي 1400 عام من قبل إخوانهم ، ولم تكن كوريا إستثناءً من ذلك ، ومعروف جيداً أن الأقليات المسلمة تعاني المصاعب في المجتمعات غير المسلمة وكذلك في ظل الأفكار والمبادئ السياسية الغربية وقد تُركت هذه الأقليات المسلمة تحت رحمة الجماعات الدينية وغيرها من الجماعات . لذا يصبح من الضروري استمرار البحث في كل بلد من بلاد هذه المنطقة ، إذ أن كل بلد لها مشاكلها المختلفة ، ومع ذلك توجد أوجه شبه سوف تبرز بالتأكيد خلال إجراء البحث في المستقبل القريب .

(1) المشاكل السياسية : لا يوجد لفظ » الدين « في الفلسفة الشيوعية لأن الشيوعيون ينكرون كل الأديان ووجود الخالق ، ويسمحون في الواقع للدعاية الأخرى ضد الأديان بدون إعطاء الحق للجماعات الدينية الأخرى في الرد على دعايتهم ضد الدين ، ولكن ، وبالرغم من كل أنواع الضغط من جانب الحكومة ضد الإسلام فإن التقارير المتوفرة تدل على أن المسلمين في هذه المناطق لم يتركوا ديانتهم وعقيدتهم الإسلامية . ومع ذلك فإن كثير من المسلمين في بعض المناطق التي تمارس الاضطهاد ، قد نسوا ديانتهم وتعاليمهم الإسلامية وأسوأ الحالات هي التي يفترض وجودها في كوريا الشمالية وهي الدولة التي يعيش فيها 15 مليون كوري تحت رحمة الشيوعية . لقد حان الوقت ليفهم المسلمون في العالم متاعب هؤلاء الناس وأن يولوا اهتماماً جاداً لمشاكلهم وإلا فسوف يصيبهم الإحباط ، فهم محتاجون إلى التشجيع والمعونة المادية والمعنوية من العالم الإسلامي . دعوني أولي اهتماماً خاصاً إلى ما يسمى بالتسامح الديني في البلاد الشيوعية مثل كوريا الشمالية حيث لا توجد أية ديانة ، إذ لا يسمح بوجود البوذية ولا المسيحية ولا الكونفوشيوسية ولا الإسلام بالطبع في كوريا الشمالية ولا يوجد مكان في العالم أسوأ من كوريا الشمالية وتصيبني الدهشة باستمرار كلما تلقيت الأسئلة من كثير من الإخوة المسلمين يسألون كم مسلماً وكم مسجداً في كوريا الشمالية ؟ ولم نعد نرحب بمثل هذه الأسئلة البلهاء .

(2) المشاكل التعليمية : إن وضع التعليم الإسلامي الأساسي في كوريا ليس مرضياً إذ لا يوجد تعليم ديني في المدارس الحكومية في هذه المنطقة ، لذا يجب أن يكون هناك تركيز على التعليم الإسلامي لهذا السبب لا بد من إعادة ترتيب وتنظيم برامج التعليم الإسلامية الموجودة . ولا بد من المساعدات الإيجابية للمسلمين الراغبين في إقامة معاهدة تعليمية إسلامية في هذه المنطقة وستكون إقامة الجامعة الإسلامية أعظم إدارة مؤثرة للدعوة الإسلامية في بلاد الشرق الأقصى مثل كوريا ، هذه الجامعة الإسلامية يجب أن تكون من باب فرض العين وفرض الكفاية .

(3) المشاكل المالية : وهي أصعب المشاكل التي تواجه كل أقلية مسلمة وبالتالي فإنهم يعانون موقفاً مالياً صعباً لمواجهة نفقات المطبوعات وصيانة المساجد والمراكز الإسلامية وإدارتها وهكذا ، وبدون حل لتلك المشاكل لن يستطيعوا نشر برامجها أو تحقيق أهدافها . إن الاستقرار المالي هو أهم وسائل الدعوة وبدون ضمان المورد المالي لن يستطيع إنسان أن يفكر في قيام مشروع إسلامي طويل المدى فكل إنسان يعرف أن تلك المشاكل المالية يجب أن يحلها المسلمون في بلاد الأقليات بأنفسهم ، ولما كان عدد المسلمين في بلد مثل كوريا صغير جداً فإنه يستحيل علينا أن نقف على أقدامنا وحدنا في هذه الفترة الحالية وحتى نستطيع الاعتماد على أنفسنا فلا يوجد وسيلة أخرى سوى الاعتماد على معاونة العالم الإسلامي .

(4) المشاكل الثقافية والعرقية : إن بلاداً مثل كوريا واليابان والصين وهونج كونج قد تأثرت بالكونفوشيوسية في عاداتها التقليدية لزمن طويل وبنفس الخلفية الثقافية ، فمثلاً ينحني الناس لوالديهم في يوم السنة الجديدة ، كما ينحنون لصور أجدادهم كذلك في طقوس دينية ، وهذا لا يعني صلاة بطبيعة الحال وإنما هو نوع من الاحترام لهم . وفي نفس الوقت تعيش الأقليات المسلمة في الشرق الأقصى في بلاد ذات ديانات راسخة مثل البوذية والكونفوشيوسية والمسيحية ، وقد حققت المسيحية خاصة في أقصى شرق آسيا إنجازات ملموسة في عملها التبشيري بسبب المعونة الهائلة من البلاد الغربية ، وتلك السيطرة الخاصة بالديانات القديمة الراسخة منعتنا من نشر الدعوة الإسلامية في هذه المنطقة . وفوق ذلك هناك سوء فهم للإسلام في هذه المنطقة ، فما زال كثير من الناس يفهمون الإسلام على أنه دين الإكراه وتعدد الزوجات والعقوبة القاسية ، وحتى كتب المدارس الإبتدائية والثانوية مليئة بتشويهات كثيرة للإسلام فمثلاً يعتقد مؤرخون كوريون مشهورون اعتقاداً جازماً بأن الحملة الصليبية خلال العصور الوسطى إنما هي حرب مقدسة .

(5) النقص في الدعاة المؤهلين والمفكرين والكتب :

أ ـ إن الديانات الراسخة مثل المسيحية والبوذية هي المهيمنة في كوريا ولذلك فلا بد من توفير الدعاة الإسلاميين المؤهلين تأهيلا ًعالياً ، صحيح أن عدد المسلمين الجدد في كوريا يزداد بمتوالية هندسية بعد أن اكتمل أول مسجد وأول مركز إسلامي عام 1976 وبالتالي أصبح من المستحيل عليهم القيام بالتبشير الإسلامي بكفاءة من خلال عدد محدود من الدعاة ، ولدى الاتحاد الإسلامي الكوري خمسة دعاة موفدين من الدول الإسلامية ويصعب جداً على أية حال تغطية متطلبات نشر الإسلام على المستوى القومي بهؤلاء الدعاة الخمسة إذا ما وضعنا في الاعتبار المعوقات الكثيرة أمام الدعاة في كوريا مثل ضعف اللغة والفروق الاجتماعية والثقافية بينهم وبين الشعب الكوري لذا يتطلب الأمر تأمين دعاة مؤهلين ومدربين في البلاد الإسلامية بقدر المستطاع لأنها الوسيلة المثلى لنشر الإسلام بأسلوب فعال في الخطة طويلة الأمد . وبهذا الخصوص نأمل أن تدعو كثير من الدول الإسلامية شبابها الطلاب لدراسة الثقافة الإسلامية واللغة العربية في تلك البلاد بهدف التنشئة الفعالة للدعاة المؤهلين للمستقبل وفي حال إرسال الدول الإسلامية لدعاتها نفضل إرسال الدعاة ذوي التأهيل العالي ليس في الثقافة الإسلامية فقط بل في مجال الأديان المقارنة وأن يكونوا من ذوي الشخصيات والاتجاهات الجيدة والتي تعبر عن النموذج المثالي للمسلم .

ب ـ المفكرون الإسلاميون والعلماء: وهم مطلوبون كذلك وبطريقة ملحة في الشرق الأقصى بما في ذلك كوريا فبدون هؤلاء المفكرين والعلماء فمن الذي يستطيع أن يدرِّس الثقافة الإسلامية بطريقة أكاديمية وعلمية كما أنه لا ينتظر بدون هؤلاء أن تكون هناك دعوة مؤثرة ومستوى عال من التعليم الإسلامي للمثقفين بما فيهم طلاب الجامعات .

جـ ـ المشكلة الأخرى هي نقص الكتب الإسلامية والمؤلفات الإسلامية بما في ذلك المصاحف وكتب الحديث ، ويتردد الكثير من الكوريين على المسجد والمركز الإسلامي يومياً يسألون ما هو الإسلام ، ويجيب عليهم الدعاة بالطبع ويتكلمون عن الإسلام باللغة الإنجليزية ويرغب الكوريون على كل حال في أن يعرفوا الإسلام معرفة أكثر عمقاً وبأسلوب علمي ويطلبون الكتب الإسلامية باللغة الكورية ولحل هذه المشاكل بدأ الإتحاد الإسلامي الكوري في نشر سلسلة من المؤلفات الإسلامية بتجميع أو ترجمة الكتب الإسلامية المنشورة في البلاد الإسلامية وهي عملية تستغرق الوقت الطويل والمال . إلى جانب ذلك نحتاج إلى كثير من الكتب في الموضوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الإسلامية ، ويعتقد الكثير من الكوريين أن الاتحاد الإسلامي الكوري هو مركز إعلامي للبلاد الإسلامية ومع ذلك سيكون من المستحيل بناء مركز ثقافي بدون معونات البلاد والمنظمات الإسلامية . وإذا أخذنا في الاعتبار ذلك الاتجاه الكوري الحديث نحو الإسلام مثل الاهتمام المتزايد بالعالم العربي والثقافة العربية منذ أزمة النفط فإنه يمكن تحقيق انتشار للنفوذ الإسلامي في أنحاء البلاد . وإذا استطعنا أن نجعل العمال الكوريين البالغ عددهم أكثر من 200.000 عامل في البلاد الإسلامية في الشرق الأوسط يعتنقون الإسلام هم وعائلاتهم فسوف يكون ذلك نقطة انطلاق في نشر الإسلام على المستوى القومي ، بالإضافة إلى ذلك الجهود التي يبذلها الاتحاد لإدخالهم في حظيرة الإسلام عن طريق الاتصال بكثير من الشركات العاملة في هذه المجالات وقد حققنا نتائج مثمرة من وراء هذا الجهد . وأهم من ذلك جميعاً تلك الحقيقة التي تقول أنه يوجد في كوريا أكثر من 20 مليوناً من غير المسلمين مما يعطي آمالاً واعدة في انتشار الإسلام . وقد يكون من السهل استخلاص النتائج حول الموقف العام للإسلام ومستقبله في كوريا . وكما بينا في الظروف والمواقف السابق شرحها ، فإنه يمكن تقييم الظروف الخارجية لنشر الإسلام في كوريا على أنها جيدة في كثير من الأحوال . فالمشكلة هي كيف نبَّسط أعمال نشر الدعوة بأسلوب أكثر تأثيراً بالإضافة إلى التركيز الداخلي واللازم لهذا النوع من الظروف ، لذا يلزم وجود تركيبة افتراضية تتكون من الميل الروحي للجهاد في سبيل نشر الإسلام من جانب مسلمي كوريا والمعاونة القوية المادية والمعنوية من جانب البلاد الإسلامية الكبرى في أنحاء العالم .

إن الإسلام في كوريا حقيقة الأمر يشبه شجرة تحتاج إلى كمية ضخمة من الغذاء والماء والشمس مع عمرها القصير البالغ ثلاثين عاماً ، وفوق ذلك يفترض أنه إذا استمرت المعونات الإيجابية من جانب الإخوة المسلمين من أنحاء العالم فإن شجرة الإسلام في كوريا ستنمو مترعرعة مع نشر التعاليم الإسلامية في أنحاء تلك البلاد ، ونأمل أن ينال الإسلام في كوريا نقطة تحول جديدة في انتشاره عن طريق معرفة ودراسة الأساليب الأكثر فاعلية والطريقة المثلى لأعمال الدعوة الإسلامية من خلال المشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية .

– ملاحظة : أضافها (احمد معاذ الخطيب الحسني) : – سبق أن دعي والدي رحمه الله إلى حفل الافتتاح في المسجد الأول لمسلمي كورية والذي بني عام 1976م ، وأذكر أن رئيس كورية وقتها رحب ببناء المسجد ، بل أهدى المسلمين قطعة أرض في مكان ممتاز … ولقد حجم الدعوة هناك مالم يذكره الكاتب من مناهج ضيقة لم يستطع إخلاص أصحابها أن يعوض عن قصور نظرهم ، حيث بدؤوا بطرح مشاكل عقدية وفقهية لم يستطع الكوريون استيعابها ، رغم أنه وكما ذكر الكاتب يلتقون في جذورهم العميقة مع الإسلام ، وكانت لديهم نزعة توحيدية في الدين القديم الذي كان منتشراً بينهم ، ومن المآسي أن بعض الدعاة بدأ بتفقيه الكوريين حول حرمة لحم الكلاب ( وهو أمر شديد الانتشار في جنوب شرق آسية) ولم يصغ الدعاة إلى حكماء الدعوة وعلى رأسهم العلامة الشيخ محمد الغزالي الذي نصحهم بأن يدعوا تلك الأمور جانباً فلم يلتفتوا إليه شموخاً بمناهج أثبتت الوقائع والتجارب والإخفاقات المريرة ضعفها وعدم إدراكها للأولويات! – تعودنا الحديث عن النجاح دون أن ننظر في الخسائر ، ومن المحزن جداً تلك الخسائر التي تحصل عندما يقيم في بلاد المسلمين وخصوصاً دول الخليج الملايين من الكوريين والصينيين والتايلانديين والفيليبينيين وغيرهم … فلا يدخل في الإسلام منهم إلا بعض مئات في كل سنة ، وهذا مؤشر خطير إلى الضعف الدعوي في الأسس والمناهج والحركة والفقه المطروح رغم الأموال الهائلة التي تبذل! فيكون المردود من ورائها في غاية التواضع! – إن في ذلك لذكرى ….

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على الإسلام في كوريا الجنوبية مغلقة

قبس من علم الخطابة – 2

والكلمة أمانة


ما من سبب لبقاء المرض أقوى من اعتقاد المريض عدم إمكانية الشفاء ، ولقد سرت بين كثير من الخطباء فكرة مفادها أن خطبة الجمعة إنما هي فريضة تؤدى وليس لها كبير أثر في بناء المجتمعات.
إن هذا الوهم سببه الكسل أولاً ثم ضآلة العلم والزاد ثانياً ، و لايمكن لشيء أن يدمر العمل المثمر مثل الفكرة الفاسدة. إن الكلمة من أعظم أنواع القوة : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) .
ولقد كان المشركون يسدون آذانهم كي لاتصل حقائق الكلمات إلى قلوبهم ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون) . أما مصعب بن عمير فشيد أول دولة في الإسلام بالصدق في كلمة الحق التي يحملها. وبقيت كلمة ابن آدم مبدءاً في التفكير : “لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” . وأتت كلمات سيد الفصحاء محمد فكانت البلسم الشافي للبشرية من جاهليتها وانحرافها . “والكلمة الطيبة صدقة” كما يقول المعلم الهادي
. إن كلمات عمر تهز هزاً : “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً” ومازالت كلمة الإمام الحسين تدوي : “إن كان دين محمد لايستقيم إلا بقتلي فياسيوف خذيني” وكان القاضي الزبيري يعتقد اعتقاداً جازماً أن للقلم صولة عظمى في محاربة الفساد : (كنت أحس إحساساً أسطورياً بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان) .
أما هيوستن فوقف عام 1830 ليخطب في الكونغرس خطبة بليغة لم يستعمل فيها كلمة مرتين ؛ فسحر الألباب ، ومن بعده كلف بأمر لاينتهي إلا بحرب ، فأنهاه من دون طلقة واحده ببراعة لسانه! . وأجاد الجاحظ إذ قال : (وأحسن الكلام ماكان قليله يغنيك عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه ، وكان الله – عز وجل – قد ألبسه من الجلالة ، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع ؛ بعيداً عن الاستكراه ومنزهاً عن الاختلال ، مصوناً من التكلف ؛ صنع صنيع الغيث في الأرض الكريمة ، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ، ونَفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ، ومنحها من التأييد مالا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة ، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة) . مع الكلمة لابد للخطيب من فكر صحيح يتحرك من خلاله ، لأن : “الفكر هو الذي يقود التقدم ، فلا يمكن لمجتمع أن ينهض مالم يتقدم الفكر لديه ، ويكن في وسعه توفير الأسس المنهجية والإصلاحية لذلك ، وتقوم تنمية الفكر على ثلاثة أسس رئيسة :

التعرف على المبادئ والمنطلقات الصحيحة التي تستخدم في التفكير ، إلى جانب معرفة بعض التقنيات التي تساعدنا على استخدام إمكانياتنا العقلية على نحو صحيح ، بالإضافة إلى تسليط الضوء على بعض الانحرافات عن سبيل التفكير المنهجي” . “ليس الفكر بديلاً عن المبادئ ولا العلم ولا التربية ولا الأخلاق بل هو شرط أساسي لصواب الحركة بها … وفكر في مشكلة : أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها …فالتفكير هو إعمال الإنسان لعقله من خلال ثقافته لإيجاد بدائل أوحل مشكلات أو كشف العلاقات والنسب بين الأشياء” .

كُتب في المناهج | التعليقات على قبس من علم الخطابة – 2 مغلقة

قبس من علم الخطابة -1

المنبر أمانة

إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً ورحمة للعالمين أرسله ، وبعد :

فكما أن دراسة الأخلاق من كتاب لا تُورث صاحبها الخلق الرفيع ما لم يُروض الإنسان نفسه على الأخذ به ، فكذلك دراسة الخطابة وأصولها ، فالإحاطة بأصول علم ما وقواعده شيء غير الخبرة العملية به ، ولقد كان حافظ إبراهيم لا يلحن في كلامه نثراً ونظماً ، وهو لا يعرف النحو ولا الصرف ، ولم ينطق ببيت من شعره مكسوراً قط ، وإنما صار كلامه من الطراز الأول بالممارسة وتراكم الخبرة.

ودراسة أصول الخطابة إنما تأتي ثمارها عند وجود ملكة أو استعداد كامن ، أو فيض في النفس ، ولقد كان مولانا محمد إلياس \”ليس بمفوه ولا خطيب ، بل يتلعثم في بعض الأحيان ، ويضيق صدره ولا ينطلق لسانه ، ولكنه كله روح ونشاط وحماس ويقين… \” فلقد حقق القانون الذي أجلاه الإمام الجيلاني : \”كن صحيحاً تكن فصيحاً … كن صحيحاً في السر تكن فصيحاً في العلانية\” وليست الفصاحة هنا بكثرة المستمعين من الناس ، ولا علو صوت يدوي ، بل سريان فيض هداية ، ونقل الناس من القيل والقال إلى تزكية الأعمال ثم التحقق بالأحوال ، وإذا صلح قلب العبد للحق عز وجل انتقل النور من قلبه إلى قلوب العباد كسراج يقتبس من سراج ، كما يذكر الشعراني في الأنوار.

لقد قال المربون : المحبة لا تجيء بالتعليم ، بل بالمجاهدة ، فالذوق يحصل منها ، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ، وما كان لمتكلم لم يتذوق لذة خلوات الليل ، ولم يفض دمعه في محاريب المناجاة ؛ أن يتكلم عن التوبة والافتقار إلى الله والبكاء من خشيته ، فينتقل حاله إلى المستمعين ، فالحال يسري لا عبر المكان بل الزمان أيضاً ، ووصف ذلك الحسن البصري رحمه الله فقال : بحسبك أن أقواماً ماتوا تحيا القلوب بذكرهم ، وبحسبك أن أقواماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم! ومتصنع الحال لايخفى ، وما كانت النائحة يوماً كالثكلى . للصدق علامات ، وللمجاهدة أنوار و\”ما أروع كلمات الخطيب ، وما أجمل تعبيره ، ولكنني لا أجد في عينيه بريق الحب ، ولا أقرأ في وجهه نور الإيمان ، وسيماء الحب والحنان\” . بعض الخطباء وكثير من الناس يعتقدون أن خطبة الجمعة مجرد فريضة تؤدى ، ولا يعلمون أنها مفتاح تغيير شامل يمكن أن يكون من أقوى عوامل نهضة الأمة! وبسبب الكسل وقلة المعرفة وربما الغرور! صارت خطبة الجمعة تستدعي النوم بدل أن تبعث في المجتمع الحياة. (إن إقبال الناس لايطلب بل يُوهب ، وإذا حصل الإقبال لايُسرُّ به العالم الحق ، وإن سُرَّ به ضاع الإخلاص ، ويقع في الرياء) .

المتكلمون كثيرون ، ولكن من الذي يدوم تأثيره ، وكيف؟ وهل خطبة الجمعة هي مجرد فريضة تؤدَّى ، أم مفتاح لتغيير شامل في واقع الناس ؛ ينتقلون به من الفساد إلى الصلاح ، ومن الصلاح إلى الأصلح ؟ وهل لذلك التغيير قوانين؟ أم الأمر محض صدفة؟ وهل الخطابة علم متكامل ومنهج أم نتف يجمعها الخطيب ، هذه الأمور سنتحدث عنها بالتدريج ، وقد كانت بعض المناهج السابقة اللبنة الأولى في تعلم الخطابة ، وهذه لبنة ثانية ، وهي مجرد خطوة في الطريق وليست بحال آخر المطاف ، و(لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة) ، وكلنا أمل بأن تكون رفقتكم لنا لاكتشاف فن الخطابة وزيادة المعرفة فيه ، محفوفة بالتوفيق والفائدة والعمل المثمر ، الذي نرجو الله من وراءه أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير ، لنكون بناة للأمان والإيمان، وعوامل استقرار ووعي في بلد البركة والإيمان والخير.

كُتب في المناهج | التعليقات على قبس من علم الخطابة -1 مغلقة

الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب

دعاة أخفياء :

ولد الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب عام 1913م في الخريزاتية – حي القيمرية أحد أعرق أحياء دمشق ؛ منحدراً من أسرة علمية ينتهي نسبها إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما (ويعتقد أن عمره الحقيقي أكبر عدة سنوات مما تذكره الأوراق الرسمية). تجرع اليتم باستشهاد والده : الشيخ كمال في معركة ميسلون ، والذي كان فرضياً ومدرساً في جامع بني أمية الكبير ، فأثر الأمر في نفس الابن فاتخذ من رجولة أبيه لقباً يذكره به ، فكان يكتب تحت اسم : ابنُ شهيد ميسلون : محمد بن كمال الخطيب. نشأ محمد بن كمال عصامياً وشق طريقه الصعب في الحياة حتى تخرج من كلية الحقوق بجامعة دمشق ، وكان من زملائه منير العجلاني ومن أساتذته مفتي الشام الطبيب أبو اليسر عابدين ، وكان بينهما محبة شديدة وملازمة من التلميذ لأستاذه مدة طويلة ، كما تردد على شافعي دمشق الشيخ صالح العقاد رحمه الله

انخرط الأستاذ في نشاطات كثيرة وطنية وإسلامية ، ومنها الجبهة الوطنية المتحدة (الحرة) التي أسسها الأستاذان زكي الخطيب وعبد الرحمن الشهبندر وكان أحد المنظمين للشباب فيها باسم شباب العروبة السوريين.

أما أهم خط أثَّر في حياة الأستاذ رحمه الله فهو بلا ريب خط جمعية التمدن الإسلامي ، وهو أحد أقدم رجالها ، وقد ضمت الجمعية صفوة علماء الشام في وقتها مثل الأساتذة السادة : حمدي السفرجلاني ، عبد الفتاح الإمام ، أحمد مظهر العظمة ، عبد الحميد كريم ، عبد الحكيم المنير ، محمد بهجت البيطار ، محمد علي ظبيان ، محمد سعيد الباني ، جميل الشطي ، محمد أحمد دهمان ، عبد الرحمن الخاني ، سعيد الأفغاني ….. وغيرهم من العلماء السابقين …. ثم صار الأستاذ أحد أنشط رجال الجمعية وأميناً لسرها ثم مديراً لمجلتها ، وأفنى شبابه فيها وكانت الجمعية همه وحياته وسعادته رغم الطريق الطويل المليء بالمصاعب والمحن . ظهرت نجابة الأستاذ خطيباً وكاتباً ومفكراً منذ بواكير شبابه ، وقد نشرت أول مقالة له في العدد الثالث من السنة الأولى من مجلة التمدن الإسلامي (1932م) بعنوان : التشريع الإسلامي ، وتتابع عطاؤه فنشرت له مجلة التمدن الإسلامي خلال مايقارب الخمسين عاماً من حياتها حوالي أربعمائة وخمس عشرة مقالة باسمه الصريح وحوالي أربعاً وأربعين مقالة تقريباً تحت اسم ( م.خ ) ، وستاً باسم أبي كنانة (وقد صار أبا كنانة بعد أعوام طويلة من اختياره ذلك اللقب)

ويذكر الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته عن بغداد مايلي: ( ولما رجعت في الصيف إلى دمشق، دعوت إلى داري وكانت في (الخضيرية)، وكانت فيها غرفة كبيرة فيها مجلس عربي، دعوت العاملين في مجال الدعوة إلى الإسلام، من أصحاب الصوفية إلى أرباب السلفية، لم أغادر منهم أحداً، ومن فقهاء المذاهب الأربعة، إلى الوعاظ والخطباء، فحدثتهم عما رأيته في العراق، وحذرتهم مثل ذلك المآل.. وقلت لهم بعد كلام طويل: أنا لا أريد أن يبدل أحد منكم طريقته ولا أن يغير مشربه، ولكن أريد شيئاً واحداً، هو أن هذا الباب المغلق إن دفعته يد واحدة لم ينفتح، فإن اجتمعت عليه الأيدي الكثيرة فتحته. والذي أريده هو أن نتعاون، لا أن يعمل كل وحده. واقتراحي هو أن تنتخب لجنة فيها ثلاثة منكم، يراقبون الأحداث، فإن رأوا ما يمس الإسلام كان عملهم أن يبلغوكم به فقط. هذا هو وحده عملهم، فمن اقتنع منكم بوجوب العمل عمل على طريقته وأسلوبه: الخطيب يذكر ذلك في خطبته يوم الجمعة، والمدرس يعرض له في حلقته، والمعلم يذكره لتلاميذه في مدرسته، وكل واحد ينبه إليه أصحابه، ومن كان ذا قلم أو كانت له صلة بأرباب الأقلام وأصحاب الصحف؛ عمل على الكتابة فيها أو دفع إلى ذلك أصحابها. ومن استطاع أن يراجع الوزير الذي يقدر على إزالة هذا المنكر ذهب إليه وحده، أو مع وفد يختاره، فشرح له الأمر وطلب منه إنكار المنكر. وانتخبت اللجنة وكان فيها ثلاثة، وكلهم ـ بحمد الله ـ أحياء، أحسن الله ختامهم، وهم الأستاذ محمد كمال الخطيب، والأستاذ الشيخ ياسين عرفة، وعلي الطنطاوي). وهذه شهادة عالية بالأستاذ من رجل قليل من يعرف الرجال مثله. كما يذكر الطنطاوي في مذكراته أن الأستاذ عبد الغني الباجقني رجل عالم بالعربية، فقيه مالكي، واسع المعرفة من أفصح من عرف الطنطاوي لهجةً ، يكاد يكون كلامه كله فصيحاً ، ثم يقول: ( لاأعرف مثله في ذلك إلا قليلاً منهم الشيخ بهجة البيطار ، والأستاذ محمد البزم ، ومن إخواننا الأحياء المحامي محمد كمال الخطيب ) وهذه شهادة أخرى من العلامة اتلطنطاوي للأستاذ رحم الله الجميع.

كان للأستاذ مكتب للمحاماة يعيش منه افتتحه في منزله المعروف في شارع خالد بن الوليد ، بعدما تدرب على المحاماة في مكتب قريبه الأستاذ زكي الخطيب وعمل معه في الأمور السياسية والوطنية ، وكان محمد كمال معجباً به لأستاذيته ووطنيته وثقافته العالية وبقائه ثابتاً على دينه وولائه لأمته خلاف الكثيرين ممن فتنوا بالغرب .

بقي الأستاذ محمد بن كمال يحاضر ويدرس ويخطب وينشر أكثر من خمسين عاماً ، ..وقد مكث حوالي خمسة عشر عاماً خطيباً في جامع نور الدين الشهيد (سوق الخياطين) ومايقارب عشر سنوات في جامع المولوية (شارع النصر) . عمل الأستاذ في الحقل الإسلامي والوطني السياسي والاجتماعي والخيري وكان صلة الوصل بين جمعية التمدن الإسلامي ، والشبان المسلمين ، والجماعات الإسلامية الأخرى ، وقد اعتقل مرتين في حياته وحكم عليه في إحداها بالإعدام (أحداث الأموي) في منتصف الستينات.

لم يترك الأستاذ نوعاً من العمل الخيري والاجتماعي لم يقتحمه فكان من مؤسسي ميتم سيد قريش، ومن مؤسسي جمعية رعاية المكفوفين، كما شارك في الإدارة والتأسيس والتدريس في العديد من المدارس وخصوصاً مايهتم منها بمكافحة الأمية، واختير مديراً للتعليم الخاص في الخمسينات (خلال عهد الرئيس شكري القوتلي) ، وقد سافر في أواخر عام 1981م إلى بريدة وأنشأ جمعية بريدة الخيرية لأنه رأى فيها مايخالف نهجه في الحياة! وعمل مستشاراً لرابطة العالم الإسلامي والتي طبعت له بعض مؤلفاته، كما امتحن بالعمل مستشاراً قانونياً في السعودية لأحد كبار رجال الأعمال أكثر من خمس سنوات ثم أُكلت حقوقه . كان عنده تصريح من الملك عبد العزيز بأنه من رعايا المملكة ، لكنه كان ينظر إلى عطايا الملوك بحذر بالغ ويخشى أن يكون الثمن على حساب دينه؛ فلم يستخدم ذلك التصريح يوماً رغم ظروف شديدة أحاطت به.

ينتسب الأستاذ عملياً إلى مدرسة علماء الشام الفحول كجمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري، وسعيد الباني، ومحمد بهجة البيطار، ومحمد أحمد دهمان، وعلي الطنطاوي، وأحمد مظهر العظمة … وغيرهم رحمهم الله جميعاً،. كما يعتبر الأستاذ أحد أنشط رجال جمعية التمدن الإسلامي، وربما لايسبقه في ذلك إلا الأستاذ أحمد مظهر العظمة، وقد كان منهج الجمعية ولا يزال منهج اتباع الدليل من الكتاب والسنة مع إدراك عميق لمقاصد الشريعة، وانفتاح وتعاون مع كافة التيارات الإسلامية، دون انغلاق ولا تعصب ولا تكفير، مع اهتمام بالغ بأحوال الأمة و سد ثغراتها على كل صعيد. كان الأستاذ محباً لابن تيمية رحمه الله مع نفس صافية وتواضع جم، ومن طرائف تجرده وبحثه عن الصواب أنه كان ضد الفكر الصوفي ويراه سبب تخلف المسلمين، وبعد محاورة مع الأستاذ محمود غراب ناشر كتب الشيخ محي الدين بن عربي ومدرسها؛ حضر كثيراً من تلك الدروس مابين عامي 1970- 1980م وانغمس في تلك الفترة في دراسة الفتوحات المكية ولخصها كلها، وتوجه إلى البحث عن ناشر لملخصه ثم بدا له أمر ما؛ فأمر بإحراق ذلك الملخص!

-حضر الأستاذ مؤتمرات تربوية ودعوية وقانونية عديدة، في الإمارات والسعودية ومصر وغيرها باسمه أو باسم جمعية التمدن الإسلامي، وكان متأثراً بشكل كبير بقريبه الأستاذ محب الدين الخطيب وطريقته في الحركة والتفكير.

-شكل الأستاذ في عائلته آل الخطيب الحسني محور استقطاب فعال، سواء في مجالسها العائلية أو نسيجها الاجتماعي ،وهو أحد وجوهها الأساسية ، ويمكن اعتباره المرشد الروحي لبقية كشاف آل الخطيب الحسني والناظم التربوي لهم ، متعاوناً مع ابن عمه الطبيب أبي الخير (وهو أحد أبرز رجال عائلة الخطيب وكبير أساتذة الجراحة في جامعة دمشق).

-زاره أحد الدعاة وسأله: أين موقعنا؟ فقال الأستاذ: لو أُعطيت وزارات الدولة فأيها تختار؟ فقال: وزارة التربية؛ فقال الأستاذ: إذاً اجعل همك وعملك في التربية!

– من آثر كتبه عنده كتاباه : الحج على المذاهب الأربعة و نظرة العجلان في أغراض القرآن (وهو موجز لتفسيره المخطوط) كما له من المؤلفات ، والكل من مطبوعات جمعية التمدن الإسلامي:

-زهرات وثمرات 1976

-تذكرة الحج والعمرة 1955م

-الحج بعبادته ومنافعه 1977م

-دراسات قرآنية 1973م

-مناهج المعارف في البلاد العربية

– طرابلس برقة 1965م

-التعريب لأهل العربية 1977م

-حكم قروض الجمعيات السكنية 1977م ك

ما له من الآثار المخطوطة تفسير موضوعي للقرآن الكريم كتب منه عشرين جزءاً في دمشق، وأتبعها بعشر في الحجاز؛ إضافة إلى مخطوط كتبه في السبعينات حول تعليم اللغة العربية لغير العرب. وله مئات المقالات المبثوثة في بطون مجلدات مجلة جمعية التمدن الإسلامي.

-رزق الأستاذ ولدين أكبرهما محمد كنانة (مهندس ميكانيك) ومحمد معد (مهندس ديكور) وبنت (السيدة لبانة) تزوجت من آل الرقوقي ، كما رزق بطفل توفي غرقاً وهو في الرابعة من عمره أثناء رحلة مع كشاف آل الخطيب!

– كان للحياة الصعبة والمجهدة التي عاشها والسجون التي فتحت له أثر شديد على جسده النحيل ، ففقد بصره نهائياً قبل وفاته بثمانية أعوام وهو صابر محتسب.

– غمط الأستاذ حقه حياً وميتاً ولم يعلم كثيرون بموته، وصلي عليه في الجامع المحمدي غرب المِزة، ودفن في مقبلرة الدحداح يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الثاني عام 1421هـ الموافق 20 تموز 2000م.

– حياة أبي كنانة رحلة طويلة من المحن والجهاد والبذل الذي لايعرف الحدود لهذا الدين العظيم، وقد خاف البعض حتى من حضور جنازته أو العزاء به، وإن الجبناء لا يطيقون السير مع الشجعان ويخافون أن تجتمع ولو أسماؤهم مع بعضها حتى لو جُندل الشجعان بين الصفائح وضمتهم القبور!

– اللهم أنزل عليه واسع رحمتك وطهره من ذنوبه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً ….. اللهم آمين..آمين.

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

– المراجع : من مقابلة مع السيد محمد كنانة الخطيب

– من أوراق جمعية التمدن الإسلامي

– مذكرات الشيخ علي الطنطاوي

– ذكريات خاصة

انظر صورته في قسم الصور

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب مغلقة

العلامة الشيخ فيصل مولوي

ولد سماحة العلامة الشيخ فيصل مولوي في طرابلس الشام، والتي أخرجت الكثير من العلماء عام 1941م وتربى في بيت علم وفضل ودين. درس في الجامعة اللبنانية وحصل منها على إجازة في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم السياسية -1967م ، وقصد دمشق الشام فحصل على إجازة في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق / كلية الشريعة عام 1968م ، ثم توجه إلى فرنسة فحاز دبلوم الدراسات المعمّقة من جامعة السوربون باريس .

عاد إلى لبنان ليعين عُيّن قاضياً شرعياً سنة 1968، وتنقّل بين المحاكم الشرعية الابتدائية في راشيا وطرابلس وبيروت. إلى أن عُيّن مستشاراً في المحكمة الشرعية العليا في بيروت سنة 1988 وبقي في هذا المركز حتى استقالته سنة 1996، كما حاز مرتبة \”قاضي شرف برتبة مستشار\” بموجب مرسوم جمهوري رقم 5537 تاريخ 23 أيَار 2001. – قضى في أوروبا خمس سنوات من عام 1980م حتى عام 1985م أصبح فيها مرشداً دينياً لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثمّ في أوروبا منذ سنة 1986 وحتّى الآن، وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتّى الآن.

اختارته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض أثناء إقامته في فرنسا كأحسن داعية إسلامي في أوروبا ومنحته جائزة تقديرية. خلال إقامته في الغرب كان العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في \”شاتو شينون\” في فرنسا منذ تأسيسها سنة 1990 وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي ومخصّصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب، واستمرّ في هذا المنصب حتىّ سنة 1994.

يعتبر العلامة مولوي أحد الدعاة القلائل الذين جمعوا بين الأصالة الإسلامية والخبرة الثقافية والعملية حول البلاد الغربية، وهو فقيه وقاض ومفكر وداعية من طراز نادر، وقد أعطته خلفيته الإسلامية والعلمية ثم اختصاصه ثم خبرته إحاطة واسعة وقدرة على التعامل المتقدم تجاه ظروف المسلمين ومعاناتهم ومشاكلهم ضمن رؤية متوازنة ومعتدلة ، كما أن له موقعاً قيادياً إسلامياً متقدماً فهو الأمين العام الحالي للجماعة الإسلامية في لبنان ، ورئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990 وعضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي ، إضافة على أنه شغل في بعض فترات حياته موقع رئيس جمعية التربية الإسلامية في لبنان. – يشغل حالياً منصب نائب رئيس المركز الأوربي للإفتاء والبحوث، ورئيس لجنة الفتوى في مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

البحوث و المؤلفات :

سلسلة مبادئ التربية الإسلامية للمرحلة الابتدائية )خمس أجزاء).

سلسلة التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة- أربع أجزاء

الجزء الأول من كتاب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية

تيسير فقه العبادات

دراسات حول الربا والمصارف والبنوك

موقف الإسلام من الرقّ

أحكام المواريث، دراسة مقارنة

الأسس الشرعية للعلاقات بين المسـلمين وغير المسلمين

نظـام التأمين وموقف الشريعة منه

نبوّة آدم

المرأة في الإسلام

حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول

السلام على أهل الكتاب

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب

أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية – إضافة إلى ذلك فله المئات من الفتاوى والمحاضرات ، وللتوسع فيرجى الاطلاع على موقع سماحة الشيخ وأعماله وفتاواه في الرابط التالي : www.mawlawi.net

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على العلامة الشيخ فيصل مولوي مغلقة