الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب

دعاة أخفياء :

ولد الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب عام 1913م في الخريزاتية – حي القيمرية أحد أعرق أحياء دمشق ؛ منحدراً من أسرة علمية ينتهي نسبها إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما (ويعتقد أن عمره الحقيقي أكبر عدة سنوات مما تذكره الأوراق الرسمية). تجرع اليتم باستشهاد والده : الشيخ كمال في معركة ميسلون ، والذي كان فرضياً ومدرساً في جامع بني أمية الكبير ، فأثر الأمر في نفس الابن فاتخذ من رجولة أبيه لقباً يذكره به ، فكان يكتب تحت اسم : ابنُ شهيد ميسلون : محمد بن كمال الخطيب. نشأ محمد بن كمال عصامياً وشق طريقه الصعب في الحياة حتى تخرج من كلية الحقوق بجامعة دمشق ، وكان من زملائه منير العجلاني ومن أساتذته مفتي الشام الطبيب أبو اليسر عابدين ، وكان بينهما محبة شديدة وملازمة من التلميذ لأستاذه مدة طويلة ، كما تردد على شافعي دمشق الشيخ صالح العقاد رحمه الله

انخرط الأستاذ في نشاطات كثيرة وطنية وإسلامية ، ومنها الجبهة الوطنية المتحدة (الحرة) التي أسسها الأستاذان زكي الخطيب وعبد الرحمن الشهبندر وكان أحد المنظمين للشباب فيها باسم شباب العروبة السوريين.

أما أهم خط أثَّر في حياة الأستاذ رحمه الله فهو بلا ريب خط جمعية التمدن الإسلامي ، وهو أحد أقدم رجالها ، وقد ضمت الجمعية صفوة علماء الشام في وقتها مثل الأساتذة السادة : حمدي السفرجلاني ، عبد الفتاح الإمام ، أحمد مظهر العظمة ، عبد الحميد كريم ، عبد الحكيم المنير ، محمد بهجت البيطار ، محمد علي ظبيان ، محمد سعيد الباني ، جميل الشطي ، محمد أحمد دهمان ، عبد الرحمن الخاني ، سعيد الأفغاني ….. وغيرهم من العلماء السابقين …. ثم صار الأستاذ أحد أنشط رجال الجمعية وأميناً لسرها ثم مديراً لمجلتها ، وأفنى شبابه فيها وكانت الجمعية همه وحياته وسعادته رغم الطريق الطويل المليء بالمصاعب والمحن . ظهرت نجابة الأستاذ خطيباً وكاتباً ومفكراً منذ بواكير شبابه ، وقد نشرت أول مقالة له في العدد الثالث من السنة الأولى من مجلة التمدن الإسلامي (1932م) بعنوان : التشريع الإسلامي ، وتتابع عطاؤه فنشرت له مجلة التمدن الإسلامي خلال مايقارب الخمسين عاماً من حياتها حوالي أربعمائة وخمس عشرة مقالة باسمه الصريح وحوالي أربعاً وأربعين مقالة تقريباً تحت اسم ( م.خ ) ، وستاً باسم أبي كنانة (وقد صار أبا كنانة بعد أعوام طويلة من اختياره ذلك اللقب)

ويذكر الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته عن بغداد مايلي: ( ولما رجعت في الصيف إلى دمشق، دعوت إلى داري وكانت في (الخضيرية)، وكانت فيها غرفة كبيرة فيها مجلس عربي، دعوت العاملين في مجال الدعوة إلى الإسلام، من أصحاب الصوفية إلى أرباب السلفية، لم أغادر منهم أحداً، ومن فقهاء المذاهب الأربعة، إلى الوعاظ والخطباء، فحدثتهم عما رأيته في العراق، وحذرتهم مثل ذلك المآل.. وقلت لهم بعد كلام طويل: أنا لا أريد أن يبدل أحد منكم طريقته ولا أن يغير مشربه، ولكن أريد شيئاً واحداً، هو أن هذا الباب المغلق إن دفعته يد واحدة لم ينفتح، فإن اجتمعت عليه الأيدي الكثيرة فتحته. والذي أريده هو أن نتعاون، لا أن يعمل كل وحده. واقتراحي هو أن تنتخب لجنة فيها ثلاثة منكم، يراقبون الأحداث، فإن رأوا ما يمس الإسلام كان عملهم أن يبلغوكم به فقط. هذا هو وحده عملهم، فمن اقتنع منكم بوجوب العمل عمل على طريقته وأسلوبه: الخطيب يذكر ذلك في خطبته يوم الجمعة، والمدرس يعرض له في حلقته، والمعلم يذكره لتلاميذه في مدرسته، وكل واحد ينبه إليه أصحابه، ومن كان ذا قلم أو كانت له صلة بأرباب الأقلام وأصحاب الصحف؛ عمل على الكتابة فيها أو دفع إلى ذلك أصحابها. ومن استطاع أن يراجع الوزير الذي يقدر على إزالة هذا المنكر ذهب إليه وحده، أو مع وفد يختاره، فشرح له الأمر وطلب منه إنكار المنكر. وانتخبت اللجنة وكان فيها ثلاثة، وكلهم ـ بحمد الله ـ أحياء، أحسن الله ختامهم، وهم الأستاذ محمد كمال الخطيب، والأستاذ الشيخ ياسين عرفة، وعلي الطنطاوي). وهذه شهادة عالية بالأستاذ من رجل قليل من يعرف الرجال مثله. كما يذكر الطنطاوي في مذكراته أن الأستاذ عبد الغني الباجقني رجل عالم بالعربية، فقيه مالكي، واسع المعرفة من أفصح من عرف الطنطاوي لهجةً ، يكاد يكون كلامه كله فصيحاً ، ثم يقول: ( لاأعرف مثله في ذلك إلا قليلاً منهم الشيخ بهجة البيطار ، والأستاذ محمد البزم ، ومن إخواننا الأحياء المحامي محمد كمال الخطيب ) وهذه شهادة أخرى من العلامة اتلطنطاوي للأستاذ رحم الله الجميع.

كان للأستاذ مكتب للمحاماة يعيش منه افتتحه في منزله المعروف في شارع خالد بن الوليد ، بعدما تدرب على المحاماة في مكتب قريبه الأستاذ زكي الخطيب وعمل معه في الأمور السياسية والوطنية ، وكان محمد كمال معجباً به لأستاذيته ووطنيته وثقافته العالية وبقائه ثابتاً على دينه وولائه لأمته خلاف الكثيرين ممن فتنوا بالغرب .

بقي الأستاذ محمد بن كمال يحاضر ويدرس ويخطب وينشر أكثر من خمسين عاماً ، ..وقد مكث حوالي خمسة عشر عاماً خطيباً في جامع نور الدين الشهيد (سوق الخياطين) ومايقارب عشر سنوات في جامع المولوية (شارع النصر) . عمل الأستاذ في الحقل الإسلامي والوطني السياسي والاجتماعي والخيري وكان صلة الوصل بين جمعية التمدن الإسلامي ، والشبان المسلمين ، والجماعات الإسلامية الأخرى ، وقد اعتقل مرتين في حياته وحكم عليه في إحداها بالإعدام (أحداث الأموي) في منتصف الستينات.

لم يترك الأستاذ نوعاً من العمل الخيري والاجتماعي لم يقتحمه فكان من مؤسسي ميتم سيد قريش، ومن مؤسسي جمعية رعاية المكفوفين، كما شارك في الإدارة والتأسيس والتدريس في العديد من المدارس وخصوصاً مايهتم منها بمكافحة الأمية، واختير مديراً للتعليم الخاص في الخمسينات (خلال عهد الرئيس شكري القوتلي) ، وقد سافر في أواخر عام 1981م إلى بريدة وأنشأ جمعية بريدة الخيرية لأنه رأى فيها مايخالف نهجه في الحياة! وعمل مستشاراً لرابطة العالم الإسلامي والتي طبعت له بعض مؤلفاته، كما امتحن بالعمل مستشاراً قانونياً في السعودية لأحد كبار رجال الأعمال أكثر من خمس سنوات ثم أُكلت حقوقه . كان عنده تصريح من الملك عبد العزيز بأنه من رعايا المملكة ، لكنه كان ينظر إلى عطايا الملوك بحذر بالغ ويخشى أن يكون الثمن على حساب دينه؛ فلم يستخدم ذلك التصريح يوماً رغم ظروف شديدة أحاطت به.

ينتسب الأستاذ عملياً إلى مدرسة علماء الشام الفحول كجمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري، وسعيد الباني، ومحمد بهجة البيطار، ومحمد أحمد دهمان، وعلي الطنطاوي، وأحمد مظهر العظمة … وغيرهم رحمهم الله جميعاً،. كما يعتبر الأستاذ أحد أنشط رجال جمعية التمدن الإسلامي، وربما لايسبقه في ذلك إلا الأستاذ أحمد مظهر العظمة، وقد كان منهج الجمعية ولا يزال منهج اتباع الدليل من الكتاب والسنة مع إدراك عميق لمقاصد الشريعة، وانفتاح وتعاون مع كافة التيارات الإسلامية، دون انغلاق ولا تعصب ولا تكفير، مع اهتمام بالغ بأحوال الأمة و سد ثغراتها على كل صعيد. كان الأستاذ محباً لابن تيمية رحمه الله مع نفس صافية وتواضع جم، ومن طرائف تجرده وبحثه عن الصواب أنه كان ضد الفكر الصوفي ويراه سبب تخلف المسلمين، وبعد محاورة مع الأستاذ محمود غراب ناشر كتب الشيخ محي الدين بن عربي ومدرسها؛ حضر كثيراً من تلك الدروس مابين عامي 1970- 1980م وانغمس في تلك الفترة في دراسة الفتوحات المكية ولخصها كلها، وتوجه إلى البحث عن ناشر لملخصه ثم بدا له أمر ما؛ فأمر بإحراق ذلك الملخص!

-حضر الأستاذ مؤتمرات تربوية ودعوية وقانونية عديدة، في الإمارات والسعودية ومصر وغيرها باسمه أو باسم جمعية التمدن الإسلامي، وكان متأثراً بشكل كبير بقريبه الأستاذ محب الدين الخطيب وطريقته في الحركة والتفكير.

-شكل الأستاذ في عائلته آل الخطيب الحسني محور استقطاب فعال، سواء في مجالسها العائلية أو نسيجها الاجتماعي ،وهو أحد وجوهها الأساسية ، ويمكن اعتباره المرشد الروحي لبقية كشاف آل الخطيب الحسني والناظم التربوي لهم ، متعاوناً مع ابن عمه الطبيب أبي الخير (وهو أحد أبرز رجال عائلة الخطيب وكبير أساتذة الجراحة في جامعة دمشق).

-زاره أحد الدعاة وسأله: أين موقعنا؟ فقال الأستاذ: لو أُعطيت وزارات الدولة فأيها تختار؟ فقال: وزارة التربية؛ فقال الأستاذ: إذاً اجعل همك وعملك في التربية!

– من آثر كتبه عنده كتاباه : الحج على المذاهب الأربعة و نظرة العجلان في أغراض القرآن (وهو موجز لتفسيره المخطوط) كما له من المؤلفات ، والكل من مطبوعات جمعية التمدن الإسلامي:

-زهرات وثمرات 1976

-تذكرة الحج والعمرة 1955م

-الحج بعبادته ومنافعه 1977م

-دراسات قرآنية 1973م

-مناهج المعارف في البلاد العربية

– طرابلس برقة 1965م

-التعريب لأهل العربية 1977م

-حكم قروض الجمعيات السكنية 1977م ك

ما له من الآثار المخطوطة تفسير موضوعي للقرآن الكريم كتب منه عشرين جزءاً في دمشق، وأتبعها بعشر في الحجاز؛ إضافة إلى مخطوط كتبه في السبعينات حول تعليم اللغة العربية لغير العرب. وله مئات المقالات المبثوثة في بطون مجلدات مجلة جمعية التمدن الإسلامي.

-رزق الأستاذ ولدين أكبرهما محمد كنانة (مهندس ميكانيك) ومحمد معد (مهندس ديكور) وبنت (السيدة لبانة) تزوجت من آل الرقوقي ، كما رزق بطفل توفي غرقاً وهو في الرابعة من عمره أثناء رحلة مع كشاف آل الخطيب!

– كان للحياة الصعبة والمجهدة التي عاشها والسجون التي فتحت له أثر شديد على جسده النحيل ، ففقد بصره نهائياً قبل وفاته بثمانية أعوام وهو صابر محتسب.

– غمط الأستاذ حقه حياً وميتاً ولم يعلم كثيرون بموته، وصلي عليه في الجامع المحمدي غرب المِزة، ودفن في مقبلرة الدحداح يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الثاني عام 1421هـ الموافق 20 تموز 2000م.

– حياة أبي كنانة رحلة طويلة من المحن والجهاد والبذل الذي لايعرف الحدود لهذا الدين العظيم، وقد خاف البعض حتى من حضور جنازته أو العزاء به، وإن الجبناء لا يطيقون السير مع الشجعان ويخافون أن تجتمع ولو أسماؤهم مع بعضها حتى لو جُندل الشجعان بين الصفائح وضمتهم القبور!

– اللهم أنزل عليه واسع رحمتك وطهره من ذنوبه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً ….. اللهم آمين..آمين.

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

– المراجع : من مقابلة مع السيد محمد كنانة الخطيب

– من أوراق جمعية التمدن الإسلامي

– مذكرات الشيخ علي الطنطاوي

– ذكريات خاصة

انظر صورته في قسم الصور

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على الداعية والمفكر الإسلامي محمد بن كمال الخطيب مغلقة

العلامة الشيخ فيصل مولوي

ولد سماحة العلامة الشيخ فيصل مولوي في طرابلس الشام، والتي أخرجت الكثير من العلماء عام 1941م وتربى في بيت علم وفضل ودين. درس في الجامعة اللبنانية وحصل منها على إجازة في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم السياسية -1967م ، وقصد دمشق الشام فحصل على إجازة في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق / كلية الشريعة عام 1968م ، ثم توجه إلى فرنسة فحاز دبلوم الدراسات المعمّقة من جامعة السوربون باريس .

عاد إلى لبنان ليعين عُيّن قاضياً شرعياً سنة 1968، وتنقّل بين المحاكم الشرعية الابتدائية في راشيا وطرابلس وبيروت. إلى أن عُيّن مستشاراً في المحكمة الشرعية العليا في بيروت سنة 1988 وبقي في هذا المركز حتى استقالته سنة 1996، كما حاز مرتبة \”قاضي شرف برتبة مستشار\” بموجب مرسوم جمهوري رقم 5537 تاريخ 23 أيَار 2001. – قضى في أوروبا خمس سنوات من عام 1980م حتى عام 1985م أصبح فيها مرشداً دينياً لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثمّ في أوروبا منذ سنة 1986 وحتّى الآن، وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتّى الآن.

اختارته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض أثناء إقامته في فرنسا كأحسن داعية إسلامي في أوروبا ومنحته جائزة تقديرية. خلال إقامته في الغرب كان العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في \”شاتو شينون\” في فرنسا منذ تأسيسها سنة 1990 وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي ومخصّصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب، واستمرّ في هذا المنصب حتىّ سنة 1994.

يعتبر العلامة مولوي أحد الدعاة القلائل الذين جمعوا بين الأصالة الإسلامية والخبرة الثقافية والعملية حول البلاد الغربية، وهو فقيه وقاض ومفكر وداعية من طراز نادر، وقد أعطته خلفيته الإسلامية والعلمية ثم اختصاصه ثم خبرته إحاطة واسعة وقدرة على التعامل المتقدم تجاه ظروف المسلمين ومعاناتهم ومشاكلهم ضمن رؤية متوازنة ومعتدلة ، كما أن له موقعاً قيادياً إسلامياً متقدماً فهو الأمين العام الحالي للجماعة الإسلامية في لبنان ، ورئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990 وعضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي ، إضافة على أنه شغل في بعض فترات حياته موقع رئيس جمعية التربية الإسلامية في لبنان. – يشغل حالياً منصب نائب رئيس المركز الأوربي للإفتاء والبحوث، ورئيس لجنة الفتوى في مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

البحوث و المؤلفات :

سلسلة مبادئ التربية الإسلامية للمرحلة الابتدائية )خمس أجزاء).

سلسلة التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة- أربع أجزاء

الجزء الأول من كتاب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية

تيسير فقه العبادات

دراسات حول الربا والمصارف والبنوك

موقف الإسلام من الرقّ

أحكام المواريث، دراسة مقارنة

الأسس الشرعية للعلاقات بين المسـلمين وغير المسلمين

نظـام التأمين وموقف الشريعة منه

نبوّة آدم

المرأة في الإسلام

حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول

السلام على أهل الكتاب

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب

أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية – إضافة إلى ذلك فله المئات من الفتاوى والمحاضرات ، وللتوسع فيرجى الاطلاع على موقع سماحة الشيخ وأعماله وفتاواه في الرابط التالي : www.mawlawi.net

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على العلامة الشيخ فيصل مولوي مغلقة

لنُعِد السيرَ في دربِ الإخاء

هذه لفتة طيبة وصلتنا بالبريد الالكتروني من أخ لم يذكر لنا اسمه لكنه ترك فينا أثراً عميقاً بكلمته الصادقة ، وهو يصف حالة صار يعاني منها العديد من الإخوة بل قل تيارات إسلامية بكاملها ، وهذه اللفتة تتفق مع منهجنا في موقعنا الصغير بحجمه؛ الكبير بكم إخوتنا الأحبة وأخواتنا الغاليات ، لذا رأينا نشرها دون تصرف فيها وندعو الإخوة إلى نشرها وإعادة فقه الإخاء بيننا ، فبارك الله للأخ فيما كتب وجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

لفتة : لنُعِد السيرَ في دربِ الإخاء

كثيراً ما يتعجب الإنسان؛ ما سر نجاح التيارات الخرافية واستمرارها وتماسكها رغم الوعي الذي انتشر، والنقد العلمي الذي ارتفع صوته هنا وهناك، والصحوة المنهجية التي شاعت في أرجاء الدعوة والدعاة؟ وما سبب فشل أو إخفاق كثير من التيارات الواعية المتبصرة، والمدارس العلمية في إنجاز شيء له وزنه على أرض الواقع رغم كثرة الملتفين حولها والملتقين معها وعليها؟

لعل من أهم أسباب ذلك – إن لم يكن أهمَّها – فَقْدُ الترابط الأخوي بين هذه التيارات الواعية، وشح العنصر الروحي فيها، بينما نجد العكس تماما عند التيارات والجماعات الأخرى، فنرى اهتمامها بهذا الجانب أشد اهتمام، وربما لا يكون لها عمل إلا به، بتقوية الروابط، والتواصل القلبي والروحي – سواء بوجوه موافقة للشرع أو مخالفة له – بين الشيخ ومريديه، وبين المريدين أنفسهم، فيشعرون أنهم يصدرون عن نبع واحد، ويغرفون من عين مشتركة توحد بينهم وتزيدهم تآلفاً وتآزراً وتكاتفاً. هذا الأمر لا أتكلم به تنظيراً وفذلكة؛ ولكنها والله أحاسيس أسطرها ومشاعر أخطها من واقع تجربة، ورصيد ممارسة. فكم يكون الإنسان بحاجة في كثير من الأحيان إلى كلمة إيمانية، أو ربط على قلبه وتفقد لحاله، أو تشجيعاً وتحفيزاً وتثبيتاً ممن حوله، لكنه للأسف يجد أن أقرب الناس إليه – ممن يشاطرونه دربه ويسلكون مسلكه- يجدهم بعيدين عنه كل البعد، فلا أحد لديه الوقت ليشاركك شيئاً من همك أو فكرك أو شؤونك. وإن أكبر خيبة يشعر بها الإنسان عندما يرى رفقاءه وإخوانه القريبين إلى قلبه وكيانه وشعوره، يكاد يتلاشى عندهم هذا الجانب أو يفنى، حتى الرأس أو القدوة فيهم تجد بينك وبينه هوة عظيمة، وودياناً سحيقة. ليس درس العلم كل شيء، وليس التنظير للدعوة والتكتيك لها كل شيء، وليس التحليل والتفسير لما يجري هو عصب الدعوة، إنما هناك أمر أعمق من ذلك وأدق بكثير، ما أكثر ما نغفل عنه. إنه جانب الإخاء، جانب التواد والتكامل والتكافل …

هل من الصواب في ميزان الدعوة والعمل الإيماني أن يكون أخ بين مجموعة إخوة يعاني من أزمات ومشاكل نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية ثم لا يهتم به ولا يفطن لحاله ولا ينتبه إليه أحد من إخوانه الذين يحسبهم أنهم أقرب إليه من أهله، وألصق به من نفسه!!! هذا يعني أن هذه المجموعة قد فقدت الإحساس، وتجمدت عواطفها ومشاعرها، وأقصيت وشائج الأرواح فيها، فماذا يبقى بعد ذلك؟؟ مجاملات … ومداهنات … ومناقشات … وجدالات …. وأفكار جامدة … ومبادئ جافة .. أيمكن أن يقوم عمل دعوي أو إصلاحي له جذوره وتأثيره وتأصيله على هذه الشكليات فقط – أفكار وأراء وطروحات – دون استحضار مكامن الإخاء، ومنابع الصفاء والمحبة، واستثارة الترابط الروحي بين القائمين على هذا العمل… وكثيراً ما يشك المرء في صوابية عمله، وصحة مسيرته عندما يجد كل هذا البعد وكل هذا التبلد والجفاء. ولا يَثبتُ – والحال هذه – إلا من كابر عواطفَه، وأهمل أحاسيسه لمصلحة الدعوة والنهضة – وقليلٌ ما هم – ، أما الغالب والأكثر الذين يشعرون بهذا الفراغ ويتعطشون لهذا الجانب فتراهم يميلون يمنة ويسرة، باحثين عن جو إيماني وفضاء روحي يملأ عليهم كيانهم، ويعالج ما خرشته فيهم مخالب الفتن المحيطة بهم. كم رأينا من هؤلاء الإخوة!!! وكم كنا نلومهم لعدم ثباتهم وتأرجحهم، ولم نكن نشعر بهذه الفجوة وهذا الجمود فينا … نريد الناس كلهم أن يسيروا معنا كأحجار الشطرنج، دون أن تكون لهم أرواح أو مشاعر أو قلوب أو عواطف . والله إن ابتسامة في بعض المواقف من بعض الإخوة لأخيه لكفيلة بإسعاده أسبوعاً كاملاً، وإن كلمة طيبة رقيقة لكفيلة ببث الثقة والطمأنينة في نفسه المضطربة شهراً كاملاً. وإن تفقد الأخ لأخيه أو الداعية لمن حوله لكفيل بأن يوقد جذوات طالما خمدت .. جذواتٍ فيها من الطاقات الشيء العظيم … يوقدها بلفتة منه سنوات طويلة

كُتب في مقالات القراء, منائر | التعليقات على لنُعِد السيرَ في دربِ الإخاء مغلقة

دراسة ظاهرة الارتداد عن الإسلام

إن التبسيط الذي يعيش فيه العديد من المتكلمين باسم الإسلام قد أدى إلى عدم النظر في المآلات المحزنة لبعض المسلمين ، والانتصارات الهامشية مهما كبرت فلن تغطي شيئاً من الواقع الذي يجب أن نحسه ونعيشه ، وقد اعتاد الوعاظ الأفاضل أن يلهوا الساحة دائماً بنبأ إسلام فلان من الناس (مما بعضه حق وكثير منه كذب صراح) مغرقين الأمة في نشوة كاذبة ، بدءاً من نيل أرمستروغ مروراً بالقبطان كوستو وانتهاء بالشريط السمج عن الحفر في طبقات الأرض والذي أدى إلى سماع أصوات عواء أهل النار! وفرحنا فرح الأطفال الغافلين عندما لم يبق أي كتاب في المكتبات حول الإسلام بعد أحداث أيلول ، ولم يسأل أحد نفسه! من الذين كتبوا تلك الكتب وكم شخصاً أسلم وكم ممن دخل قد ارتد! كما لم يسأل أحد نفسه عن مئات الآلاف من أبناء وبنات المسلمين ممن نخسرهم سنوياً مستبدلين بهم نشوة الفرح ببضع أشخاص ، ونقدم هذا البحث الهام للدعاة نقلاً عن مجلة الرشاد (مركز أبحاث الحضارة الإسلامية) أجل نظر أدق فيما نتحرك به ….

الـتـحـول عـن الإســلام

ظهرت في الآونة الأخيرة و في أعقاب أحداث أيلول عام 2001، بعض المواقع على شبكة الإنترنت و بعض الكتب تتحدث عن ظاهرة التحول عن الإسلام و تستعرض شهادات و تجربة بعض الذين تركوا الإسلام و تبين الأسباب التي حملتهم على اتخاذ هذا القـرار . و قد يكون من أسهل الأمور تجاهل هذه الكتابات و اعتبارها من جملة حملات الفتنة و التضليل و التهويش ضد الإسلام و المسلمين، و ذلك بقرينة استعمال الأسماء المستعارة من قبل أصحاب الشهادات و التي يصعب معها التحقق من هوية الكاتبين أو التحقق من صدق ما زعموا التعرض له . و لكن الأستاذ محمد حسان خليل اتخذ منحى آخر في التعامل مع هذه الظاهرة، و ذلك في ورقته التي قدمها ضمن أعمال المؤتمر السنوي الثالث و الثلاثين لجمعية علماء الإجتماع المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تميز بحثه بالجدّة و الجرأة لبحث موضوع شائك يتهيب من الخوض فيه كثيرون . فرغم القول الشائع أن الإسلام هو من أسرع و أكثر الأديان انتشاراً، و لكن الظروف التي أعقبت أحداث الهجمات الإرهابية في إيلول عام 2001 فرضت ضغوطاً على المسلمين و مهدت لحالات من التصريح بمفارقة الإسلام . و قد حاول الباحث أن يتحرى في ما نشر في هذا الموضوع، و الظروف التي صاحبت و مهدت مفارقة أصحاب هذه الحالات، و حاول أن يكتشف نماذج التحول و قواسمها المشتركة . فهل يميل المفارقون للإسلام إلى ترك الدين بالكلية أم أنهم يتحولون إلى دين آخر ؟ و هل تأخذ القضايا الإعتقادية الدور الرئيسي في التحول، أم أن هناك عوامل اجتماعية و تجارب و خبرات شخصية لعبت دوراً هاما ً في التحول ؟ و قد حدد الباحث هدفه في محاولة استقصاء نقدي للأبعاد المعاصرة لظاهرة التحول عن الإسلام، و عرض أهم الموضوعات التي تتكرر بوضوح في شهادات مسلمين سابقين و ذلك باستعراض ما نشر في الكتب أو على مواقع الإنترنت، و خاصة موقع (Answering Islam) و موقع (Nonie Darwish) و موقع (Apostates of Islam) و أعمال ابن الورّاق (Apostates Speak Out). وقد أشار الباحث إلى نقطة مهمة و هي أن أكثر الشهادات جاءت على لسان أشخاص بأسماء مستعارة فضـَّل أصحابها كتم شخصياتهم خوف التعرض للأذى . و لا شك أن هذا يفتح الباب للإنتحال و الإختلاق . و من ناحية أخرى هناك ما يدعو للإعتقاد أن بعض الشهادات حقيقية بقرينة احتوائها على تفاصيل معاناة شخصية . و على كل حال فهدف الدراسة ليس التقييم و التحقق مما يقال، بل المسح لما يتداوله الناس و ما يعرض في المجال الثقافي العام بشأن قضية التحول عن الإسلام .

و هناك قضية أخرى مهمة و هي أن استعراض ما يقوله التاركون للإسلام هو عرض آرائهم و قناعاتهم و ليس الإعتراف و القبول لأقوالهم، فكثير من أقوال هؤلاء تتعارض مع ما يقرره كثير من العلماء قديماً و حديثاً . و قد نقل الباحث على سبيل المثال ما قرره الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه \\\” فيصل التفرقة بين الإسلام و الزندقة \\\” بشأن قضية تعذيب غير المسلمين في جهنم، و كذلك ما يقرره أكثر العلماء المسلمين في قضية إكراه المرأة على الزواج بمن لا ترضاه . فليس الهدف هو فتح باب الحوار و الجدال بقدر ما هو فهم وجهات نظرهم بتقرير ما قالوه وكأنه حقيقة ما يشعرون به للحصول على مسح علمي لما يقال في هذا الموضوع . و هذا لا شك يخدم أهدافاً علمية و اجتماعية، و خاصة إذا أراد المسلمون الذين يعيشون بين أغلبية من غير المسلمين أن يتفهموا عناصر استمرارهم و امتدادهم . و نظراً لصعوبة الإلتزام بالموضوعية التامة في أمور تتعلق بالتقدير الشخصي مثل درجة التدين أو ترتيب المؤثرات و الأمور التي أدت إلى اتخاذ القرار بترك الإسلام، فقد عمدت الدراسة إلى تصنيف المؤثرات و الدوافع إلى مجموعتين أحدهما تتعلق بالقضايا الفكرية و الإعتقادية، و الأخرى تتعلق بالأمور الشخصية و الإجتماعية والإنطباعات عن التفاعل مع مسلمين و غير مسلمين . و بعد استعراض شهادات التاركين للإسلام كما وردت في مصادرها، عمد الباحث إلى تحليل المعلومات و تصنيفها و استخلاص بعض التوجهات الرئيسية في العينة المدروسة . و قد ظهر أن الأغلبية العظمى من الذين تركوا الإسلام انتهوا إلى الإلحاد أو اللاأدرية أو النصرانية . و كانت أغلبية الحالات هم من الرجال، و قد يكون هذا مستغرباً حيث تسجل معظم الشهادات وضع المرأة في الإسلام كسبب لترك الدين .

و تنحصر حالات الإنتقال من الإسلام إلى الهندوسية في إندونيسيا و الهند . أما الإنتقال إلى الإلحاد أو الاأدرية فكانت أغلبية الحالات من أفغانستان و الهند و بنغلادش و باكستان و المنطقة العربية . و يلاحظ من تحليل الشهادات المذكورة في المصادر التي جرى مسحها أن هناك عدد من النماذج المتكررة و خاصة فيما يتعلق بالبواعث الفكرية و الإعتقادية .

• فوضع المرأة في الإسلام كان من الأمور التي ذكرت في كثير من الشهادات .

• و مصير الطيّبين من غير المسلمين و الذين يتفوقون على كثير من المسلمين بالإلتزام الأخلاقي و محبة الخير و المساعدة، فقد كان من المشكل عند الكثير من أصحاب الشهادات الإعتقاد أن مصير هؤلاء إلى جهنم بغض النظر عما قدموه أو فعلوه .

• و أشارت بعض الشهادات إلى القرآن الكريم و أن كثير من الأفراد ينشأون و يدرسون القرآن دون أن يعلموا أو يفهموا ماذا يعني، و عندما يقرأون بعض الترجمات أو ما يكتبه بعض العلماء الغربيين عن القرآن يسبب ذلك شيئاً من الإضطراب و الشك .

• و أشارت بعض الشهادات إلى شخصية النبي محمد (صلى الله عليه و سلم) و غيره من قادة المسلمين و أنها تبدوا غير مثالية .

• و أشارت بعض الشهادات إلى التوثيق التاريخي للمصادر الإسلامية ( القرآن و الحديث ).

• و أشارت بعض الشهادات إلى ما تعتبره تناقضاً واضحاً بين الشريعة و حقوق الإنسان و خاصة مفهوم الجهاد و ما يعتبره الإسلام عنفاً أو عقوبة مشروعة .

• و أشارت بعض الشهادات إلى ما تعتبره تناقضاً بين العدل الإلهي و وجود الألم و الشر و المصائب و خاصة عندما تعرض بعض هؤلاء لأدبيات الملحدين و مناقشاتهم في هذا الموضوع .

• و أشارت بعض الشهادات إلى عدم معقولية الدين بشكل عام . و التناقض بين الإسلام و العلم و خاصة نظرية التطور كمثال مشهور .

• و أشارت بعض الشهادات إلى صرامة الأحكام الشرعية و التي تبدو غير ضرورية .

• و أشارت بعض الشهادات إلى الضيق بعربية القرآن و لذلك يقولون أن الإسلام هو دين مختص بالعرب و ليس ديناً عالمياً .

• و أخيراً فإن معظم الشهادات تشير إلى الإعجاب بقيم الحضارة الغربية . أما ما يتعلق بالدوافع الإجتماعية و الشخصية الناتجة عن التفاعل و العلاقات مع المسلمين، فقد أشارت الشهادات إلى الأمور التالية :

• التعامل مع شخصيات فظة و سيئة ذوي مستوى أخلاقي و إنساني متدني عن كثير من غير المسلمين .

• إزدواجية المعيار الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالمرأة في أمور يتسامح فيها مع الرجال عادة

• الطبيعة القسرية و الإستبدادية للمسلمين عبر التاريخ و قد ذكرت بعض الشهادات مثالاً عن ذلك الحوادث التي صاحبت أزمة عام 1971 و التي أدت إلى انفصال بنغلادش عن باكستان.

• تخلف مجتمعات المسلمين و خاصة عن المجتمعات الغربية المعاصرة.

• الكراهية و سوء المعاملة لغير المسلمين .

• سلبية المسلمين في مواجهة المصائب أو مواجهة الظلم و الإستبداد.

وفي ختام الورقة أشار الأستاذ الباحث إلى أمله في أن تطرح هذه الورقة و تنبه إلى القضايا التي أثارها الذين تركوا الإسلام . و لا شك أن هذا التوجه في التعامل الصريح مع القضايا المطروحة سيعين الجالية المسلمة في الولايات المتحدة – و في غيرها بالطبع – على امتلاك عناصر البقاء و الإستمرار في عالم طغت فيه القيم المادية و الثقافية الغربية . و لا شك أن مثل هذا الكلام ضروري و حيوي لأن يتنبه إليه الناشطون المسلمون في الجمعيات و المؤسسات و المراكز الإسلامية ليهتموا بالمشكلات الإجتماعية و الشخصية التي عبر عنها التاركون و بذلك يكون المسلمون أقدر على امتلاك مقومات الإستمرار و الإنتشار .

كُتب في المناهج | التعليقات على دراسة ظاهرة الارتداد عن الإسلام مغلقة

مخاض الفكر السلفي

محمد بن المختار الشنقيطي

تعتبر الحركات السلفية من أهم الحركات الإسلامية الإصلاحية في عالم اليوم. ولهذه الحركات صوتها الجهوري الداعي إلى تحرير الدين من شوائب العرف وبدع الخلَف. وقد تمظهرت الحركة السلفية المعاصرة بمظاهر شتى خلال القرن العشرين، من ليبرالية علال الفاسي، إلى عقلانية محمد عبده، إلى جهادية عبد الحميد بن باديس، إلى \”آثارية\” محب الدين الخطيب. لكن ما تبلور في النهاية تحت مسمى السلفية هو المدرسة النجدية ذات الجذور الحنبلية. وهي التي نركز عليها بالتحليل هنا نظرا لأن صوتها تجاوز حدود مواطنها الأصلية كثيرا، وأثرها امتد إلى كل الآفاق، فغدتْ ظاهرة إسلامية عالمية ..

لقد ظلت الحركة السلفية إلى حين قريب تمثل مخزونا احتياطيا ورصيدا استراتيجيا للحركات الإسلامية السياسية والجهادية، دون أن تتحمل بنفسها عبئا في الجهاد السياسي يتناسب مع حجمها وأثرها العلمي والاجتماعي. فكان أغلب السياسيين والحركيين الإسلاميين يتخذون من علماء السلفية ومنشوراتها مرجعا في كثير من رؤاهم التأصيلية، ويستمدون من الحركة السلفية جانبا مهما من مددهم البشري، دون أن يعولوا كثيرا على الحركة نفسها في الجهاد السياسي، نظرا للموقف المتوجس الذي عبر عنه علماء السلفية وقادتها تجاه العمل السياسي، وبقاء تفكيرهم محصورا بطوق الفكر التاريخي الموروث، الذي تحكم فيه هاجس الخوف من الفتنة، والتشاؤم تجاه جهود الإصلاح السياسي الإسلامي، ولم يعد يرى للعالم والمصلح دورا وراء النصح باللسان .. لكن يبدو أن الحركة السلفية تمر اليوم بمرحلة مخاض بدأت تغير هذه المعادلة، وتخرج بالفكر السلفي من الطوق الذي وضع فيه نفسه. ولو أدرك دعاة الإسلام ووعاته – من السلفيين وغيرهم من الإسلاميين – كيف يرعون هذا المخاض حق رعايته، لكان له أثر إيجابي كبير على الصحوة المباركة، ولأمد الساحة الإسلامية بدماء جديدة وحيوية متجددة، ولحرر طاقات التدين لدى الملايين من المسلمين، ووضعها في موضعها الصحيح من معركة الجهاد السياسي والحضاري الحالية، بدلا من أن يظل أعداء التمكين للإسلام يوجهونها بغير وعي من أهلها، ويحفرون الخنادق والمسارب لتصريفها حيثما شاءوا .. لقد كانت العديد من الحركات السلفية تعاني – إلى عهد قريب – من مساوئ منهجية كبيرة في خلفيتها الفكرية وبرامجها العملية، جدير بالمصلحين المسلمين في كل مكان الانتباه إليها، إذا أريد لمخاض الفكر السلفي الحالي أن يسفر عن الثمرات المرجوة. ومن هذه المساوئ :

أولا: تحول مفهوم السلفية عند البعض في العصر الحديث من منهج سليم في المعتقد، مبني على التسليم والتفويض وعدم التكلف.. إلى مذهبية في أمور الفقه والحياة المتغيرة تقيد الفكر والعمل أحيانا. وقد تجلي ذلك في البحث والتنقيب في حياة السلف وأقوال العلماء الأقدمين عن مرجع لأي أمر جديد، والاستغراق في قياسات جزئية لا تلبي حاجات الإسلام في العصر الحاضر، ولا تجيب على الأسئلة الكبيرة والخطيرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم. والنظر بريبة إلى كل اجتهاد جديد لا يجد له مستندا أو سابقة في حياة السلف. وربما يجد المرء جذورا تاريخية لهذا المنزع في تورع بعض العلماء الأقدمين – مثل الإمام أحمد والإمام أبي داود – من القول بالرأي، وإيثارهم الأخذ بالآثار الضعيفة على الرأي والاجتهاد. وهو نوع من عدم الاعتراف ضمنا بحدود النص كان ممكنا في عصرهم الذي لا يختلف كثيرا عن عصور الإسلام الأولى، لكنه غير ممكن في عصرنا الحالي، نظرا للتغيرات العميقة في مسار الحياة وبنية المجتمعات، مما يجعل الاعتراف بأن \”النصوص متناهية والحوادث غير متناهية\” – كما يقول الأصوليون – أمرا لا محيد عنه.

ثانيا: تحول بعض الجماعات السلفية المعاصرة إلى ما يشبه المدرسة الكلامية التي تطنب في الحديث عن دقائق العقائد دون داع شرعي، وهو ما لا ينسجم مع منهج السلف القائم على البساطة، وتجنب الخوض في تلك المباحث إلا لضرورة. وقد كان جديرا بالسلفيين أن يأخذوا العبرة من المعارك التي مزقت لحمة المجتمع الإسلامي خلال القرون، وأهدرت طاقاته الفكرية والعملية في الجدل حول أمور لا جدوى من الخوض فيها. لقد صعقتُ وأنا أقرأ للشيخ أبي الحسن الأشعري في كتابه \”مقالات الإسلاميين\”، كيف انزلق رجل في مثل مؤهلاته الفكرية والعلمية إلى متاهات غريبة بل مضحكة أحيانا، وشر البلية ما يضحك. واسمع إلى الشيخ الأشعري وهو يقول:

– \”اختلفوا في الإنسان ما هو، على تسع عشرة مقالة …\” –

\”اختلف المعتزلة هل المقتول ميت أم لا …؟\” – \”

واختلفوا هل يجوز رفع ثقل السماوات والأرضين …؟\” – \”

اختلفوا في القتل هل يضاد الحياة أم لا …؟\” – \”

اختلفوا في كلام الإنسان، هل هو صوت ؟ على أربع مقالات… \” – \”

اختلفوا هل يطيق الشيطان حمل ما لا يطيق البشر حمله ؟…\” (1) .

وللإنصاف فإن الأشعري لم يكن الوحيد في ذلك، بل توصل العديد من العلماء إلى أن ما انشغلوا به طول أعمارهم لم يكن سوى اختلاف عبارات وجدل لفظي، واسمع إلى قول الإمام الذهبي: \”رأيت للأشعري كلمة أعجبتني، وهي ثابتة رواها البيهقي: سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهدْ علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات. [قال الذهبي] قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \”لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\” فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم\” (2) . فانظر كيف أن رجالا قضوا أعمارهم في مناقشة مقولات الناس وعقائدهم، رجعوا في النهاية إلى منهج البساطة النبوي: \”لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\” فأراحوا أنفسهم وغيرهم. إنها خسارة كبرى أن يفني الإنسان عمره في معارك، ثم يتوصل في أواخر أيامه إلى أنها لم تكن سوى \”اختلاف عبارات\”، والخسارة الأكبر من ذلك أن يكون قطاع عريض من المجتمع هو الذي يضيع أعماره في ذلك، ولا ينتبه إلى المتاهات التي وضع نفسه فيها. ولا حل لذلك سوى الرجوع إلى منهج البساطة، والبعد عن التكلف، والاكتفاء من العقائد بالجمل، والتوجه إلى العمل.

ثالثا: عدم التمييز بين كليات العقيدة التي لا اجتهاد فيها، لقطعية الأدلة ثبوتا ودلالة، وبين جزئياتها التي جاءت النصوص فيها محتملة، فللخلاف فيها متسع، والانشغال بها لا يؤدي إلى الحسم فيها علميا، ولا تترتب عليه ثمرة عمليا. فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في بعض جزئيات العقيدة، مثل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة الإسراء، وهل كان الإسراء بالجسم أم بالروح، وتكليم النبي صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين في بدر، وتعذيب الميت ببكاء أهله ..الخ ووردت إلينا أقوالهم في ذلك. فكان كل منهم يبدي رأيه بشكل عرَضي، ولا يتوقف عند هذه الأمور، ولا يرى لها أهمية كبيرة، وهو مستغرق في الجهاد لنصرة الدين والتمكين له. فضلا عن أنهم لم يرد عن أي منهم إنكار على مخالفه في مثل هذه الأمور، بل كانت عباراتهم مشحونة بالأدب الجم والدعاء لمخالفيهم، مثل قول عائشة رضي الله عنها: \”رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إجابة\” (3).

رابعاً: جفاء بعض السلفيين في إنكارهم على إخوانهم المسلمين المتلبسين ببعض البدع، دون لطف أو ترفق، أو اعتبار للمآل والثمرات. وكأن مجرد إدانة واقع البدع والخرافات كاف للقضاء عليه. وذلك إشكال عملي على قدر كبير من الأهمية الشرعية: فهل المطلوب شرعا مجرد تسجيل موقف؟ أم السعي إلى تغيير الواقع المنحرف؟ إن قصة أهل \”القرية التي كانت حاضرة البحر\” الواردة في القرآن الكريم تبين لنا أن السعي لإصلاح المجتمع وتغيير المنكر يستهدف مصلحتين: أولاهما مصلحة للداعي نفسه، وهي الإعذار إلى الله تعالى من خلال القيام بمسوؤليته الشرعية في النصح والإبلاغ، والثانية مصلحة للمدعو، وهي الرجوع عن الباطل إلى الحق. وقد جمع الصالحون من أهل القرية هذين المعنيين في ردهم على الذين أرادوا تثبيط هممهم، فقالوا: \”معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون\” (4) لكن يبدو أن بعض السلفيين لا يستحضرون الهدف المزدوج هنا، فكأن كل همهم هو تسجيل موقف، وإدانة واقع فقط، وتلك نظرة جزئية لا تفي بالمقصد الشرعي.

خامساً: خلط بعض السلفيين – ضمنا – بين الوحي والتاريخ في المرجعية، جراء نقص في الوعي بالتاريخ لا يميز بين صورته ومعناه، وتقصير في دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بكل جوانبها المضيئة والقاتمة، ولا تقف عند سرد المناقب فقط. وذلك هو داء التجسيد الذي تحدثنا عنه أكثر من مرة: تجسيد المبادئ في أشخاص، مهما يكونوا عظماء فهم غير معصومين، وفي وسائل مهما تكن ناجحة، فهي محدودة بحدود الزمان والمكان. والذي يتأمل نصوص الشرع ومصائر الأمم يدرك أن الخلط بين المبادئ والأشخاص، أوالمبادئ والوسائل، من أسوإ الأدواء الفكرية والعملية. لقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته بإطلاق لأنه معصوم: \”عليكم بسنتي\”، ثم أمر باتباع سنة الخلفاء من بعده، لكنه قيدها بالرشد: \”وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\”. وفي ذلك درس ثمين في التمييز بين الشخص والمبدإ، حتى ولو كان ذلك الشخص أحد الخلفاء الراشدين. لذلك لا عجب أن نجد رجلا من أهل البصيرة الشرعية والوعي التاريخي مثل ابن تيمية يقول: \”إن ما فعله عثمان وعلي من الاجتهاد – الذى سبقهما بما هو أفضل منه أبو بكر وعمر ودلت النصوص وموافقة جمهور الأمة على رجحانه – وكان سبب افتراق الأمة، لا يؤمر بالإقتداء بهما فيه، إذ ليس ذلك من سنة الخلفاء\” (5).

سادساً: الانفعال في الدفاع عن السلف بشكل يهدر قدسية المبادئ، حرصا على مكانة الأشخاص، ويرد الغلو بغلو، مع تعميم وتهويل يساوي في دفاعه بين عثمان وكاتبه مروان، وبين عمار وقاتله أبي الغادية. ويبدو لي أن الشباب السلفي وقع ضحية لمنهج ابن العربي في كتابه \”العواصم من القواصم\” ثم لمدرسة \”التشيع السني\” المعاصرة التي يقودها محقق كتاب \”العواصم\” الشيخ محب الدين الخطيب وتلامذته. ومن المعروف أن هذا الكتاب من الكتب التي وجهت تفكير الملايين، وأثرت على المسار الفكري السلفي كله. لقد أخذ العديد من المحققين الأقدمين عددا من المساوئ المنهجية على القاضي ابن العربي، ومن ذلك: ? السطوة والشدة والتحامل على المخالفين دون إنصاف (6). ? رد الأحاديث الصحيحة والوقائع الثابتة إذا خالفت رأيه الفقهي أو رؤيته السياسية (7). ? التكلف والتعسف في إثبات الرأي الموافق ونفي الرأي المخالف (8). ? الإطلاق في نفي الأدلة التي لم تصل إلى يده أو لم تستحضرها ذاكرته (9). ? التعميم والتهويل ونقل الإجماع في أمور الخلاف (10). وقد انتقلتْ هذه المساوئ المنهجية – بكل أسف – إلى الشيخ محب الدين الخطيب، ومنه إلى بعض الجماعات السلفية المعاصرة. فهو يدافع عن الوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، ويزيد بن معاوية، والحجاج بن يوسف، ويقدم ذلك الدفاع في ثوب \”السنة والجماعة\”، ويرد الأحاديث الثابتة التي لا تنسجم مع الصورة الذهنية التي يدافع عنها، ويقتطع النصوص ويبترها من سياقها دفعا للآراء المخالفة مهما كانت قوة حجتها.. وقد تتبعتُ تلك المجازفات في كتابي: \”منهج ابن تيمية في دراسة الخلافات السياسية بين الصحابة\” (الذي يصدر قريبا بعون الله) ولا يسمح المقام بسردها هنا، ولكني أستسمح القارئ الكريم في الاستطراد هنا، وإيراد أمثلة موجزة تدل على ما وراءها: ? أنكر ابن العربي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة يوم الجمل وكان في جيشه، وقال : \”لم ينقله ثبت\” وأضاف الشيخ محب الدين: \”هذا الخبر عن طلحة ومروان لقيط لا يعرف أبوه ولا صاحبه ..\” (11). والواقع أن الأثبات نقلوه وصححوه: فقد أخرجه الحاكم وابن سعد بسند صحيح (12) وقال ابن حجر: \”أخرجه أبو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة\” (13) وقال الهيثمي :\”رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\” (14). ? أنكر ابن العربي حديث \”الحوأب\” وقال : \”ما كان شيء قط مما ذكرتم، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام\” (15) ثم علق الشيخ محب الدين قائلا: \”إن الكلام الذي نسبوه إلى النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة\” (16). والواقع أن الحديث صحيح، وأنه موجود في \”دواوين السنة المعتبرة\” ومنها مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، وصحيح ابن حبان، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى. وقد صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر: \”سنده على شرط الصحيح\” وقال ابن كثير: \”وهذا إسناد على شرط الشيخين\” وقال الهيثمي في رواية أحمد له : \”رجال أحمد رجال الصحيح\” (17). ? شكك ابن العربي في أن الآية: \”إن جاءكم فاسق بنبإ\” واردة في الوليد بن عقبة، ثم علق الشيخ محب الدين بأن نسبة القصة إلى الوليد لا تثبت، وأن الروايات التي وردت بها موقوفة على أناس لم يدركوها، وأن رواتها مجاهيل أوضعفاء، ثم شن حملة شعواء على الذين \”ملأوا الدنيا أخبارا مريبة ليس لها قيمة علمية\” (18). والواقع أن الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه عن الحارث بن أبي ضرار وهو صحابي ووالد أم المؤمنين جويرية، كما أنه أصدق شاهد عيان، إذ هو سيد قبيلة بني المصطلق التي أُرسل إليها الوليد، وهذه غير رواية أم سلمة، وغير الأخبار الموقوفة التي ركز عليها الشيخ الخطيب. وقال السيوطي في الحديث بهذا الطريق \”سنده جيد\” (19) وقال الهيثمي : \”رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات\” (20). ? ادعى الشيخ محب الدين أن عليا بايع الصديق ليلة السقيفة، رغم أن ذلك مخالف لمنطوق حديث عائشة في الصحيحين الذي ورد فيه: \” .. وكان لعلي من الناس وجهة حياةَ فاطمة، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر …\” (20). والعجب أن الشيخ الخطيب نقل جزءا من هذه الفقرة من صحيح البخاري حتى بلغ قوله : \”فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته\” ثم توقف، ولم يذكر الجملة التالية، لأنها لا تنسجم مع رؤيته المسبقة للأحداث. ? قال ابن العربي في دفاعه عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: \”وهذا أحمد بن حنبل – على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه – قد أدخل عن يزيد بن معاوية في \”كتاب الزهد\” أنه كان يقول في خطبته: \”إذا مرض أحدكم مرضا فأشفى ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه، ولينظر إلى أسوإ عمل عنده فليدعه\”. وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم ويرعوى من وعظهم. ونعم! ما أدخله إلا في جملة الصحابة، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين\” (21) وابن العربي يرتكب هنا ثلاثة أخطاء فادحة، أولها: أنه اختلط عليه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بيزيد بن معاوية النخَعي التابعي الزاهد الذي ينقل عنه الإمام أحمد وغيره أقوالا كثيرة في الزهد، والثاني أنه يدعي على الإمام أحمد رأيا في يزيد هو أبعد ما يكون عن الحقيقة، واسمع إلى رأي الإمام أحمد في يزيد كما رواه من هم أدرى بفقهه: قال ابن تيمية: \”قال صالح بن أحمد [بن حنبل]: قلت لأبي: إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال:يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟\” (22) والثالث: أنه يعطي القارئ الانطباع أن الإمام أحمد يدخل يزيد في الصحابة، وهو الذي ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعقدين من الزمان ..!! إن سبب كل هذه المجازفات والمزالق العلمية والمنهجية، هو داء التجسيد، وعدم التمييز بين الدين والتدين، وبين المبادئ والأشخاص، ولذلك لا عجب أن استحال الدفاع عن الصحابة -عند البعض – إلى دفاع عن الملك العضوض والظلم السياسي، وتبرير الجبرية والخنوع. ولا غرابة أن يطالعنا ابن العربي نفسه في غمرة دفاعه عن توريث معاوية السلطة لابنه يزيد، برأي غريب في بيعة الحاكم، يقول فيه: \”إن واحدا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعا\”(23). وقد اضطر ابن تيمية إلى الرد على هذا التأويل السقيم، وتبرئة الإسلام منه. فأي قيمة للمبادئ الإسلامية الجليلة حول الشورى والعدل في القَسْم والحكم أمام هذا الدفاع الأعمى ؟؟ سابعا: انفصال العلم الشرعي عن الواقع المعيش، مما يعمق تهميش الدين في الحياة العامة، ويسهل توظيف حملة العلم الشرعي توظيفا سياسيا لا يخدم الدين. إضافة إلى ما يؤدي إليه ذلك من أخطاء فكرية وفقهية جسيمة. وقد اشتكى محمد إقبال من هذه الغفلة وعدم استيعاب الواقع، وتخلف المدارس والجامعات الإسلامية عن أداء دورها في هذا المضمار، فقال: ما في مدارسك التي تلهو بـها إلا دروس مغــفَّل وبلـيدِ سر الدراسة في فؤادك كامـن لو كنت تحسن صرخة التوحيد ويرجع السبب في ذلك إلى زهد أغلب السلفيين في الثقافة المعاصرة، وتشبثهم بالموقف التقليدي المتوجس من \”الغزو الفكري والثقافي\”، مما جعلهم بعيدين عن مقتضيات الدين في الواقع المعاصر، فضاعت جهودهم في محاربة بدع الماضي وانحرافاته. ويبدو أن كثيرا من السلفيين لا يزالون يتشبثون برؤية رواد النهضة نهاية القرن التاسع عشر، الذين رأوا أن حاجة المسلم إلى الثقافة المعاصرة لا تتجاوز الجانب العلمي التقني، وأن لا حاجة له في العلوم الإنسانية والمنهجية. وتلك نظرة قاصرة، أدت إلى تخلف الإسلاميين بشكل عام – والسلفيين بشكل خاص – عن المستوى الفكري والمنهجي السائد في حضارة العصر.

إن ما تحتاجه الشعوب الإسلامية اليوم هو العلوم الإنسانية والمنهجية التي تحرر العقل، وتجدد للثقافة الإسلامية شبابها، وتنفض عنها غبار التاريخ، أما العلوم التقنية في مجتمع لا يزال محكوما بقانون الغاب، وليس لكرامة الإنسان فيه أي اعتبار، ففائدتها محدودة، بل قد تستحيل كارثة، وما أخبار التكنلوجيا العسكرية العراقية منا ببعيد .. لكن هل يعني ذلك براءة الحركات الإسلامية الأخرى من هذه المساوئ المنهجية التي أخذناها على بعض الحركات السلفية، كلا! فالواقع يشهد بغير ذلك. لقد سلمت حركات إسلامية أخرى من بعض هذه المساوئ، لكن أصابها بعضها، وأحيانا بصورة أسوأ مما أصاب الحركات السلفية. فأسْر التاريخ – مثلا – واتخاذه مرجعية ضمنية، أمر موجود في بعض الحركات الإسلامية. والفرق الوحيد هو أن بعض السلفيين يتعصبون لتاريخ الصحابة والتابعين دون تمحيص – بل دون السماح بالتمحيص – وبعض الإسلاميين يتعصبون لرجال الحركة وأشكالها دون تقويم أو مراجعة. والشروح والحواشي الغزيرة التي صدرت حول \”رسالة التعاليم\” للإمام الشهيد حسن البنا، أو غيرها من رسائله، تكشف لنا عن الجمود السائد، والاستئسار للماضي في بعض الحركات الإسلامية، وإلا فإن الرجل كتب أفكارا واضحة، بلغة مشرقة وبيان عذب، وليس هو بحاجة إلى شرح أو حاشية، بل إلى من يقدر جهده ويراجعه ويتجاوزه .. والذي يتجاوز حدود المظاهر إلى عمق الظواهر، يدرك أن بعض الحركات \”الإسلامية\” سلفية الفكر والعمل، رغم نقدها للسلفيين، وأن بعض الحركات \”السلفية\” هي حركات كلامية، رغم هجومها على المتكلمين. لقد كان من ثمرات المساوئ المنهجية السائدة في فكر بعض الجماعات السلفية سهولة التوظيف السياسي لهذه الجماعات،جراء تفريطها في الوعي السياسي، وعدم استيعاب أبعاد الواقع وتعقيداته. وقد عبر عن ذلك أحد الظرفاء بأن للسلفيين ثأرا تاريخيا ضد \”المسيحيين الأورتوذوكس\” ولا شأن لهم بغيرهم من أعداء الأمة من اليهود وغيرهم. وهو يشير بذلك إلى حماس الحركات السلفية للجهاد بالأنفس والأموال ضد الروس في أفغانستان، والصرب في البلقان – وهذا أمر محمود على أية حال – مع انخفاض درجة الحماس على المستوى العملي إذا تعلق الأمر بفلسطين مثلا .. وهو أمر يرجع أساسا إلى التوظيف السياسي من طرف بعض الدول العربية المتلبسة بلبوس السلفية، خدمة منها لتحالفاتها الدولية المشبوهة. لكن المخاض الفكري والسياسي الذي تعيشه الحركة السلفية الآن جعل هذه المساوئ المنهجية تضمحل تدريجيا – باستثناء جيوب معزولة هنا وهناك – والحمد لله رب العالمين. ولا تخطئ عين الباحث المتجرد محاولة الفكر السلفي الآن الاقتراب من هموم الأمة، والتحرر من أسر التاريخ، والخروج من عباءة بعض الأنظمة الفاسدة، التي طالما ركبت الموجة السلفية لتحقيق مآربها. ولا تخطئ عينه تخفف السلفيين من الجدل التاريخي والكلامي – في العقد الأخير – وتركيزهم على شؤون العصر، وتحديات الحياة الدائبة، وتعطشهم إلى الاستفادة من ثقافة العصر في مجال الفكر السياسي والتنظيمي.. وقد عبر عن ذلك أحد الصحفيين الفرنسيين في مقال له عن الجزائر منذ أعوام، تحدث فيه عن كتاب الشيخ علي بلحاج – فك الله أسره – \”فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام\”، وجعل عنوان المقال:\”حينما يستشهد علي بلحاج بفولتير\” Quand Ali Belhaj cite Voltaire. ويرجع الفضل في هذه التطورات الإيجابية على الساحة السلفية – بعد عناية الله عز وجل بهذه الأمة – إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها: تلك الوثبة التي وثبها بعض العلماء والدعاة مطلع التسعينات في الجزيرة العربية، فحرروا الخطاب السلفي لأول مرة من عباءة الأنظمة التي تجعل الشريعة خادمة للسلطة – لا العكس المفترض – وفتحوا أعين الشباب السلفي إلى ضرورة دراسة الواقع واستيعاب مقتضيات الدين في العصر الحاضر. وثانيها: إمساك بعض الوجوه السلفية بزمام المبادرة السياسية داخل بعض الدول المسلمة، وتعاونهم مع الجماعات الإسلامية الأخرى ومع عامة الشعب بحكمة واستيعاب. وقد برزت هذه الظاهرة أوضح ما تكون في تجربة \”الجبهة الإسلامية للإنقاذ\” بالجزائر مطلع التسعينات. وثالثها: دور التوعية والتنوير الذي تقوم به الجماعات السلفية المغتربة في أوربا وأمريكا، فلهذه الجماعات جهد مشكور في تطوير خطاب سلفي جديد، يتسم بالوعي والنضج. وربما كان للثقافة العملية السائدة في الغرب أثر إيجابي هنا، حيث لا تقاس قيمة المبدإ بصحته النظرية، بل بصلاحيته العملية. وإذا كان الإيرانيون \”سيدركون في النهاية أن لديهم أعداء غير الأمويين\” كما قال أحد الكتاب، فإن السلفيين سيدركون في النهاية أن أمامهم – وأمام الإسلام – تحديات أكبر من منازلة المعتزلة والأشاعرة والمرجئة والشيعة والمتصوفة .. فما تحتاجه الصحوة الإسلامية اليوم، هو قوم يعيشون تحديات عصرهم، لا الذين تستعبدهم مقولات الماضي ومصطلحاته، وحروبه ولجاجاته. فتلك ظاهرة أضاعت على القوى الإسلامية الكثير من الوقت والجهد، وكان محمد إقبال قد نبه عليها منذ أمد بعيد، فقال : ترى النشء يملأ وجه الطريقْ بروحات نِسر وغدْوات بازْ ومفـتي المدينة وادٍ سحيـقْ يضجُّ بمصطلـحات الحجازْ ورغم أن جهات عديدة لا تزال حريصة على توسعة الجفوة بين الحركات السلفية وغيرها من الحركات الإسلامية، منعا من تشكيل جبهة إسلامية عريضة في وجه الظلم والاستبداد الضارب بأطنابه، فإن اتجاه تلك التطورات يتجه الآن إلى التعاون والتكامل. لقد بدأ السلفيون يتحررون من داء التنظير المجرد ومتاهات علم الكلام، ويفتحون أعينهم على تحديات الواقع المعاصر وتعقيداته، وبدأ الإسلاميون الحركيون يتحررون من الروح الحزبية ويفتحون صدورهم لكل عامل ولو من خارج التنظيم. وقد يبقى بعض الاحتكاك الخفيف والتنافس اللين لفترة آتية، على شاكلة تنافس النحاة الكوفيين والبصريين، إلا أن الطرفين بدآ يدركان ما يجمع بينهما، ويتعاملان فيما بينهما بشكل أكثر تواضعا وأقل تبجحا .. وتلك بوادر طيبة تبشر بوحدة في تنوع، وتكامل في تخصص.. نسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير.

————————- هوامش

(1)- أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين 2/25 ، 92، 105 109،110،124

2-الذهبي: سير أعلام النبلاء 15/88

(3)- الحاكم: المستدرك على الصحيحين 2/234 والبيهقي: السنن الكبرى 10/58

(4)- سورة الأعراف، الآية 164

(5)- ابن تيمية: مجموع الفتاوى 35/23

(6)- الذهبي: تذكرة الحفاظ 3/1152 و4/1295والسيوطي: طبقات الحفاظ 2/469 والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 6/38 و9/109والمباركفوري: تحفة الأحوذي 8/335 وقارن مع فتح الباري 8/280

(7)- ابن حجر : تلخيص الحبير4/44 والشوكاني : نيل الأوطار 3/364 وقارن مع المباركفوري : تحفة الأحوذي 3/62 والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن 2/249 وابن حجر: فتح الباري 2/81)

(8)- تحفة الأحوذي 6/236 ونيل الأوطار 6/181

(9)- فتح الباري 10/305 و10/267 ونيل الأوطار 8/289-290 و 7/54

(10)- انظر فتح الباري 2/108 و2/ 387 و3/499 و7/139و8/472 و 11/321 و 13/161وانظر الآبادي : عون المعبود 3/300 و القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 5/360

(11)- ابن العربي: العواصم من القواصم ص 160

(12)- انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/35-36

(13)- ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 2/222

(14)- مجمع الزوائد 9/150وقارن مع مصنف ابن أبي شيبة 7/536 (15)- العواصم ص 162-163

(16)- العواصم ص 164 الهامش

(17)- انظر : سير أعلام النبلاء 2/177-178 (الهامش) ومجمع الزوائد 7/234 ومستدرك الحاكم 3/129 وصحيح ابن حبان 15/126 ومسند أبي يعلى 8/282 ومسند الإمام أحمد6/52 ومسند إسحاق بن راهويه 3/891 وفتح الباري 13/55 وتعليق الألباني في ختام كتاب \”العواصم\” ص 276-278

(18)- العواصم ص 102-103

(19)- انظر السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور 6/91 والشوكاني: فتح القدير 5/80 وابن القيم: بدائع التفسير 4/179 وابن أبي حاتم : تفسير القرآن العظيم 10/3303

(20)- مجمع الزوائد 7/ 109وانظر مسند الإمام أحمد4/279 ومعجم الطبراني الكبير 3/274

(21)- العواصم ص 245-246

(22)- ابن تيمية: مجموع الفتاوى 4/483 ومنهاج السنة 4/573

(23)- صحيح البخاري – كتاب المغازي ، وصحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير

كُتب في المناهج | التعليقات على مخاض الفكر السلفي مغلقة

كيلا نحج عند رجوع الناس – 2006-01-07

نبهنا أساتذتنا أحسن الله إليهم إلى أن للعوام كلمات يستخدمونها بمعنى مجازي ، كقولهم: (الله يطعمك الحج والناس راجعة) ، ويقصدون بذلك أنك حاولت تدارك الأمر بعد فوات الأوان ؛ ونبهونا إلى أن ذلك لا يحسُن من الدعاة وأهل العلم ، لأن فيه شبهة بالدعاء بفوات الخير، ولا ينبغي أن ندعو لأحد بمثل ذلك احتراماً لتلك الشعيرة العظيمة ، فالحج محّاء للذنوب ، وهو ملتقى الأمة الذي تستعيد فيها وحدتها وتلم فيه شعثها وتبعَثُ فيه من كل جهة منها ثلة ينوبون عمن خلفهم بالاستدراك والافتقار والولادة من جديد في حمل الأمانة وإصلاح السريرة وصدق الأخوة ، واستعادة الروح الواحدة التي تمزقها عوامل ضعف شتى يزيدها ضعف داخلي هائل ، وكيد خارجي مبين.
ولكن فقه ذلك يحتاج إلى توسيع ، فكما أن هناك من ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش فكذلك هناك من ليس له من حجه إلا التعب والنصب وكثيرة هي الأمور التي لا ينبغي للحاج أن يلتفت إليها كيلا تعطب حجه الآفات.
هناك من يبحث عن نزهة سياحية إلى جزر الهاواي داخل عرفات وهناك من ترى شفتيه لاتنطقان إلا بتلبية ضارعة كأنه يحاول أن يعوض عن تقصير أمة غافلة وراءه وقد غرغرت الدموع في عينيه وكاد محجراه يلتصقان بالسماء .
هناك من يحدثك عن بعد فندقه عن الحرم وآخر ذاب شوقاً إلى بيت الله وحدا به حادي الإيمان فلم ينتظر رفقة قاعد وكفى بالشوق له حاملاً.
هناك من يبحث عن مكان وسيع مريح له وحده في روضة النبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم ، وثمة من هدَّه البكاء وخشع قلبه وكاد يقفز من صدره حباًً وشوقاً إذ من الله عليه بزيارة الحبيب الهادي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والصلاة في البقعة التي انطلق منها النور فعم الأرض وكان للمسلمين من أرضها دولة وكيان وصولة زرعت الهداية والحضارة في جنبات الأرض.
هناك من يفر من زحام الصلاة على الجنازة في بيت الله الحرام ويتسلسل هرباً من الجموع المتدفقة ، ورجل يصور نفسه كأنه هو الميت ، وهو في بيت الله الكريم العظيم الحليم ، وقد قام على جنازته (لا أربعون رجلاً من الموحدين كما ورد في الحديث الشريف) بل ملايين المفتقرين الشافعين الضارعين في أخيهم وهو في بيت الكريم وضيافته ؛ فيتمثل الرجل ذلك فلا تراه إلا وهو يرجو الله أن يهبه مثل أولئك المتشفعين بأخيهم في أكرم البقاع.
صور كثيرة أعظم من أن يحيط بها عد ، ومن أدام الفكرة كان له بكل شيء عبرة.
مامنا أحد إلا ويرجو الله أن يذيقه طعم الإيمان وحلاوته وأن يملأ قلبه بذلك الخير العظيم ، فإن من فوَّتَ مراد الله منه على خطر عظيم …. فما بالنا بمن ذهب يحج وقد رجع الناس!
تلك المقولة المبسطة (الحج عند رجوع الناس) نخشى أن تلف الكثير من أعمالنا دون أن ندري!
في إحدى البلاد الإسلامية التي تعرض فيها المسلمون لقمع وحشي في فترة من فترات التاريخ الحديث تغيرت بعض الظروف ، وزال بعض الغمة ، وصار للمسلمين هامش من الحرية نسبي ، فنسوا كل ما مضى ، كيف حصل الموضوع؟ ؛ لقد حاص بعض العلمانيين كعادتهم يتحدثون عن الأسرة واضطهاد المرأة … ومقولات أخرى! (وكلامهم فيه صواب وخطأ وحق وباطل) فلجأ بعض الدعاة الأفاضل الكرام إلى استعداء الدولة على خصومهم (التي تريد كسب الاسلاميين اليوم بعد أن وطئتهم بالأمس وطئاً وأبادت خضرائهم وأكلت الطائع والبرئ بحجة المبطل والمذنب) واللجوء على رجال الأمن ، وكأنهم نسوا أننا كلنا بشر وماوقعنا فيه من الظلم لانرضاه لغيرنا ، والقمع الذي تعرضنا له حاشا أن نذيقه لغيرنا ، بل إننا لوقدرنا على خصومنا لما كان الحكم بيننا إلا الحق ثم الحق ثم الحق فلسنا ممن يشتهي إسالة الدماء وليس فينا إلا من يعفو ويغفر ويحب في أعماق قلبه أن يهدي الله قومه إلى الإسلام فإنهم قوم لايعلمون ، ولو أننا حملة هذا الدين بأمانة وحق فعلينا أن ننهي الخصومات الفكرية بعملنا الصالح وحجتنا البينة الواضحة وفكرنا السابق الناطق (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة-256) ، نعم نلجأ للدولة والأمن في المسائل الجنائية ولكن لا نلجأ إليهم أبداً في مسألة وخصومة فكرية ، ولا نكرر دورة القمع على أيدينا ولا ندعهم حكماً بيننا وبين الناس ، ولا نقبل أن نوضع في مواجهة ثلة من الناس مهما تاهت مشاربهم ؛ كي نفوت فرصة أن يقبلوا يوماً أن يوضعوا في مواجهتنا ، ولا نبني قوتنا على ضعف ذوي السلطان ، ولا نرضى أن نصبح أوراقاً في أيديهم ولا نقايض حقاً معلوماً لنا بصفقات مستقبلية كلها تحسب علينا ، ولا نضيع فرصة نمو طاقاتنا وصقل علمنا وخبرتنا بالاعتماد على من هو بحاجة لعوننا … إن الفكر السقيم يواجه بالفكر المتوضئ النظيف … هذه مسألة … ومسألة أخرى:
دعت إدارة إحدى التلفزيونات العربية داعية فاضلاً إلى ندوة تلفزيونية ، فإذا بمذيعة وامرأتين معه وكلهن سوافر ، ولم يكن الداعية يتوقع ذلك فقدر أن المصلحة تقتضي عدم إضاعة هذه الفرصة ، فتكلم على مرأى من الناس كلهم ومسمع ، لا في خلوة ولا وضع مشين ، وقال لي : أشهد أن الأختين لم تتكلما بكلمة تخدش من الإسلام ولم تسيئا إليه بحرف بل تكلمتا صواباً وخيراً ونرجو الله أن يهدينا جميعاً إلى مزيد من الالتزام والعمل الصالح …
قال الداعية الفاضل : لقد تلقيت خلال ساعات أكثر من مائة مكالمة ، لم تعترض علي واحدة منها في أمر منهجي ولا فكرة ذكرتها بل كلها انتقاد لجلوسي ذلك المجلس ، وأنا فوجئت بالموضوع ولو استطعت أن أكون في وضع أفضل لما قصرت ، وعلينا أن نبذل جهدنا ما استطعنا كي نوجد جواً أقرب إلى الأبعاد الشرعية ما استطعنا! ولكن : لماذا مازلنا نحرق بعضنا حرقاً ، لماذا لايقول الإنسان لأخيه: الصواب كذا والأفضل كذا ، ولكني أقدر ظرفك يا أخي واجتهادك رغم أنني أخالفك ، وأدعوك في المرة القادمة إلى أن تطلب كذا وتحقق كذا … لماذا نعيش في غرفة ليس لها إلا نافذة واحدة ، لماذا لا ندرك الظرف ثم نحاول أن نغيره … بعمل يعين كل منا فيه الآخر دون أن يذبحه ويتمم كل منا فيه نقص الآخر … ولماذا لانستثمر الموجود أو نبني المقصود إن لم يرضنا الأول بدل أن نعيش على ناطحات من السراب.
تلك فضائيات فيها سلبيات كثيرة كثيرة ، ولكن! ماذا بعد؟ لقد فرحنا بوجود بعض الفضائيات الإسلامية ولكننا فوجئنا بأن النظارات التي تضعها ذات لون واحد تريد أن تصبغ الدنيا كلها به …. وليس سرأ أن بعض العاملين في إحدى الفضائيات قد انفصلوا عن بعضهم لأن ضيق مشاربهم لم تسمح لهم بالعمل ضمن صيغة إسلامية أعظم ولا الشعور بخطر مرعب زاحف!
إن تغيير الوضع السلبي إلى الوضع الإيجابي والأسلم شرعاً لا يحصل بالذبح بين العوام ولا بالتنظير ونحن بعيدون عن الساحة العملية ….
… بعد نقاش … اقترح أحد الأفاضل أن يكون المستضاف في الندوة امرأة مسلمة مفكرة قوية الحجة والبينة فازداد عجبي ، وسألت: وهل تسعى وتُخرج مناهجنا امرأة مسلمة متمكنة تستطيع الخوض في المتاهات الفكرية التي تتحرك بسرعة هائلة في وجه المد الإسلامي ، وهل نعد لذلك إعداداً مسبقاً ، أم أننا وبكل صراحة من أكبر عوائق حصول ذلك عملياً ، وأننا نتحدث عن ذلك عند الأزمة ، وفوق المنابر ، وللدعاية أحياناً ،وربما صادفنا مصادفة! داعية مسلمة بنت نفسها بنفسها بعد جهد هائل لاختراق الحصار ، وهي أندر من قطر السماء في الصحراء المقفرة الجدباء ، فوقتها نمد معها الجسور ونحمد الله على وجودها ، ثم نذبحها من الوريد إلى الوريد بلا شفقة ولا رحمة ( وعندي حول ذلك أمثلة مخجلة) وإن لم نجد تلك البطلة المنقذة رجعنا متحسرين شاكين متذمرين ، فإن تغير الوضع رجعنا إلى نوم طويل …
لماذا يذهب البعض إلى الحج عند رجوع الناس؟ ولماذا لم يكتشف بعض إخواننا المخلصين أن أهل القبلة جميعاً يد على من سواهم ، وان مناهج التفسيق والتبديع والتضليل والتكفير إنما هي عورات ينبغي سترها بل مناهج موت ينبغي دفنها حيث مقرها الطبيعي أن تدس على هون في التراب.
لماذا مازال عقل بعض المسلمين (وأقول بعض ولكنهم يضعون الأغلب في المتاهات) عقلاً متقهقراً إنسحابياً لايدرك الأمور إلا بعد فوات الوقت وذهاب الموسم!
نحن نتقهقر لأننا ننسحب ونتقوقع ولا يغير من طبيعة ذلك دعم تقوقعنا بالمال الوافر وكثرة احتشاد الطاقات وعلو الأصوات ، فإن سنن الله لا تحابي أحداً (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (سورة الرعد – آية 17) .
أما الإتقان الجماعي للعمل فأمر له بحث طويل وخاص ولكنني أقول الآن : إن كل إهمال فردي في أي عمل باب خلل في العمل كله ، والعمل الصالح الفردي يأتي بعد الجماعي أو معه لا قبله … وتحضرني أبيات أنشدها المنشد الإسلامي أبي مازن بارك الله فيه :

قد اتسع الخرق والراقعون نيام ويقظانهم حائرون
وذو الرأي فيهم بطئ الخطا بليد المدى عزمه خائر
وذو العزم جُنَّ أنانية وأفسده المسلك الجائر

نعم كاد بعض ذوي العزم أن يجنوا من أنانية من حولهم وفساد مسلكهم ، وعلينا أن نصحح ونعمل ونفتح باب الأمل للأمة … وأن نضحي بضيق تصوراتنا وإذا كنا لانعمل أو لا نستطيع أن نعمل فلنفسح المجال للعاملين ، ولننصحهم نصيحة محب ، وإن لم يقبلوا فلنعد النظر في تصوراتنا فربما كنا نحن الذين جانبهم الصواب ….
فلندرك أيها الإخوة الأحبة والخوات الغاليات أن لكل وقت عبادته التي لاتصح إلا فيه ، ومن أفطر يوماً من رمضان عامداً لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه …. ولانريد أن نذهب إلى الحج أيضاً وقد رجع الناس .
تقبل الله منا جميعاً طاعاتنا وصالح أعمالنا وغفر ذنوبنا وتقصيرنا ،وبارك لنا فيكم جميعاً وجعلكم مفاتيح لكل خير مغاليق لكل شر ، وكل عام وأمة الإسلام بنعمة وعافية وقوة وخير.
– نوجه الشكر الجزيل لكل الإخوة والأخوات الذين أكرمونا برسائلهم الطيبة وشكر الله لهم ونرجو أن نكون عند حسن ظنهم جميعاً.
– نعتذر عن التأخر في الإجابة عن بعض الأسئلة ولكنها ستأتي تباعاً
– أرسل أحد الإخوة ( لفتة ) طيبة عن الإخوة ستجدونها في منائر في الدرب – تذكرة ، ونرحب بمواضيع دعوية تناسب خط الموقع.
نستودعكم الله تعالى …. وعيداً مباركاً

أخوكم : أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على كيلا نحج عند رجوع الناس – 2006-01-07 مغلقة

سلسلة البناء الدعوي – 4

(سلسلة البناء الدعوي)
المبحث الرابع: مصارع الداعي
مطلب : آفات القلوب.
مطلب : عدم فهم المجتمع ثقافة وعادات.
مطلب : عدم فهم المجتمع إشكالات وضرورات.
مطلب : التعجل.
مطلب : الغرق في السياسة.
مطلب : حمل مالا يطيق.
تواجه الداعية أبواب فتن ومصارع عظيمة إن لم ينتبه إليها أودى بذخيرة الخير كلها، وكم من دعاة بذلوا كثيراً وغفلوا عن بوابات الهلكة فأردتهم وأحالت أعمالهم يباباً ، ومن أخطر المصارع التي قد يمتحن بها الدعاة إلى الله:
1-آفات القلوب : فإن المتصدي لهداية الخلق ربما نسي نفسه ، وصار يظن أنه يداويهم وهو عليل ، وقد تتعسر الأمور فينسب تعسرها إلى فساد الناس ، وينسى أن يفتش عما في قلبه ، وربما ظن لآفات فيه أنه من أهل الطريق ، وماشم بعدُ رائحتها ، و (العلم كالغيث ينزل من السماء ، حلوا صافيا ، فتشربه الشجار بعروقها ، فتحوله على قدر طعومها ، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة) . ومن أعظم الآفات التكبر: قالى تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، والتكبر ينقسم إلى باطن وظاهر: (فالباطن هو خلق في النفس ، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح … وآفته عظيمة ، وغائلته هائلة ، وفيه يهلك الخواص من الخلق) ، (ومن اعتقد جزما ، أنه فوق أحد من عباد الله فقد أحبط بجهله جميع عمله) .
2- عدم فهم المجتمعات ثقافة وعادات وطباعا: تختلف طبائع المجتمعات البشرية وثقافاتها وعاداتها ، والمنهج الجامع في العلاقة معها هو قوله تعالى : يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، وفي كل مجتمع روابط ثقافية واجتماعية ، يحافظ الأفراد والجماعات من خلالها على هوية خاصة ، ويلاحظ أنه (لم يأخذ أكثر فقهائنا عالمية الإسلام بعين الاعتبار -محددا منهاجياً- في تنظيرهم الفقهي لعلاقة المسلمين بغيرهم ، بل عبروا عن نو ع من الانطواء على الذات لايتناسب مع خصائص الرسالة الخاتمة والأمة المخرجة الشاهدة ، كما حدث نوع من التركيز على المحيط الجغرافي والاجتماعي بدرجة قد توحي إلى البعض بارتباط الإسلام بذلك المحيط الذي بلغه في فترة انتشاره الأولى) وفي بعض الأحيان تتصادم بعض تلك العادات والأبنية الثقافية والإجتماعية مع السلوكيات والتعاليم الشرعية ، والمشكلة أن الحلول المطروحة بعضها صدامي لدرجة أنه كفيل بإغلاق الأبواب في وجه الإسلام ، ويحسن التعامل مع تلك الأوضاع الثقافية بالصبر والإستيعاب ماأمكن ، مع غض النظر مؤقتاً عن بعضها ، ريثما تستدرك إختلالات أعظم ، ببنائها يصبح من الميسور تغيير سلبيات كثيرة . يقول الأستاذ عبد الكريم بكار: (وحدثني أحد الدعاة في ماليزية ؛ أنه قرأ نحواً من مئتي كتاب حول الثقافة الصينية حتى يُكَوِّن خلفية تمكنه من دعوة الصينيين إلى الإسلام بنجاح) . إن بعض الدعاة لايفهمون ثقافة الأمم التي يريدون الدعوة فيها ولذلك يخفقون، ويكفي توجيهاً في هذا المقام قوله : ((ياعائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أُخرج منه وألزقته بالأرض)) .
3- عدم فهم المجتمعات إشكالات وضرورات : قال الله تعالى : لايُكَلِّفُ اللهُ نَفساً إلاّ وسعَها ، والمعنى : (إلا يُسرها ولم يكلفها فوق طاقتها . وهذا قول حسن ، لأن الوسع مادون الطاقة ) ؛ وإن المقدور عليه في بعض المجتمعات قد يضحي متعذرا في مجتمعات أخرى ، وفقيه الدعوة عليه أن يتفهم إشكاليات الإلتزام والضرورات التي يعيشها الناس في كل بيئة ، فلا يحاول القفز فوق الحقائق ، ولايوصل من يدعوهم إلى جُدُرٍ صماء تسبب لهم مشقة غير متحملة ، أوتجنح بهم نحو الهروب من الإسلام والتفلت التدريجي منه ، (وهذا يتطلب فقها لترتيبات مطالب الشريعة ومقاصدها ، كما يتطلب فقها بالواقع المعاش ، ونوعا من البصيرة المسلحة بالخبرة في عواقب الأمور المترتبة على الإقدام على أمر ما ، والإحجام عنه .وهذا الفقه تشتد الحاجة إليه كلما ساءت الظروف والأحوال التي تمر بها الأمة ، حيث تكثر الخيارات الصعبة ، وتضيق سبل الحلول المطروحة ، وتصبح التضحية ببعض الخير وارتكاب بعض الشر أمرا لامفر منه . إن تنمية الإحساس بفقه الموازنات لدى مسلم اليوم ضرورية جدا حتى لانتعامل مع الأشياء على أنها كتلة صلدة ، وحتى نشعر أن في بعض الشر خياراً) . ومن أمثلة الحاجات، أنواع من العقود التي لايؤمن وجود بعض الإختلالات الشرعية فيها ، لخلو الزمان من أهل العلم الذين تقوم الحجة بهم ولاندراس الشريعة ، (فإذا درست وقد عرف بنو الزمان أنه كان في الشرع تعبدات مرعية في العقود ، وقد فاتتهم بانقراض العلماء ، وهم لايأمنون أن يوقعوا العقود مع الإخلال بعقود ‘بحدود’ الشرع وتعبداته ، على وجوه لوأدركها المفتون ، لحكموا بفسادها . وليس لهم من العقود بُد . ووضوح الحاجة إليها يغني عن تكلف بسطٍ فيها ، فليصدروا العقود عن التراضي ، فهو الأصل الذي لايغمُضُ مابقي من الشرع أصل وليجروا العقود على حكم الصحة ) . وهذا يشابه في وجوه كثيرة منه حال المسلمين في البلاد غير الإسلامية ، وكذلك الداخلون الجدد في الإسلام ، ممن لايتمكنون من تطبيق الأحكام والعقود والمعاملات الشرعية بكمالها . وعلى الداعية أن يفهم أحوال المجتمعات التي يتحرك فيها ، ليبني الأبعاد الشرعية بشكل محكم بعيد النظر ، يزيد ارتباط الناس بالإسلام حتى لوعجزوا عن حمل بعضه ، بدل أن يحملوا الكثيرمنه حملاً ظاهرياً ، وقد خوت القلوب من التمسك به والحرص عليه .
4- التعجل : إن الثمرة التي لم تنضج بعد لايجوز قطفها ، ولايمكن أكلها والاستفادة منها ، وإن قطفت قبل صلاحها فلا سبيل لإرجاعها؛ كثيرون هم الذين يقطفون الثمار الفجة بعجلتهم ، وبذلك تضيع جهود عظيمة أنفقوها ،وكان يمكن أن تعطي أعظم الفوائد لوصبروا قليلا. يضغط بعض الدعاة على المسلمين الجدد ويحاولون قطف الثمار ولما تنضج بعد ويذكر أحد المسلمين الغربيين نتيجة ذلك (فقد رأيت العديد من الأميركيين الذين يدخلون الإسلام ثم يخرجون منه ، وكان عدد من ارتد عن الإسلام يشكل نصف عدد من قابلتهم عبر السنين) ، ويفيد هنا الإصغاء إلى وصية الجيلاني : (لاتعجل، فإن من استعجل أخطأ أو كاد، ومن تأنى أصاب أوكاد أي كاد أن يصيب) .
5- الغرق في السياسة : (إن الحقيقة الإسلامية تعلو فوق كل سياسة ، إن السياسة تصلح أن تكون خادما للإسلام ، وحاشا أن يغدو السيد خادماً لخادمه) ؛ تلك العبارات العميقة قالها الإمام النورسي ِلما رآه من ولع البعض بالسياسة حتى أصبحت هي الميزان ، وهذا أمر خطير ، فالسياسة ليست غذاء حتى تكون مثل الخبز اليومي ، بل هي دواء يؤخذ ويُترك ، ويُتعامل معه وفق المصلحة العامة للمسلمين ، أما أن يصبح التفكير السياسي هو المسيطر والحاكم دائما ، فهذا معناه أمر واحد فقط ، أن تضعف الدعوة لحساب السياسة ، وتضيع التربية لصالح السياسة ، بل ويستهان بكثير من ضوابط الشريعة في سبيل السياسة .
6- حمل مالايطيق: إن مايواجهه الداعية من تحديات تؤدي إلى نوع من به الاستنفار الدائم ، وتأتي تعقيدات الحياة المعاصرة لتضيف إجهادات نفسية وجسمية تسبب له الإرهاق المتواصل ، ولايكون تجاوزه بمزيد من بذل الجهد المُنهك ، بل إن إعطاء النفس حقها ضرورة شرعية واقعية فـإن ((… لنفسك عليك حقاً … فأعط كل ذي حق حقه)) . وإن العمل بما هو فوق الطاقة يؤدي إلى إرهاق يزداد مع تزايد الجهد المبذول لأداء العمل ((مه عليكم بما تطيقون)) ، ولايحصل الأداء الأفضل بمزيد من التعب ، بل بإعطاء النفس حقها من الراحة ، لتنبعث إلى العمل بقابلية أكبر ويصبح المردود أعظم ، والداعية المرهق يقل إنتاجه وتتبعثر جهوده ، والإلتزام بالسنة هو الخير ، “وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل” .

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على سلسلة البناء الدعوي – 4 مغلقة

مسألة تولي الوظائف لدى غير المسلمين

(هل يجوز تولي الوظائف تحت أيدي غير المسلمين)

هناك مسائل شائكة تمر بالمسلمين وقد يقوم البعض جازماً بالفتيا فيها من دون مُكنة ولادراية فيوقعون الناس في حرج عظيم ، وهذه مسألة من تلك المسائل نضعها بين أيدي إخواننا الدعاة لزيادة الفقه وإدراك جوانب كل موضوع من كل أطرافه لأن هناك مسائل الجواب فيها عسير وهي من فقه النوازل والفتن فإن كان للأئمة المقدمين رأي فيها فهو كنز عظيم لايفرط فيه

فتوى الإمام عز الدين بن عبد السلام: قال سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام رضي الله عنه ، في كتابه : (قواعد الأحكام في مصالح الأنام – ص 85) : »ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فوّلوا القضاء لمن يقدم مصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله، جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد من رحمة الشرع، ورعايته لمصالح العباد: تعطيل المصالح العامة، وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها..« (1).

لشيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه فتوى مؤصلة معروفة في جواز تولي بعض الولايات في دولة ظالمة، إذا كان المتوليّ سيعمل على تخفيف بعض الظلم، أو تقليل حجم الشر والفساد. وهذا نصها (مجموع الفتاوى ، ج30، ص 356 – 360).

سُئِل الشيخ قدس الله روحه: عن رجل متولٍّ ولايات، ومُقْطَع إقطاعات، وعليها من الكُلَف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره ووُليِّ غيره، فإن الظلم لا يُترك منه شيء؛ بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه، فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها، وهو عاجز عن ذلك، لا يمكنه ردها. فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه؟ وقد عرفت نيته، واجتهاده، وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه، أم عليه أن يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع، وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد. فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم، فهل يطالب على ذلك أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله، أم رفع ما رفعه من الظلم، ليبقى ويزداد برفع يده. فأجاب: الحمد لله. نعم إذا كان مجتهدًا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خيرً وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره، كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك؛ بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل ـ إذا تركه ـ بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك عليه واجبًا إذا لم يقم به غيرُه قادرًا عليه. فنشر العدل، بحسب الإمكان، ورفع الظلم بحسب الإمكان فرضٌ على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك، إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يُطالب ـ والحالة هذه ـ بما يعجز عنه من رفع الظلم. وما يقرره الملوك من الوظائف التي لا يمكنه رفعها، لا يُطلب بها، وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالاً لا يمكن دفعها إلا بإقرار بعض تلك الوظائف، وإذا لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات، والولاية لمن يقررالظلم أو يزيده ولا يخففه ـ كان أخذ تلك الوظائف ودفعُها إليهم خيرا للمسلمين من إقرارها كلها، ومن صرف من هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من غيره، ومن تناوله من هذا شيء أبعد عن العدل والإحسان من الظلم، ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب منهم، فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم، يثاب، ولا إثم عليه فيما يأخذه على ما ذكره، ولاضمان عليه فيما أخذه، ولا إثم عليه في الدنيا والآخرة إذا كان مجتهداً في العدل والإحسان بحسب الإمكان. وهذا كوصي اليتيم وناظر الوقف والعامل في المضاربة والشريك، وغير هؤلاء ممن يتصرف لغيره بحكم الولاية أو الوكالة إذا كان لا يمكنه فعل مصلحتهم إلا بأداء بعضٍ من أموالهم للقادر الظالم فإنه محسن في ذلك غير مسيء، وذلك مثل ما يعطي هؤلاء المكّاسين وغيرهم في الطرقات، والأشوال (جمع شول: الناقة التي جف لبنها بعد سبعة أشهر من حملها أو ولادتها »محيط«)، والأموال التي اُئتمنوا كما يعطونه من الوظائف المرتبة على العقار، والوظائف المرتبة على ما يُباع ويُشترى؛ فإن كل من تصرف لغيره أو لنفسه في هذه الأوقات من هذه البلاد ونحوها فلا بد أن يؤدي هذه الوظائف، فلو كان ذلك لا يجوز لأحد أن يتصرف لغيره لزم من ذلك فساد العباد وفوات مصالحهم. والذي ينهى عن ذلك ـ لئلا يقع ظلم قليل ـ لو قبل الناس منه تَضَاعفَ الظلم والفساد عليهم، فهو بمنزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطّاع الطريق، فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة : لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئًا من الأموال التي معكم للناس، فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي يَنهى عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير، وسُلبوا مع ذلك!!، فهذا مما لا يشير به عاقل، فضلاً أن تأتي به الشرائع، فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان. فهذا المتولي المُقْطَع الذي يدفع بما يوجد من الوظائف، ويصرف إلى من نسبه مستقرا على ولايته وإقطاعه ـ ظلمًا وشرًّا كثيرًا عن المسلمين أعظم من ذلك، ولا يمكنه دفعه إلا بذلك، إذا رفع يده تولّى من يقره ولا يُنقص منه شيئًا، وهو مثاب على ذلك، ولا إثم عليه في ذلك ولا ضمان في الدنيا والآخرة. وهذا بمنزلة وصي اليتيم، وناظر الوقف الذي لا يمكنه إقامة مصلحتهم إلا بدفع ما يُوصل من المظالم السلطانية، إذا رفع يده تولى من يجور ويزيد الظلم، فولايته جائزة، ولا إثم عليه فيما يدفعه؛ بل قد تجب عليه هذه الولاية. وكذلك الجندي المقطع الذي يخفف الوظائف عن بلاده، ولا يمكنه دفعها كلها؛ لأنه يطلب منه خيل وسلاح ونفقة لا يمكنه إقامتها إلا بأن يأخذ بعض تلك الوظائف، وهذا مع هذا ينفع المسلمين في الجهاد. فإذا قيل له: لا يحل لك أن تأخذ شيئًا من هذا؛ بل ارفع يدك عن هذا الإقطاع. فتركه وأخذه من يريد الظلم، ولا ينفع المسلمين كان هذا القائل مخطئًا جاهلاً بحقائق الدين؛ بل بقاء الجند من الترك والعرب الذين هم خير من غيرهم، وأنفع للمسلمين، وأقرب للعدل على إقطاعهم، مع تخفيف الظلم بحسب الإمكان، خير للمسلمين من أن يأخذ تلك الإقطاعات من هو أقل نفعا وأكثر ظلمًا. والمجتهد من هؤلاء المقطَعين كلهم في العدل والإحسان بحسب الإمكان يجزيه الله على ما فعل من الخير، ولا يعاقبه على ما عجز عنه، ولا يؤاخذه بما يأخذ ويصرف إذا لم يمكن إلا ذلك: إذا كان ترْك ذلك يوجب شرًّا أعظم منه… والله أعلم.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على مسألة تولي الوظائف لدى غير المسلمين مغلقة

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة – في مواجهة فكر التكفير

دفعاً لفكر التكفير الذي انتشر بين قليلي العلم والفقه ، وبياناً لعويص المسائل التي احتار في إدراكها البعض ، فاستبدلوا ولو عن حسن نية بالسلامة مركباً وعراً ليس له مع الصواب نسب ولا مع الحق وشيجة ؛ نقدم لإخواننا وأخواتنا الفصل التاسع وماتلاه ؛ مما كتبه حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله حول موضوع التكفير وهو بحث نفيس ، وقد سماه :

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة

الفصل التاسع: ما يتعلق به التكفير

قد فهمت من هذه التقسيمات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور: أحدها: أن النص الشرعي الذي عدل [ به ] عن ظاهره ، هل يحتمل التأويل أم لا ؟ فإن احتمل ، فهل هو قريب أم بعيد ؟ ومعرفة ما يقبل التأويل ، وما لا يقبل التأويل ليس بالهين ، بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة ، العارف بأصول اللغة ، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ، ومنهاجها في ضروب الأمثال. الثاني: في النص المتروك أنه ثبت تواتراً أو آحاداً أو ثبت بالإجماع المجرد ، فإن ثبت تواتراً فهل على شرط التواتر أم لا ؟ إذ ربما يظن المستفيض متواتراً ، وحدَّ التواتر ما لا يمكن الشك فيه ، كالعلم بوجود الأنبياء ، ووجود البلاد المشهورة وغيرهما ، وأنه متواتر في الأعصار كلها عصراً بعد عصر إلى زمان النبوة ، فلا يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار ، وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك ، كما في القرآن ، أما في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جداً ، ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ ، وأحوال القرون الماضية ، وكتب الأحاديث ، وأحوال الرجال ، وأغراضهم في نقل المقالات إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر ، ولا يحصل به العلم إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة في التوافق ، لاسيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب ، ولذلك ترى الروافض يدّعون النصَّ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في الإمامة ، لتواتره عندهم ، وتواتَرَ عند خصومهم في أشياء كثيرةٍ خلافُ ما تواترَ عندهم ، لشدّةِ توافُق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها. وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء ، إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد ، فيتفقوا على أمر واحد اتفاقاً بلفظ صريح ، ثم يستمروا عليه مرة عند قوم ، وإلى تمام انقراض العصر عند قوم ، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض ، فيأخذ فتاويهم في زمان واحد ، بحيث تتفق أقوالهم اتفاقاً صريحاً ، حتى يمتنع الرجوع عنه ، والخلاف بعده ، ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر ؟ لأن من الناس من قال: إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا فيحمل توافقهم على اتفاق ، ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك وهذا غامض أيضاً. الثالث: النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر ، أو هل بلغه الإجماع ؟ إذ كل من ولد بعدهم لا تكون الأمور عنده متواترة ، ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف ، وإنما يدرك ذلك شيئاً فشيئاً ، وإنما يعرف ذلك من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف وإجماع السلف ، ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين ، إذ لا يحصل الإجماع به ، وقد صنف أبو بكر الفارسي رحمه الله كتاباً في مسائل الإجماع ، وأنكر عليه كثيراً منه ، وخولف في بعض تلك المسائل ، فإذن من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد [التواتر] فهو جاهل مخطئ ، وليس بمكذِّب ، فلا يمكن تكفيره ، والاشتغال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير. الرابع: النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر ، أهو على شرط البرهان أم لا ؟ ومعرفة شروط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلَّدات ، وما ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم) وكتاب (محك النظر) أنموذج منه ، وتكلُّ قريحة أكثر فقهاء الزمان عن فهم شروط البرهان على الاستيفاء ، ولابد من معرفة ذلك ، فإن البرهان إذا كان قاطعاً ، رخص في التأويل وإن كان بعيداً ، فإذا لم يكن قاطعاً لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم. الخامس: النظر في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا ؟ فإن ما لا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل ، وإن كان القول شنيعاً وظاهر البطلان ، كقول الإمامية المنتظرة : إن الإمام مختف في سرداب ، وإنه ينتظر خروجه ، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جداً ، ولكن لا ضرر فيه على الدين ، إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك ، إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل الليل فيرجع إلى بيته خاسئا ، وهذا مثال ، والمقصود [منه] أنه لا ينبغي أن يكفر بكل هذيان ، وإن كان ظاهر البطلان ، فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقالات التي لا يستقل بآحادها [إلا] المبرزون ، علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره ، جاهل مجازف ، وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم ، وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم ، فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فأعرض عنه ، ولا تشغل به قلبك ولسانك ، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع ، لا يصبر عنها الجهال ، ولأجله كثر الخلاف بين الناس ، ولو سكت من لا يدري ، لقلّ الخلاف بين الخلق.

الفصل العاشر رد من كَفَّرَ بالتقليد

من أشد الناس غلواً وإسرافاً طائفة من المتكلمين كفَّروا عوام المسلمين ، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ، ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررناها ، فهو كافر ، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً ، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانياً ، إذ ظهر لهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعصر الصحابة ، رضي الله عنهم ، حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب ، كانوا مشغولين بعبادة الوثن ، ولم يشتغلوا بعلم الدليل ، ولو اشتغلوا به لم يفهموه ، ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام ، والأدلة المجردة ، والتقسيمات المترتبة فقد بعد عن الإنصاف ، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده عطية وهدية من عنده ، تارة ببينة من الباطل لا يمكنه التعبير عنها ، وتارة بسبب رؤيا في المنام ، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين ، وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته ، وتارة بقرينة حال ، فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحداً به منكراً ، فلما وقع بصره على طلعته البهية زادها الله شرفاً وكرامة فرآها يتلألأ منها أنوار النبوة قال : والله ما هذا بوجه كذاب وسأله أن يعرض عليه الإسلام ، فأسلم ، وجاء آخر إليه عليه السلام وقال : أنشدك الله آلله بعثك نبيَّاً ؟ فقال عليه السلام : \” إي وَاللهِ اللهُ بَعَثَنَي نَبِيَّاً \” فصدقه بيمينه وأسلم ، فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ، ولم يشتغل أحد منهم بالكلام ، وتعلم الأدلة ، بل كان يبدو نور الإيمان أولاً بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ، ثم لا تزال تزداد إشراقاً بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة ، وتلاوة القرآن ، وبصحبة أرباب القلوب ، فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن الصحابة رضي الله عنهم ، إحضار أعرابي أسلم ، وقوله له: الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الأعراض ، وما لا يخلو عن الحوادث حادث ، وأن الله تعالى عالم بعلم ، وقادر بقدرة زائدة على الذات ، لا هي هو ولا هي غيره ، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين ، ولست أقول : لم تجر هذه الألفاظ ولم يجر أيضا ما معناه معنى هذه الألفاظ ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف ، وجماعة من الأسارى يسلمون واحداً واحداً بعد طول الزمان ، أو على القرب ، وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة عُلِّموا الصلاة والزكاة ورُدّوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم ، أوغيرها . نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذِكْرُ أدلة المتكلمين أحدَ أسباب الإيمان في حق بعض الناس ، ولكن ليس ذلك بمقصورٍ عليه ، وهو أيضا نادرٌ ، بل الأنفع الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن ، فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين ، فإنه يشعر نفوس المستمعين بأنه فيه صنعة جدلٍ لِيَعجزَ عنه العامّيّ ، لا لكونه حقا في نفسه وربما يكون ذلك سببا لرسوخ العناد في قلبه ، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من اعتزال أو بدعة إلى غيره ، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخر حتى في القتال بالسيف ، ولذلك لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ، ويشتغل بالبحث والسؤال ، وإذا تركنا المداهنة ومراقبة الجوانب صرّحنا بأن الخوض في الكلام حرامٌ لكثرة الآفة فيه إلا لأحد شخصين : رجل وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام قريب وعظيّ ، ولا بخبر نقليّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يكون القول المرتب الكلاميّ رافعا شبهته ، ودواءً له في مرضه ، فيُستعمَل معه ذلك ويحرِسُ عنه سمعُ الصحيح الذي ليس به ذلك المرض ، فإنه يوشك أن يحرّك في نفسه إشكالاً ، ويثير له شبهة تمرِّضُهُ ، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح . والثاني : شخص كامل العقل ، راسخ القدم في الدين ، ثابت الإيمان بأنوار اليقين ، يريد أن يحصِّل هذه الصنعة ليداوي بها مريضاً ، إذا وقعت له شبهة ، وليفحم بها مبتدعا إذا نبغ ، وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدع إغواءه ، فتعلُّمُ ذلك بهذا العزم كان من فروض الكفايات ، وتعلُّمُ قدرَ ما يزيلُ [به] الشك ويدرأ الشبهة في حق المشكل فرضُ عينٍ إذا لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق آخر سواه ، والحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، واشتمل عليه القرآن اعتقاداً جزماً فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته ، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على التزلزل بكل شبهة ، بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع ، أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها ، وتمام تأكده بملازمة العبادة والذكر ، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى ، وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا ، وملازمة ذكر الله تعالى دائماً تجلت له أنوار المعرفة ، وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليداً عنه كالمعاينة والمشاهدة ، وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات ، وانشراح الصدر بنور الله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه) [الزمر : 22 ] ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شرح الصدر فقال : (نور يقذفه في قلب المؤمن ، فقيل : وما علامته ؟ قال : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود) فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا ، المتهالك عليها ، غير مدرك حقيقة المعرفة ، ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعاً.

الفصل الحادي عشر بيان حقيقة ما به الكفر

لعلك تقول : أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية ، والشارع صلوات الله عليه هو الذي ضيَّق الرحمة على الخلق دون المتكلم ، إذ قال عليه السلام : ( يقول الله تعالى لآدم عليه السلام يوم القيامة : يا آدم ابعث من ذريتك بُعَثَ النار فيقول: يارب من كم ؟ فيقول : من كل ألف ، تسعمائة وتسع وتسعين ) وقال عليه الصلاة والسلام : (ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ). الجواب : أن الحديث الأول صحيح ، ولكن ليس المعني به ، أنهم كفار يخلدون في النار ، بل إنهم يدخلون النار ، ويعرضون عليها ويتركون فيها بقدر معاصيهم ، والمعصوم من المعاصي لا يكون في الألف إلا واحداً وكذلك قال الله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) ثم بعث النار عبارة عمن استوجب النار بذنوبه ، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة ، كما وردت به الأخبار ، وتشهد له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله تعالى ، وهي أكثر من أن تحصى ، فمنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فابتغيته ، فإذا هو في مشربة يصلي ، فرأيت على رأسه أنوارا ثلاثة ، فلما قضى صلاته قال : ( مُهَيِمٌ من هذه ؟ قلت أنا عائشة يا رسول الله ! قال : أرأيت الأنوار الثلاثة ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : إنَّ آتٍ أتاني من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، ثم أتاني في النور الثاني آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، ثم أتاني في النور الثالث آتٍ من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا المضاعفة سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، فقلت : يا رسول الله لا تبلغ أمتك هذا قال : يُكْمَلُون لَكُم من الأعراب ممَّن لا يصوم ولا يصلي )[ملاحظة : يحتاج الحديث إلى تحقيق] . فهذا وأمثاله من الأخبار الدالة على سعة رحمة الله تعالى كثيرٌ ، فهذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، وأنا أقول [ إن ] : إن الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة وإن كان أكثرهم يعرضون على النار ، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو في ساعة ، وإما في مدة حتى يطلق عليهم بعث النار ، بل أقول : إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك ، ولم تبلغهم الدعوة ، فإنهم ثلاثة أصناف : صنف لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً ، فهم معذورون ، وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم ، وهم الكفار الملحدون ، وصنف ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته ، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادعى النبوة ، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع تحدى بالنبوة كاذباً ، فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول ، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه ، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب. وأما الحديث الآخر : وهو قوله : (الناجية منها واحدة) فالرواية مختلفة فيه ، فقد روي الهالكة منها واحدة ولكن الأشهر تلك الرواية ، ومعنى الناجية هي التي لا تعرض على النار ، ولا تحتاج إلى الشفاعة ، بل الذي تتعلق به الزبانية لتجرَّه إلى النار فليس بناج على الإطلاق ، وإن انتزع بالشفاعة عن مخاليبهم ، وفي رواية كلها في الجنة ، إلا الزنادقة ، وهي فرقة ، ويمكن أن تكون الروايات كلها صحيحة ، فتكون الهالكة واحدة ، وهي التي تخلد في النار ، ويكون الهالك عبارة عمن وقع اليأس عن خلاصه ، لأن الهالك لا يرجى له بعد الهلاك خير ، وتكون الناجية واحدة ، وهي التي تدخل الجنة بغير حساب ولا شفاعة لأن ( من نوقش الحساب فقد عذب ) فليس بناجٍ إذاً ، ومن عُرِّض للشفاعة فقد عرض للمذلة فليس بناج [ أيضاً ] على الإطلاق ، وهذان طريقان وهما عبارة عن شر الخلق وخيره ، وباقي الفرق كلهم بين هاتين الدرجتين ، فمنهم من يعذب بالحساب فقط ، ومنهم من يقرب من النار ثم يصرف بالشفاعة ، ومنهم من يدخل النار ثم يخرج على قدر خطاياهم في عقائدهم وبدعتهم ، وعلى كثرة معاصيهم وقلتها ، فأما الهالكة المخلدة في النار من هذه الأمة فهي فرقة واحدة ، وهي التي كذبت وجوَّزت الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلحة. وأما من سائر الأمم : فمن كذَّبه بعدما قرع سمعه على التواتر خروجه وصفته ومعجزاته الخارقة للعادة ، كشق القمر ، وتسبيح الحصا ، ونبع الماء من بين أصابعه ، والقرآن المعجز الذي تحدَّى به أهل الفصاحة ، فعجزوا عنه ، فإذا قرع ذلك سمعه فأعرض عنه ، وتولى ، ولم ينظر فيه ، ولم يتأمل ، ولم يبادر إلى التصديق ، فهذا هو الجاحد الكاذب ، وهو الكافر ، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد الإسلام ، بل أقول : من قرع سمعه هذا ، فلا بد أن تنبعث منه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين ، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، فإن لم تنبعث فيه هذه الداعية ، فذلك لركونه إلى الدنيا ، وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين ، وذلك كفر ، وإن انبعثت الداعية ، فقصًّر عن الطلب فهو أيضاً كفر ، بل ذو الإيمان بالله واليوم الآخر من أهل كل ملة لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة ، فإن اشتغل بالنظر والطلب ولم يقصِّر فأدركه الموت قبل تمام التحقيق فهو أيضاً مغفور له ، ثم له الرحمة الواسعة ، فاستوسع رحمة الله تعالى ، ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية . واعلم أن الآخرة قريب من الدنيا : ( فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) [لقمان : 28 ] فكما أن أكثر أهل الدنيا في نعمة وسلامة أو في حالة يغبطها ، إذ لو خير بينها وبين الإماتة والإعدام مثلاً لاختارها ، وإنما المعذب الذي يتمنى الموت نادر ، فكذلك المخلدون في النار بالإضافة إلى الناجين ، والمخرجين منها في الآخرة نادر ، فإن صفة الرحمة لا تتغير باختلاف أحوالنا ، وإنما الدنيا والآخرة عبارتان عن اختلاف أحوالك ، ولولا هذا لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام معنى حيث قال : ( أوّلُ ما خطّ اللهُ في الكتاب الأوّلِ : أنا الله لا إله إلا أنا ، سبقت رحمتي غضبي ، فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فله الجنة ) . واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبق الرحمة وشمولها بأسباب ومكاشفات سوى ما سمعوه من الأخبار والآثار ، ولكن ذكر ذلك يطول ، فأبشر برحمة الله وبالنجاة المطلقة إن جمعت بين الإيمان والعمل الصالح ، وبالهلاك المطلق إن خلوت عنهما جميعاً ، وإن كنت صاحب يقين في أصل التصديق ، وصاحب خطأ في بعض التأويلات ، أو صاحب شك فيهما ، أو صاحب خلط في الأعمال ، فلا تطمع في النجاة المطلقة . واعلم أنك بين أن تعذب مدة ثم تخلى ، وبين أن يشفَعَ فيك من تيقنْتَ صدقه في جميع ما جاء به أو غيره ، فاجتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشفعاء ، فإن الأمر في ذلك خطِرٌ.

الفصل الثاني عشر في أن مآخذ التكفير من الشرع

قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع ، وأن الجاهل بالله كافر ، والعارف به مؤمن ، فيقال له : الحكم بإباحة الدم ، والخلود في النار ، حكم شرعي ، لا معنى له قبل ورود الشرع ، وإن أراد به أن المفهوم من الشارع أن الجاهل بالله هو الكافر ، فهذا لا يمكن حصره فيه ، لأن الجاهل بالرسول وبالآخرة أيضاً كافر ، ثم إن خصص ذلك الجهل بذات الله تعالى أو بجحد وجوده أو وحدانيته ولم يطَّرده في الصفات ، فربما سوعد عليه ، وإن جعل المخطئ في الصفات أيضاً جاهلاً أو كافراً لزمه تكفير من نفى صفة البقاء ، وصفة القدم ، ومن نفى الكلام وصفاً زائداً على العلم ، ومن نفى السمع والبصر زائداً على العلم ، ومن نفى جواز الرؤية ، ومن أثبت الجهة ، وأثبت إرادة حادثة [ لا ] في ذاته ولا في محل ، وتكفير المخالفين فيه . وبالجملة يلزم التكفير في كل مسألة تتعلق بصفات الله تعالى ، وذلك حكم لا مستند له ، وإن خصص ببعض الصفات دون بعض لم يجد لذلك فصلاً ومردَّاً ، ولا وجه له إلا الضبط بالتكذيب ، ليعم المكذب بالرسول وبالمعاد ، ويخرج منه المؤوّل ، ثم لا يبعد أن يقع الشك والنظر في بعض المسائل ، من جملة التأويل أو التكذيب حتى يكون التأويل بعيداً ، ويقضى فيه بالظن ، وموجب الاجتهاد ، فقد عرفت أن هذه مسألة اجتهادية.

الفصل الثالث عشر في أن من الناس من يكفِّر من يكفِّر من الناس

من قال إنما أكفّر من يكفّرني من الفرق . ومن لا يكفّرني فلا . وهذا لا مأخذ له : فإن قال قائل : علي رضي الله عنه أولى بالإمامة إذا لم يكن كفراً ، فبأن يخطئ صاحبُهُ ويَظُنَّ أن المخالف له فيه كافر ، لا يصير كافراً ، وإنما هو خطأ في مسألة شرعية ، وكذلك الحنبليّ إذا لم يكفر بإثبات الجهة ، فلم يكفر بأن يغلط ، أو يظن أن نافي الجهة مكذِّبٌ ، وليس بمتأول ، وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \” إذا قذف أحد المسلمين صاحبة بالكفر فقد باء به أحدهما \” معناه أن يكفّره مع معرفته بحاله ، فمن عرف مَنْ غيرَهُ أنه مصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يكفّره فيكون المكفِّرُ كافراً . فأما إن كفّره لظنه أنه مكذِّب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا غلَطٌ منه في حال شخص واحد إذ [ قد ] يظن به أنه كافر مكذب وليس كذلك ، وهذا لا يكون كفراً . فقد أفدناك بهذه الترديدات التنبيهَ على أعظم الفَورِ في هذه القاعدة ، وعلى القانون الذي أن يُتَّبَع فيه ، فاقنع به والسلام.

كُتب في المناهج | التعليقات على فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة – في مواجهة فكر التكفير مغلقة

حديث الشيخ (1)

هذه القصة مؤثرة جداً في النفس ومناسبة للشباب وقد أعادت الكثيرين إلى الله
داود بن سليمان العبيدي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :

كان صاحبي يسار بن صادق بن عبد ربه البغدادي ، شابًا غلبته نفسه وتمكنت منه شهوته ، فانصرف عن أمور آخرته إلى دنياه ، وعن التجارة الرابحة إلى التجارة الخاسرة ، وعن مدارج السالكين العارفين ، إلى مباذل الغافلين الخاسرين ..!!

ولم يكن من قبل هذا حاله ، وما كان أحد من أصحابه يظن أنه إلى هذا سيكون مآله ، لأنه كان قد نشأ في طاعة الله ، واشتهر بورعه وتقاه ، حتى عرف بين أقرانه بالراهب ، وسمَّاه بعضهم : (( حمامة المسجد )) هذا ما ذكره لنا الشيخ الثقة أبو العرفان ، وبالله تعالى التوفيق .

وسبحان الله ، ثم سبحان الله ، كيف تتغير النفوس من حال إلى حال ، وكيف تصاب الروح المؤمنة القوية بالهزال ؟! كنت والله أغبط هذا الفتى على ما أوتي من ورع وتقى ، وتوفيق إلى الخير وهو في ريعان الصبا .. فقد قرأ كتب الأولين ، ونال حظًا وافرًا من العلم والدين ، وتأثر بالحسن البصري ومالك وابن دينار ، وطاووس وحبيب العجمي ، رحمهم الله أجمعين .. وقرأ كتب أبي حامد الغزالي حتى قال : ليس من الأحياء من لم يقرأ الإحياء ! ولقد سمعت صاحبه أبا الحسن يقول :

– سيقوم يسار في الآخرين ، مقام عبدالرحمن القس في الأولين .! وكان كثير الصمت ، قليل الكلام ، فإذا تحدَّث ، تحدَّث همسًا أو ما يشبه الهمس ، ولكن حديثه ينفذ إلى القلب ، فيه الحلاوة والطلاوة ، بسحر السامع ويأخذ بلبه ، ويستولي عليه ، فلا يدري أهو أسير حديثه أم أسير محدثه !

وكان قد أسر بأحاديثه هذه ، جارية فارسية يقع بيتها في نهاية سوق الخبازين ، قريبًا من بيت أبي الحسن الورَّاق صاحب المصنفات المعروفة .. أسرها بأحاديثه ، وأسرته بجمالها ورقتها وعذوبة صوتها .. فأخذ يتردد عليها كثيرًا ، حتى ملأت نفسه ، وملكت قلبه ، فشغف بها ، وشغفت به ، فلم تعد تصبر على فراقه يومًا أو بعض يوم !!

ولكنه على ما ينقل الثقات ، قد أمسك بلجام نفسه ، وسيطر على دوافع شهوته ، فلم يطأ محرمًا قط .. وتحدث إلى غير واحد ، أنه كان يذهب إلى بعض مجالس الشباب الخالية ، الذين يسهرون الليل على صوت الدف والغناء وكؤوس الخمر ، ولكنه لا يشربها .

ووالله إني لفي حيرة ، كيف استطاعت هذه الجارية الفارسية أن تسحره ، وتستولي عليه ، وتسلبه عقله ولبه ؟! ولكننا لا نستطيع الآن أن نصب عليه اللوم ، ولابد من الرجوع إلى أقوال أهل الخبرة من القوم فقد كان أبو العرفان يصب اللوم الشديد على من صار بها ولهان .. وما إن ترددت الجارية على دكانه عددًا من المرات حتى نظم فيها قصيدة عنوانها (( أوقعتني في الحب )) .

فإذا كان هذا الرجل ، وهو على ما نعلم من علو القدم ، يقع في هواها ، وينظم قصيدة بمعناها ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، ونعوذ بالله من فتنة النساء .

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :

ولقد علمت بتفاصيل القصة بعد حين ، وحدثني بها من لا أتهم في عقل ولا دين ، وذكر لي كيف بدأت الحكاية ، وكيف سار صاحبنا يسار في طريق الغواية ، وسأذكرها كلها من البداية إلى النهاية ، وهي والحق يقال ، لو اطَّلع عليها البشر ، لكانت عبرة لمن اعتبر .

وسنبدأ بذكر الشيوخ الذين روينا عنهم هذه الأخبار ، وهم أصحاب الفضل في نقل كل ما جرى ودار .. فأولهم الشيخ أبو الحسن الورَّاق ، صاحب المصنفات المعروفة ، وهو أشهر من أن يشير إليه بنان ، أو يتحدث عنه لسان ، ثم الشيخ أبو العرفان بن علي ، وقد اشتهر برواية الشعر والأدب والأخبار .. وكان أطول من القصير ، بدينًا ليس بإفراط ، وكان إذا تحدّث جذب إليه آذان مستمعيه ، لما يأتي به من كل جديد وطريف . ثم الشيخ جواد بن جعفر بن حسن ، وهو أحد شيوخ الرسامين في بغداد ، وقد حدثني غير واحد ، أنه استطاع أن يرسم جانب الرصافة الممتد من المدرسة المستنصرية في انحدار النهر إلى ما شاء الله تعالى . وكانت صورة بارعة يقال إنه لم ينته من رسمها بعد .

هؤلاء هم من روينا عنهم هذه الأخبار ، وغيرهم ممن لم نثبت أسماءهم رغبة في الاختصار .. وبالله تعالى التوفيق وله وحده الفضل والمنة ، والحمد لله عدد آناء الليل وأطراف النهار .

 

 

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :

كان أبو الحسن الورَّاق شديد الإعجاب بصاحبنا يسار ، وكان يرى فيه مثال الورع والتقى ، وأنه من جملة السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله ، يوم لا ظل إلا ظله .

وعندما حدث ما حدث ، وانحدر يسار إلى ما انحدر إليه ، تأسف أبو الحسن كثيرًا ، وأخذ يضرب كفًا بكف ويقول :

– لا حول ولا قوة إلا بالله .. والله إنها لمصيبة ، والله كنت أظن أن إبليس أعجزُ من أن يصل إليه ، أو ينال منه .. ولكن هذه الجارية !!.

ولقد ذكر بعض شيوخنا حفظهم الله ، أن الجارية الفارسية كانت في غاية الحسن والجمال ، وكانت إلى ذلك تتقن عددًا من الفنون وتتكلم اللغة العربية مشوبة بلكنة أعجمية تزيد من كلامها رقة وعذوبة وتجذب إليها القلوب ، وتستهوي أصلب الرجال عودًا ..

ويقسم أبو الحسن الورَّاق ، إنه لم ير الجارية ، ولم يرفع إليها نظره ، وإن كان دارها قريبًا من داره ، وهو يقول :

– رب نظرة أورثت القلب ألف حسرة .

ويتمثل بالآية الكريمة : } قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم { .

وبداية القصة ، كما أخبرنا بها الشيخ أبو محمد المؤيد بالله … أنه كان يُعقد في بيت الجارية ، مساء الثلاثاء من كل أسبوع ، مجلس للطرب واللعب والغناء ، وكان يحضره شباب من القوم ، منهم أبو محمود حكيم بن محمود ، وحسَّان بن معيقيب ، وحبيب بن مسعود الجصاص ، وغيرهم ممن لم يتذكر أسماءهم الشيخ .. ونعوذ بالله من الخطأ والنسيان .

وقد تأخر ذات يوم عن الحضور في الوقت المعين ، سعيد بن منصور الذي يقع بيته قريبًا من سوق العطَّارين ، مقابل بيت الشيخ أبي العرفان ، بهذا أخبرنا الشيخ حفظه الله .

قال ، وعندما حضر بادره الجميع بقولهم :

– أين كنت ؟

فأجابهم وهو يتخفف من بعض ملابسه ، وعلامات التأثر بادية على وجهه :

– التقيت هذه الليلة بيسار ..

وسرت في نفوس القوم هزَّة خفية ، وساد المكان سكونٌ شامل ونظرت الجارية بعينيها اللوزيتين ، وقاربت ما بين حاجبيها ، وسألت .

– ومن يسار هذا ؟

فأجابها حبيب بن مسعود ، وكان على صلة قديمة بيسار :

– أنا أعرف القوم بحاله .

وأخذ يحدثها بكل ما يعرف عنه ، عن علمه وورعه ، وزهده وتواضعه وعن حسنه وأخلاقه وعذوبة منطقه .

وسكت قليلاً ، ثم أضاف قائلاً :

– نظرة واحدة إليه تكفي لاستيعاب كل ما كتبه الزهاد .. فما حوى الكتاب بين دفتيه ، ترينه في هذا الفتى الذي يسير على قدميه .

وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وقال :

– ذلك الرجل عرف الطريق إلى ربه ..

قال أبو العرفان : فأنصتت الجارية بكل اهتمام ، وأخذت بما سمعت ، وعزمت في قرارة نفسها على أن تحظى به ..

كانت غرفة الاستقبال مفروشة بالسجاد العبقري الموشى ، والستائر خضراء تتخللها خيوط صفراء بلون الذهب ، والقناديل الملونة تتدلى من السقف وهي تتمايل سكرى . وفي زوايا الغرفة قناديل أخرى تفوح منها رائحة المسك .

ومالت الجارية برأسها ، وسألت حبيب بن مسعود :

– هل هو متزوج ؟

واستطاع أبو محمود ، وكان حاضر النكتة ، سريع البديهة ، يتقن اللغة التركية ، وعددًا من اللغات الأعجمية ، وكان قد سافر إلى بلاد شارلمان وجرت له من الحوادث ما لا يتسع المجال لذكرها .. قال ، وكان يتحف الحاضرين بما رأى في تلك البلاد ..

استطاع أبو محمود أن يدرك ما يدور في خلد الجارية ، فقال وهو يضحك :

– لا سبيل لك إلى يسار .

فالتفتت إليه متحدِّية وقالت :

– سوف ترى ..

وسكتت قليلاً ثم أضافت :

– وإذا استطعت أن أحضره إلى هنا ؟

فنهض أبو محمود وهو يضحك ، وأخرج ألف دينار ضرب بها المنضدة وهو يقول مشجعًا :

– ما هاهنا لك إذا استطعت أن تفعلي .

فصاح حبيب بن مسعود :

– اتقوا الله ، واتركوا الرجل في عالمه .

واسترسل أبو محمود ضاحكًا وهو يقول :

– سوف يأتي إلى هنا .. سأسقيه الخمر بيدي .

ورفعت الجارية يدها ، تتحسَّس القرط اللؤلئي الذي يزين أذنها ، ثم نادت الخادم ، فأقبل ، طويلاً دون المشذب أسود ، جميل التقاطيع .. أحضر لها رقعة ، كتبت عليها شيئًا وطوتها بعناية فائقة ، ولفَّتها في منديلها المعطَّر ، ثم التفتت إلى سعيد بن منصور وقالت :

– أين نجد يسارًا في هذه الساعة ؟

فأجابها وهو يشير بيده :

– رأيته متجهًا إلى بيت القاضي بعد صلاة العشاء .

فنهض حبيب بن مسعود ، واقترب منها يريد أخذ الرقعة من يدها وهو يقول :

– لا تفعلي .. بالله عليك .

ولكنها ضحكت ودفعت يده بيدها اليسرى ، فرنت الأسورة التي تزين يدها ، ثم مالت فأسرَّت في أذن خادمها شيئًا ، ثم ناولته الرقعة ..

وقبل أن يخرج صاح حبيب بن مسعود منفعلاً ، وأخذ يردد :

– إن دون الوصول إلى اليسار سبعة أبواب عليها سبعة أقفال من حديد .

قال أبو الحسن الورَّاق : وما هي إلا ساعة ، حتى عاد عربيد بوجهٍ جامد خالٍ من التعبير . وناولها المنديل دون أن يتفوَّه بكلمة . فأخرجت الرقعة ، وألقت عليها نظرة خاطفة ، ثم قفزت بثوبها الأبيض الفضفاض ، وشعرها الأسود الطويل وهي تحمل الرقعة بيدها اليمنى وتقول :

– هذا هو القفل الأول قد انفتح .

وعلت الدهشة وجه حبيب ، ولم يصدق سعيد بن منصور أذنيه ، وبقي حسَّان بشعره المجعَّد وعينيه الخضراوين ينظر إليها دون أن ينطق ، أما أبو محمود ، فقد أخذ يصفق ويصيح :

– ألم أقل لكم .. سأسقيه الخمر بيدي ..

وانفجر حبيب بن مسعود ، وقد التهب وجهه الصغير بالغضب ، وضرب بقبضة يده على المنضدة وهوَّل يقول :

– مستحيل ..

قال أبو الحسن الورَّاق : أما الجارية ، فقد استمرت كالفراشة الجميلة تدور في المكان ، وهي تحمل الرقعة بيدها وتقول :

– هذا هو القفل الأول قد انفتح .. انظروا ..

وألقت الرقعة على المنضدة ، فتسابقت الأيدي للحصول عليها والاطِّلاع على ما فيها ..قال وهو يؤكد :

– بل هذه فرصتك .
فأصرَّت وهي تتراجع :
– أبدًا . أبدًا ..
قال وهو يخفض صوته :
– ألم تكبتي له ؟
قالت : بلى .. ولكن ..
ولمعت عيناه ، فقاطعها قائلاً :
– اسأليه الآن ..
ولم تفهم ما يريد ، فأسرعت تقول له :
– ماذا أسأله .. ما الذي تريدني أن أسأله ؟
وأشار بيده وقال :
– ألم تكتبي له ترغبين في مقابلته .. وذكرت أن لديك مشكلة ؟
قالت : بلى ..
فصعق أبو محمود وقال حاثًا :
– اعرضيها الآن .. هذا أوانها .
ولكنها أشارت بيدها جازمة :
– ولكن ليست لديَّ مشكلة .
فضرب أبو محمود على المائدة وهو يتأفف وقال :
– المهم أن تقابلينه .. قولي له ..
وسكت قليلاً ، كأنه يريد أن يتذكر شيئًا ، ولكنه عاد فقال :
– لا تتكلمي على الإطلاق .
وسألته .. وقد تقارب ما بين حاجبيها :
– لا أتكلم .. حكيم هل أنت ..
فقاطعها ..
– قابليه .. قابليه فقط .. وأنا أدبر الأمر .
ثم أشار إليها فغادرة الغرفة . وخرج أبو محمود ، ثم عاد بعد قليل وهو يقد يسارًا أمامه ، ويرحب به ترحيبًا بالغًا ، ويتعذر عن تأخره .
ودخل يسار ، بسمت مهيب وعينين صافيتين ، ولحية تطوق وجهه فتبدوا عليه المهابة والجلالة والجمال ، وجلس في صدر المكان وقال :
– حدثني قبل أسبوعين سعيد بن منصور ، فذكر لي أن لديك رسالة بخط أبي حامد الغزالي كتبها لأحد تلاميذه جوابًا عن سؤاله .
وتغابى أبو محمود ، وهو ينظر إليه لا يحير جوابًا .. فأضاف يسار قائلاً :
– لقد ذكر لي أنَّها رسالة صغيرة ورثتها عن أبيك رحمه الله .
فهز أبو محمود رأسه وقال :
– لا أظن أن لدي مثل هذه الرسالة .
وسكت قليلاً ثم أضاف :
– سأنظر في الكتب ، لعلي أجدها .
وتوارى أبو محمود قليلاً ثم عاد يحمل كتـابًا كبيرًا ضخـمًا ، فتناوله يسار وأخذ يقلب صفحاته وقال :
– هذا كتاب إحياء الدين ، بخط الناسخ عماد الدين السمرقندي ..
ثم رفع رأسه وأخذ يوضح :
– إن الذي أريده .. رسالة صغيرة قليلة الصفحات عنوانها (( أيها الولد )) كتبها الغزالي رحمه الله لأحد تلاميذه .
فتبسم أبو محمود وقال متعذرًا :
– أنت تعلم إني لا أحجب عنك شيئًا مهما كان عزيزًا ..
ثم رجع إلى الوراء وقال :
– سأعود للبحث عنها مرة أخرى ..
وقبل أن يذهب ، وقف وقال بلهجة أقرب إلى الرجاء :
– إن هنا من يرغب في مقابلتك .. إذا سمحت ؟
فتبسم يسار وقال :
– ليتفضل ..
وتوارى أبو محمود مرة أخرى ، بينما استمر يسار يقلب صفحات الكتاب الكبير ، ويقرأ بعض التعليقات والحواشي التي دوَّنها بعض النساخ عليه .
ودخلت سرشير .. تمشي على أطراف أصابعها ، بثوب طويل أبيض رفراف ، وشعر أسود طويل مجدول ، وعينين كحيلتين ، ووجه كالورد ، دخلت وهي في حالة رغيبة رهيبة ، وخطوات مقبلة مدبرة ، ونظرة شهية حيية ..
دخلت سرشير .. حتى إذا توسَّطت الغرفة رفعت صوتها بالسلام .
ولم يكن يسار قد شعر بها وهي تدخل ، ولكنه عندما سمع صوتها رفع رأسه عن الكتاب ..
والتقت العينان .. عيناه المغسولتان بماء الوضوء ، بعينيها النجلاوين الكحيلين ، فغضَّ بصره وعاد ينظر في الكتاب المفتوح بين يديه وقال :
– ما الذي جاء بك ؟
فجلست مطرقة كأنها بين يدي مؤدب ، وقد تدلَّت الضفائر السوداء على صدرها ، وعقد اللؤلؤ احتضن جيدها ، والتفت الأسورة الذهبية بشوق حول معصميها.. وغطى الثوب الأبيض قدميها.
ثم رفعت رأسها ، تمنَّت لو نظر إليها ، لو عاد ينظر إليها مرة أخرى .. فقد رأت في صفاء عينيه ونظراته ، وفي وجهه الذي تزينه اللحية ، نورًا أخَّاذًا لم ترم مثله في وجوه الرجال الذين تعرفهم .
ودون أن يرفع رأسه عن الكتاب ، قال مرة أخرى :
– ما الذي جاء بك ؟
ولكنها لم تجب ، وبقيت تنظر إليه بخشوع .. كلا .. ما هذا بشرًا .. آه لو كان جميع الرجال مثل يسار ..
ونسيت المهمة التي جاءت من أجلها ، كانت تريد أن تأسره فإذا بها أسيرة بين يديه .. أسيرة دون أن يدري آسرها بها !!
وانتظر يسار أن تجيب ، وأراد أن ينهي المقابلة بأسرع وقت فقال :
– لقد ذكرت في رقعتك بأن لديك مشكلة ..
وبدت حزينة أسيفة ، كأنها ندمت على ما أقدمت ..
ورفع رأسه يريد حثها على الكلام فقال :
– ألا تريدين أن تتكلمي ؟
والتقت العينان مرة أخرى.. نظرة بريئة متسائلة، ونظرة حزينة لوجه فتاة كأنه وجه طفلة جميلة.
واستحثَّها يسار :
– تكلَّمي ..
ولكنها انفجرت بالبكاء ، واحتضنت وجهها بكفَّيها ، ثم أسرعت تغادر الغرفة .
ما الذي أبكى الجارية ؟ ما هي المشكلة التي تعاني منها والتي لم تستطع البوح بها ؟ ولماذا تريد أن تعرضها عليه دون غيره ، وهو لم يعرفها ، ولا سمع بها من قبل ؟!!
وانتظر أبو محمود ساعة ، ثم دخل وهو يحمل بيده الرسالة التي سأل عنها يسار ، وقال وهو يناوله إيَّاها :
– أهذه التي أردت ؟
وتناولها شاكرًا ، وأخذ يقلب صفحاتها ، وينظر فيها ثم رفع رأسه ينظر إليه بامتنان زائد وقال :
– إنها هي .. لا أدري كيف أشكرك .
وتبسَّم أبو محمود وهو يتصنع الخجل وقال :
– بل أنا الذي أشكرك .. لأنك تكرمت علينا بهذه الزيارة .
ونهض يسار وهو يشد على يد أبي محمود وقال :
– سأعيدها لك بعد يومين .
قال أبو محمود ، وهو يحتفل به ويوصله إلى الباب :
– أرجو أن تقبلها هدية ..
ثم أضاف :
– ليتك تزورنا كل يوم .
قال أبو الحسن الورَّاق : ومضى يسار إلى بيته ، وفي الطريق أخذ يفكر في أمر الجارية ، ماذا تكون هذه المشكلة التي أحزنتها وآلمتها وجعلتها لا تستطيع الكلام بها .. واستحضر صورتها الجميلة وهي تدخل ، وصورتها وهي تنظر إليه حزينة أسيفة ، وصورتها وهي تبكي .. إنه لم ير في حياته فتاة في مثل جمالها ، بروعتها ، بفتنتها .. لقد وقفت على دكان أبي على الأصفهاني ، وكلمته بالفارسية ، يا لعذوبة صوتها وروعة نغمتها ..
وقبل أن يصل إلى البيت ، تذكر حديث الشيخ ، ويوسف الصديق ، وخيَّل إليه كأنه يسمع الشيخ يحذره ، فأسرع الخطو .. وطرق باب بيته ، وفتحته أخته الصغيرة سناء .. ونظرت إليه بعينيها الصافيتين ، وجهها البدري ، وابتسامتها اللطيفة الهادئة .. وسألته ؟
– أين كنت إلى هذه الساعة ؟
فاحتضن وجهها الصغير بيديه ، ثم ربت على شعرها الكستنائي وقال :
– هل صليت العشاء ؟
ونفرت من تحت يده ، كما ينفر الطائر ، وقالت :
– نعم .
وشعر يسار لأول مرة ، أن قلبه قد تكدَّر قليلاً ، فأسرع يتوضأ .. ثم وقف يصلي .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (1) مغلقة