الإسلام في كوريا الجنوبية

بتصرف يسير من تقرير عن المسلمين في كوريا

أعده د.أبو بكر كيم

ونشرته الندوة العالمية للشباب المسلم في ندوة حول الأقليات المسلمة في العالم عام 1420هـ/1999م

1 ـ الخلفية التاريخية للوجود الإسلامي في كوريا: الإسلام دين جديد في جمهورية كوريا ، ويعتقد أن المسلمين العرب جاءوا إلى كوريا لأول مرة في أثناء حكم أسرة شن ـ وا في القرن الثامن الميلادي ، وفيما يلي وصف تاريخي منقول من السجل عن تلك الزيارة المبكرة التي قام بها الزائرون من العرب لكوريا: » في سبتمبر من السنة السادسة عشرة لحكم الملك هيونج ـ جونج في خلافة جو ـ ريو في القرن العاشر الميلادي زار مائة عربي بلادنا وعرضوا ثقافتهم وحضارتهم على الكوريين «. » وكان التجار العرب لا ينطقون كلمة » جو ـ ريو « نطقاً صحيحاً ومن ثم أطلق على بلدنا اسم كوريا ، ولا يوجد أثر لانتشار الإسلام ، آنئذ «. » وقد شبت الحرب الكورية سنة 1950 م ، وطلبت الأمم المتحدة من الدول المحبة للسلام أن ترسل جنودها للدفاع عن كوريا الجنوبية ضد الهجوم العسكري الذي شنه الجنود الشيوعيون المتحدون من الشمال . وقد كانت تركيا وهي دولة مسلمة بين الدول التي استجابت لطلب الأمم المتحدة فأرسلت جنودها إلى كوريا الجنوبية . وقد استطاع الجنود الأتراك نشر الدين الإسلامي بين الكوريين فضلاً عن أدائهم واجبهم في الدفاع عن كوريا الجنوبية ، واعتنق الكوريون الإسلام لأول مرة عام 1955 م . ونتيجة لذلك أرسلت تركيا اثنين من الأئمة إلى كوريا ، الشيخ / زبير كوجي والشيخ / عبد الرحمن وذلك لتعليم الكوريين الدين الإسلامي ، وبنى الجنود الأتراك مسجداً مؤقتاً باستخدام خيمة قديمة يؤدي فيها الكوريون الصلاة ويتعلمون الإسلام . ومنذ ذلك التاريخ بدأ دين الله ينتشر في كوريا ببطء شديد. وفي السنوات التالية بلغت أنباء اعتناق بعض الكوريين الإسلام إلى الدول المسلمة المجاورة وقد أبدت منظمات وهيئات إسلامية عديدة اهتماماً كبيراً بهذا العدد الصغير من المسلمين الكوريين . وتأتي » ماليزيا « في مقدمة تلك الدول . وفي سنة 1963 بادر السيد داتو حاج نوح المتحدث باسم البرلمان الماليزي بزيارة كوريا على رأس وفد ماليزي للاطلاع على أوضاع المسلمين الكوريين الجدد ، ودراسة نشر الإسلام في كوريا . وبعد عودته إلى ماليزيا ، فتح مجالاً للتعاون المتبادل بين المسلمين الماليزيين والمسلمين الكوريين ، ونتج عن ذلك دعوة أحد عشر كورياً من بينهم » ثلاث فتيات « على منح من حكومة ماليزيا لتعلم أصول الإسلام ومبادئه وذلك في الكلية الإسلامية في سيلانجور . وفي سنة 1965 زار السيد داتو حاج نوح كوريا مرة أخرى وتم تأسيس الاتحاد الإسلامي الكوري بناء على نصيحته ، وحتى اليوم لا يزال هذا الاتحاد قائما ، بل إنه المنظمة الإسلامية الوحيدة الموجودة في كوريا والمعترف بها قانوناً من الدولة ويشعر المسلمون الكوريون بالعزة والاعتزاز بسمات هذا الاتحاد الفريدة المميزة . وبعد عودته إلى ماليزيا قام السيد / تنكو عبد الرحمن الذي أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء ماليزيا بمنح مائة ألف دولار ماليزي أي بما يعادل 33000 دولار أمريكي لدعم أوجه نشاط الدعوة الإسلامية في كوريا . وقد أكدت هذه المساعدة المالية لدى المسلمين في كوريا الأحلاف وروابط المحبة والإخاء التي تبرز واضحة جلية في الإسلام . وقد شجعهم ذلك على العمل بجد أكبر في نشر الإسلام ، وهكذا تقف ماليزيا على رأس الدول الإسلامية التي تدعم الإسلام والمسلمين في كوريا ، ونحن نقدر هذا الموقف تقديراً بالغا .

ومن الناحية الأخرى فإن باكستان هي الدولة المسلمة الأولى التي أتاحت الفرصة للمسلمين الكوريين في الأيام الأولى بما في ذلك أربعة عشر طالباً لتعلم أصول الإسلام ومبادئه ومعاني القرآن الكريم والحديث ، وعلاوة على ذلك فلا يمكن أن ننسى إسهام جماعة التبليغ من الباكستان وعملها على نشر الإسلام في كوريا . وبدأ الإسلام ينتشر في كوريا بسرعة كبيرة عندما فتحت معظم الدول العربية والإسلامية الأخرى أيديها وقدمت دعماً مخلصاً لإقامة مسجد ومركز إسلامي في سيول عاصمة كوريا وذلك في سنة 1976 م .

2 ـ المساجد والمراكز الإسلامية في كوريا: وفي مايو 1976 م أتم اتحاد المسلمين الكوريين بناء أول مسجد ومركز إسلامي في كوريا بالمساعدات المادية من الدول الإسلامية التالية ، المملكة العربية السعودية ، ليبيا ، والكويت وقطر والمغرب والإمارات العربية المتحدة … إلخ وكانت أكبر المساعدات من رابطة العالم الإسلامي بالمملكة العربية السعودية وجمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا ، وقد شارك في حفل افتتاح المسجد الكبير والمركز الإسلامي في سيول أكثر من خمسين وفداً حضروا من عشرين دولة إسلامية . وقد مرت ثلاثون عاماً منذ أن دخل الإسلام لأول مرة في كوريا ومرت عشرون سنة على إنشاء الاتحاد الكوري الإسلامي . وقد كانت أوجه نشاط الاتحاد راكدة قبل إنشاء المركز الإسلامي والمسجد الكبير في سنة 1976 م وبعد إنشائهما وتشييدهما استطاع الاتحاد أن يحقق نجاحاً ملموساً في زيادة عدد المسلمين من 3000 مسلم إلى أكثر من 300.000 مسلم خلال عشر سنوات وقد نتج عن ذلك زيادة في الإدراك والوعي بالإسلام في كوريا من خلال وسائل الدعوة الفاعلة .

وقد افتتح المسجد الثاني بحمد الله وتوفيقه تعالى عام 1980 في مدينة بوزان ثاني أكبر المدن الواقعة في جنوبي كوريا ، وبحضور أكثر من 50 مندوباً من مختلف الدول الإسلامية ، وتمت تغطية تكاليف مباني هذا المشروع من مساهمة الإخوة الكرماء في ليبيا بصورة عامة ومن الدكتور علي الفلاغ وزير المالية الليبي وقتئذ ، بصفة خاصة . بالإضافة إلى ذلك أقيم حفل افتتاح المسجد الثالث والمركز الإسلامي في يوليو 1981 وشاهده أكثر من 40 مندوباً من الدول الإسلامية بما فيها الجزائر وأوغندة وبنجلاديش وباكستان والهند وإيران وتركيا وليبيا ومصر والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر وهونج كونج وغيرها ويقع المسجد والمركز على بعد 30 ميلاً من العاصمة . توجد بلدة صغيرة وسط حوالي عشرين قرية تسمى سسانج ـ يونج ـ دي يسكنها حوالي 700 نسمة ـ اعتنقوا جميعاً الإسلام منذ عامين وبدأ أحد رجال الدعوة في القرية بنشر حقائق الإسلام في القرى المجاورة . وفي مايو سنة 1979 زار كوريا سعادة الأستاذ محمد ناصر الحمضان العتيبي وكيل وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت ، كما زار القرية ساسانج ـ يونج دي التي أطلقت على نفسها القرية الإسلامية وشجع المسلمين الجدد . وبعد عودته إلى الكويت زار القرية سعادة الشيخ إبراهيم الصقعبي قاضي الإستئناف بالكويت ووعد بأن يتحمل جميع تكاليف المسجد والمركز الإسلامي ، وقد تبرع بالأرض واحد من المسلمين المخلصين في نفس القرية . ويأمل الاتحاد أن يكون هذا المسجد الثالث نقطة تحول جذري في نشر تعاليم الإسلام بين المواطنين في تلك المنطقة ، ونشر الإسلام نشراً منتظماً في المناطق الريفية المجاورة في أنحاء البلاد .

3 ـ الحالة الاجتماعية للمسلمين في كوريا: رغم العدد القليل والتاريخ القصير ، للمسلمين في كوريا فإنهم يعملون اليوم بجد ونشاط في كل مشارب الحياة ، بعضهم تقلد مراكز مرموقة في المجتمع كأساتذة ومحامين وأطباء وموظفي حكومة وديبلوماسيين واقتصاديين كما يوجد منهم الصحفيون والمهندسون والجنود ورجال الأعمال وغيرهم وطلاب الجامعات بنين وبنات وعمال وفلاحون ، جميعم يبدون اهتماماً بحقيقة وتعاليم الإسلام رغم الجهل بالإسلام السائد في كوريا . الإسلام دين غير مفهوم في كوريا بسبب سوء النية وتشويه التعاليم الإسلامية على يد المثقفيين الغربيين ، إذ إن معظم خريجي الكليات يعرفون جيداً أنه يوجد أكثر من 30.000 مسلم في كوريا ومعظهم اعتنق الإسلام خلال السنوات العشر الماضية بعد إنشاء أول مسجد وأول مركز إسلامي في عام 1976 ولم يرفع أحد سيفاً واحداً لإجبارهم على الدخول في الدين الجديد وفي نفس الوقت لا يزال بعضهم يصر على تصديق الخرافات التي تعلموها على يد معلميهم المستغربين ، وبالإضافة إلى ما سبق يدرس أكثر من 1000 طالب العربية والدراسات الإسلامية في أقسام اللغة العربية وفي أربع جامعات كورية . كانت البوذية في الماضي هي الديانة التقليدية والدين الرسمي خلال حكم أسرة كو ـ ريو في القرن الثامن . ودخلت الكونفوشيوسية في الحياة الكورية خلال حكم أسرة لي لمدة 600 عام ثم دخلت الديانة الكاثوليكية الرومانية منذ 201 عام رغم الإضطهاد الحكومي العنيف ، ولكن كوريا الآن دولة علمانية لا يعتنق 55 % من شعبها أية ديانة ولا يوجد لديهم عبادة خاصة ، ومع ذلك فإن كثيراً من عاداتهم القديمة وتقاليدهم ودياناتهم الموروثة تشبه إلى حد كبير تعاليم الإسلام ، فإذا استمرت الجهود والنوايا لنشر تعاليم الإسلام في كوريا فإن مستقبل الإسلام فيها سيكون باهراً وواعداً ، وهذا التفاؤل مبني على الأسباب الآتية: 1 ) أن 55% من الشعب الكوري لا ديانة له ولا عقيدة ولا يرتبط بأي تعاليم دينية ولا يوجد لديهم أية طقوس أو أية صلوات . 2 ) أكثر من 99% من الكوريين ـ رجالاً ونساء ـ متعلمون و80% منهم نالوا تعليماً عالياً . 3 ) كثيراً من التقاليد القديمة للشعب الكوري متفقة مع تقاليد الإسلام كما يشاهد في فكرة وحدانية الله . 4 ) تاريخياً ـ لم تقم أية صورة من صور العداء بين كوريا والبلاد الإسلامية . 5 ) تعتبر الحضارة والثقافة الكورية ـ إلى حدِ ما ـ ذات أصل شرقي . وهناك حقيقة معروفة جيداً هي أن 38 جامعة و62 كلية ذات برامج دراسية لمدة 4 سنوات و145 كلية مهنية تنتمي إما إلى الإرساليات التبشيرية المسيحية وإما إلى المنظمات البوذية ، وقد دخلت المسيحية البروتستنتية كوريا منذ 100 عام وطبقاً للإحصائيات الصادرة عن وزارة الثقافة والإعلام فإن عدد المسيحيين بما فيهم الروم الكاثوليك والنحل الأخرى يبلغ الآن ستة ملايين ويكمن السر الاستراتيجي وراء هذا النجاح البارز في الحقائق التالية : توضح التقارير حول المسيحية وأنشطتها في كوريا أن البعثات التبشيرية ركزت كل جهودها منذ البداية على تربية الشباب الكوري على أسس المعتقدات المسيحية ولم يستخدم المسيحيون الكنائس في كوريا لزرع تعاليم المسيحية إلا في حالات نادرة جداً . فالكنيسة بالنسبة للكوريين مجرد مكان للعبادة لأن العامل الكوري أو رجل الأعمال الكوري لا يتوفر له وقت الفراغ الكافي كي يذهب إلى الكنيسة باستمرار ويستمع إلى قداس القسيس ، لذا فقد ركزوا جهودهم في إنشاء مدارس إبتدائية وثانوية وكليات وجامعات وقد تربى الطفل الكوري فيها منذ حداثته حتى تخرجه كشاب مسيحي بكل معنى الكلمة ، وعموماً فإن الوالدين أو الأسرة في كوريا لا تتدخل في الديانة أو الملة التي يختارها أبناؤهم . وفي الوقت نفسه دعنا نتخذ مثالاً من البوذية ، التي كانت ديانة الدولة في كوريا لقرون طويلة قبل ظهور أسرة لي عام 1392 ، لذا كان يوجد أكثر من 1000 معبد بوذي على مستوى عظيم في البلاد ، ولا يختلف الأسلوب البوذي في نشر تعاليمه عن الأسلوب المسيحي فهو ينشئ المعاهد التعليمية من المستوى الإبتدائي إلى المستوى الجامعي وينفذ المناهج الدراسية على أساس العقيدة البوذية ، ومع ذلك فإن المعاهد التعليمية المسيحية أكثر عدداً من البوذية وذلك يساعد المسيحيين على جذب كثير من البوذيين ليصبحوا مسيحيين خلال مناهجهم المرسومة في المعاهد التعليمية . 4 ـ المشاكل التي تواجه أنشطة الدعوة الإسلامية في المجتمع المسلم في كوريا: لقد أُهملت الأقليات المسلمة في الشرق الأقصى لزمن طويل بلغ حوالي 1400 عام من قبل إخوانهم ، ولم تكن كوريا إستثناءً من ذلك ، ومعروف جيداً أن الأقليات المسلمة تعاني المصاعب في المجتمعات غير المسلمة وكذلك في ظل الأفكار والمبادئ السياسية الغربية وقد تُركت هذه الأقليات المسلمة تحت رحمة الجماعات الدينية وغيرها من الجماعات . لذا يصبح من الضروري استمرار البحث في كل بلد من بلاد هذه المنطقة ، إذ أن كل بلد لها مشاكلها المختلفة ، ومع ذلك توجد أوجه شبه سوف تبرز بالتأكيد خلال إجراء البحث في المستقبل القريب .

(1) المشاكل السياسية : لا يوجد لفظ » الدين « في الفلسفة الشيوعية لأن الشيوعيون ينكرون كل الأديان ووجود الخالق ، ويسمحون في الواقع للدعاية الأخرى ضد الأديان بدون إعطاء الحق للجماعات الدينية الأخرى في الرد على دعايتهم ضد الدين ، ولكن ، وبالرغم من كل أنواع الضغط من جانب الحكومة ضد الإسلام فإن التقارير المتوفرة تدل على أن المسلمين في هذه المناطق لم يتركوا ديانتهم وعقيدتهم الإسلامية . ومع ذلك فإن كثير من المسلمين في بعض المناطق التي تمارس الاضطهاد ، قد نسوا ديانتهم وتعاليمهم الإسلامية وأسوأ الحالات هي التي يفترض وجودها في كوريا الشمالية وهي الدولة التي يعيش فيها 15 مليون كوري تحت رحمة الشيوعية . لقد حان الوقت ليفهم المسلمون في العالم متاعب هؤلاء الناس وأن يولوا اهتماماً جاداً لمشاكلهم وإلا فسوف يصيبهم الإحباط ، فهم محتاجون إلى التشجيع والمعونة المادية والمعنوية من العالم الإسلامي . دعوني أولي اهتماماً خاصاً إلى ما يسمى بالتسامح الديني في البلاد الشيوعية مثل كوريا الشمالية حيث لا توجد أية ديانة ، إذ لا يسمح بوجود البوذية ولا المسيحية ولا الكونفوشيوسية ولا الإسلام بالطبع في كوريا الشمالية ولا يوجد مكان في العالم أسوأ من كوريا الشمالية وتصيبني الدهشة باستمرار كلما تلقيت الأسئلة من كثير من الإخوة المسلمين يسألون كم مسلماً وكم مسجداً في كوريا الشمالية ؟ ولم نعد نرحب بمثل هذه الأسئلة البلهاء .

(2) المشاكل التعليمية : إن وضع التعليم الإسلامي الأساسي في كوريا ليس مرضياً إذ لا يوجد تعليم ديني في المدارس الحكومية في هذه المنطقة ، لذا يجب أن يكون هناك تركيز على التعليم الإسلامي لهذا السبب لا بد من إعادة ترتيب وتنظيم برامج التعليم الإسلامية الموجودة . ولا بد من المساعدات الإيجابية للمسلمين الراغبين في إقامة معاهدة تعليمية إسلامية في هذه المنطقة وستكون إقامة الجامعة الإسلامية أعظم إدارة مؤثرة للدعوة الإسلامية في بلاد الشرق الأقصى مثل كوريا ، هذه الجامعة الإسلامية يجب أن تكون من باب فرض العين وفرض الكفاية .

(3) المشاكل المالية : وهي أصعب المشاكل التي تواجه كل أقلية مسلمة وبالتالي فإنهم يعانون موقفاً مالياً صعباً لمواجهة نفقات المطبوعات وصيانة المساجد والمراكز الإسلامية وإدارتها وهكذا ، وبدون حل لتلك المشاكل لن يستطيعوا نشر برامجها أو تحقيق أهدافها . إن الاستقرار المالي هو أهم وسائل الدعوة وبدون ضمان المورد المالي لن يستطيع إنسان أن يفكر في قيام مشروع إسلامي طويل المدى فكل إنسان يعرف أن تلك المشاكل المالية يجب أن يحلها المسلمون في بلاد الأقليات بأنفسهم ، ولما كان عدد المسلمين في بلد مثل كوريا صغير جداً فإنه يستحيل علينا أن نقف على أقدامنا وحدنا في هذه الفترة الحالية وحتى نستطيع الاعتماد على أنفسنا فلا يوجد وسيلة أخرى سوى الاعتماد على معاونة العالم الإسلامي .

(4) المشاكل الثقافية والعرقية : إن بلاداً مثل كوريا واليابان والصين وهونج كونج قد تأثرت بالكونفوشيوسية في عاداتها التقليدية لزمن طويل وبنفس الخلفية الثقافية ، فمثلاً ينحني الناس لوالديهم في يوم السنة الجديدة ، كما ينحنون لصور أجدادهم كذلك في طقوس دينية ، وهذا لا يعني صلاة بطبيعة الحال وإنما هو نوع من الاحترام لهم . وفي نفس الوقت تعيش الأقليات المسلمة في الشرق الأقصى في بلاد ذات ديانات راسخة مثل البوذية والكونفوشيوسية والمسيحية ، وقد حققت المسيحية خاصة في أقصى شرق آسيا إنجازات ملموسة في عملها التبشيري بسبب المعونة الهائلة من البلاد الغربية ، وتلك السيطرة الخاصة بالديانات القديمة الراسخة منعتنا من نشر الدعوة الإسلامية في هذه المنطقة . وفوق ذلك هناك سوء فهم للإسلام في هذه المنطقة ، فما زال كثير من الناس يفهمون الإسلام على أنه دين الإكراه وتعدد الزوجات والعقوبة القاسية ، وحتى كتب المدارس الإبتدائية والثانوية مليئة بتشويهات كثيرة للإسلام فمثلاً يعتقد مؤرخون كوريون مشهورون اعتقاداً جازماً بأن الحملة الصليبية خلال العصور الوسطى إنما هي حرب مقدسة .

(5) النقص في الدعاة المؤهلين والمفكرين والكتب :

أ ـ إن الديانات الراسخة مثل المسيحية والبوذية هي المهيمنة في كوريا ولذلك فلا بد من توفير الدعاة الإسلاميين المؤهلين تأهيلا ًعالياً ، صحيح أن عدد المسلمين الجدد في كوريا يزداد بمتوالية هندسية بعد أن اكتمل أول مسجد وأول مركز إسلامي عام 1976 وبالتالي أصبح من المستحيل عليهم القيام بالتبشير الإسلامي بكفاءة من خلال عدد محدود من الدعاة ، ولدى الاتحاد الإسلامي الكوري خمسة دعاة موفدين من الدول الإسلامية ويصعب جداً على أية حال تغطية متطلبات نشر الإسلام على المستوى القومي بهؤلاء الدعاة الخمسة إذا ما وضعنا في الاعتبار المعوقات الكثيرة أمام الدعاة في كوريا مثل ضعف اللغة والفروق الاجتماعية والثقافية بينهم وبين الشعب الكوري لذا يتطلب الأمر تأمين دعاة مؤهلين ومدربين في البلاد الإسلامية بقدر المستطاع لأنها الوسيلة المثلى لنشر الإسلام بأسلوب فعال في الخطة طويلة الأمد . وبهذا الخصوص نأمل أن تدعو كثير من الدول الإسلامية شبابها الطلاب لدراسة الثقافة الإسلامية واللغة العربية في تلك البلاد بهدف التنشئة الفعالة للدعاة المؤهلين للمستقبل وفي حال إرسال الدول الإسلامية لدعاتها نفضل إرسال الدعاة ذوي التأهيل العالي ليس في الثقافة الإسلامية فقط بل في مجال الأديان المقارنة وأن يكونوا من ذوي الشخصيات والاتجاهات الجيدة والتي تعبر عن النموذج المثالي للمسلم .

ب ـ المفكرون الإسلاميون والعلماء: وهم مطلوبون كذلك وبطريقة ملحة في الشرق الأقصى بما في ذلك كوريا فبدون هؤلاء المفكرين والعلماء فمن الذي يستطيع أن يدرِّس الثقافة الإسلامية بطريقة أكاديمية وعلمية كما أنه لا ينتظر بدون هؤلاء أن تكون هناك دعوة مؤثرة ومستوى عال من التعليم الإسلامي للمثقفين بما فيهم طلاب الجامعات .

جـ ـ المشكلة الأخرى هي نقص الكتب الإسلامية والمؤلفات الإسلامية بما في ذلك المصاحف وكتب الحديث ، ويتردد الكثير من الكوريين على المسجد والمركز الإسلامي يومياً يسألون ما هو الإسلام ، ويجيب عليهم الدعاة بالطبع ويتكلمون عن الإسلام باللغة الإنجليزية ويرغب الكوريون على كل حال في أن يعرفوا الإسلام معرفة أكثر عمقاً وبأسلوب علمي ويطلبون الكتب الإسلامية باللغة الكورية ولحل هذه المشاكل بدأ الإتحاد الإسلامي الكوري في نشر سلسلة من المؤلفات الإسلامية بتجميع أو ترجمة الكتب الإسلامية المنشورة في البلاد الإسلامية وهي عملية تستغرق الوقت الطويل والمال . إلى جانب ذلك نحتاج إلى كثير من الكتب في الموضوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الإسلامية ، ويعتقد الكثير من الكوريين أن الاتحاد الإسلامي الكوري هو مركز إعلامي للبلاد الإسلامية ومع ذلك سيكون من المستحيل بناء مركز ثقافي بدون معونات البلاد والمنظمات الإسلامية . وإذا أخذنا في الاعتبار ذلك الاتجاه الكوري الحديث نحو الإسلام مثل الاهتمام المتزايد بالعالم العربي والثقافة العربية منذ أزمة النفط فإنه يمكن تحقيق انتشار للنفوذ الإسلامي في أنحاء البلاد . وإذا استطعنا أن نجعل العمال الكوريين البالغ عددهم أكثر من 200.000 عامل في البلاد الإسلامية في الشرق الأوسط يعتنقون الإسلام هم وعائلاتهم فسوف يكون ذلك نقطة انطلاق في نشر الإسلام على المستوى القومي ، بالإضافة إلى ذلك الجهود التي يبذلها الاتحاد لإدخالهم في حظيرة الإسلام عن طريق الاتصال بكثير من الشركات العاملة في هذه المجالات وقد حققنا نتائج مثمرة من وراء هذا الجهد . وأهم من ذلك جميعاً تلك الحقيقة التي تقول أنه يوجد في كوريا أكثر من 20 مليوناً من غير المسلمين مما يعطي آمالاً واعدة في انتشار الإسلام . وقد يكون من السهل استخلاص النتائج حول الموقف العام للإسلام ومستقبله في كوريا . وكما بينا في الظروف والمواقف السابق شرحها ، فإنه يمكن تقييم الظروف الخارجية لنشر الإسلام في كوريا على أنها جيدة في كثير من الأحوال . فالمشكلة هي كيف نبَّسط أعمال نشر الدعوة بأسلوب أكثر تأثيراً بالإضافة إلى التركيز الداخلي واللازم لهذا النوع من الظروف ، لذا يلزم وجود تركيبة افتراضية تتكون من الميل الروحي للجهاد في سبيل نشر الإسلام من جانب مسلمي كوريا والمعاونة القوية المادية والمعنوية من جانب البلاد الإسلامية الكبرى في أنحاء العالم .

إن الإسلام في كوريا حقيقة الأمر يشبه شجرة تحتاج إلى كمية ضخمة من الغذاء والماء والشمس مع عمرها القصير البالغ ثلاثين عاماً ، وفوق ذلك يفترض أنه إذا استمرت المعونات الإيجابية من جانب الإخوة المسلمين من أنحاء العالم فإن شجرة الإسلام في كوريا ستنمو مترعرعة مع نشر التعاليم الإسلامية في أنحاء تلك البلاد ، ونأمل أن ينال الإسلام في كوريا نقطة تحول جديدة في انتشاره عن طريق معرفة ودراسة الأساليب الأكثر فاعلية والطريقة المثلى لأعمال الدعوة الإسلامية من خلال المشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية .

– ملاحظة : أضافها (احمد معاذ الخطيب الحسني) : – سبق أن دعي والدي رحمه الله إلى حفل الافتتاح في المسجد الأول لمسلمي كورية والذي بني عام 1976م ، وأذكر أن رئيس كورية وقتها رحب ببناء المسجد ، بل أهدى المسلمين قطعة أرض في مكان ممتاز … ولقد حجم الدعوة هناك مالم يذكره الكاتب من مناهج ضيقة لم يستطع إخلاص أصحابها أن يعوض عن قصور نظرهم ، حيث بدؤوا بطرح مشاكل عقدية وفقهية لم يستطع الكوريون استيعابها ، رغم أنه وكما ذكر الكاتب يلتقون في جذورهم العميقة مع الإسلام ، وكانت لديهم نزعة توحيدية في الدين القديم الذي كان منتشراً بينهم ، ومن المآسي أن بعض الدعاة بدأ بتفقيه الكوريين حول حرمة لحم الكلاب ( وهو أمر شديد الانتشار في جنوب شرق آسية) ولم يصغ الدعاة إلى حكماء الدعوة وعلى رأسهم العلامة الشيخ محمد الغزالي الذي نصحهم بأن يدعوا تلك الأمور جانباً فلم يلتفتوا إليه شموخاً بمناهج أثبتت الوقائع والتجارب والإخفاقات المريرة ضعفها وعدم إدراكها للأولويات! – تعودنا الحديث عن النجاح دون أن ننظر في الخسائر ، ومن المحزن جداً تلك الخسائر التي تحصل عندما يقيم في بلاد المسلمين وخصوصاً دول الخليج الملايين من الكوريين والصينيين والتايلانديين والفيليبينيين وغيرهم … فلا يدخل في الإسلام منهم إلا بعض مئات في كل سنة ، وهذا مؤشر خطير إلى الضعف الدعوي في الأسس والمناهج والحركة والفقه المطروح رغم الأموال الهائلة التي تبذل! فيكون المردود من ورائها في غاية التواضع! – إن في ذلك لذكرى ….

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على الإسلام في كوريا الجنوبية مغلقة

قبس من علم الخطابة – 2

والكلمة أمانة


ما من سبب لبقاء المرض أقوى من اعتقاد المريض عدم إمكانية الشفاء ، ولقد سرت بين كثير من الخطباء فكرة مفادها أن خطبة الجمعة إنما هي فريضة تؤدى وليس لها كبير أثر في بناء المجتمعات.
إن هذا الوهم سببه الكسل أولاً ثم ضآلة العلم والزاد ثانياً ، و لايمكن لشيء أن يدمر العمل المثمر مثل الفكرة الفاسدة. إن الكلمة من أعظم أنواع القوة : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) .
ولقد كان المشركون يسدون آذانهم كي لاتصل حقائق الكلمات إلى قلوبهم ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون) . أما مصعب بن عمير فشيد أول دولة في الإسلام بالصدق في كلمة الحق التي يحملها. وبقيت كلمة ابن آدم مبدءاً في التفكير : “لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” . وأتت كلمات سيد الفصحاء محمد فكانت البلسم الشافي للبشرية من جاهليتها وانحرافها . “والكلمة الطيبة صدقة” كما يقول المعلم الهادي
. إن كلمات عمر تهز هزاً : “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً” ومازالت كلمة الإمام الحسين تدوي : “إن كان دين محمد لايستقيم إلا بقتلي فياسيوف خذيني” وكان القاضي الزبيري يعتقد اعتقاداً جازماً أن للقلم صولة عظمى في محاربة الفساد : (كنت أحس إحساساً أسطورياً بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان) .
أما هيوستن فوقف عام 1830 ليخطب في الكونغرس خطبة بليغة لم يستعمل فيها كلمة مرتين ؛ فسحر الألباب ، ومن بعده كلف بأمر لاينتهي إلا بحرب ، فأنهاه من دون طلقة واحده ببراعة لسانه! . وأجاد الجاحظ إذ قال : (وأحسن الكلام ماكان قليله يغنيك عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه ، وكان الله – عز وجل – قد ألبسه من الجلالة ، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع ؛ بعيداً عن الاستكراه ومنزهاً عن الاختلال ، مصوناً من التكلف ؛ صنع صنيع الغيث في الأرض الكريمة ، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ، ونَفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ، ومنحها من التأييد مالا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة ، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة) . مع الكلمة لابد للخطيب من فكر صحيح يتحرك من خلاله ، لأن : “الفكر هو الذي يقود التقدم ، فلا يمكن لمجتمع أن ينهض مالم يتقدم الفكر لديه ، ويكن في وسعه توفير الأسس المنهجية والإصلاحية لذلك ، وتقوم تنمية الفكر على ثلاثة أسس رئيسة :

التعرف على المبادئ والمنطلقات الصحيحة التي تستخدم في التفكير ، إلى جانب معرفة بعض التقنيات التي تساعدنا على استخدام إمكانياتنا العقلية على نحو صحيح ، بالإضافة إلى تسليط الضوء على بعض الانحرافات عن سبيل التفكير المنهجي” . “ليس الفكر بديلاً عن المبادئ ولا العلم ولا التربية ولا الأخلاق بل هو شرط أساسي لصواب الحركة بها … وفكر في مشكلة : أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها …فالتفكير هو إعمال الإنسان لعقله من خلال ثقافته لإيجاد بدائل أوحل مشكلات أو كشف العلاقات والنسب بين الأشياء” .

كُتب في المناهج | التعليقات على قبس من علم الخطابة – 2 مغلقة

قبس من علم الخطابة -1

المنبر أمانة

إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً ورحمة للعالمين أرسله ، وبعد :

فكما أن دراسة الأخلاق من كتاب لا تُورث صاحبها الخلق الرفيع ما لم يُروض الإنسان نفسه على الأخذ به ، فكذلك دراسة الخطابة وأصولها ، فالإحاطة بأصول علم ما وقواعده شيء غير الخبرة العملية به ، ولقد كان حافظ إبراهيم لا يلحن في كلامه نثراً ونظماً ، وهو لا يعرف النحو ولا الصرف ، ولم ينطق ببيت من شعره مكسوراً قط ، وإنما صار كلامه من الطراز الأول بالممارسة وتراكم الخبرة.

ودراسة أصول الخطابة إنما تأتي ثمارها عند وجود ملكة أو استعداد كامن ، أو فيض في النفس ، ولقد كان مولانا محمد إلياس \”ليس بمفوه ولا خطيب ، بل يتلعثم في بعض الأحيان ، ويضيق صدره ولا ينطلق لسانه ، ولكنه كله روح ونشاط وحماس ويقين… \” فلقد حقق القانون الذي أجلاه الإمام الجيلاني : \”كن صحيحاً تكن فصيحاً … كن صحيحاً في السر تكن فصيحاً في العلانية\” وليست الفصاحة هنا بكثرة المستمعين من الناس ، ولا علو صوت يدوي ، بل سريان فيض هداية ، ونقل الناس من القيل والقال إلى تزكية الأعمال ثم التحقق بالأحوال ، وإذا صلح قلب العبد للحق عز وجل انتقل النور من قلبه إلى قلوب العباد كسراج يقتبس من سراج ، كما يذكر الشعراني في الأنوار.

لقد قال المربون : المحبة لا تجيء بالتعليم ، بل بالمجاهدة ، فالذوق يحصل منها ، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ، وما كان لمتكلم لم يتذوق لذة خلوات الليل ، ولم يفض دمعه في محاريب المناجاة ؛ أن يتكلم عن التوبة والافتقار إلى الله والبكاء من خشيته ، فينتقل حاله إلى المستمعين ، فالحال يسري لا عبر المكان بل الزمان أيضاً ، ووصف ذلك الحسن البصري رحمه الله فقال : بحسبك أن أقواماً ماتوا تحيا القلوب بذكرهم ، وبحسبك أن أقواماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم! ومتصنع الحال لايخفى ، وما كانت النائحة يوماً كالثكلى . للصدق علامات ، وللمجاهدة أنوار و\”ما أروع كلمات الخطيب ، وما أجمل تعبيره ، ولكنني لا أجد في عينيه بريق الحب ، ولا أقرأ في وجهه نور الإيمان ، وسيماء الحب والحنان\” . بعض الخطباء وكثير من الناس يعتقدون أن خطبة الجمعة مجرد فريضة تؤدى ، ولا يعلمون أنها مفتاح تغيير شامل يمكن أن يكون من أقوى عوامل نهضة الأمة! وبسبب الكسل وقلة المعرفة وربما الغرور! صارت خطبة الجمعة تستدعي النوم بدل أن تبعث في المجتمع الحياة. (إن إقبال الناس لايطلب بل يُوهب ، وإذا حصل الإقبال لايُسرُّ به العالم الحق ، وإن سُرَّ به ضاع الإخلاص ، ويقع في الرياء) .

المتكلمون كثيرون ، ولكن من الذي يدوم تأثيره ، وكيف؟ وهل خطبة الجمعة هي مجرد فريضة تؤدَّى ، أم مفتاح لتغيير شامل في واقع الناس ؛ ينتقلون به من الفساد إلى الصلاح ، ومن الصلاح إلى الأصلح ؟ وهل لذلك التغيير قوانين؟ أم الأمر محض صدفة؟ وهل الخطابة علم متكامل ومنهج أم نتف يجمعها الخطيب ، هذه الأمور سنتحدث عنها بالتدريج ، وقد كانت بعض المناهج السابقة اللبنة الأولى في تعلم الخطابة ، وهذه لبنة ثانية ، وهي مجرد خطوة في الطريق وليست بحال آخر المطاف ، و(لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة) ، وكلنا أمل بأن تكون رفقتكم لنا لاكتشاف فن الخطابة وزيادة المعرفة فيه ، محفوفة بالتوفيق والفائدة والعمل المثمر ، الذي نرجو الله من وراءه أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير ، لنكون بناة للأمان والإيمان، وعوامل استقرار ووعي في بلد البركة والإيمان والخير.

كُتب في المناهج | التعليقات على قبس من علم الخطابة -1 مغلقة

الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب

دعاة أخفياء :

ولد الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب عام 1913م في الخريزاتية – حي القيمرية أحد أعرق أحياء دمشق ؛ منحدراً من أسرة علمية ينتهي نسبها إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما (ويعتقد أن عمره الحقيقي أكبر عدة سنوات مما تذكره الأوراق الرسمية). تجرع اليتم باستشهاد والده : الشيخ كمال في معركة ميسلون ، والذي كان فرضياً ومدرساً في جامع بني أمية الكبير ، فأثر الأمر في نفس الابن فاتخذ من رجولة أبيه لقباً يذكره به ، فكان يكتب تحت اسم : ابنُ شهيد ميسلون : محمد بن كمال الخطيب. نشأ محمد بن كمال عصامياً وشق طريقه الصعب في الحياة حتى تخرج من كلية الحقوق بجامعة دمشق ، وكان من زملائه منير العجلاني ومن أساتذته مفتي الشام الطبيب أبو اليسر عابدين ، وكان بينهما محبة شديدة وملازمة من التلميذ لأستاذه مدة طويلة ، كما تردد على شافعي دمشق الشيخ صالح العقاد رحمه الله

انخرط الأستاذ في نشاطات كثيرة وطنية وإسلامية ، ومنها الجبهة الوطنية المتحدة (الحرة) التي أسسها الأستاذان زكي الخطيب وعبد الرحمن الشهبندر وكان أحد المنظمين للشباب فيها باسم شباب العروبة السوريين.

أما أهم خط أثَّر في حياة الأستاذ رحمه الله فهو بلا ريب خط جمعية التمدن الإسلامي ، وهو أحد أقدم رجالها ، وقد ضمت الجمعية صفوة علماء الشام في وقتها مثل الأساتذة السادة : حمدي السفرجلاني ، عبد الفتاح الإمام ، أحمد مظهر العظمة ، عبد الحميد كريم ، عبد الحكيم المنير ، محمد بهجت البيطار ، محمد علي ظبيان ، محمد سعيد الباني ، جميل الشطي ، محمد أحمد دهمان ، عبد الرحمن الخاني ، سعيد الأفغاني ….. وغيرهم من العلماء السابقين …. ثم صار الأستاذ أحد أنشط رجال الجمعية وأميناً لسرها ثم مديراً لمجلتها ، وأفنى شبابه فيها وكانت الجمعية همه وحياته وسعادته رغم الطريق الطويل المليء بالمصاعب والمحن . ظهرت نجابة الأستاذ خطيباً وكاتباً ومفكراً منذ بواكير شبابه ، وقد نشرت أول مقالة له في العدد الثالث من السنة الأولى من مجلة التمدن الإسلامي (1932م) بعنوان : التشريع الإسلامي ، وتتابع عطاؤه فنشرت له مجلة التمدن الإسلامي خلال مايقارب الخمسين عاماً من حياتها حوالي أربعمائة وخمس عشرة مقالة باسمه الصريح وحوالي أربعاً وأربعين مقالة تقريباً تحت اسم ( م.خ ) ، وستاً باسم أبي كنانة (وقد صار أبا كنانة بعد أعوام طويلة من اختياره ذلك اللقب)

ويذكر الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته عن بغداد مايلي: ( ولما رجعت في الصيف إلى دمشق، دعوت إلى داري وكانت في (الخضيرية)، وكانت فيها غرفة كبيرة فيها مجلس عربي، دعوت العاملين في مجال الدعوة إلى الإسلام، من أصحاب الصوفية إلى أرباب السلفية، لم أغادر منهم أحداً، ومن فقهاء المذاهب الأربعة، إلى الوعاظ والخطباء، فحدثتهم عما رأيته في العراق، وحذرتهم مثل ذلك المآل.. وقلت لهم بعد كلام طويل: أنا لا أريد أن يبدل أحد منكم طريقته ولا أن يغير مشربه، ولكن أريد شيئاً واحداً، هو أن هذا الباب المغلق إن دفعته يد واحدة لم ينفتح، فإن اجتمعت عليه الأيدي الكثيرة فتحته. والذي أريده هو أن نتعاون، لا أن يعمل كل وحده. واقتراحي هو أن تنتخب لجنة فيها ثلاثة منكم، يراقبون الأحداث، فإن رأوا ما يمس الإسلام كان عملهم أن يبلغوكم به فقط. هذا هو وحده عملهم، فمن اقتنع منكم بوجوب العمل عمل على طريقته وأسلوبه: الخطيب يذكر ذلك في خطبته يوم الجمعة، والمدرس يعرض له في حلقته، والمعلم يذكره لتلاميذه في مدرسته، وكل واحد ينبه إليه أصحابه، ومن كان ذا قلم أو كانت له صلة بأرباب الأقلام وأصحاب الصحف؛ عمل على الكتابة فيها أو دفع إلى ذلك أصحابها. ومن استطاع أن يراجع الوزير الذي يقدر على إزالة هذا المنكر ذهب إليه وحده، أو مع وفد يختاره، فشرح له الأمر وطلب منه إنكار المنكر. وانتخبت اللجنة وكان فيها ثلاثة، وكلهم ـ بحمد الله ـ أحياء، أحسن الله ختامهم، وهم الأستاذ محمد كمال الخطيب، والأستاذ الشيخ ياسين عرفة، وعلي الطنطاوي). وهذه شهادة عالية بالأستاذ من رجل قليل من يعرف الرجال مثله. كما يذكر الطنطاوي في مذكراته أن الأستاذ عبد الغني الباجقني رجل عالم بالعربية، فقيه مالكي، واسع المعرفة من أفصح من عرف الطنطاوي لهجةً ، يكاد يكون كلامه كله فصيحاً ، ثم يقول: ( لاأعرف مثله في ذلك إلا قليلاً منهم الشيخ بهجة البيطار ، والأستاذ محمد البزم ، ومن إخواننا الأحياء المحامي محمد كمال الخطيب ) وهذه شهادة أخرى من العلامة اتلطنطاوي للأستاذ رحم الله الجميع.

كان للأستاذ مكتب للمحاماة يعيش منه افتتحه في منزله المعروف في شارع خالد بن الوليد ، بعدما تدرب على المحاماة في مكتب قريبه الأستاذ زكي الخطيب وعمل معه في الأمور السياسية والوطنية ، وكان محمد كمال معجباً به لأستاذيته ووطنيته وثقافته العالية وبقائه ثابتاً على دينه وولائه لأمته خلاف الكثيرين ممن فتنوا بالغرب .

بقي الأستاذ محمد بن كمال يحاضر ويدرس ويخطب وينشر أكثر من خمسين عاماً ، ..وقد مكث حوالي خمسة عشر عاماً خطيباً في جامع نور الدين الشهيد (سوق الخياطين) ومايقارب عشر سنوات في جامع المولوية (شارع النصر) . عمل الأستاذ في الحقل الإسلامي والوطني السياسي والاجتماعي والخيري وكان صلة الوصل بين جمعية التمدن الإسلامي ، والشبان المسلمين ، والجماعات الإسلامية الأخرى ، وقد اعتقل مرتين في حياته وحكم عليه في إحداها بالإعدام (أحداث الأموي) في منتصف الستينات.

لم يترك الأستاذ نوعاً من العمل الخيري والاجتماعي لم يقتحمه فكان من مؤسسي ميتم سيد قريش، ومن مؤسسي جمعية رعاية المكفوفين، كما شارك في الإدارة والتأسيس والتدريس في العديد من المدارس وخصوصاً مايهتم منها بمكافحة الأمية، واختير مديراً للتعليم الخاص في الخمسينات (خلال عهد الرئيس شكري القوتلي) ، وقد سافر في أواخر عام 1981م إلى بريدة وأنشأ جمعية بريدة الخيرية لأنه رأى فيها مايخالف نهجه في الحياة! وعمل مستشاراً لرابطة العالم الإسلامي والتي طبعت له بعض مؤلفاته، كما امتحن بالعمل مستشاراً قانونياً في السعودية لأحد كبار رجال الأعمال أكثر من خمس سنوات ثم أُكلت حقوقه . كان عنده تصريح من الملك عبد العزيز بأنه من رعايا المملكة ، لكنه كان ينظر إلى عطايا الملوك بحذر بالغ ويخشى أن يكون الثمن على حساب دينه؛ فلم يستخدم ذلك التصريح يوماً رغم ظروف شديدة أحاطت به.

ينتسب الأستاذ عملياً إلى مدرسة علماء الشام الفحول كجمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري، وسعيد الباني، ومحمد بهجة البيطار، ومحمد أحمد دهمان، وعلي الطنطاوي، وأحمد مظهر العظمة … وغيرهم رحمهم الله جميعاً،. كما يعتبر الأستاذ أحد أنشط رجال جمعية التمدن الإسلامي، وربما لايسبقه في ذلك إلا الأستاذ أحمد مظهر العظمة، وقد كان منهج الجمعية ولا يزال منهج اتباع الدليل من الكتاب والسنة مع إدراك عميق لمقاصد الشريعة، وانفتاح وتعاون مع كافة التيارات الإسلامية، دون انغلاق ولا تعصب ولا تكفير، مع اهتمام بالغ بأحوال الأمة و سد ثغراتها على كل صعيد. كان الأستاذ محباً لابن تيمية رحمه الله مع نفس صافية وتواضع جم، ومن طرائف تجرده وبحثه عن الصواب أنه كان ضد الفكر الصوفي ويراه سبب تخلف المسلمين، وبعد محاورة مع الأستاذ محمود غراب ناشر كتب الشيخ محي الدين بن عربي ومدرسها؛ حضر كثيراً من تلك الدروس مابين عامي 1970- 1980م وانغمس في تلك الفترة في دراسة الفتوحات المكية ولخصها كلها، وتوجه إلى البحث عن ناشر لملخصه ثم بدا له أمر ما؛ فأمر بإحراق ذلك الملخص!

-حضر الأستاذ مؤتمرات تربوية ودعوية وقانونية عديدة، في الإمارات والسعودية ومصر وغيرها باسمه أو باسم جمعية التمدن الإسلامي، وكان متأثراً بشكل كبير بقريبه الأستاذ محب الدين الخطيب وطريقته في الحركة والتفكير.

-شكل الأستاذ في عائلته آل الخطيب الحسني محور استقطاب فعال، سواء في مجالسها العائلية أو نسيجها الاجتماعي ،وهو أحد وجوهها الأساسية ، ويمكن اعتباره المرشد الروحي لبقية كشاف آل الخطيب الحسني والناظم التربوي لهم ، متعاوناً مع ابن عمه الطبيب أبي الخير (وهو أحد أبرز رجال عائلة الخطيب وكبير أساتذة الجراحة في جامعة دمشق).

-زاره أحد الدعاة وسأله: أين موقعنا؟ فقال الأستاذ: لو أُعطيت وزارات الدولة فأيها تختار؟ فقال: وزارة التربية؛ فقال الأستاذ: إذاً اجعل همك وعملك في التربية!

– من آثر كتبه عنده كتاباه : الحج على المذاهب الأربعة و نظرة العجلان في أغراض القرآن (وهو موجز لتفسيره المخطوط) كما له من المؤلفات ، والكل من مطبوعات جمعية التمدن الإسلامي:

-زهرات وثمرات 1976

-تذكرة الحج والعمرة 1955م

-الحج بعبادته ومنافعه 1977م

-دراسات قرآنية 1973م

-مناهج المعارف في البلاد العربية

– طرابلس برقة 1965م

-التعريب لأهل العربية 1977م

-حكم قروض الجمعيات السكنية 1977م ك

ما له من الآثار المخطوطة تفسير موضوعي للقرآن الكريم كتب منه عشرين جزءاً في دمشق، وأتبعها بعشر في الحجاز؛ إضافة إلى مخطوط كتبه في السبعينات حول تعليم اللغة العربية لغير العرب. وله مئات المقالات المبثوثة في بطون مجلدات مجلة جمعية التمدن الإسلامي.

-رزق الأستاذ ولدين أكبرهما محمد كنانة (مهندس ميكانيك) ومحمد معد (مهندس ديكور) وبنت (السيدة لبانة) تزوجت من آل الرقوقي ، كما رزق بطفل توفي غرقاً وهو في الرابعة من عمره أثناء رحلة مع كشاف آل الخطيب!

– كان للحياة الصعبة والمجهدة التي عاشها والسجون التي فتحت له أثر شديد على جسده النحيل ، ففقد بصره نهائياً قبل وفاته بثمانية أعوام وهو صابر محتسب.

– غمط الأستاذ حقه حياً وميتاً ولم يعلم كثيرون بموته، وصلي عليه في الجامع المحمدي غرب المِزة، ودفن في مقبلرة الدحداح يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الثاني عام 1421هـ الموافق 20 تموز 2000م.

– حياة أبي كنانة رحلة طويلة من المحن والجهاد والبذل الذي لايعرف الحدود لهذا الدين العظيم، وقد خاف البعض حتى من حضور جنازته أو العزاء به، وإن الجبناء لا يطيقون السير مع الشجعان ويخافون أن تجتمع ولو أسماؤهم مع بعضها حتى لو جُندل الشجعان بين الصفائح وضمتهم القبور!

– اللهم أنزل عليه واسع رحمتك وطهره من ذنوبه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً ….. اللهم آمين..آمين.

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

– المراجع : من مقابلة مع السيد محمد كنانة الخطيب

– من أوراق جمعية التمدن الإسلامي

– مذكرات الشيخ علي الطنطاوي

– ذكريات خاصة

انظر صورته في قسم الصور

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب مغلقة

العلامة الشيخ فيصل مولوي

ولد سماحة العلامة الشيخ فيصل مولوي في طرابلس الشام، والتي أخرجت الكثير من العلماء عام 1941م وتربى في بيت علم وفضل ودين. درس في الجامعة اللبنانية وحصل منها على إجازة في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم السياسية -1967م ، وقصد دمشق الشام فحصل على إجازة في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق / كلية الشريعة عام 1968م ، ثم توجه إلى فرنسة فحاز دبلوم الدراسات المعمّقة من جامعة السوربون باريس .

عاد إلى لبنان ليعين عُيّن قاضياً شرعياً سنة 1968، وتنقّل بين المحاكم الشرعية الابتدائية في راشيا وطرابلس وبيروت. إلى أن عُيّن مستشاراً في المحكمة الشرعية العليا في بيروت سنة 1988 وبقي في هذا المركز حتى استقالته سنة 1996، كما حاز مرتبة \”قاضي شرف برتبة مستشار\” بموجب مرسوم جمهوري رقم 5537 تاريخ 23 أيَار 2001. – قضى في أوروبا خمس سنوات من عام 1980م حتى عام 1985م أصبح فيها مرشداً دينياً لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثمّ في أوروبا منذ سنة 1986 وحتّى الآن، وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتّى الآن.

اختارته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض أثناء إقامته في فرنسا كأحسن داعية إسلامي في أوروبا ومنحته جائزة تقديرية. خلال إقامته في الغرب كان العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في \”شاتو شينون\” في فرنسا منذ تأسيسها سنة 1990 وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي ومخصّصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب، واستمرّ في هذا المنصب حتىّ سنة 1994.

يعتبر العلامة مولوي أحد الدعاة القلائل الذين جمعوا بين الأصالة الإسلامية والخبرة الثقافية والعملية حول البلاد الغربية، وهو فقيه وقاض ومفكر وداعية من طراز نادر، وقد أعطته خلفيته الإسلامية والعلمية ثم اختصاصه ثم خبرته إحاطة واسعة وقدرة على التعامل المتقدم تجاه ظروف المسلمين ومعاناتهم ومشاكلهم ضمن رؤية متوازنة ومعتدلة ، كما أن له موقعاً قيادياً إسلامياً متقدماً فهو الأمين العام الحالي للجماعة الإسلامية في لبنان ، ورئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990 وعضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي ، إضافة على أنه شغل في بعض فترات حياته موقع رئيس جمعية التربية الإسلامية في لبنان. – يشغل حالياً منصب نائب رئيس المركز الأوربي للإفتاء والبحوث، ورئيس لجنة الفتوى في مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

البحوث و المؤلفات :

سلسلة مبادئ التربية الإسلامية للمرحلة الابتدائية )خمس أجزاء).

سلسلة التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة- أربع أجزاء

الجزء الأول من كتاب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية

تيسير فقه العبادات

دراسات حول الربا والمصارف والبنوك

موقف الإسلام من الرقّ

أحكام المواريث، دراسة مقارنة

الأسس الشرعية للعلاقات بين المسـلمين وغير المسلمين

نظـام التأمين وموقف الشريعة منه

نبوّة آدم

المرأة في الإسلام

حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول

السلام على أهل الكتاب

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب

أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية – إضافة إلى ذلك فله المئات من الفتاوى والمحاضرات ، وللتوسع فيرجى الاطلاع على موقع سماحة الشيخ وأعماله وفتاواه في الرابط التالي : www.mawlawi.net

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على العلامة الشيخ فيصل مولوي مغلقة

لنُعِد السيرَ في دربِ الإخاء

هذه لفتة طيبة وصلتنا بالبريد الالكتروني من أخ لم يذكر لنا اسمه لكنه ترك فينا أثراً عميقاً بكلمته الصادقة ، وهو يصف حالة صار يعاني منها العديد من الإخوة بل قل تيارات إسلامية بكاملها ، وهذه اللفتة تتفق مع منهجنا في موقعنا الصغير بحجمه؛ الكبير بكم إخوتنا الأحبة وأخواتنا الغاليات ، لذا رأينا نشرها دون تصرف فيها وندعو الإخوة إلى نشرها وإعادة فقه الإخاء بيننا ، فبارك الله للأخ فيما كتب وجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

لفتة : لنُعِد السيرَ في دربِ الإخاء

كثيراً ما يتعجب الإنسان؛ ما سر نجاح التيارات الخرافية واستمرارها وتماسكها رغم الوعي الذي انتشر، والنقد العلمي الذي ارتفع صوته هنا وهناك، والصحوة المنهجية التي شاعت في أرجاء الدعوة والدعاة؟ وما سبب فشل أو إخفاق كثير من التيارات الواعية المتبصرة، والمدارس العلمية في إنجاز شيء له وزنه على أرض الواقع رغم كثرة الملتفين حولها والملتقين معها وعليها؟

لعل من أهم أسباب ذلك – إن لم يكن أهمَّها – فَقْدُ الترابط الأخوي بين هذه التيارات الواعية، وشح العنصر الروحي فيها، بينما نجد العكس تماما عند التيارات والجماعات الأخرى، فنرى اهتمامها بهذا الجانب أشد اهتمام، وربما لا يكون لها عمل إلا به، بتقوية الروابط، والتواصل القلبي والروحي – سواء بوجوه موافقة للشرع أو مخالفة له – بين الشيخ ومريديه، وبين المريدين أنفسهم، فيشعرون أنهم يصدرون عن نبع واحد، ويغرفون من عين مشتركة توحد بينهم وتزيدهم تآلفاً وتآزراً وتكاتفاً. هذا الأمر لا أتكلم به تنظيراً وفذلكة؛ ولكنها والله أحاسيس أسطرها ومشاعر أخطها من واقع تجربة، ورصيد ممارسة. فكم يكون الإنسان بحاجة في كثير من الأحيان إلى كلمة إيمانية، أو ربط على قلبه وتفقد لحاله، أو تشجيعاً وتحفيزاً وتثبيتاً ممن حوله، لكنه للأسف يجد أن أقرب الناس إليه – ممن يشاطرونه دربه ويسلكون مسلكه- يجدهم بعيدين عنه كل البعد، فلا أحد لديه الوقت ليشاركك شيئاً من همك أو فكرك أو شؤونك. وإن أكبر خيبة يشعر بها الإنسان عندما يرى رفقاءه وإخوانه القريبين إلى قلبه وكيانه وشعوره، يكاد يتلاشى عندهم هذا الجانب أو يفنى، حتى الرأس أو القدوة فيهم تجد بينك وبينه هوة عظيمة، وودياناً سحيقة. ليس درس العلم كل شيء، وليس التنظير للدعوة والتكتيك لها كل شيء، وليس التحليل والتفسير لما يجري هو عصب الدعوة، إنما هناك أمر أعمق من ذلك وأدق بكثير، ما أكثر ما نغفل عنه. إنه جانب الإخاء، جانب التواد والتكامل والتكافل …

هل من الصواب في ميزان الدعوة والعمل الإيماني أن يكون أخ بين مجموعة إخوة يعاني من أزمات ومشاكل نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية ثم لا يهتم به ولا يفطن لحاله ولا ينتبه إليه أحد من إخوانه الذين يحسبهم أنهم أقرب إليه من أهله، وألصق به من نفسه!!! هذا يعني أن هذه المجموعة قد فقدت الإحساس، وتجمدت عواطفها ومشاعرها، وأقصيت وشائج الأرواح فيها، فماذا يبقى بعد ذلك؟؟ مجاملات … ومداهنات … ومناقشات … وجدالات …. وأفكار جامدة … ومبادئ جافة .. أيمكن أن يقوم عمل دعوي أو إصلاحي له جذوره وتأثيره وتأصيله على هذه الشكليات فقط – أفكار وأراء وطروحات – دون استحضار مكامن الإخاء، ومنابع الصفاء والمحبة، واستثارة الترابط الروحي بين القائمين على هذا العمل… وكثيراً ما يشك المرء في صوابية عمله، وصحة مسيرته عندما يجد كل هذا البعد وكل هذا التبلد والجفاء. ولا يَثبتُ – والحال هذه – إلا من كابر عواطفَه، وأهمل أحاسيسه لمصلحة الدعوة والنهضة – وقليلٌ ما هم – ، أما الغالب والأكثر الذين يشعرون بهذا الفراغ ويتعطشون لهذا الجانب فتراهم يميلون يمنة ويسرة، باحثين عن جو إيماني وفضاء روحي يملأ عليهم كيانهم، ويعالج ما خرشته فيهم مخالب الفتن المحيطة بهم. كم رأينا من هؤلاء الإخوة!!! وكم كنا نلومهم لعدم ثباتهم وتأرجحهم، ولم نكن نشعر بهذه الفجوة وهذا الجمود فينا … نريد الناس كلهم أن يسيروا معنا كأحجار الشطرنج، دون أن تكون لهم أرواح أو مشاعر أو قلوب أو عواطف . والله إن ابتسامة في بعض المواقف من بعض الإخوة لأخيه لكفيلة بإسعاده أسبوعاً كاملاً، وإن كلمة طيبة رقيقة لكفيلة ببث الثقة والطمأنينة في نفسه المضطربة شهراً كاملاً. وإن تفقد الأخ لأخيه أو الداعية لمن حوله لكفيل بأن يوقد جذوات طالما خمدت .. جذواتٍ فيها من الطاقات الشيء العظيم … يوقدها بلفتة منه سنوات طويلة

كُتب في مقالات القراء, منائر | التعليقات على لنُعِد السيرَ في دربِ الإخاء مغلقة

دراسة ظاهرة الارتداد عن الإسلام

إن التبسيط الذي يعيش فيه العديد من المتكلمين باسم الإسلام قد أدى إلى عدم النظر في المآلات المحزنة لبعض المسلمين ، والانتصارات الهامشية مهما كبرت فلن تغطي شيئاً من الواقع الذي يجب أن نحسه ونعيشه ، وقد اعتاد الوعاظ الأفاضل أن يلهوا الساحة دائماً بنبأ إسلام فلان من الناس (مما بعضه حق وكثير منه كذب صراح) مغرقين الأمة في نشوة كاذبة ، بدءاً من نيل أرمستروغ مروراً بالقبطان كوستو وانتهاء بالشريط السمج عن الحفر في طبقات الأرض والذي أدى إلى سماع أصوات عواء أهل النار! وفرحنا فرح الأطفال الغافلين عندما لم يبق أي كتاب في المكتبات حول الإسلام بعد أحداث أيلول ، ولم يسأل أحد نفسه! من الذين كتبوا تلك الكتب وكم شخصاً أسلم وكم ممن دخل قد ارتد! كما لم يسأل أحد نفسه عن مئات الآلاف من أبناء وبنات المسلمين ممن نخسرهم سنوياً مستبدلين بهم نشوة الفرح ببضع أشخاص ، ونقدم هذا البحث الهام للدعاة نقلاً عن مجلة الرشاد (مركز أبحاث الحضارة الإسلامية) أجل نظر أدق فيما نتحرك به ….

الـتـحـول عـن الإســلام

ظهرت في الآونة الأخيرة و في أعقاب أحداث أيلول عام 2001، بعض المواقع على شبكة الإنترنت و بعض الكتب تتحدث عن ظاهرة التحول عن الإسلام و تستعرض شهادات و تجربة بعض الذين تركوا الإسلام و تبين الأسباب التي حملتهم على اتخاذ هذا القـرار . و قد يكون من أسهل الأمور تجاهل هذه الكتابات و اعتبارها من جملة حملات الفتنة و التضليل و التهويش ضد الإسلام و المسلمين، و ذلك بقرينة استعمال الأسماء المستعارة من قبل أصحاب الشهادات و التي يصعب معها التحقق من هوية الكاتبين أو التحقق من صدق ما زعموا التعرض له . و لكن الأستاذ محمد حسان خليل اتخذ منحى آخر في التعامل مع هذه الظاهرة، و ذلك في ورقته التي قدمها ضمن أعمال المؤتمر السنوي الثالث و الثلاثين لجمعية علماء الإجتماع المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تميز بحثه بالجدّة و الجرأة لبحث موضوع شائك يتهيب من الخوض فيه كثيرون . فرغم القول الشائع أن الإسلام هو من أسرع و أكثر الأديان انتشاراً، و لكن الظروف التي أعقبت أحداث الهجمات الإرهابية في إيلول عام 2001 فرضت ضغوطاً على المسلمين و مهدت لحالات من التصريح بمفارقة الإسلام . و قد حاول الباحث أن يتحرى في ما نشر في هذا الموضوع، و الظروف التي صاحبت و مهدت مفارقة أصحاب هذه الحالات، و حاول أن يكتشف نماذج التحول و قواسمها المشتركة . فهل يميل المفارقون للإسلام إلى ترك الدين بالكلية أم أنهم يتحولون إلى دين آخر ؟ و هل تأخذ القضايا الإعتقادية الدور الرئيسي في التحول، أم أن هناك عوامل اجتماعية و تجارب و خبرات شخصية لعبت دوراً هاما ً في التحول ؟ و قد حدد الباحث هدفه في محاولة استقصاء نقدي للأبعاد المعاصرة لظاهرة التحول عن الإسلام، و عرض أهم الموضوعات التي تتكرر بوضوح في شهادات مسلمين سابقين و ذلك باستعراض ما نشر في الكتب أو على مواقع الإنترنت، و خاصة موقع (Answering Islam) و موقع (Nonie Darwish) و موقع (Apostates of Islam) و أعمال ابن الورّاق (Apostates Speak Out). وقد أشار الباحث إلى نقطة مهمة و هي أن أكثر الشهادات جاءت على لسان أشخاص بأسماء مستعارة فضـَّل أصحابها كتم شخصياتهم خوف التعرض للأذى . و لا شك أن هذا يفتح الباب للإنتحال و الإختلاق . و من ناحية أخرى هناك ما يدعو للإعتقاد أن بعض الشهادات حقيقية بقرينة احتوائها على تفاصيل معاناة شخصية . و على كل حال فهدف الدراسة ليس التقييم و التحقق مما يقال، بل المسح لما يتداوله الناس و ما يعرض في المجال الثقافي العام بشأن قضية التحول عن الإسلام .

و هناك قضية أخرى مهمة و هي أن استعراض ما يقوله التاركون للإسلام هو عرض آرائهم و قناعاتهم و ليس الإعتراف و القبول لأقوالهم، فكثير من أقوال هؤلاء تتعارض مع ما يقرره كثير من العلماء قديماً و حديثاً . و قد نقل الباحث على سبيل المثال ما قرره الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه \\\” فيصل التفرقة بين الإسلام و الزندقة \\\” بشأن قضية تعذيب غير المسلمين في جهنم، و كذلك ما يقرره أكثر العلماء المسلمين في قضية إكراه المرأة على الزواج بمن لا ترضاه . فليس الهدف هو فتح باب الحوار و الجدال بقدر ما هو فهم وجهات نظرهم بتقرير ما قالوه وكأنه حقيقة ما يشعرون به للحصول على مسح علمي لما يقال في هذا الموضوع . و هذا لا شك يخدم أهدافاً علمية و اجتماعية، و خاصة إذا أراد المسلمون الذين يعيشون بين أغلبية من غير المسلمين أن يتفهموا عناصر استمرارهم و امتدادهم . و نظراً لصعوبة الإلتزام بالموضوعية التامة في أمور تتعلق بالتقدير الشخصي مثل درجة التدين أو ترتيب المؤثرات و الأمور التي أدت إلى اتخاذ القرار بترك الإسلام، فقد عمدت الدراسة إلى تصنيف المؤثرات و الدوافع إلى مجموعتين أحدهما تتعلق بالقضايا الفكرية و الإعتقادية، و الأخرى تتعلق بالأمور الشخصية و الإجتماعية والإنطباعات عن التفاعل مع مسلمين و غير مسلمين . و بعد استعراض شهادات التاركين للإسلام كما وردت في مصادرها، عمد الباحث إلى تحليل المعلومات و تصنيفها و استخلاص بعض التوجهات الرئيسية في العينة المدروسة . و قد ظهر أن الأغلبية العظمى من الذين تركوا الإسلام انتهوا إلى الإلحاد أو اللاأدرية أو النصرانية . و كانت أغلبية الحالات هم من الرجال، و قد يكون هذا مستغرباً حيث تسجل معظم الشهادات وضع المرأة في الإسلام كسبب لترك الدين .

و تنحصر حالات الإنتقال من الإسلام إلى الهندوسية في إندونيسيا و الهند . أما الإنتقال إلى الإلحاد أو الاأدرية فكانت أغلبية الحالات من أفغانستان و الهند و بنغلادش و باكستان و المنطقة العربية . و يلاحظ من تحليل الشهادات المذكورة في المصادر التي جرى مسحها أن هناك عدد من النماذج المتكررة و خاصة فيما يتعلق بالبواعث الفكرية و الإعتقادية .

• فوضع المرأة في الإسلام كان من الأمور التي ذكرت في كثير من الشهادات .

• و مصير الطيّبين من غير المسلمين و الذين يتفوقون على كثير من المسلمين بالإلتزام الأخلاقي و محبة الخير و المساعدة، فقد كان من المشكل عند الكثير من أصحاب الشهادات الإعتقاد أن مصير هؤلاء إلى جهنم بغض النظر عما قدموه أو فعلوه .

• و أشارت بعض الشهادات إلى القرآن الكريم و أن كثير من الأفراد ينشأون و يدرسون القرآن دون أن يعلموا أو يفهموا ماذا يعني، و عندما يقرأون بعض الترجمات أو ما يكتبه بعض العلماء الغربيين عن القرآن يسبب ذلك شيئاً من الإضطراب و الشك .

• و أشارت بعض الشهادات إلى شخصية النبي محمد (صلى الله عليه و سلم) و غيره من قادة المسلمين و أنها تبدوا غير مثالية .

• و أشارت بعض الشهادات إلى التوثيق التاريخي للمصادر الإسلامية ( القرآن و الحديث ).

• و أشارت بعض الشهادات إلى ما تعتبره تناقضاً واضحاً بين الشريعة و حقوق الإنسان و خاصة مفهوم الجهاد و ما يعتبره الإسلام عنفاً أو عقوبة مشروعة .

• و أشارت بعض الشهادات إلى ما تعتبره تناقضاً بين العدل الإلهي و وجود الألم و الشر و المصائب و خاصة عندما تعرض بعض هؤلاء لأدبيات الملحدين و مناقشاتهم في هذا الموضوع .

• و أشارت بعض الشهادات إلى عدم معقولية الدين بشكل عام . و التناقض بين الإسلام و العلم و خاصة نظرية التطور كمثال مشهور .

• و أشارت بعض الشهادات إلى صرامة الأحكام الشرعية و التي تبدو غير ضرورية .

• و أشارت بعض الشهادات إلى الضيق بعربية القرآن و لذلك يقولون أن الإسلام هو دين مختص بالعرب و ليس ديناً عالمياً .

• و أخيراً فإن معظم الشهادات تشير إلى الإعجاب بقيم الحضارة الغربية . أما ما يتعلق بالدوافع الإجتماعية و الشخصية الناتجة عن التفاعل و العلاقات مع المسلمين، فقد أشارت الشهادات إلى الأمور التالية :

• التعامل مع شخصيات فظة و سيئة ذوي مستوى أخلاقي و إنساني متدني عن كثير من غير المسلمين .

• إزدواجية المعيار الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالمرأة في أمور يتسامح فيها مع الرجال عادة

• الطبيعة القسرية و الإستبدادية للمسلمين عبر التاريخ و قد ذكرت بعض الشهادات مثالاً عن ذلك الحوادث التي صاحبت أزمة عام 1971 و التي أدت إلى انفصال بنغلادش عن باكستان.

• تخلف مجتمعات المسلمين و خاصة عن المجتمعات الغربية المعاصرة.

• الكراهية و سوء المعاملة لغير المسلمين .

• سلبية المسلمين في مواجهة المصائب أو مواجهة الظلم و الإستبداد.

وفي ختام الورقة أشار الأستاذ الباحث إلى أمله في أن تطرح هذه الورقة و تنبه إلى القضايا التي أثارها الذين تركوا الإسلام . و لا شك أن هذا التوجه في التعامل الصريح مع القضايا المطروحة سيعين الجالية المسلمة في الولايات المتحدة – و في غيرها بالطبع – على امتلاك عناصر البقاء و الإستمرار في عالم طغت فيه القيم المادية و الثقافية الغربية . و لا شك أن مثل هذا الكلام ضروري و حيوي لأن يتنبه إليه الناشطون المسلمون في الجمعيات و المؤسسات و المراكز الإسلامية ليهتموا بالمشكلات الإجتماعية و الشخصية التي عبر عنها التاركون و بذلك يكون المسلمون أقدر على امتلاك مقومات الإستمرار و الإنتشار .

كُتب في المناهج | التعليقات على دراسة ظاهرة الارتداد عن الإسلام مغلقة

مخاض الفكر السلفي

محمد بن المختار الشنقيطي

تعتبر الحركات السلفية من أهم الحركات الإسلامية الإصلاحية في عالم اليوم. ولهذه الحركات صوتها الجهوري الداعي إلى تحرير الدين من شوائب العرف وبدع الخلَف. وقد تمظهرت الحركة السلفية المعاصرة بمظاهر شتى خلال القرن العشرين، من ليبرالية علال الفاسي، إلى عقلانية محمد عبده، إلى جهادية عبد الحميد بن باديس، إلى \”آثارية\” محب الدين الخطيب. لكن ما تبلور في النهاية تحت مسمى السلفية هو المدرسة النجدية ذات الجذور الحنبلية. وهي التي نركز عليها بالتحليل هنا نظرا لأن صوتها تجاوز حدود مواطنها الأصلية كثيرا، وأثرها امتد إلى كل الآفاق، فغدتْ ظاهرة إسلامية عالمية ..

لقد ظلت الحركة السلفية إلى حين قريب تمثل مخزونا احتياطيا ورصيدا استراتيجيا للحركات الإسلامية السياسية والجهادية، دون أن تتحمل بنفسها عبئا في الجهاد السياسي يتناسب مع حجمها وأثرها العلمي والاجتماعي. فكان أغلب السياسيين والحركيين الإسلاميين يتخذون من علماء السلفية ومنشوراتها مرجعا في كثير من رؤاهم التأصيلية، ويستمدون من الحركة السلفية جانبا مهما من مددهم البشري، دون أن يعولوا كثيرا على الحركة نفسها في الجهاد السياسي، نظرا للموقف المتوجس الذي عبر عنه علماء السلفية وقادتها تجاه العمل السياسي، وبقاء تفكيرهم محصورا بطوق الفكر التاريخي الموروث، الذي تحكم فيه هاجس الخوف من الفتنة، والتشاؤم تجاه جهود الإصلاح السياسي الإسلامي، ولم يعد يرى للعالم والمصلح دورا وراء النصح باللسان .. لكن يبدو أن الحركة السلفية تمر اليوم بمرحلة مخاض بدأت تغير هذه المعادلة، وتخرج بالفكر السلفي من الطوق الذي وضع فيه نفسه. ولو أدرك دعاة الإسلام ووعاته – من السلفيين وغيرهم من الإسلاميين – كيف يرعون هذا المخاض حق رعايته، لكان له أثر إيجابي كبير على الصحوة المباركة، ولأمد الساحة الإسلامية بدماء جديدة وحيوية متجددة، ولحرر طاقات التدين لدى الملايين من المسلمين، ووضعها في موضعها الصحيح من معركة الجهاد السياسي والحضاري الحالية، بدلا من أن يظل أعداء التمكين للإسلام يوجهونها بغير وعي من أهلها، ويحفرون الخنادق والمسارب لتصريفها حيثما شاءوا .. لقد كانت العديد من الحركات السلفية تعاني – إلى عهد قريب – من مساوئ منهجية كبيرة في خلفيتها الفكرية وبرامجها العملية، جدير بالمصلحين المسلمين في كل مكان الانتباه إليها، إذا أريد لمخاض الفكر السلفي الحالي أن يسفر عن الثمرات المرجوة. ومن هذه المساوئ :

أولا: تحول مفهوم السلفية عند البعض في العصر الحديث من منهج سليم في المعتقد، مبني على التسليم والتفويض وعدم التكلف.. إلى مذهبية في أمور الفقه والحياة المتغيرة تقيد الفكر والعمل أحيانا. وقد تجلي ذلك في البحث والتنقيب في حياة السلف وأقوال العلماء الأقدمين عن مرجع لأي أمر جديد، والاستغراق في قياسات جزئية لا تلبي حاجات الإسلام في العصر الحاضر، ولا تجيب على الأسئلة الكبيرة والخطيرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم. والنظر بريبة إلى كل اجتهاد جديد لا يجد له مستندا أو سابقة في حياة السلف. وربما يجد المرء جذورا تاريخية لهذا المنزع في تورع بعض العلماء الأقدمين – مثل الإمام أحمد والإمام أبي داود – من القول بالرأي، وإيثارهم الأخذ بالآثار الضعيفة على الرأي والاجتهاد. وهو نوع من عدم الاعتراف ضمنا بحدود النص كان ممكنا في عصرهم الذي لا يختلف كثيرا عن عصور الإسلام الأولى، لكنه غير ممكن في عصرنا الحالي، نظرا للتغيرات العميقة في مسار الحياة وبنية المجتمعات، مما يجعل الاعتراف بأن \”النصوص متناهية والحوادث غير متناهية\” – كما يقول الأصوليون – أمرا لا محيد عنه.

ثانيا: تحول بعض الجماعات السلفية المعاصرة إلى ما يشبه المدرسة الكلامية التي تطنب في الحديث عن دقائق العقائد دون داع شرعي، وهو ما لا ينسجم مع منهج السلف القائم على البساطة، وتجنب الخوض في تلك المباحث إلا لضرورة. وقد كان جديرا بالسلفيين أن يأخذوا العبرة من المعارك التي مزقت لحمة المجتمع الإسلامي خلال القرون، وأهدرت طاقاته الفكرية والعملية في الجدل حول أمور لا جدوى من الخوض فيها. لقد صعقتُ وأنا أقرأ للشيخ أبي الحسن الأشعري في كتابه \”مقالات الإسلاميين\”، كيف انزلق رجل في مثل مؤهلاته الفكرية والعلمية إلى متاهات غريبة بل مضحكة أحيانا، وشر البلية ما يضحك. واسمع إلى الشيخ الأشعري وهو يقول:

– \”اختلفوا في الإنسان ما هو، على تسع عشرة مقالة …\” –

\”اختلف المعتزلة هل المقتول ميت أم لا …؟\” – \”

واختلفوا هل يجوز رفع ثقل السماوات والأرضين …؟\” – \”

اختلفوا في القتل هل يضاد الحياة أم لا …؟\” – \”

اختلفوا في كلام الإنسان، هل هو صوت ؟ على أربع مقالات… \” – \”

اختلفوا هل يطيق الشيطان حمل ما لا يطيق البشر حمله ؟…\” (1) .

وللإنصاف فإن الأشعري لم يكن الوحيد في ذلك، بل توصل العديد من العلماء إلى أن ما انشغلوا به طول أعمارهم لم يكن سوى اختلاف عبارات وجدل لفظي، واسمع إلى قول الإمام الذهبي: \”رأيت للأشعري كلمة أعجبتني، وهي ثابتة رواها البيهقي: سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهدْ علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات. [قال الذهبي] قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \”لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\” فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم\” (2) . فانظر كيف أن رجالا قضوا أعمارهم في مناقشة مقولات الناس وعقائدهم، رجعوا في النهاية إلى منهج البساطة النبوي: \”لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\” فأراحوا أنفسهم وغيرهم. إنها خسارة كبرى أن يفني الإنسان عمره في معارك، ثم يتوصل في أواخر أيامه إلى أنها لم تكن سوى \”اختلاف عبارات\”، والخسارة الأكبر من ذلك أن يكون قطاع عريض من المجتمع هو الذي يضيع أعماره في ذلك، ولا ينتبه إلى المتاهات التي وضع نفسه فيها. ولا حل لذلك سوى الرجوع إلى منهج البساطة، والبعد عن التكلف، والاكتفاء من العقائد بالجمل، والتوجه إلى العمل.

ثالثا: عدم التمييز بين كليات العقيدة التي لا اجتهاد فيها، لقطعية الأدلة ثبوتا ودلالة، وبين جزئياتها التي جاءت النصوص فيها محتملة، فللخلاف فيها متسع، والانشغال بها لا يؤدي إلى الحسم فيها علميا، ولا تترتب عليه ثمرة عمليا. فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في بعض جزئيات العقيدة، مثل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة الإسراء، وهل كان الإسراء بالجسم أم بالروح، وتكليم النبي صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين في بدر، وتعذيب الميت ببكاء أهله ..الخ ووردت إلينا أقوالهم في ذلك. فكان كل منهم يبدي رأيه بشكل عرَضي، ولا يتوقف عند هذه الأمور، ولا يرى لها أهمية كبيرة، وهو مستغرق في الجهاد لنصرة الدين والتمكين له. فضلا عن أنهم لم يرد عن أي منهم إنكار على مخالفه في مثل هذه الأمور، بل كانت عباراتهم مشحونة بالأدب الجم والدعاء لمخالفيهم، مثل قول عائشة رضي الله عنها: \”رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إجابة\” (3).

رابعاً: جفاء بعض السلفيين في إنكارهم على إخوانهم المسلمين المتلبسين ببعض البدع، دون لطف أو ترفق، أو اعتبار للمآل والثمرات. وكأن مجرد إدانة واقع البدع والخرافات كاف للقضاء عليه. وذلك إشكال عملي على قدر كبير من الأهمية الشرعية: فهل المطلوب شرعا مجرد تسجيل موقف؟ أم السعي إلى تغيير الواقع المنحرف؟ إن قصة أهل \”القرية التي كانت حاضرة البحر\” الواردة في القرآن الكريم تبين لنا أن السعي لإصلاح المجتمع وتغيير المنكر يستهدف مصلحتين: أولاهما مصلحة للداعي نفسه، وهي الإعذار إلى الله تعالى من خلال القيام بمسوؤليته الشرعية في النصح والإبلاغ، والثانية مصلحة للمدعو، وهي الرجوع عن الباطل إلى الحق. وقد جمع الصالحون من أهل القرية هذين المعنيين في ردهم على الذين أرادوا تثبيط هممهم، فقالوا: \”معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون\” (4) لكن يبدو أن بعض السلفيين لا يستحضرون الهدف المزدوج هنا، فكأن كل همهم هو تسجيل موقف، وإدانة واقع فقط، وتلك نظرة جزئية لا تفي بالمقصد الشرعي.

خامساً: خلط بعض السلفيين – ضمنا – بين الوحي والتاريخ في المرجعية، جراء نقص في الوعي بالتاريخ لا يميز بين صورته ومعناه، وتقصير في دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بكل جوانبها المضيئة والقاتمة، ولا تقف عند سرد المناقب فقط. وذلك هو داء التجسيد الذي تحدثنا عنه أكثر من مرة: تجسيد المبادئ في أشخاص، مهما يكونوا عظماء فهم غير معصومين، وفي وسائل مهما تكن ناجحة، فهي محدودة بحدود الزمان والمكان. والذي يتأمل نصوص الشرع ومصائر الأمم يدرك أن الخلط بين المبادئ والأشخاص، أوالمبادئ والوسائل، من أسوإ الأدواء الفكرية والعملية. لقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته بإطلاق لأنه معصوم: \”عليكم بسنتي\”، ثم أمر باتباع سنة الخلفاء من بعده، لكنه قيدها بالرشد: \”وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\”. وفي ذلك درس ثمين في التمييز بين الشخص والمبدإ، حتى ولو كان ذلك الشخص أحد الخلفاء الراشدين. لذلك لا عجب أن نجد رجلا من أهل البصيرة الشرعية والوعي التاريخي مثل ابن تيمية يقول: \”إن ما فعله عثمان وعلي من الاجتهاد – الذى سبقهما بما هو أفضل منه أبو بكر وعمر ودلت النصوص وموافقة جمهور الأمة على رجحانه – وكان سبب افتراق الأمة، لا يؤمر بالإقتداء بهما فيه، إذ ليس ذلك من سنة الخلفاء\” (5).

سادساً: الانفعال في الدفاع عن السلف بشكل يهدر قدسية المبادئ، حرصا على مكانة الأشخاص، ويرد الغلو بغلو، مع تعميم وتهويل يساوي في دفاعه بين عثمان وكاتبه مروان، وبين عمار وقاتله أبي الغادية. ويبدو لي أن الشباب السلفي وقع ضحية لمنهج ابن العربي في كتابه \”العواصم من القواصم\” ثم لمدرسة \”التشيع السني\” المعاصرة التي يقودها محقق كتاب \”العواصم\” الشيخ محب الدين الخطيب وتلامذته. ومن المعروف أن هذا الكتاب من الكتب التي وجهت تفكير الملايين، وأثرت على المسار الفكري السلفي كله. لقد أخذ العديد من المحققين الأقدمين عددا من المساوئ المنهجية على القاضي ابن العربي، ومن ذلك: ? السطوة والشدة والتحامل على المخالفين دون إنصاف (6). ? رد الأحاديث الصحيحة والوقائع الثابتة إذا خالفت رأيه الفقهي أو رؤيته السياسية (7). ? التكلف والتعسف في إثبات الرأي الموافق ونفي الرأي المخالف (8). ? الإطلاق في نفي الأدلة التي لم تصل إلى يده أو لم تستحضرها ذاكرته (9). ? التعميم والتهويل ونقل الإجماع في أمور الخلاف (10). وقد انتقلتْ هذه المساوئ المنهجية – بكل أسف – إلى الشيخ محب الدين الخطيب، ومنه إلى بعض الجماعات السلفية المعاصرة. فهو يدافع عن الوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، ويزيد بن معاوية، والحجاج بن يوسف، ويقدم ذلك الدفاع في ثوب \”السنة والجماعة\”، ويرد الأحاديث الثابتة التي لا تنسجم مع الصورة الذهنية التي يدافع عنها، ويقتطع النصوص ويبترها من سياقها دفعا للآراء المخالفة مهما كانت قوة حجتها.. وقد تتبعتُ تلك المجازفات في كتابي: \”منهج ابن تيمية في دراسة الخلافات السياسية بين الصحابة\” (الذي يصدر قريبا بعون الله) ولا يسمح المقام بسردها هنا، ولكني أستسمح القارئ الكريم في الاستطراد هنا، وإيراد أمثلة موجزة تدل على ما وراءها: ? أنكر ابن العربي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة يوم الجمل وكان في جيشه، وقال : \”لم ينقله ثبت\” وأضاف الشيخ محب الدين: \”هذا الخبر عن طلحة ومروان لقيط لا يعرف أبوه ولا صاحبه ..\” (11). والواقع أن الأثبات نقلوه وصححوه: فقد أخرجه الحاكم وابن سعد بسند صحيح (12) وقال ابن حجر: \”أخرجه أبو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة\” (13) وقال الهيثمي :\”رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\” (14). ? أنكر ابن العربي حديث \”الحوأب\” وقال : \”ما كان شيء قط مما ذكرتم، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام\” (15) ثم علق الشيخ محب الدين قائلا: \”إن الكلام الذي نسبوه إلى النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة\” (16). والواقع أن الحديث صحيح، وأنه موجود في \”دواوين السنة المعتبرة\” ومنها مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، وصحيح ابن حبان، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى. وقد صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر: \”سنده على شرط الصحيح\” وقال ابن كثير: \”وهذا إسناد على شرط الشيخين\” وقال الهيثمي في رواية أحمد له : \”رجال أحمد رجال الصحيح\” (17). ? شكك ابن العربي في أن الآية: \”إن جاءكم فاسق بنبإ\” واردة في الوليد بن عقبة، ثم علق الشيخ محب الدين بأن نسبة القصة إلى الوليد لا تثبت، وأن الروايات التي وردت بها موقوفة على أناس لم يدركوها، وأن رواتها مجاهيل أوضعفاء، ثم شن حملة شعواء على الذين \”ملأوا الدنيا أخبارا مريبة ليس لها قيمة علمية\” (18). والواقع أن الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه عن الحارث بن أبي ضرار وهو صحابي ووالد أم المؤمنين جويرية، كما أنه أصدق شاهد عيان، إذ هو سيد قبيلة بني المصطلق التي أُرسل إليها الوليد، وهذه غير رواية أم سلمة، وغير الأخبار الموقوفة التي ركز عليها الشيخ الخطيب. وقال السيوطي في الحديث بهذا الطريق \”سنده جيد\” (19) وقال الهيثمي : \”رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات\” (20). ? ادعى الشيخ محب الدين أن عليا بايع الصديق ليلة السقيفة، رغم أن ذلك مخالف لمنطوق حديث عائشة في الصحيحين الذي ورد فيه: \” .. وكان لعلي من الناس وجهة حياةَ فاطمة، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر …\” (20). والعجب أن الشيخ الخطيب نقل جزءا من هذه الفقرة من صحيح البخاري حتى بلغ قوله : \”فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته\” ثم توقف، ولم يذكر الجملة التالية، لأنها لا تنسجم مع رؤيته المسبقة للأحداث. ? قال ابن العربي في دفاعه عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: \”وهذا أحمد بن حنبل – على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه – قد أدخل عن يزيد بن معاوية في \”كتاب الزهد\” أنه كان يقول في خطبته: \”إذا مرض أحدكم مرضا فأشفى ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه، ولينظر إلى أسوإ عمل عنده فليدعه\”. وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم ويرعوى من وعظهم. ونعم! ما أدخله إلا في جملة الصحابة، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين\” (21) وابن العربي يرتكب هنا ثلاثة أخطاء فادحة، أولها: أنه اختلط عليه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بيزيد بن معاوية النخَعي التابعي الزاهد الذي ينقل عنه الإمام أحمد وغيره أقوالا كثيرة في الزهد، والثاني أنه يدعي على الإمام أحمد رأيا في يزيد هو أبعد ما يكون عن الحقيقة، واسمع إلى رأي الإمام أحمد في يزيد كما رواه من هم أدرى بفقهه: قال ابن تيمية: \”قال صالح بن أحمد [بن حنبل]: قلت لأبي: إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال:يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟\” (22) والثالث: أنه يعطي القارئ الانطباع أن الإمام أحمد يدخل يزيد في الصحابة، وهو الذي ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعقدين من الزمان ..!! إن سبب كل هذه المجازفات والمزالق العلمية والمنهجية، هو داء التجسيد، وعدم التمييز بين الدين والتدين، وبين المبادئ والأشخاص، ولذلك لا عجب أن استحال الدفاع عن الصحابة -عند البعض – إلى دفاع عن الملك العضوض والظلم السياسي، وتبرير الجبرية والخنوع. ولا غرابة أن يطالعنا ابن العربي نفسه في غمرة دفاعه عن توريث معاوية السلطة لابنه يزيد، برأي غريب في بيعة الحاكم، يقول فيه: \”إن واحدا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعا\”(23). وقد اضطر ابن تيمية إلى الرد على هذا التأويل السقيم، وتبرئة الإسلام منه. فأي قيمة للمبادئ الإسلامية الجليلة حول الشورى والعدل في القَسْم والحكم أمام هذا الدفاع الأعمى ؟؟ سابعا: انفصال العلم الشرعي عن الواقع المعيش، مما يعمق تهميش الدين في الحياة العامة، ويسهل توظيف حملة العلم الشرعي توظيفا سياسيا لا يخدم الدين. إضافة إلى ما يؤدي إليه ذلك من أخطاء فكرية وفقهية جسيمة. وقد اشتكى محمد إقبال من هذه الغفلة وعدم استيعاب الواقع، وتخلف المدارس والجامعات الإسلامية عن أداء دورها في هذا المضمار، فقال: ما في مدارسك التي تلهو بـها إلا دروس مغــفَّل وبلـيدِ سر الدراسة في فؤادك كامـن لو كنت تحسن صرخة التوحيد ويرجع السبب في ذلك إلى زهد أغلب السلفيين في الثقافة المعاصرة، وتشبثهم بالموقف التقليدي المتوجس من \”الغزو الفكري والثقافي\”، مما جعلهم بعيدين عن مقتضيات الدين في الواقع المعاصر، فضاعت جهودهم في محاربة بدع الماضي وانحرافاته. ويبدو أن كثيرا من السلفيين لا يزالون يتشبثون برؤية رواد النهضة نهاية القرن التاسع عشر، الذين رأوا أن حاجة المسلم إلى الثقافة المعاصرة لا تتجاوز الجانب العلمي التقني، وأن لا حاجة له في العلوم الإنسانية والمنهجية. وتلك نظرة قاصرة، أدت إلى تخلف الإسلاميين بشكل عام – والسلفيين بشكل خاص – عن المستوى الفكري والمنهجي السائد في حضارة العصر.

إن ما تحتاجه الشعوب الإسلامية اليوم هو العلوم الإنسانية والمنهجية التي تحرر العقل، وتجدد للثقافة الإسلامية شبابها، وتنفض عنها غبار التاريخ، أما العلوم التقنية في مجتمع لا يزال محكوما بقانون الغاب، وليس لكرامة الإنسان فيه أي اعتبار، ففائدتها محدودة، بل قد تستحيل كارثة، وما أخبار التكنلوجيا العسكرية العراقية منا ببعيد .. لكن هل يعني ذلك براءة الحركات الإسلامية الأخرى من هذه المساوئ المنهجية التي أخذناها على بعض الحركات السلفية، كلا! فالواقع يشهد بغير ذلك. لقد سلمت حركات إسلامية أخرى من بعض هذه المساوئ، لكن أصابها بعضها، وأحيانا بصورة أسوأ مما أصاب الحركات السلفية. فأسْر التاريخ – مثلا – واتخاذه مرجعية ضمنية، أمر موجود في بعض الحركات الإسلامية. والفرق الوحيد هو أن بعض السلفيين يتعصبون لتاريخ الصحابة والتابعين دون تمحيص – بل دون السماح بالتمحيص – وبعض الإسلاميين يتعصبون لرجال الحركة وأشكالها دون تقويم أو مراجعة. والشروح والحواشي الغزيرة التي صدرت حول \”رسالة التعاليم\” للإمام الشهيد حسن البنا، أو غيرها من رسائله، تكشف لنا عن الجمود السائد، والاستئسار للماضي في بعض الحركات الإسلامية، وإلا فإن الرجل كتب أفكارا واضحة، بلغة مشرقة وبيان عذب، وليس هو بحاجة إلى شرح أو حاشية، بل إلى من يقدر جهده ويراجعه ويتجاوزه .. والذي يتجاوز حدود المظاهر إلى عمق الظواهر، يدرك أن بعض الحركات \”الإسلامية\” سلفية الفكر والعمل، رغم نقدها للسلفيين، وأن بعض الحركات \”السلفية\” هي حركات كلامية، رغم هجومها على المتكلمين. لقد كان من ثمرات المساوئ المنهجية السائدة في فكر بعض الجماعات السلفية سهولة التوظيف السياسي لهذه الجماعات،جراء تفريطها في الوعي السياسي، وعدم استيعاب أبعاد الواقع وتعقيداته. وقد عبر عن ذلك أحد الظرفاء بأن للسلفيين ثأرا تاريخيا ضد \”المسيحيين الأورتوذوكس\” ولا شأن لهم بغيرهم من أعداء الأمة من اليهود وغيرهم. وهو يشير بذلك إلى حماس الحركات السلفية للجهاد بالأنفس والأموال ضد الروس في أفغانستان، والصرب في البلقان – وهذا أمر محمود على أية حال – مع انخفاض درجة الحماس على المستوى العملي إذا تعلق الأمر بفلسطين مثلا .. وهو أمر يرجع أساسا إلى التوظيف السياسي من طرف بعض الدول العربية المتلبسة بلبوس السلفية، خدمة منها لتحالفاتها الدولية المشبوهة. لكن المخاض الفكري والسياسي الذي تعيشه الحركة السلفية الآن جعل هذه المساوئ المنهجية تضمحل تدريجيا – باستثناء جيوب معزولة هنا وهناك – والحمد لله رب العالمين. ولا تخطئ عين الباحث المتجرد محاولة الفكر السلفي الآن الاقتراب من هموم الأمة، والتحرر من أسر التاريخ، والخروج من عباءة بعض الأنظمة الفاسدة، التي طالما ركبت الموجة السلفية لتحقيق مآربها. ولا تخطئ عينه تخفف السلفيين من الجدل التاريخي والكلامي – في العقد الأخير – وتركيزهم على شؤون العصر، وتحديات الحياة الدائبة، وتعطشهم إلى الاستفادة من ثقافة العصر في مجال الفكر السياسي والتنظيمي.. وقد عبر عن ذلك أحد الصحفيين الفرنسيين في مقال له عن الجزائر منذ أعوام، تحدث فيه عن كتاب الشيخ علي بلحاج – فك الله أسره – \”فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام\”، وجعل عنوان المقال:\”حينما يستشهد علي بلحاج بفولتير\” Quand Ali Belhaj cite Voltaire. ويرجع الفضل في هذه التطورات الإيجابية على الساحة السلفية – بعد عناية الله عز وجل بهذه الأمة – إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها: تلك الوثبة التي وثبها بعض العلماء والدعاة مطلع التسعينات في الجزيرة العربية، فحرروا الخطاب السلفي لأول مرة من عباءة الأنظمة التي تجعل الشريعة خادمة للسلطة – لا العكس المفترض – وفتحوا أعين الشباب السلفي إلى ضرورة دراسة الواقع واستيعاب مقتضيات الدين في العصر الحاضر. وثانيها: إمساك بعض الوجوه السلفية بزمام المبادرة السياسية داخل بعض الدول المسلمة، وتعاونهم مع الجماعات الإسلامية الأخرى ومع عامة الشعب بحكمة واستيعاب. وقد برزت هذه الظاهرة أوضح ما تكون في تجربة \”الجبهة الإسلامية للإنقاذ\” بالجزائر مطلع التسعينات. وثالثها: دور التوعية والتنوير الذي تقوم به الجماعات السلفية المغتربة في أوربا وأمريكا، فلهذه الجماعات جهد مشكور في تطوير خطاب سلفي جديد، يتسم بالوعي والنضج. وربما كان للثقافة العملية السائدة في الغرب أثر إيجابي هنا، حيث لا تقاس قيمة المبدإ بصحته النظرية، بل بصلاحيته العملية. وإذا كان الإيرانيون \”سيدركون في النهاية أن لديهم أعداء غير الأمويين\” كما قال أحد الكتاب، فإن السلفيين سيدركون في النهاية أن أمامهم – وأمام الإسلام – تحديات أكبر من منازلة المعتزلة والأشاعرة والمرجئة والشيعة والمتصوفة .. فما تحتاجه الصحوة الإسلامية اليوم، هو قوم يعيشون تحديات عصرهم، لا الذين تستعبدهم مقولات الماضي ومصطلحاته، وحروبه ولجاجاته. فتلك ظاهرة أضاعت على القوى الإسلامية الكثير من الوقت والجهد، وكان محمد إقبال قد نبه عليها منذ أمد بعيد، فقال : ترى النشء يملأ وجه الطريقْ بروحات نِسر وغدْوات بازْ ومفـتي المدينة وادٍ سحيـقْ يضجُّ بمصطلـحات الحجازْ ورغم أن جهات عديدة لا تزال حريصة على توسعة الجفوة بين الحركات السلفية وغيرها من الحركات الإسلامية، منعا من تشكيل جبهة إسلامية عريضة في وجه الظلم والاستبداد الضارب بأطنابه، فإن اتجاه تلك التطورات يتجه الآن إلى التعاون والتكامل. لقد بدأ السلفيون يتحررون من داء التنظير المجرد ومتاهات علم الكلام، ويفتحون أعينهم على تحديات الواقع المعاصر وتعقيداته، وبدأ الإسلاميون الحركيون يتحررون من الروح الحزبية ويفتحون صدورهم لكل عامل ولو من خارج التنظيم. وقد يبقى بعض الاحتكاك الخفيف والتنافس اللين لفترة آتية، على شاكلة تنافس النحاة الكوفيين والبصريين، إلا أن الطرفين بدآ يدركان ما يجمع بينهما، ويتعاملان فيما بينهما بشكل أكثر تواضعا وأقل تبجحا .. وتلك بوادر طيبة تبشر بوحدة في تنوع، وتكامل في تخصص.. نسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير.

————————- هوامش

(1)- أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين 2/25 ، 92، 105 109،110،124

2-الذهبي: سير أعلام النبلاء 15/88

(3)- الحاكم: المستدرك على الصحيحين 2/234 والبيهقي: السنن الكبرى 10/58

(4)- سورة الأعراف، الآية 164

(5)- ابن تيمية: مجموع الفتاوى 35/23

(6)- الذهبي: تذكرة الحفاظ 3/1152 و4/1295والسيوطي: طبقات الحفاظ 2/469 والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 6/38 و9/109والمباركفوري: تحفة الأحوذي 8/335 وقارن مع فتح الباري 8/280

(7)- ابن حجر : تلخيص الحبير4/44 والشوكاني : نيل الأوطار 3/364 وقارن مع المباركفوري : تحفة الأحوذي 3/62 والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 2/249 وابن حجر: فتح الباري 2/81)

(8)- تحفة الأحوذي 6/236 ونيل الأوطار 6/181

(9)- فتح الباري 10/305 و10/267 ونيل الأوطار 8/289-290 و 7/54

(10)- انظر فتح الباري 2/108 و2/ 387 و3/499 و7/139و8/472 و 11/321 و 13/161وانظر الآبادي : عون المعبود 3/300 و القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 5/360

(11)- ابن العربي: العواصم من القواصم ص 160

(12)- انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/35-36

(13)- ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 2/222

(14)- مجمع الزوائد 9/150وقارن مع مصنف ابن أبي شيبة 7/536 (15)- العواصم ص 162-163

(16)- العواصم ص 164 الهامش

(17)- انظر : سير أعلام النبلاء 2/177-178 (الهامش) ومجمع الزوائد 7/234 ومستدرك الحاكم 3/129 وصحيح ابن حبان 15/126 ومسند أبي يعلى 8/282 ومسند الإمام أحمد6/52 ومسند إسحاق بن راهويه 3/891 وفتح الباري 13/55 وتعليق الألباني في ختام كتاب \”العواصم\” ص 276-278

(18)- العواصم ص 102-103

(19)- انظر السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور 6/91 والشوكاني: فتح القدير 5/80 وابن القيم: بدائع التفسير 4/179 وابن أبي حاتم : تفسير القرآن العظيم 10/3303

(20)- مجمع الزوائد 7/ 109وانظر مسند الإمام أحمد4/279 ومعجم الطبراني الكبير 3/274

(21)- العواصم ص 245-246

(22)- ابن تيمية: مجموع الفتاوى 4/483 ومنهاج السنة 4/573

(23)- صحيح البخاري – كتاب المغازي ، وصحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير

كُتب في المناهج | التعليقات على مخاض الفكر السلفي مغلقة

كيلا نحج عند رجوع الناس – 2006-01-07

نبهنا أساتذتنا أحسن الله إليهم إلى أن للعوام كلمات يستخدمونها بمعنى مجازي ، كقولهم: (الله يطعمك الحج والناس راجعة) ، ويقصدون بذلك أنك حاولت تدارك الأمر بعد فوات الأوان ؛ ونبهونا إلى أن ذلك لا يحسُن من الدعاة وأهل العلم ، لأن فيه شبهة بالدعاء بفوات الخير، ولا ينبغي أن ندعو لأحد بمثل ذلك احتراماً لتلك الشعيرة العظيمة ، فالحج محّاء للذنوب ، وهو ملتقى الأمة الذي تستعيد فيها وحدتها وتلم فيه شعثها وتبعَثُ فيه من كل جهة منها ثلة ينوبون عمن خلفهم بالاستدراك والافتقار والولادة من جديد في حمل الأمانة وإصلاح السريرة وصدق الأخوة ، واستعادة الروح الواحدة التي تمزقها عوامل ضعف شتى يزيدها ضعف داخلي هائل ، وكيد خارجي مبين.
ولكن فقه ذلك يحتاج إلى توسيع ، فكما أن هناك من ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش فكذلك هناك من ليس له من حجه إلا التعب والنصب وكثيرة هي الأمور التي لا ينبغي للحاج أن يلتفت إليها كيلا تعطب حجه الآفات.
هناك من يبحث عن نزهة سياحية إلى جزر الهاواي داخل عرفات وهناك من ترى شفتيه لاتنطقان إلا بتلبية ضارعة كأنه يحاول أن يعوض عن تقصير أمة غافلة وراءه وقد غرغرت الدموع في عينيه وكاد محجراه يلتصقان بالسماء .
هناك من يحدثك عن بعد فندقه عن الحرم وآخر ذاب شوقاً إلى بيت الله وحدا به حادي الإيمان فلم ينتظر رفقة قاعد وكفى بالشوق له حاملاً.
هناك من يبحث عن مكان وسيع مريح له وحده في روضة النبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم ، وثمة من هدَّه البكاء وخشع قلبه وكاد يقفز من صدره حباًً وشوقاً إذ من الله عليه بزيارة الحبيب الهادي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والصلاة في البقعة التي انطلق منها النور فعم الأرض وكان للمسلمين من أرضها دولة وكيان وصولة زرعت الهداية والحضارة في جنبات الأرض.
هناك من يفر من زحام الصلاة على الجنازة في بيت الله الحرام ويتسلسل هرباً من الجموع المتدفقة ، ورجل يصور نفسه كأنه هو الميت ، وهو في بيت الله الكريم العظيم الحليم ، وقد قام على جنازته (لا أربعون رجلاً من الموحدين كما ورد في الحديث الشريف) بل ملايين المفتقرين الشافعين الضارعين في أخيهم وهو في بيت الكريم وضيافته ؛ فيتمثل الرجل ذلك فلا تراه إلا وهو يرجو الله أن يهبه مثل أولئك المتشفعين بأخيهم في أكرم البقاع.
صور كثيرة أعظم من أن يحيط بها عد ، ومن أدام الفكرة كان له بكل شيء عبرة.
مامنا أحد إلا ويرجو الله أن يذيقه طعم الإيمان وحلاوته وأن يملأ قلبه بذلك الخير العظيم ، فإن من فوَّتَ مراد الله منه على خطر عظيم …. فما بالنا بمن ذهب يحج وقد رجع الناس!
تلك المقولة المبسطة (الحج عند رجوع الناس) نخشى أن تلف الكثير من أعمالنا دون أن ندري!
في إحدى البلاد الإسلامية التي تعرض فيها المسلمون لقمع وحشي في فترة من فترات التاريخ الحديث تغيرت بعض الظروف ، وزال بعض الغمة ، وصار للمسلمين هامش من الحرية نسبي ، فنسوا كل ما مضى ، كيف حصل الموضوع؟ ؛ لقد حاص بعض العلمانيين كعادتهم يتحدثون عن الأسرة واضطهاد المرأة … ومقولات أخرى! (وكلامهم فيه صواب وخطأ وحق وباطل) فلجأ بعض الدعاة الأفاضل الكرام إلى استعداء الدولة على خصومهم (التي تريد كسب الاسلاميين اليوم بعد أن وطئتهم بالأمس وطئاً وأبادت خضرائهم وأكلت الطائع والبرئ بحجة المبطل والمذنب) واللجوء على رجال الأمن ، وكأنهم نسوا أننا كلنا بشر وماوقعنا فيه من الظلم لانرضاه لغيرنا ، والقمع الذي تعرضنا له حاشا أن نذيقه لغيرنا ، بل إننا لوقدرنا على خصومنا لما كان الحكم بيننا إلا الحق ثم الحق ثم الحق فلسنا ممن يشتهي إسالة الدماء وليس فينا إلا من يعفو ويغفر ويحب في أعماق قلبه أن يهدي الله قومه إلى الإسلام فإنهم قوم لايعلمون ، ولو أننا حملة هذا الدين بأمانة وحق فعلينا أن ننهي الخصومات الفكرية بعملنا الصالح وحجتنا البينة الواضحة وفكرنا السابق الناطق (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة-256) ، نعم نلجأ للدولة والأمن في المسائل الجنائية ولكن لا نلجأ إليهم أبداً في مسألة وخصومة فكرية ، ولا نكرر دورة القمع على أيدينا ولا ندعهم حكماً بيننا وبين الناس ، ولا نقبل أن نوضع في مواجهة ثلة من الناس مهما تاهت مشاربهم ؛ كي نفوت فرصة أن يقبلوا يوماً أن يوضعوا في مواجهتنا ، ولا نبني قوتنا على ضعف ذوي السلطان ، ولا نرضى أن نصبح أوراقاً في أيديهم ولا نقايض حقاً معلوماً لنا بصفقات مستقبلية كلها تحسب علينا ، ولا نضيع فرصة نمو طاقاتنا وصقل علمنا وخبرتنا بالاعتماد على من هو بحاجة لعوننا … إن الفكر السقيم يواجه بالفكر المتوضئ النظيف … هذه مسألة … ومسألة أخرى:
دعت إدارة إحدى التلفزيونات العربية داعية فاضلاً إلى ندوة تلفزيونية ، فإذا بمذيعة وامرأتين معه وكلهن سوافر ، ولم يكن الداعية يتوقع ذلك فقدر أن المصلحة تقتضي عدم إضاعة هذه الفرصة ، فتكلم على مرأى من الناس كلهم ومسمع ، لا في خلوة ولا وضع مشين ، وقال لي : أشهد أن الأختين لم تتكلما بكلمة تخدش من الإسلام ولم تسيئا إليه بحرف بل تكلمتا صواباً وخيراً ونرجو الله أن يهدينا جميعاً إلى مزيد من الالتزام والعمل الصالح …
قال الداعية الفاضل : لقد تلقيت خلال ساعات أكثر من مائة مكالمة ، لم تعترض علي واحدة منها في أمر منهجي ولا فكرة ذكرتها بل كلها انتقاد لجلوسي ذلك المجلس ، وأنا فوجئت بالموضوع ولو استطعت أن أكون في وضع أفضل لما قصرت ، وعلينا أن نبذل جهدنا ما استطعنا كي نوجد جواً أقرب إلى الأبعاد الشرعية ما استطعنا! ولكن : لماذا مازلنا نحرق بعضنا حرقاً ، لماذا لايقول الإنسان لأخيه: الصواب كذا والأفضل كذا ، ولكني أقدر ظرفك يا أخي واجتهادك رغم أنني أخالفك ، وأدعوك في المرة القادمة إلى أن تطلب كذا وتحقق كذا … لماذا نعيش في غرفة ليس لها إلا نافذة واحدة ، لماذا لا ندرك الظرف ثم نحاول أن نغيره … بعمل يعين كل منا فيه الآخر دون أن يذبحه ويتمم كل منا فيه نقص الآخر … ولماذا لانستثمر الموجود أو نبني المقصود إن لم يرضنا الأول بدل أن نعيش على ناطحات من السراب.
تلك فضائيات فيها سلبيات كثيرة كثيرة ، ولكن! ماذا بعد؟ لقد فرحنا بوجود بعض الفضائيات الإسلامية ولكننا فوجئنا بأن النظارات التي تضعها ذات لون واحد تريد أن تصبغ الدنيا كلها به …. وليس سرأ أن بعض العاملين في إحدى الفضائيات قد انفصلوا عن بعضهم لأن ضيق مشاربهم لم تسمح لهم بالعمل ضمن صيغة إسلامية أعظم ولا الشعور بخطر مرعب زاحف!
إن تغيير الوضع السلبي إلى الوضع الإيجابي والأسلم شرعاً لا يحصل بالذبح بين العوام ولا بالتنظير ونحن بعيدون عن الساحة العملية ….
… بعد نقاش … اقترح أحد الأفاضل أن يكون المستضاف في الندوة امرأة مسلمة مفكرة قوية الحجة والبينة فازداد عجبي ، وسألت: وهل تسعى وتُخرج مناهجنا امرأة مسلمة متمكنة تستطيع الخوض في المتاهات الفكرية التي تتحرك بسرعة هائلة في وجه المد الإسلامي ، وهل نعد لذلك إعداداً مسبقاً ، أم أننا وبكل صراحة من أكبر عوائق حصول ذلك عملياً ، وأننا نتحدث عن ذلك عند الأزمة ، وفوق المنابر ، وللدعاية أحياناً ،وربما صادفنا مصادفة! داعية مسلمة بنت نفسها بنفسها بعد جهد هائل لاختراق الحصار ، وهي أندر من قطر السماء في الصحراء المقفرة الجدباء ، فوقتها نمد معها الجسور ونحمد الله على وجودها ، ثم نذبحها من الوريد إلى الوريد بلا شفقة ولا رحمة ( وعندي حول ذلك أمثلة مخجلة) وإن لم نجد تلك البطلة المنقذة رجعنا متحسرين شاكين متذمرين ، فإن تغير الوضع رجعنا إلى نوم طويل …
لماذا يذهب البعض إلى الحج عند رجوع الناس؟ ولماذا لم يكتشف بعض إخواننا المخلصين أن أهل القبلة جميعاً يد على من سواهم ، وان مناهج التفسيق والتبديع والتضليل والتكفير إنما هي عورات ينبغي سترها بل مناهج موت ينبغي دفنها حيث مقرها الطبيعي أن تدس على هون في التراب.
لماذا مازال عقل بعض المسلمين (وأقول بعض ولكنهم يضعون الأغلب في المتاهات) عقلاً متقهقراً إنسحابياً لايدرك الأمور إلا بعد فوات الوقت وذهاب الموسم!
نحن نتقهقر لأننا ننسحب ونتقوقع ولا يغير من طبيعة ذلك دعم تقوقعنا بالمال الوافر وكثرة احتشاد الطاقات وعلو الأصوات ، فإن سنن الله لا تحابي أحداً (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (سورة الرعد – آية 17) .
أما الإتقان الجماعي للعمل فأمر له بحث طويل وخاص ولكنني أقول الآن : إن كل إهمال فردي في أي عمل باب خلل في العمل كله ، والعمل الصالح الفردي يأتي بعد الجماعي أو معه لا قبله … وتحضرني أبيات أنشدها المنشد الإسلامي أبي مازن بارك الله فيه :

قد اتسع الخرق والراقعون نيام ويقظانهم حائرون
وذو الرأي فيهم بطئ الخطا بليد المدى عزمه خائر
وذو العزم جُنَّ أنانية وأفسده المسلك الجائر

نعم كاد بعض ذوي العزم أن يجنوا من أنانية من حولهم وفساد مسلكهم ، وعلينا أن نصحح ونعمل ونفتح باب الأمل للأمة … وأن نضحي بضيق تصوراتنا وإذا كنا لانعمل أو لا نستطيع أن نعمل فلنفسح المجال للعاملين ، ولننصحهم نصيحة محب ، وإن لم يقبلوا فلنعد النظر في تصوراتنا فربما كنا نحن الذين جانبهم الصواب ….
فلندرك أيها الإخوة الأحبة والخوات الغاليات أن لكل وقت عبادته التي لاتصح إلا فيه ، ومن أفطر يوماً من رمضان عامداً لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه …. ولانريد أن نذهب إلى الحج أيضاً وقد رجع الناس .
تقبل الله منا جميعاً طاعاتنا وصالح أعمالنا وغفر ذنوبنا وتقصيرنا ،وبارك لنا فيكم جميعاً وجعلكم مفاتيح لكل خير مغاليق لكل شر ، وكل عام وأمة الإسلام بنعمة وعافية وقوة وخير.
– نوجه الشكر الجزيل لكل الإخوة والأخوات الذين أكرمونا برسائلهم الطيبة وشكر الله لهم ونرجو أن نكون عند حسن ظنهم جميعاً.
– نعتذر عن التأخر في الإجابة عن بعض الأسئلة ولكنها ستأتي تباعاً
– أرسل أحد الإخوة ( لفتة ) طيبة عن الإخوة ستجدونها في منائر في الدرب – تذكرة ، ونرحب بمواضيع دعوية تناسب خط الموقع.
نستودعكم الله تعالى …. وعيداً مباركاً

أخوكم : أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على كيلا نحج عند رجوع الناس – 2006-01-07 مغلقة

سلسلة البناء الدعوي – 4

(سلسلة البناء الدعوي)
المبحث الرابع: مصارع الداعي
مطلب : آفات القلوب.
مطلب : عدم فهم المجتمع ثقافة وعادات.
مطلب : عدم فهم المجتمع إشكالات وضرورات.
مطلب : التعجل.
مطلب : الغرق في السياسة.
مطلب : حمل مالا يطيق.
تواجه الداعية أبواب فتن ومصارع عظيمة إن لم ينتبه إليها أودى بذخيرة الخير كلها، وكم من دعاة بذلوا كثيراً وغفلوا عن بوابات الهلكة فأردتهم وأحالت أعمالهم يباباً ، ومن أخطر المصارع التي قد يمتحن بها الدعاة إلى الله:
1-آفات القلوب : فإن المتصدي لهداية الخلق ربما نسي نفسه ، وصار يظن أنه يداويهم وهو عليل ، وقد تتعسر الأمور فينسب تعسرها إلى فساد الناس ، وينسى أن يفتش عما في قلبه ، وربما ظن لآفات فيه أنه من أهل الطريق ، وماشم بعدُ رائحتها ، و (العلم كالغيث ينزل من السماء ، حلوا صافيا ، فتشربه الشجار بعروقها ، فتحوله على قدر طعومها ، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة) . ومن أعظم الآفات التكبر: قالى تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، والتكبر ينقسم إلى باطن وظاهر: (فالباطن هو خلق في النفس ، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح … وآفته عظيمة ، وغائلته هائلة ، وفيه يهلك الخواص من الخلق) ، (ومن اعتقد جزما ، أنه فوق أحد من عباد الله فقد أحبط بجهله جميع عمله) .
2- عدم فهم المجتمعات ثقافة وعادات وطباعا: تختلف طبائع المجتمعات البشرية وثقافاتها وعاداتها ، والمنهج الجامع في العلاقة معها هو قوله تعالى : يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، وفي كل مجتمع روابط ثقافية واجتماعية ، يحافظ الأفراد والجماعات من خلالها على هوية خاصة ، ويلاحظ أنه (لم يأخذ أكثر فقهائنا عالمية الإسلام بعين الاعتبار -محددا منهاجياً- في تنظيرهم الفقهي لعلاقة المسلمين بغيرهم ، بل عبروا عن نو ع من الانطواء على الذات لايتناسب مع خصائص الرسالة الخاتمة والأمة المخرجة الشاهدة ، كما حدث نوع من التركيز على المحيط الجغرافي والاجتماعي بدرجة قد توحي إلى البعض بارتباط الإسلام بذلك المحيط الذي بلغه في فترة انتشاره الأولى) وفي بعض الأحيان تتصادم بعض تلك العادات والأبنية الثقافية والإجتماعية مع السلوكيات والتعاليم الشرعية ، والمشكلة أن الحلول المطروحة بعضها صدامي لدرجة أنه كفيل بإغلاق الأبواب في وجه الإسلام ، ويحسن التعامل مع تلك الأوضاع الثقافية بالصبر والإستيعاب ماأمكن ، مع غض النظر مؤقتاً عن بعضها ، ريثما تستدرك إختلالات أعظم ، ببنائها يصبح من الميسور تغيير سلبيات كثيرة . يقول الأستاذ عبد الكريم بكار: (وحدثني أحد الدعاة في ماليزية ؛ أنه قرأ نحواً من مئتي كتاب حول الثقافة الصينية حتى يُكَوِّن خلفية تمكنه من دعوة الصينيين إلى الإسلام بنجاح) . إن بعض الدعاة لايفهمون ثقافة الأمم التي يريدون الدعوة فيها ولذلك يخفقون، ويكفي توجيهاً في هذا المقام قوله : ((ياعائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أُخرج منه وألزقته بالأرض)) .
3- عدم فهم المجتمعات إشكالات وضرورات : قال الله تعالى : لايُكَلِّفُ اللهُ نَفساً إلاّ وسعَها ، والمعنى : (إلا يُسرها ولم يكلفها فوق طاقتها . وهذا قول حسن ، لأن الوسع مادون الطاقة ) ؛ وإن المقدور عليه في بعض المجتمعات قد يضحي متعذرا في مجتمعات أخرى ، وفقيه الدعوة عليه أن يتفهم إشكاليات الإلتزام والضرورات التي يعيشها الناس في كل بيئة ، فلا يحاول القفز فوق الحقائق ، ولايوصل من يدعوهم إلى جُدُرٍ صماء تسبب لهم مشقة غير متحملة ، أوتجنح بهم نحو الهروب من الإسلام والتفلت التدريجي منه ، (وهذا يتطلب فقها لترتيبات مطالب الشريعة ومقاصدها ، كما يتطلب فقها بالواقع المعاش ، ونوعا من البصيرة المسلحة بالخبرة في عواقب الأمور المترتبة على الإقدام على أمر ما ، والإحجام عنه .وهذا الفقه تشتد الحاجة إليه كلما ساءت الظروف والأحوال التي تمر بها الأمة ، حيث تكثر الخيارات الصعبة ، وتضيق سبل الحلول المطروحة ، وتصبح التضحية ببعض الخير وارتكاب بعض الشر أمرا لامفر منه . إن تنمية الإحساس بفقه الموازنات لدى مسلم اليوم ضرورية جدا حتى لانتعامل مع الأشياء على أنها كتلة صلدة ، وحتى نشعر أن في بعض الشر خياراً) . ومن أمثلة الحاجات، أنواع من العقود التي لايؤمن وجود بعض الإختلالات الشرعية فيها ، لخلو الزمان من أهل العلم الذين تقوم الحجة بهم ولاندراس الشريعة ، (فإذا درست وقد عرف بنو الزمان أنه كان في الشرع تعبدات مرعية في العقود ، وقد فاتتهم بانقراض العلماء ، وهم لايأمنون أن يوقعوا العقود مع الإخلال بعقود ‘بحدود’ الشرع وتعبداته ، على وجوه لوأدركها المفتون ، لحكموا بفسادها . وليس لهم من العقود بُد . ووضوح الحاجة إليها يغني عن تكلف بسطٍ فيها ، فليصدروا العقود عن التراضي ، فهو الأصل الذي لايغمُضُ مابقي من الشرع أصل وليجروا العقود على حكم الصحة ) . وهذا يشابه في وجوه كثيرة منه حال المسلمين في البلاد غير الإسلامية ، وكذلك الداخلون الجدد في الإسلام ، ممن لايتمكنون من تطبيق الأحكام والعقود والمعاملات الشرعية بكمالها . وعلى الداعية أن يفهم أحوال المجتمعات التي يتحرك فيها ، ليبني الأبعاد الشرعية بشكل محكم بعيد النظر ، يزيد ارتباط الناس بالإسلام حتى لوعجزوا عن حمل بعضه ، بدل أن يحملوا الكثيرمنه حملاً ظاهرياً ، وقد خوت القلوب من التمسك به والحرص عليه .
4- التعجل : إن الثمرة التي لم تنضج بعد لايجوز قطفها ، ولايمكن أكلها والاستفادة منها ، وإن قطفت قبل صلاحها فلا سبيل لإرجاعها؛ كثيرون هم الذين يقطفون الثمار الفجة بعجلتهم ، وبذلك تضيع جهود عظيمة أنفقوها ،وكان يمكن أن تعطي أعظم الفوائد لوصبروا قليلا. يضغط بعض الدعاة على المسلمين الجدد ويحاولون قطف الثمار ولما تنضج بعد ويذكر أحد المسلمين الغربيين نتيجة ذلك (فقد رأيت العديد من الأميركيين الذين يدخلون الإسلام ثم يخرجون منه ، وكان عدد من ارتد عن الإسلام يشكل نصف عدد من قابلتهم عبر السنين) ، ويفيد هنا الإصغاء إلى وصية الجيلاني : (لاتعجل، فإن من استعجل أخطأ أو كاد، ومن تأنى أصاب أوكاد أي كاد أن يصيب) .
5- الغرق في السياسة : (إن الحقيقة الإسلامية تعلو فوق كل سياسة ، إن السياسة تصلح أن تكون خادما للإسلام ، وحاشا أن يغدو السيد خادماً لخادمه) ؛ تلك العبارات العميقة قالها الإمام النورسي ِلما رآه من ولع البعض بالسياسة حتى أصبحت هي الميزان ، وهذا أمر خطير ، فالسياسة ليست غذاء حتى تكون مثل الخبز اليومي ، بل هي دواء يؤخذ ويُترك ، ويُتعامل معه وفق المصلحة العامة للمسلمين ، أما أن يصبح التفكير السياسي هو المسيطر والحاكم دائما ، فهذا معناه أمر واحد فقط ، أن تضعف الدعوة لحساب السياسة ، وتضيع التربية لصالح السياسة ، بل ويستهان بكثير من ضوابط الشريعة في سبيل السياسة .
6- حمل مالايطيق: إن مايواجهه الداعية من تحديات تؤدي إلى نوع من به الاستنفار الدائم ، وتأتي تعقيدات الحياة المعاصرة لتضيف إجهادات نفسية وجسمية تسبب له الإرهاق المتواصل ، ولايكون تجاوزه بمزيد من بذل الجهد المُنهك ، بل إن إعطاء النفس حقها ضرورة شرعية واقعية فـإن ((… لنفسك عليك حقاً … فأعط كل ذي حق حقه)) . وإن العمل بما هو فوق الطاقة يؤدي إلى إرهاق يزداد مع تزايد الجهد المبذول لأداء العمل ((مه عليكم بما تطيقون)) ، ولايحصل الأداء الأفضل بمزيد من التعب ، بل بإعطاء النفس حقها من الراحة ، لتنبعث إلى العمل بقابلية أكبر ويصبح المردود أعظم ، والداعية المرهق يقل إنتاجه وتتبعثر جهوده ، والإلتزام بالسنة هو الخير ، “وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل” .

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على سلسلة البناء الدعوي – 4 مغلقة