قبس من علم الخطابة - 2

والكلمة أمانة


ما من سبب لبقاء المرض أقوى من اعتقاد المريض عدم إمكانية الشفاء ، ولقد سرت بين كثير من الخطباء فكرة مفادها أن خطبة الجمعة إنما هي فريضة تؤدى وليس لها كبير أثر في بناء المجتمعات.
إن هذا الوهم سببه الكسل أولاً ثم ضآلة العلم والزاد ثانياً ، و لايمكن لشيء أن يدمر العمل المثمر مثل الفكرة الفاسدة. إن الكلمة من أعظم أنواع القوة : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) .
ولقد كان المشركون يسدون آذانهم كي لاتصل حقائق الكلمات إلى قلوبهم ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون) . أما مصعب بن عمير فشيد أول دولة في الإسلام بالصدق في كلمة الحق التي يحملها. وبقيت كلمة ابن آدم مبدءاً في التفكير : “لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” . وأتت كلمات سيد الفصحاء محمد فكانت البلسم الشافي للبشرية من جاهليتها وانحرافها . “والكلمة الطيبة صدقة” كما يقول المعلم الهادي
. إن كلمات عمر تهز هزاً : “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً” ومازالت كلمة الإمام الحسين تدوي : “إن كان دين محمد لايستقيم إلا بقتلي فياسيوف خذيني” وكان القاضي الزبيري يعتقد اعتقاداً جازماً أن للقلم صولة عظمى في محاربة الفساد : (كنت أحس إحساساً أسطورياً بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان) .
أما هيوستن فوقف عام 1830 ليخطب في الكونغرس خطبة بليغة لم يستعمل فيها كلمة مرتين ؛ فسحر الألباب ، ومن بعده كلف بأمر لاينتهي إلا بحرب ، فأنهاه من دون طلقة واحده ببراعة لسانه! . وأجاد الجاحظ إذ قال : (وأحسن الكلام ماكان قليله يغنيك عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه ، وكان الله - عز وجل - قد ألبسه من الجلالة ، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع ؛ بعيداً عن الاستكراه ومنزهاً عن الاختلال ، مصوناً من التكلف ؛ صنع صنيع الغيث في الأرض الكريمة ، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ، ونَفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ، ومنحها من التأييد مالا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة ، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة) . مع الكلمة لابد للخطيب من فكر صحيح يتحرك من خلاله ، لأن : “الفكر هو الذي يقود التقدم ، فلا يمكن لمجتمع أن ينهض مالم يتقدم الفكر لديه ، ويكن في وسعه توفير الأسس المنهجية والإصلاحية لذلك ، وتقوم تنمية الفكر على ثلاثة أسس رئيسة :

التعرف على المبادئ والمنطلقات الصحيحة التي تستخدم في التفكير ، إلى جانب معرفة بعض التقنيات التي تساعدنا على استخدام إمكانياتنا العقلية على نحو صحيح ، بالإضافة إلى تسليط الضوء على بعض الانحرافات عن سبيل التفكير المنهجي” . “ليس الفكر بديلاً عن المبادئ ولا العلم ولا التربية ولا الأخلاق بل هو شرط أساسي لصواب الحركة بها … وفكر في مشكلة : أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها …فالتفكير هو إعمال الإنسان لعقله من خلال ثقافته لإيجاد بدائل أوحل مشكلات أو كشف العلاقات والنسب بين الأشياء” .

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف المناهج. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.