كتاب : نحن والمسيحية في العالم العربي والعالم

عرض/ الحسن سرات

الأستاذ عز الدين عناية التونسي واحد من هؤلاء القلائل بدراسته الجديدة “نحن والمسيحية في العالم العربي والعالم” الصادرة عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء المغربية.

عز الدين عناية من مواليد 1966، يحمل الجنسية الإيطالية والتونسية، وهو أستاذ بجامعتي روما لاسابيينسا وأورينتالي بنابولي. كان تحصيله العلمي بجامعة الزيتونةفي بتونس وبالجامعة الغريغورية في روما، وهو متخصص في علم الأديان حيث كتب ما يربو عن 400 عمل بين مقال ودراسة بالعربية والإيطالية.

من أعماله المنشورة “الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري”، وترجم من الإيطالية والفرنسية إلى العربية بعض الكتب منها “علم الأديان.. مساهمة في التأسيس” لميشال مسلان، و”الإسلام الإيطالي.. رحلة في وقائع الديانة الثانية” لستيفانو أليافي، و”الإسلام في أوروبا” لإنزو باتشي، و”علم الاجتماع الديني.. الإشكاليات والسياقات” لإنزو باتشي أيضا.
والكاتب على وعي تام بالنقص الحاصل في مجال الدراسات المنهجية العلمية عن المسيحية في الثقافة العربية الراهنة، وذلك راجع في تقديره إلى “افتقاد علم كنسي أو علم مسيحيات، يستند إلى مرجعية ثقافية محلية” سواء بالمسيحية داخل العالم العربي أو المسيحية خارجه.

ويضيف الباحث أسبابا أخرى للإشكالية المسيحية، منها تشابك المسيحية المحلية مع إستراتيجيات الكنائس الخارجية، وحضور العنصر الدخيل المرتبط بالاستعمار مع العنصر الأصيل، وتحول المسيحية إلى مسيحيات.

ومنها “تفريط الثقافة العربية الحديثة في تطوير مباحث علم الأديان، وهو ما خلق وهنا في العقل عند التعامل مع هذه المواضيع ونظائرها”.

ولذلك يؤكد المؤلف منذ البداية أن عمله هذا “لا يزعم إقرار موقف عقائدي من المسيحية، بل يتطلع إلى ترشيد مسارات وعينا بالمسيحية العربية والمسيحية الوافدة، ضمن الحث على قراءة التاريخ والإلمام بالحراك الديني”.تشظي المسيحية العربية

ويعود بنا إلى الأزمنة القديمة مؤكدا أن من “أكبر المغالطات في تاريخ الأديان الحديث ما جرى من إقصاء للسيد المسيح عليه السلام عن امتداداته العربية، وإلحاقه بما اصطنع من مفهوم الأمة اليهودية والعرق اليهودي، حتى يردد بكون المسيح عبريا والحواريين الأوائل عبريين، وتنزع عن ذلك الإرث صلته المتجذرة بفضائه الحضاري التي يمثله أهالي الشام خير تمثيل”.

ويضيف أن “الدفعة الإسلامية كانت هائلة في (تقرأن) لسان النصارى وتعرب أقلامهم بمفهومه العربي الفصيح، مع المحافظة جزئيا على اللهجات العربية القديمة في العبادة”.

ففضل الإسلام على المسيحية العربية كان كبيرا لأنه حررها من الاستبداد الروماني والفارسي، “فأخذت تستعيد هويتها”، و”كان حضور الإسلام إنهاء وإيقافا للفوضى الدينية في الفضاء الإبراهيمي”.

ثم جاءت الحروب الصليبية ليبدأ تحلل الإطار الحضاري للمسيحية العربية وتدخل الكنيسة الشريدة في ليل طويل.
وبلغ الأمر أشده مع الاستعمار الحديث ومرافقة الكنائس الغربية له وتقاسمها للمستعمرات الدينية وتغيير لاهوتها وولائها، مع الكنيسة الكاثوليكية أولا، ثم مع الكنائس البروتستانتية لاحقا.

لذلك يحذر المؤلف كل الدارسين من مصادرة الحقيقة المغيبة عند مراجعة تاريخ الكنيسة التي غالبا ما طمستها كلمات البدعة والهرطقة.

ويدعو الباحث إلى تجديد المقاربة العربية للمسيحية العربية وتجنب حشرها مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية التي انتهكت كرامة الإنسان وفكره في عديد من المناسبات، “والحال أن المسيحية العربية لم تعرف طيلة تاريخها تلك الانتهاكات، ومن الخطأ تحميلها ما لم تفعله.

ولذلك لا بد من بناء كتابة تاريخية مستقلة للكنيسة العربية تجنبا للاتهامات العفوية الناتجة عن ذلك”.الانبعاثة الحقيقية

“والغريب أن المغرر بهم صدقوا ذلك، وراحوا يتملصون مما يربطهم بمهدهم الحضاري الشامل والرحب”.

ويؤكد الأستاذ عناية أن “المحنة الأساسية للمسيحية العربية واردة ممن يدعون أنهم حماتها وأوصياء عليها.. فمن سخرية القدر أن من يجلون -بضم الياء وسكون الجيم- يهجرون أتباع المسيح من دورهم وأراضيهم في العراق، فقد كان البلد يضم قبيل الحرب ما يربو على نصف مليون مسيحي، وتراجع العدد مع حملة اللاهوتيين المحافظين إلى ما يقارب مائتي ألف”.

وكذلك الحال في فلسطين، “فكلما دس الغرب أنفه في الشأن المسيحي العربي تكاثرت أشباه الكنائس وتفرق أمر حملة الصليب بينهم شيعا حتى تناثروا وكادوا أن يتواروا”.

وحتى لا يفهم كلامه خطأ، يوضح المؤلف أن حديثه “ليس دعوة تحض المسيحيين العرب على أن يقطعوا صلاتهم بإخوانهم في الدين من الغربيين وغير الغربيين، بل ما أود قوله هو أن المسيحي العربي ينبغي ألا يهون من شأن نفسه، فهو الوريث المباشر للمسيح قبل أن تتأورب المسيحية.. وفي اليوم الذي يتماهى فيه المسيحي العربي مع حضارته العربية الإسلامية، ستبدأ الصحوة الوجودية والانبعاثة الحقيقية للمسيحية العربية”.

الأنجلة في المغرب العربي
فبعد رحيل المستعمر، حاولت الكنيسة التخلص من تلك الصورة باتباع سياسة مغايرة، “فحثت الخطى في نزع الثوب القديم واستبداله بثوب الحوار”.

وهي تحاول “أن تعرض رسالتها في الراهن تحت مبرر الشهادة الاجتماعية، وتهدف إلى تحويل المجتمعات المغاربية إلى مجتمعات متقبلة للمسيحية، عبر مواضيع حرية المعتقد وحقوق المرأة وحقوق الإنسان”.

ورغم تأكيد المؤلف أن المسيحية تشهد تراجعا في القارة العجوز، وتبحث عن تعويض لها بين الشعوب الفاقدة للمناعة الثقافية، فإنه ينتقد بشدة غياب المؤسسات المعنية بالظواهر الدينية في المغرب العربي من حيث متابعة الدين الآخر.

فالمؤسسات الأكاديمية العربية أجهل المنابر العلمية بالديانات في الواقع الراهن، وهي تشكو من أمية قاتلة بالآخر الديني، في حين لا تكاد تخلو مؤسسة من المؤسسات الجامعية من الجانب الآخر في الغرب، من تدريس الإسلام بشتى أوجهه.

بل إن المكتبة العربية الحديثة لا تزال دون المكتبة التراثية في هذا المجال ولا تفي بحاجة الدارس، ولا تزيد معظم الكتب المنشورة عن مؤلفات موجهة للاستهلاك الشعبي لا أكثر.

وعبر تجربته الدراسية يزيد الباحث الأمر وضوحا، “فقد أوحت لي دراستي المحدودة للمسيحية في جامعة الزيتونة بتونس، أن تلك الديانة خرجت من المجتمع ولحقت بالمتحف في الغرب، وإذا بي أتبين حين نزلت بروما، أن الكنيسة تسيطر على شتى مناحي المجتمع بوسائل غير ما خيل لي”.

ويبرهن الباحث أن استقالة العقل الأكاديمي في المنطقة المغاربية والعربية من المتابعة العلمية للمسيحية، أدى إلى عدة تطورات أبرزها تحديات الأنجلة للهوية الإسلامية في المنطقة، بعدما ظننا أن تلك المخاطر قد ولت إلى غير رجعة.أزمة العقل الديني الغربي

ولعل هذا الوهن هو ما جعل الكنيسة تتعثر حتى الآن في إرساء حلف ديني عالمي رغم توفرها على قدرات هائلة مؤسسية وتكنوقراطية ومالية.

أما داخليا، فإن الكاثوليكية والبروتستانتية معا تحتكران المجال الديني فلا تسمحان بأي هامش للآخر الديني، وتسعيان إلى بناء سلطة عالمية توجه من خلالها المسيحية الواقعة خارج الفضاء التقليدي الغربي والتحكم بمصيرها. كما أن الإسلام الحاضر حديثا في أوروبا صار عقبة صعبة للمسيحية تسعى لتجاوزها بطرق مختلفة كالتضخيم والتخويف وتحريض العلمانية عليه.

ومن أهم مظاهر الأزمة العقلية الدينية المسيحية ما سماه الكاتب “أزمة المعنى”، ويقصد به حيرة الكنيسة المركزية بين بسط نفوذها الاجتماعي في بلدانها الأصلية وتخليها عن تجديد اللاهوت، وبسط هيمنتها على كنائس الأطراف التي تصر على تقديم تأويلها للنص، فظهرت طروح “الكنيسة السوداء” و”المسيح الأسود” و”اللاهوت النسوي” و”لاهوت التحرر”.

وهذا ما دفع كنائس الأطراف إلى محاولة التملص من سلطة روما خشية الاغتراب عن الواقع نتيجة التمسك بالمركز.

الإنجيليون والعرب
ولذلك يقدم الإنجيليون أنفسهم في العالم العربي بوجه إنساني لم يشارك في الأنظمة الاستعمارية الغربية كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية.

ولكنهم في المقابل يقدمون السند القوي للسياسة الأميركية المتصلبة التي تجد تعليلاتها وتفسيراتها في ثنايا الخطاب الديني المتشدد المتحكم في النسيج الاجتماعي، والمؤثر في القرار السياسي الفوقي.

لذلك يبقى شعار “المسيح هو الحل” بين التيارات المتشددة مرشحا لمزيد من الضغط، ومد السياسة بما تحتاجه من هواجس تجاه الآخر.خلاصة

وقد تمكن الباحث الجامعي عز الدين عناية من إقناع القارئ بأهمية فهم الحراك الديني المسيحي في العالم العربي والعالم الغربي، بعدما ساعدته إقامته العلمية والعملية على بعد أمتار فقط من الفاتيكان بقلب إيطاليا.

ولذلك يصبح كلامه مسموعا ورأيه نافذا لو وجد من يستفيد منه ويحوله إلى مؤسسات علمية قائمة تقدم الفكرة الصحيحة والتحليل الصائب لكل من يطلبه ويهتم به

المصدر: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B9ACD20B-7766-4DA8-ABD3-2DA2CC2BFA6D.htm
وعودا على بدء، فإن كتاب “نحن والمسيحية” فتح طريقا عربيا للبحث العلمي الهادئ حول الظاهرة الدينية عامة والمسيحية خاصة، ونبه العقل الأكاديمي العربي والمسلم إلى ضرورة تجديد المنهج في تناول الأديان المقارنة، ليكون على بينة مما يحدث في العالم، وليغادر حالة التلقي السلبية إلى حالة العطاء الإيجابية.

ويقارن المؤلف بين الكاثوليك والإنجيليين في مواقفهم من المجتمعات العربية، فيوضح أن الإنجيليين أقل إلماما وتجذرا في واقع تلك المجتمعات، مما خلق لهم عدة مغالطات وتقديرات خاطئة تبدي لهم العالم العربي أرضا يبابا، وأحيانا فوضى دينية ينبغي ترتيبها وإعادتها إلى الأصول المسيحية.
يخصص الباحث صفحات هامة من كتابه للحديث عن أزمة العقل الديني الغربي، أزمة تتجلى حسب تحليله على الصعيد الخارجي وعلى الصعيد الداخلي. فخارجيا، تقف الكنيسة موقفا متناقضا في السياسة الدولية، إذ إنها تناصر المستكبر وتدعم المستضعف، “ولذلك تأتي مساعيها للحوار مع الحضارات الأخرى باهتة ومفتقدة لدعامة القوة.
أما في منطقة المغرب العربي، فإن وجود المسيحية ارتبط بالاستعمار ارتباطا وثيقا جدا، سواء قبل مجيئه أو عند حلوله، أو بعد استقراره مباشرة. وهي علاقة جعلت مهمتها شبه استعمارية، ولم تستطع بموجبها أن تتخلص من هذه الصورة إلا بعد فوات الأوان.
وعن مستقبل هذه المسيحية، ينبه الكاتب إلى أنه منذ أن ألحقت بالمسيحية الغربية قسرا وقهرا، صار المسيحيون العرب ينعتون بمسيحيي الشرق ويقدمون على أنهم كبش فداء، ثم توجه التهمة للإسلام والعرب.
يفتتح المؤلف حديثه بتسليط الضوء على ما وقع للمسيحية العربية من تحولات قديمة وحديثة أدت إلى تشظي هويتها وتفتت وحدتها وسيطرة الكنائس الغربية عليها.

قليلة هي الدراسات العلمية والفكرية عن المسيحية في العالم العربي، وقليل هم الخبراء الذين يقدمون معرفة خالية من التعصب والافتراء على المسيحيين عامة، والعرب خاصة، وما جرى لهم عبر التاريخ.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على كتاب : نحن والمسيحية في العالم العربي والعالم مغلقة

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 1

البحث التالي هو جزء من عدة مواضيع قام الباحث بالعمل عليها، ونال إثرها شهادة الدبلوم في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الأكاديمية السورية للتدريب والتطوير.

نشر البحث في موقع الأكاديمية : www.sia-sy.net مع بعض الاختصار التزاماً بشروط فنية، وفيه أخطاء طباعية عديدة، وهنا يعاد نشره كما كان قبل الاختصار.
العلاقة بين الطوائف المختلفة : سنية وعلوية ومسيحية وشيعية ودرزية واسماعيلية وغيرها، لماذا لا يتم حديث صريح حولها؟ وإلى متى ستبقى جدران التاريخ الصماء تفصل بينهم بالأوهام! يأمل الباحث أن يعالج موضوعه جزءاً من الموضوع الطائفي في سورية، وبطريقة سليمة ومتوازنة.
يهم الباحث توضيح عدة أمور: أولها أن التراحم أو التسامح لا يقصد به أي نوع من التمييع للمعتقدات والأصول التي يؤمن بها هو أو غيره، بل يعتقد أن الإيمان الحق هو رحمة واسعة وعظيمة للبشر جميعاً[1]، فالاختلاف والتنوع هو نوع من الغنى الإنساني الذي يزيد الحياة حيوية وقوة، وإن “الحضارة تتشكل من آلاف الألوان، والتمازج الثقافي ليس شيئاً سلبياً … وأنا المسلم مسرور جداً لأن بلادي سورية هي حصيلة عشرة آلاف سنة من الحضارة، ولها عشرات الألوان الجميلة … إنك ما دمت تعيش في هذا العالم فعليك أن تعلم أن قوة البشر هي في تعددهم، وليس في تطابقهم، فالألوان الكثيرة هي التي تعطي هذا العالم جماله الآخاذ، والتعدد من آيات الله العظيمة كما يقول القرآن الكريم: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)[2]….”[3].
(ولو شاءَ رَبُّكَ لجَعلَ النَّاسَ أمَّةً واحِدَةً)[4]، ولكنه قدر التنوع فيهم، والدنيا دار عمل صالح وتراحم ودعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا إكراه في الدين، وهناك في اليوم الآخر يحكم الله بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.
كما أن الباحث لا يقبل بعض الأفكار التي جانبها النضوج، والتي نتيجتها تأتي عكس المقصود، عبر تمييع ما يعتقده الناس، ومن خلال تصريحات دعائية عجولة تزيد تعقيد الأمور ولا ترسي شيئاً من التسامح بل تخلق جواً من التوتر والتباعد والحساسيات[5]، ويعتقد الباحث أن ما يدندن به البعض حول وحدة الأديان إنما هو حيلة لتمييع الأديان كلها ، تقودها جهات لا دينية تتلاعب بالجميع.
إهداء
إلى المبخوسَين حقهما حيين وميتين
العالمين الجليلين والمفكرين الإسلاميين الأصيلين
أحمد مظهر العظمة و محمد بن كمال الخطيب الحسني
وإلى رجال جمعية التمدن الإسلامي في كل زمان وأرض
أقدم عملي المتواضع

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية
والوعي الإسلامي تجاهها (جمعية التمدن الإسلامي نموذجاً)
كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

في أكثر بقاع العالم يمكن أن يشاهد بوضوح أثر السياسة الدولية في تحريك النزعات الطائفية، ولعل منها تصريح الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، قبل مدة، والذي حذر فيه من “أنه في حال فشلت أو انهارت الانتخابات السودانية واتفاق السلام، فمن شأن ذلك إشعال حرب أهلية وأخرى دينية إقليمية”[6]. إنها رسالة واضحة لا لإطفاء الحريق الذي يأكل جنوب السودان وغربها في دارفور،، بل تهيئة نفسية لإشعال النار، وتحقيق مخططات تمزيق السودان.

كما دهش المجتمع الدولي حقيقة للبعد الطائفي الذي تحرك من خلاله الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، بكلامه عن حرب صليبية جديدة! ثم بتصريحه: “إن الولايات المتحدة مدعوة إلى إيصال هدية الحرية التي منحها الرب لكل إنسان على وجه المعمورة”[7].

إن المتتبع لدور السياسة الدولية في السياسة في إثارة النعرات الطائفية، سيفهم جيداً لماذا كانت “باكورة أعمال الجنرال غورو إحداث دولة لبنان الكبير ثم تأسيس دولة العلويين، بموجب قرارين بتاريخ 31 آب 1920، ثم تلا ذلك إقامة دولة دمشق فدولة حلب وتبعها إقامة دولة الدروز بتاريخ 4 آذار 1921″[8]. بل إنه لن يدهش عندما يعلم أن السياسة الدولية للفرنسيين قد “طرحت فكرة اغتيال أحد عملاء الفرنسيين في سورية، لإجبار فرنسة على التدخل”[9].

هذا البحث الموجز ، سيظهر دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية، والوعي الإسلامي تجاهها، من خلال أداء جمعية التمدن الإسلامي، إحدى المنارات الإسلامية الرائدة في بلاد الشام.

مشكلة البحث: الطائفية هي إحدى العقد الحقيقية في مجتمعاتنا، ولايعتقد الباحث أن بإمكان السياسيين وقادة الرأي وعلماء الدين والموجهين الروحيين، أن يغيروا شيئاً من أحوال مجتمعاتهم البائسة تغييراً حقيقياً، مالم يكن هناك فكر قوي ينطلقون منه، فهل هناك محاولة ما، لم تتم الاستفادة منها؟ هذا ما سيحاول الباحث لفت الأنظار إليه، لا من خلال شيء يخترعه، بل من خلال تجربة إسلامية عريقة، استفاد منها، ويحاول أن يتابع الطريق من خلالها.
أهمية البحث: لأن سورية هي فسيفساء العالم وإحدى لوحاته الأجمل، فإن المصالح تتصارع حولها، ومن أخطرها مصالح السياسية الدولية التي تجد في الغرائز الطائفية وأوقات الغفلات فرصة للاقتحام، لذا فإن أي مشروع يهدف إلى التوحيد، ويتجاوز إشكاليات التاريخ، هو مشروع ضروري، سيحاول البحث عرضه، من أجل وطن حر ومنيع.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى توضيح التسامح، بل التراحم الطائفي الذي عاشته بلاد الشام، من خلال قلبها دمشق، وخلال عصور مديدة، والتركيز على نقاط التلاحم والتعامل الإنساني بين الطوائف المختلفة، والذي جنبها الصراع الطائفي، كما يهدف إلى بيان دور المصالح السياسية الدولية في استثمار الغرائز الطائفية، ودور الوعي الإسلامي في عدم السماح بذلك، من خلال فكر إسلامي نقي، خط درباً مميزاً غير مسبوق، في لم شمل الأمة والسمو بها عن كيد السياسات العالمية، ونأى بها عن الضياع في متاهات التاريخ.
فروض البحث: خلال عشرات السنين تم استخدام أدوات مختلفة من كافة الأطراف، لتجاوز العوائق الطائفية، بعضها اعتمد على السلطة السياسية والقمع، والآخر على المواجهة المسلحة، وربما استخدم الجميع الحقن الطائفي، أو استدعوا التاريخ ودخلوا في سراديبه المظلمة! فهل كان حقاً ذلك هو الطريق؟ وإذا لم يكن فما هو الصواب؟ وهل هناك تجربة ما قدمت نموذجاً تمكن الاستفادة منه؟ هذا ما سيناقشه هذا البحث المختصر.
منهج البحث: اعتمد الباحث بشكل رئيس على المنهج التاريخي، ثم الوصفي، ولكن ذلك كله محاط بالمنهج التجريبي الذي تم فيه وخلال أكثر من ربع قرن، مراقبة نضج الأفكار المطروحة وتوازنها واختبارها من خلال تجارب مختلفة شخصية أو جماعية ، وقد حققت نتائج مميزة وفعالة.
أدوات البحث: لقد كانت المراجع الرئيسة المتوفرة بين يدي الباحث من مصادر تاريخية، ووثائق، ومجلات هي أدواته الأساسية، إضافة إلى محاضر جلسات ووقائع تمت الإشارة إليها، وساعد الباحث في الأمر أنه قضى قريباً من عشرين عاماً في مجلس إدارة جمعية التمدن الإسلامي، كانت تسع سنوات منها في رئاستها، ومعايشة أفكار رجالها الذين أشادوا فكراً إسلامياً موضوعياً ومتوازناً يلم الجميع.
الدراسات السابقة: ضمن حدود معرفة الباحث فإنه لم يتم تناول هذا الموضوع بوضوح من قبل،وبهذا فللبحث ريادة على مستويين: الصراحة في تناول بعض المواضيع الطائفية الحساسة من وجهة نظر إسلامية، وبما يتعلق بالحالة السورية، والمستوى الآخر هو إخراج تاريخ مدفون وعمل فكري متقدم قامت به جمعية التمدن الإسلامي ولا تزال، في إيجاد مظلة جامعة لكل طوائف الأمة.
يؤكد الباحث أنه لا يقدم فكراً من إبداعه، بمقدار ما يبرز مدرسة عريقةً لم تأخذ حقها، وهو يقرر حقائق تاريخية، ولا يقوم باسترضاءات أو مواجهات سياسية مع أي طرف، ويحاول أن يلتزم بالعدل والموضوعية ما استطاع.
منهج البحث: يبدأ البحث بتمهيد ثم مقدمات البحث، فتعريف بجمعية التمدن الإسلامي، ثم المبحث الأول: السياسة الدولية تمد أصابعها في كل مكان، يتلوه المبحث الثاني: التراحم الطائفي والريادة الإسلامية فيه، فالمبحث الثالث:الظلم الذي طحن الجميع، أعقبه المبحث الرابع: فكر محلق فوق الطائفية، تلاه ملخص فجريدة المراجع فالوثائق ثم الملاحق.
الصعوبات التي صادفت البحث: لم يكن هناك سوى صعوبة واحدة، وهي اتساع الموضوع بشكل لم يخطر ببال الباحث من قبل، ووجود أفكار رائدة وأنواع من السلوك الاجتماعي المميز، الذي يحتاج إلى مزيد من الجهد لإخراجه، وبالتأكيد فإن مكر السياسة الدولية هو بدوره أكبر من أن يحيط به بحث متواضع مثل هذا.

تعريف بجمعية التمدن الإسلامي[10]:
جمعية التمدن الإسلامي، من أقدم الجمعيات الأهلية في سورية، وقد تأسست عام 1932، على يد مجموعة من العلماء والقادة الإصلاحيين، وفكرتها الأساسية قامت على أن الاستعمار يأتي ومعه فكر وفن وثقافة ومدارس وتعليم، ومقاومته بالسلاح لا تكفي، فلا بد من مقابل لكل ما يطرحه، فكان هدف الجمعية الرئيس: “تبيان الإسلام تبياناً صحيحاً شاملاً في كل مناحي دعوته وثقافته ومكارمه وعدالته وحضارته، والعمل على تحقيق ذلك”[11]، ويقول عبد الكريم اليافي: “لقد تبلور جزء من المشاعر الدينية في سورية أول الأمر في جمعية التمدن الإسلامي التي تأسست عام 1932 وعكفت على إصدار مجلتها الشهرية ومنشوراتها المتعددة والقيام ببعض المحاضرات العامة ولكنها كلها تدور حول الإسلام والحياة الاجتماعية”[12]، وقد صدرت مجلة الجمعية لمدة تسعة وأربعين عاماً! قبل أن تجبر على التوقف، وقد ضمت الجمعية كبار رجال العلم والفكر[13]، وتميز بفكرها، بالعلنية، وابتعدت عن الصراع السياسي، كما رفضت العنف كمبدأ في العمل، وعملت بشكل مفتوح، فلم تقع في متاهة العمل السري، وما تزال حتى اليوم (رغم منعها من أي نشاط ثقافي)، تقوم بدور رائد في مساعدة الفقراء وعلاج آلاف المرضى كل عام[14].

[1] – من أجمل العبر في الرحمة التي يزرعها الإيمان في النفوس، ما سمعناه من علمائنا عن رجل مؤمن كان يتناول طعامه، فمر به شيخ عجوز قد تجاوز الثمانين، وقال العجوز للمؤمن: هل لي ببعض الطعام ياسيدي، فإني عاجز تماماً ومريض! نظر المؤمن إلى العجوز قائلاً: من أين أنت؟ قال العجوز: من بلاد النار [بلد افتراضي أهله من الكفار]، فقال المؤمن: أرجو أن لا تكون على دينهم الفاسد! قال العجوز بأدب شديد: يؤسفني يا سيدي أن أقول لك: إنني أتبع دين قومي في تلك البلاد! قال المؤمن: إذا تركت دينك وآمنت فيمكنني إطعامك! ورفض الشيخ العجوز تغيير دينه.
في المساء رأى المؤمن في الرؤيا ملكاً قال له : إن الله ساخط عليك في هذا اليوم! قال المؤمن بدهشة: استغفر الله! لماذا؟ لقد فعلت الكثير من الصالحات في هذا اليوم بالذات! قال الملك: إنك لم ترض أن تطعم الكافر لقمة واحدة حتى يغير دينه! مع أن الله يطعمه منذ ثمانين عاماً!!
[2] – سورة الروم ،22.
[3] – من رسالة بعث بها الباحث إلى النائب الهولندي خيرت فيلدرز بتاريخ: بسبب هجومه على الإسلام، وقد نشرتها العديد من المواقع، وانظر للنص العربي: http://www.darbuna.net/word/?ID=907 ، وللنص الهولندي: http://www.islamwijzer.nl/forums/vbnews.php?do=viewarticle&artid=94&title=Open%20brief%20aan%20Wilders
[4] – سورة هود، 118.
[5] – كان أحد المفتين إذا سئل عن الفرق بين الإسلام والمسيحية يقول: الأمر بسيط ، نحن نقول مجدرة [أكلة شامية قديمة] ، وهم يقولون : برغل، عدس، رز؛ قاصداً من ذلك التوحيد [المجدرة]، والتثليث: [برغل، عدس، رز]، وهذا المنطق غير مقبول عند مسلم ولا مسيحي، فالتوحيد عند المسلم أساس دينه وعموده، والتثليث في المسيحية فلسفة دينية عميقة، وكسب العوام بهذه الطريقة لا يأتي بنتيجة، وهو مرفوض شرعاً وعقلاً.
كما نقل عن صاحب منصب ديني أنه لم يملك نفسه أمام وفد أميركي، وهو يريد أن يظهر له تسامح الإسلام، فقال: لو أن محمداً أمرني بقتل الناس لقلت له: أنت لست نبياً! وهي عجلة في التعبير غير مؤدبة، ولا ينبغي الوقوع فيها، وقد علق العلامة البوطي على أمثال هذا الكلام بأنه تعالم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما صرح العلامة القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة بأن مثل هذا الكلام ليس من المجاملة بل النفاق!
[6] – انظر بتاريخ الاحد, 11 أبريل/ نيسان, 2010, 22:21GMT موقع: http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/04/100411_sudan_elex_carter_tc2.shtml
[7] – انظر مجلة نيوزويك الأمريكية (11/3/2003) عدد بعنوان “بوش والرب”. وراجع للموضوع مقالة معتز الخطيب المنشورة في إسلام أون لاين: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1173695208143&pagename=Zone-Arabic-Daawa%2FDWALayout

[8] – نزار كيالي، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر (1920-1950) ، دمشق ، دار طلاس ، 1997. 47-49، باختصار.
[9] – من تقرير وزير فرنسة في القاهرة بتاريخ 16 تشرين الثاني 1912. وانظر :
– وجيه الكوثراني، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين (قراءة في الوثائق)، معهد الإنماء العربي، طرابلس الغرب، 1980، 175.
[10] – ما تزال جمعية التمدن الإسلامي ممنوعة من إصدار مجلتها الشهيرة، كما تمنع من إقامة أي برنامج ثقافي، وأجبرت أواخر عام 2008 على تغيير مجلس إدارتها على نحو غير قانوني.
[11] – نظام جمعية التمدن الإسلامي، شهر برقم 490 وبتاريخ 8 حزيران 1960.
[12] – عبد الكريم اليافي، الدين والإحياء الروحي في الوطن العربي اليوم، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 2004، 16.
[13] – منهم السادة: حسن الشطي، رشيد بقدونس، محمد جميل الخاني، سعيد الأفغاني ، مصطفى الزرقا، محمد بهجة البيطار، أحمد مظهر العظمة، عبد الفتاح الإمام، محمد أحمد دهمان، عارف التوام، محمد سعيد الباني، عز الدين علم الدين التنوخي، أحمد حمدي الخياط ، صلاح الدين المنجد، عزت الطرابلسي، محمد بن كمال الخطيب…
[14] – انظر: أحمد معاذ الخطيب الحسني، رحلة التمدن الإسلامي، بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيس الجمعية، محاضرة بتاريخ دمشق 17 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 2 حزيران 2007م، وقد نشرت في موقع دربنا: www.darbuna.net كما نشرتها بالفرنسية مجلة :
ashreb-achrek, N 198-Hiver 2008-2009, Paris, 79-89.

كُتب في المناهج | التعليقات على دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 1 مغلقة

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 2

المبحث الأول: السياسة الدولية تمد أصابعها في كل مكان
كثيرة هي الأمور التي لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى جذورها العميقة، ولفهم إصرار بعض القوى السياسية الدولية على التدخل في شؤون بلادنا، وآليات تدخلها فلا بد من الغوص قليلاً في التاريخ، حيث يقول ساطع الحصري[1]: “لقد تعود الفرنسيون أن ينظروا إلى الحروب [الصليبية] المذكورة كأثر من آثار أسلافهم العظام، وأن يعتبروا الإمارات اللاتينية التي قامت على بعض الأراضي السورية خلال تلك الحروب جزءاً من أجزاء تاريخهم المجيد، ولذلك كان من الطبيعي أن يتولد في نفوسهم نزوع إلى إتمام عمل تلك الحروب، وإعادة عهود تلك الإمارات.
إن هذا النزوع جعل الإفرنسيين ينصبون أنفسهم حماة للمسيحيين في الشرق، ليتخذوا من هذه الحماية وسيلة للاستيلاء على بلاد الشام في يوم من الأيام، وهذه السياسة حملت فرنسة على الإكثار من الإرساليات، لتأسيس المعاهد الدينية والتعليمية المتنوعة، في مختلف أنحاء الشرق الأدنى بوجه عام والشرق العربي بوجه خاص”[2].

حاول منشور الجنرال غورو الذي ألقته الطائرات الفرنسية في مختلف أنحاء سورية قبل يوم ميسلون اللعب على الوتر الطائفي بشكل مفرط، معلناً بأنه لن يستخدم الطائرات ضد الأهالي بشرط واحد: “أن لايُقتل أحد من الفرنسيين أو المسيحيين، وإلا فستقابل تلك الأعمال بمثلها وبمنتهى القسوة”[3]، أما في المذكرة المرسلة بتاريخ 14 تموز 1920 (من الجنرال غورو إلى الأمير فيصل)[4] فقد تمت الدندنة على وجود مذابح للمسيحيين في مرجعيون، واعتداءات عليهم في القرعون، وهجوم في وادي القرن على دروز حوران واعتراض على إرجاع كامل بك الأسعد أحد المتسببين في فتن بلاد الشيعة! وضيق من الاحتفال الكبير بالدنادشة المعادين للفرنسيين، وانزعاج من مساعدة الشيخ صالح [العلي] بطل الفوضى والبغضاء للفرنسيين!، مساعدة فعلية ومستمرة في جبال النصيرية!.
وليت الأمر وقف عند حماية الأقليات، بل إن إذكاء الروح الطائفية لم يخف على أحد، وقد حاولت فرنسة اللعب بالنار، وهي تدق إسفين التمزيق والطائفية بين مكونات الشعب السوري، ويبين حسن الحكيم[5] أنه قد “أصرت فرنسة على عهد الوزارة الأتاسية في سنة 1920 على أن سورية [تضم] شعوباً! تتكلم العربية، ونحن أصررنا على أن سورية [تضم] سوريين فقط، وأتت المعاهدة في سنة 1936 فأقرت بوجود لبنانيين وعلويين ودروز وسوريين، ناهيك بالاسكندرون، وينفصل بعض هؤلاء انفصالاً تاماً، وبعضهم الآخر تربطهم خيوط أوهى من خيوط العنكبوت!”[6].
إن المطامع الفرنسية في بلادنا وحتى اليوم، يجب النظر إليها بمنتهى الجدية والحذر، ويختصره ماعبر عنه أحد مهندسي سياستها بقوله: “إن فرنسة ليست في فرنسة وحدها، بل إن فرنسة في كل مكان امتدت إليه جذورها، في كل مكان قام فيه جيشها بأعمال مجيدة، ورفرف فيه علمها”[7].

يلاحظ في السياسة الدولية سلوكية لا أخلاقية، تسخر أنبل المعاني في مصالحها، وكمثال على ذلك التضييق العلماني على الإكليروس داخل فرنسة ومصادرة أملاكهم إلا “إن عداوة الإكليروس ليست من المواد التي يسوغ تصديرها إلى خارج البلاد [فرنسة]”[8]، ولقد سخرت السياسة الدولية كل الوسائل لترسيخ وجودها، بما فيها الإرساليات الدينية، و”إن (دالادييه) وكان أبرز المعارضين في البرلمان الفرنسي لسياسة الحكومة إزاء القضية السورية، لم يسعه إلا الإشادة بأعمال هذه الإرساليات والمدارس، فقال: (إنني لا أنكر جلال العمل الذي تم في سورية، سواء على يد المبشرين المسيحيين أو على يد الرجال العلمانيين)”[9] .
لذا فإن “اللجوء إلى الماركسية أو القومية بالمفهوم الألماني أو الفرنسي، والعناية بآراء (نيتشه) على سبيل المثال .. لم يعد يستعصي على التفسير؛ لأن تفكيك البنى العقائدية والفكرية للأقليات المذهبية، وحتى الدينية أمر واقع لا محالة في ظل نظام التعليم المدني الفرنسي، وسياسة الابتعاث إلى الغرب”[10].
لقد كان وعي السوريين بمختلف طوائفهم شديداً تجاه السياسات الاستعمارية وبواعثها الحقيقية، وتعليقاً على مافعله الجنرال غورو عندما قصد قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً: هاقد عدنا ياصلاح الدين؛ قال فارس الخوري لطلابه: لقد أراد غورو “التستر باسم الدين كما فعل من قبله الصليبيون، بغية شق العرب بعضهم عن بعض، وقصد أن ينشر بين المسيحيين أن مجيء فرنسة إنما هو من أجلهم… وما قوَّضَ غورو للعرب كيانهم في قوله ماقال، وإنما قوض الثقة بفرنسة لكونها تعمل للتفريق ولِتَفقُدَ العروبة ذاتها… وليس من شك في أن دفع خطر الاستعمار يتوقف على وعينا لكل ما يُدس بيننا، ويعمل على تفرقتنا، قدر ما يتوقف على تجنب كل ما يثير خلافاً، وقدر ما يتوقف على تحسسنا بمشاعر بعضنا البعض، وبالمزيد من تفكيرنا بوطننا والعمل لسلامته وتحريره… “[11].

لم تستطع السياسة الفرنسية إخفاء دندنتها على الطائفية، مما استنكره حسن الحكيم:”ولنتذكر أن فرنسا تحينت الفرصة من فتنة الأشوريين في العراق لتقول أن معاهدته ناقصة نقصاً معيباً من حيث حماية الأقليات، فلا بد لها من إدخال هذه الحماية بصورة مضمونة في المعاهدة السورية وذيولها”[12]، وقد تصدى عبد الرحمن الشهبندر لتلك الأصابع التي تريد تهييج الغرائز الطائفية، فكتب في مجلة الرابطة العربية، القاهرة، تعقيباً على المعاهدة المعقودة سنة 1936، مقالة عن حماية الأقليات في سورية، وندد فيها بموقف الصحف الفرنسية “فإن الوحي أتاها من المصادر الرسمية لتحريك النعرة الدينية والتهويل بشأن حقوق الأقليات”[13].
لم تكن المطامع الروسية أقل شراهة إذ “كانت السياسة الروسية ترمي إلى اكتساح البلاد العثمانية والوصول إلى القسطنطينية وسواحل البحر المتوسط حسب وصية الإمبراطور بطرس الكبير أشهر قياصرتها وعميدهم بدعوى أن دين الروس جاء من القسطنطينية”[14]
وهكذا فلقد تقاسمت السياسة الدولية الأدوار في بلادنا منذ عدة قرون، حيث أعطت معاهدة: كوتشك كاينارجي عام 1774م الروس حق حماية الروم الأرثوذكس، أما أطماع فرنسة فقد تذرعت بحماية الأقليات الكاثوليكية والمارونية، بينما حاولت بريطانية التغلغل في الوسط الدرزي[15]، ويبدو الدور الانكليزي شديد المكر إذ “دأبت إنكلترا على العمل بشتى الوسائل لتمزيق شمل الخلافة العثمانية بتفريق العرب عن الترك…”[16].
تقاسم الحصص ذاك كانت له نتائج أعمق مما يتصور المرء بكثير، ويكفي العلم أن المذابح المريرة التي حصلت بين الدروز والمسيحيين، بما عرف بفتنة 1860، كانت من ورائها فرنسة التي تظهر نفسها حامية المسيحية في الشرق[17]، حيث تتقاطع تقارير القنصل البريطاني في دمشق (ريتشاروود) مع تقرير (لانوس) مساعد القنصل الفرنسي في دمشق خلال آيار 1860، إذ حاك الفرنسيون مؤامرة مع المصريين! “بهدف الوصول إلى تنازلات من السلطان العثماني تؤدي إلى إلحاق الشام بمصر، وترتكز المؤامرة إلى دفع الوالي العثماني في لبنان، وتحريض دروز جبل لبنان والحرمون وحوران ضد الموارنة والمسيحيين الآخرين”[18]، وقد حاول فؤاد باشا (وزير الخارجية العثماني) الاقتصاص من الدروز “ولكن الرعاية الإنكليزية أدركتهم”[19].

الولايات المتحدة لم تقصر أيضاً، رغم خبرتها المحدودة نسبياً، وبدأت تدخلها عبر البعثات البروتستانتية[20]، حيث افتُتِحَ المعهد السوري البروتستنتي في بيروت عام 1866، والذي أطلق عليه فيما بعد اسم: الجامعة الأميركية[21]، وعندما عقد في شباط 1919 مؤتمر لمناقشة قضية الممتلكات العثمانية السابقة ومصيرها؛ أدى ذلك إلى خلاف شديد بين بريطانية وفرنسة حول السلطات التي ستتولى إدارة الوضع الجديد، وقد وجد الرئيس الأميركي ويلسن الفرصة سانحة لإيفاد لجنة تحقيق دولية[22] للتعرف على مطالب السوريين ورغباتهم في ممارسة حق تقرير المصير[23].
في التاسع والعشرين من آيار 1945 تسبب الفرنسيون بحمام من الدم في دمشق[24]، عندما هاجموا مجلس النواب واحتلوه بعد قتل حماته من الشرطة والدرك في مجزرة جماعية؛ فأتت فرصة مناسبة لإبداء العواطف

الأميركية إثر استدعاء وزير الخارجية السوري جميل مردم كلاً من الوزيرين المفوضين للولايات المتحدة وبريطانية، مقدماً إليهما مذكرتي احتجاج ضد الاعتداء الفرنسي، طالباً رفعهما إلى الحكومتين[25]، وبناء عليه قام معاون وزير الخارجية الأميركية غرو Grew بالإعلان “في مؤتمر صحفي عقده في 31 أيار 1945 بأن الحوادث التي وقعت في الشرق الأوسط قد أحدثت قلقاً كبيراً لدى حكومة الولايات المتحدة التي أُخطرت بتدخل القوات البريطانية، ووافقت عليه! منعاً لسفك مزيد من الدماء في المشرق”[26]

ربما تتغير أيدي اللاعبين، ولكن الروح هي نفسها، سواء أكانت فرنسية أم إنكليزية، روسية أم أميركية؛ روح التدخل والوصاية والهيمنة، ولقد أثبت الواقع بما لا يدع مجالاً للشك، أن أصابع السياسة الدولية اللامحايدة وغير النظيفة هي التي تعمل في السر والعلن من خلال تبادل الأدوار على تقويض مصالح الشعوب والاتجار بها، وإيقاظ الغرائز الطائفية الكامنة فيها، بدءاً من سورية والشرق الأوسط ومروراً بالسودان ورواندا ونهاية بإيران والعراق وأفغانستان.

[1] – ساطع الحصري: مفكر قومي، حلبي الأصل، وقد ولد في اليمن عام 1882 لأب أزهري وقاض شرعي، وتلقى تعليمه في تركية، وأسس وزارة المعارف في سورية زمن الملك فيصل الأول، ووضع مخططات تعليمية واسعة في سورية والعراق، وأسندت إليه مديرية الآثار ثم رئاسة كلية الحقوق في بغداد، وأنشأ أول معهد للدراسات العربية، وانصرف إلى التأليف، وله أكثر من خمسين مؤلفاً، وقد توفي في بغداد، وانظر لترجمته:
-عبد القادر عياش، معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين، دمشق، دار الفكر، 1405هـ/1985،129-131.
[2] – ساطع الحصري (أبو خلدون)، يوم ميسلون (صفحة من تاريخ العرب الحديث)، بيروت، مكتبة الكشاف، ط2، 1948، 8.
[3] – المرجع نفسه، 318، وقد ترجمه من النص الفرنسي المنشور في مجلة “آسية الفرنسية”.
[4] – المرجع نفسه، 284-292, وتاريخ المذكرة هو 14 تموز 1920. ولاحظ الشفقة الفرنسية على الطوائف المختلفة، وفي الحقيقة فمن تعرضوا للاعتداءات والقتل كانوا ممن ظن الناس أن لهم صلة بفرنسة بغض النظر عن نواياهم، ويأتي في مقدمتهم علاء الدين الدروبي رئيس الوزراء [السني] وعبد الرحمن اليوسف [السني] في حوران، فيما عرف بحادثة خربة غزال.
[5] – حسن الحكيم: من كبار الوطنيين، دمشقي ولد عام 1886، تعلم في دمشق فاستنبول، وشغل منصب سكرتير حزب الشعب الذي كان يرأسه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وقد اعتقل من قبل الفرنسيين وحكم بالإعدام، فلجأ إلى فلسطين، ثم عاد إلى سورية وشغل مناصب كثيرة، أهمها رئاسة الوزراء 1941-1942 وخلالها أعلنت فرنسة بتاريخ 27 أيلول 1941 استقلال سورية، وصار رئيساً للوزراء مرة ثانية أواخر عام 1951، وقد توفي في دمشق عام 1974، وانظر للاستزادة: – محمد شريف الصواف، موسوعة الأسر الدمشقية، دمشق، بيت الحكمة، ط2، 1431هـ/2010م، 1 ، 645.
[6] – حسن الحكيم، صفحة من حياة الشهبندر، دم، مطابع الجمعية العلمية الملكية، 1980، 145.
[7] – ساطع الحصري، يوم ميسلون، مرجع سابق، 338. والكلمة لأريستيد برييان، بتاريخ 25 حزيران 1920، وهو من مهندسي السياسة الفرنسية وقد ألقاها في البرلمان الفرنسي.
[8] – المرجع نفسه، 9.
[9] – ساطع الحصري، يوم ميسلون، مرجع سابق، 345.
[10] – عدنان محمد زرزور، مصطفى السباعي (الداعية المجاهد والفقيه المجدد)، دمشق، دار القلم، ط2، 1424هـ/2003م،66.
[11] – فارس الخوري، أوراق فارس الخوري، بعناية كوليت خوري، دمشق، دار طلاس، ط2، 2001، 2،83.
[12] – حسن الحكيم، صفحة من حياة الشهبندر، مرجع سابق، 153.
[13] – حسن الحكيم، صفحة من حياة الشهبندر، مرجع سابق، 151. وجاء في نفس المقال نقد لما ذكره الكاتب الفرنسي جان بيرجيرار بتاريخ 21 تشرين الثاني 1936، في جريدة الجمهورية الفرنسية: “إن لبنان المحكوم بيد رجال ثقة من ذوي المحبة التي لايخامرها شك، هو بلاد نصرانية من بلدان البحر الأبيض المتوسط مرتبط منذ أحقاب مديدة بمصير بلادنا”.
[14] – عبد العزيز العظمة، مرآة الشام (تاريخ الشام وأهلها)، تحقيق: نجدة فتحي صفوة، دمشق، دار الفكر، ط2،142هـ/2002م، 294. والاقتباس من كلام المحقق.
[15] – ميخائيل بريك الدمشقي، تاريخ الشام (1720-1782)، تحقيق وتقديم أحمد غسان سبانو، سلسلة دراسات ووثائق تاريخ دمشق الشام (3)، دمشق، دار قتيبة، 1402هـ/1982م، والمؤلف هو مؤرخ وكاهن مسيحي دمشقي، وكان رئيساً لدير السيدة في صيدنايا عام 1768م. والاقتباس من مقدمة المحقق: أحمد غسان سبانو، 7.
[16] – عبد العزيز العظمة، مرآة الشام، مرجع سابق، 382، ويمكن في الصفحات التالية الاطلاع على مكر الانكليز بالشريف حسين، ودقهم أخطر إسفين بين العرب والأتراك. كما أن المؤلف يذكر من خبرته الشخصية كيف كانت إنكلترا تحرض القبائل العربية، وتدخل إلها السلاح، حتى إذا ما ألفوه راحوا يتسابقون لشرائه، وبنادق المارتيني التي أرسلها الحاكم الإنكليزي في الهند إلى قبيلة بني لام العراقية، كان محفوراً عليها: متى ينهض العرب! وانظر الصفحات 404-405.
[17] – من المراجع الشيقة لموضوع فتنة 1860: المرجع السابق نفسه، 316-326.
[18] -محمد سعيد الأسطواني، مشاهد وأحداث دمشقية في منتصف القرن التاسع عشر، تحقيق: أسعد الأسطواني، دمشق، دار الجمهورية، 1994، 107. والسياق من كلام المحقق.
[19] – عبد العزيز العظمة، مرآة الشام، مرجع سابق، 325.
[20] – أول الإنجيليين في بلاد الشام كانا: جونس كنج ، وإيلي سميث والذي قدم إلى بيروت عام 1827 م وتوفي فيها عام 1857، وكان يتكلم العربية بطلاقة، ويلم باللغات القديمة وبعض اللغات الحديثة، وأسس مع زوجته أول مدرسة للبنات في بيروت عام 1834، وهي السنة التي نقل فيها البروتستانت مطبعتهم من مالطة إلى بيروت، كما باشر سميث ترجمة التوراة والإنجيل من العبرية واليونانية سنة 1849 بمساعدة المعلم بطرس البستاني، وبعد وفاته أتم زميله كورونيليوس فان ديك العمل بمساعدة البستاني لينجز العمل عام 1860؛ وانظر: أوراق فارس الخوري، مرجع سابق،1،29.
[21] – نزار كيالي ، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، مرجع سابق، 274.
[22] – المرجع نفسه، 35. وفيه أنه قدمت لجنة الاستفتاء الأميركية كينغ – كرين عام 1919، وجاء في تقريرها المفصل “أن الشعب السوري يطالب بالاستقلال الناجز ويرفض أي انتداب ، كما أنه يعارض المشروع الصهيوني معارضة شديدة ، أما إذا لم يكن بدٌّ من فرض انتداب محدد الأجل لإرضاء الدول الكبرى ، فإن الشعب السوري يفضل الولايات المتحدة الأميركية كدولة منتدبة بالدرجة الأولى! وبريطانية العظمى بالدرجة الثانية! ولكنه يرفض قبول فرنسة كدولة منتدبة على سورية”.
[23] – المرجع نفسه، 34.
[24] – يسجل الباحث أسفه الشديد للسماح للسفارة الفرنسية في دمشق بإقامة الاحتفال بيومها الوطني في قلعة دمشق خلال شهر تموز 2010، وهو نفس الشهر الذي جرت فيه موقعة ميسلون، وفي قلعة دمشق جرى سجن الوطنيين السوريين من كل الطوائف وتعذيبهم وإعدام الكثيرين منهم!
[25] – المرجع نفسه ، 175-195.
[26]- نزار كيالي ، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، مرجع سابق، 178، نقلاً عن نشرة وزارة الخارجية الأميركية، المجلد 12، رقم 310 تاريخ 3/6/1945، ص1013-1014. (the U.S. Department of state Bulletin) أنه قد قدمت حكومة الولايات المتحدة الأميركية إلى الحكومة الفرنسية مذكرة مؤرخة في 28 آيار 1945 تتضمن مايلي: “إن ثمة شعوراً لدى الولايات المتحدة وغيرها من الدول بأن ممثلي فرنسة يقومون بالتهديد باستعمال القوة لحمل حكومتي سورية ولبنان على منحها امتيازات ذات طابع سياسي وثقافي وعسكري. إن سورية ولبنان هما باعتراف كل من فرنسة والولايات المتحدة دولتان مستقلتان، كما أنهما أيضاً عضوان في منظمة الأمم المتحدة، حيث يقوم ممثلوهما بالاشتراك حالياً في سان فرانسيسكو مع ممثلي فرنسة والولايات المتحدة بمناقشة وسائل ضمان الأمن العالمي ومقاومة العدوان …. لذلك فإن حكومة الولايات المتحدة، بكل شعور أخوي، تهيب بحكومة فرنسة أن تعيد النظر بدقة في سياستها تجاه سورية ولبنان، بغية العثور على طريقة تبين للبلدين المذكورين وللعالم أجمع أن فرنسة، في تعاملها مع دول المشرق، ترغب في معاملة سورية ولبنان كدولتين مستقلتين تتمتعان بسيادة تامة كعضوين في الأسرة الدولية”.

كُتب في المناهج | التعليقات على دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 2 مغلقة

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 3

المبحث الثاني: الظلم الذي طحن الجميع
تظن بعض الطوائف أنها قد خصت بالظلم، وعانت من الاضطهاد أكثر من غيرها، وهذا ناجم عن قلة الإحاطة بالظروف التاريخية التي مرت بها سورية خلال القرون الأخيرة، إذ إن الظلم قد طحن أهلها طحناً بمختلف طوائفهم، والظلم والاستبداد السياسي لم يبق فيها استقراراً ولا أمناً لأحد.
صحيح أن بعض العائلات من بعض الطوائف تحالفت مع السلطات السياسية من أجل مصالح متبادلة، إلا أن مكر السياسة جعلت تلك العائلات[1] ومعها بعض القوى الدينية تعمل ضد مصالح حتى طوائفها وتشارك في إرساء ظلم عم الناس من كل الطوائف وبشكل غير مسبوق[2].
وكمثل كل المجتمعات كانت هناك بعض التوترات الاجتماعية حتى داخل كل طائفة، مما لا يتسع مجال البحث للخوض فيه، ولكن الظلم أو التضييق كان يشمل الجميع، ويوضح هذا النص الطريف الذي يسوقه مؤرخ مسيحي، بعض ماكان يقوم به التفكجية[3]: “وكل من طلع صوتٌ من داره (يدخلوا يمسكوه) ويبلصوه[4]، لأنهم كانوا يتنصتوا على الأبواب، إلى ماعاد أحد قدر يتكلم في بيته إلا بالدس والهمس، نهاراً وليلاً، وليس النصارى فقط بل المسلمين أيضاً”[5].
إن الظلم قبيح من أي جهة أتى، وفي حوادث سنة 1776 أنها كانت “قليلة الأمطار، كثيرة المظالم من كل جانب، حتى من البطريرك”[6]، وحينما تكون السلطة السياسية فاسدة، فلا بد أن المحسوبين عليها هم مفاتيح الفساد، حتى أن المناصب العليا “كالولاية، والدفتردارية[7]، والقضاء، والإفتاء، ونقابة الأشراف وغيرها، لا تمنح بحسب الكفاءة، بل مقابل مبلغ من المال، وأقيمت أسواق المزايدات عليها بين الطامحين”[8]
في أحداث عام 1166هـ/1752-1753م يذكر البديري الحلاق أن لصوصاً “قاموا بنهب ضرائح الصحابة والأولياء… فخلعوا شباك سيدي بلال الحبشي، وأخذوا شباك مزار الشيخ عبد الجبار بن سيدي عبد القادر كيلاني… وأخذوا ثوب تابوت سيدي أُبَي الذي يقع قبلي جامع الشيخ رسلان”[9].
لقد كان الفساد السياسي والإداري أحد أهم عوامل الاضطرابات، “فاشتد الصراع مابين الأمراء المحليين والحكام الإقطاعيين من جهة، ومابين هؤلاء وولاتها من جهة أخرى، بالإضافة إلى الصراعات بين الولاة المعزولين والولاة المعينين مكانهم! ودفعت دمشق ضريبة هذه الصدامات”[10]، كما كانت كثرة الجنود والأغراب مدعاة مفاسد هائلة، “ولقد نفذ الجنود والبدو أخطر عمليات السطو والنهب ضد الفلاحين والحواضر، وخاصة الجنود المرتزقة (الدالاتية واللاوند والسكبان والمغاربة)[11] والمَواصلة والتكارتة والبغادة وغيرهم”[12].
أما عندما أجبرت دمشق جنود أحمد باشا الجزار على مغادرتها بعد وفاته، قام الجنود “بنهب المزة والمعضمية والجديدة وعرطوز، وهكذا جميع البلاد هلي [التي] في طريقهم من حمير وخيل وأواعي[ثياب] وغير ذلك، وفي عهد خلفه إبراهيم باشا الدالاتي، قام الجنود بنهب البلاد! وبعد عودته من الحج!! قام جنوده بنهب قرى الغوطة!”[13] .

المبحث الثالث: التراحم الطائفي والريادة الإسلامية فيه
جرت العادة على استخدام كلمة التسامح الطائفي لوصف الاستقرار الطائفي الذي تعيشه المجتمعات، وقد وجد الباحث أن ماكان يعيشه الناس وخصوصاً في دمشق، هو أمر أعمق بكثير من مفهوم التسامح، لذا فإنه يقترح كلمة: التراحم الطائفي، والتي بنيت على لحمة إنسانية حقيقة، من النادر أن توجد في أي مكان.
من مواقف التراحم الطائفي ماحصل عام 1777 عندما قام حاكم صيدا: أحمد باشا الجزار، بنهب قرى الدروز، وأديرة النصارى “وجابوا [أحضروا] نساهم [نسائهم] وباعوهم في دمشق مثل الأسرى، وكان شيء يحزن القلب ويعكر الخاطر، وبعد أيام قلائل، جميع الذين انتُهِبوا من القرايا [القرى] انحدروا إلى دمشق، وكانوا كل عيلة بعيلتها، طائفين الأزقة والشوارع ليشحدوا ويأكلوا، وكم وكم مات منهم من الجوع والبرد، وكم وكم اشترى أهل دمشق من العسكر بنات وصبيان ونسوان، وأطلقوهم لوجه الله تعالى”[14].
ذلك الفعل الإنساني له جذوره العميقة في تاريخ أهل دمشق، حتى أصبح عادة لأهلها، ومما لاحظه ابن بطوطة في رحلته أن: “الأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها ؛ فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، يعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهي [للواتي][15] لاقدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسرى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على تعديل الطريق ورصفها … ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير”[16].
إن الظلم والاستبداد والظروف القاسية تضع الناس دائماً وبمكر شديد في مواجهات قد تصل إلى حد التوحش، ووحده الفعل الإنساني، والوجدان الديني بمعناه العميق، يُبطل تلك المواجهات ويعيد وشائج التراحم والمعاني الإنسانية النبيلة بين البشر.
أما في فتنة 1860 بين الدروز والنصارى “فهاجت الفتنة واشتد القتل وكثر، حتى صاروا [أي القتلة] يتعرضوا للذين في بيوت المسلمين [من المسيحيين]! وقوي الأمر وصعب، وكثر الواردون إلى القلعة [من المسيحيين] منهوبين جائعين، امتلأت دور المسلمين منهم ومن أولادهم ونسائهم”[17].
وخلال تلك المذابح الرهيبة “كان للكثير من مسلمي الشام أياد بيضاء بفتح دورهم للاجئين المسيحيين، وإنقاذهم من الغارات والتعديات كالعلامة محمد أفندي الحمزاوي [مفتي الشام]، وأخيه أسعد أفندي، والشيخ سليم أفندي العطار، وسعيد آغا الوزّي، وعمر آغا العابد وصالح آغا المهايني في الميدان”[18]، كما أن “نحو خمسمائة من النصارى، رجال ونساء وأولاد، غالبهم خرجوا من دار السيد عبد القادر [الجزائري]”[19].
خلال الحرب العالمية الأولى كان هناك خشية من تعرض المسيحيين في دمشق إلى أوضاع جائرة، ولكن التراحم الطائفي قام بدور مؤثر، مما دعا المونسنيور إبراهيم مسابكي، مندوباً من حبر الفاتيكان أن يقوم بزيارة الشيخ بدر الدين[20] [الحسني] وشكره حيال محافظته على المسيحيين، حيث أجابه الشيخ “أنه قام بواجبه ولا شكر على الواجب، وإن المسيحيين إخواننا وشركاؤنا في هذا الوطن فما ينالهم ينالنا من خير أو شر”[21].
تلك الروح المحلقة جعلت بطريرك الروم الكاثوليك يقول في كلمة مؤثرة وذات دلالة عميقة: “كانت بلادنا العزيزة قد بقيت زمناً طويلاً مرتعاً للأحزاب، وميداناً للتباغض والتنافر، فعمل [أي الشيخ بدر الدين] حتى آخر دقيقة من سني شيخوخته الكريمة على لم شملها، وتقارب أبنائها… فانقادت له الجماعة وخيمت على رأس كبيرهم وصغيرهم، وعالمهم وجاهلهم، وأميرهم وسوقتهم، أعلام المحبة والثقة المتبادلة مع احترام الأديان، واعتبار الإنسان لأخيه الإنسان، فكم مرت على البلاد محن وبلايا، وكم ساقت لها الأقدار من الرزايا، وكم مهدت ظروف الحال، وأطماع بعض الرجال للجموع المتحمسة، من صنوف الإيقاع… فكان يقف دائماً حصناً منيعاً في وجه النافخ في النار، ويصرف الجماعة عن المطامع والانتقام، إلى الوفاق والتسامح والسلام، وإن ما نراه اليوم بيننا من التآلف والتحالف… رغم تباين العقائد وتنازع المشارب لهو ببعضه، بل بأكثره ثمرة جهود هذا الشيخ الإمام، ونتيجة ما زرعه من المحبة والسلام… وهذ الحفلة التأبينية التي جمعت جنباً إلى جنب المسلم والمسيحي… ليست إلا تحقيقاً لتعاليمه وأثراً لسحر سلطانه على الجموع، وإذا كانت الأوطان لاتقوم إلا على عُمُد الاتحاد والتضحية والمحبة والسلام بين الأفراد، فإليه يرجع الكثير الكثير من الفضل في تكوين هذا الوطن السوري العربي المفدى [وبعد أن يثني غبطة البطريرك على أهل دمشق يقول:] لكن بعض أيام العواصف لابد خلقت أحياناً جواً مكهرباً، فكان الفقيد العظيم يعمل بحكمته ودرايته ونفوذه ورجاله، على تبديد السحب وصيانة الأعراض والأرواح والأموال”[22].
تلك الروح المحلقة التي تحدث عنها البطريرك كانت هي الإطار الجامع لكل الطوائف، وبينما قام المفوض الفرنسي عقب استشهاد حسن الخراط “باعتقال زعماء الأحياء بدمشق، وهدد بتسليط الجند السنغالي على أعراض النساء!”[23]؛ أنشأ المجاهدون محكمة للثورة، وكانت لها أحكام قطعية، والغاية من تشكيلها هو “فرض هيبة الثورة، وتفادي وقوع أي اعتداء من الثوار على النساء والأعراض، وحفظ حقوق العباد… “[24]، وقد أعيدت التشكيلات وعين الشيخ محمد حجازي كيلاني مفتياً للثورة، والشيخ توفيق سوقية رئيساً لمحكمتها[25].
لقد كان الوعي السائد عند الجميع شيئاً أخاذاً حقيقة، وبينما أعلن غورو نفسه حامياً للمسيحية (في الأرض التي يعتقد جميع سكانها أنها شَرُفت بالمسيح عليه أزكى الصلاة والسلام)، ومتناسياً بشكل فج أنه غريب ومحتل كريه، قام المسلمون والمسيحيون معاً بتواصل مدهش، من خلال تلك العريضة القيمة التي جلت موقف المسيحيين، بل اليهود، وبينت إدراكهم العميق للدور الفعال الذي قام به المسلمون تُجاههم، والتراحم العميق الموجود بين كل الطوائف، فرفع الرؤساء الروحيون وزعماء الطائفتين، عريضة إلى رئيس الوزراء، علاء الدين الدروبي توثق التضامن الموجود وتقطع الطريق على اليد التي تحرك الطائفية: “إعلاناً للحقيقة واعترافاً بالفضل لذويه نرفع نحن المسيحيين والموسويين المستقرين في دمشق وضواحيها على تعدد مللنا وطبقاتنا القومية، تشكراتنا القلبية، موجهة إلى العلماء والأعيان والوجهاء والعامة من إخواننا المسلمين في دمشق وضواحيها، لما صدر منهم في الأيام الأخيرة المخوفة من السهر على الراحة العامة وإقامة جنود وطنية للمحافظة على الأمن والسكينة ومنع الاضطرابات المقلقة، مما يسطر لهم الذكر الجميل في صحف التاريخ، ويوجب لهم لدى معاليكم يادولة الوزير أن يفوزوا بتكرمة وتقدير …”[26].
لقد حاول الجنرال غورو أول قدومه، تقطيع أوصال سورية، وتفرقة أبنائها على محاور الطائفية، “فأقدم على إحداث دولة لبنان الكبير ثم تأسيس دولة العلويين، بموجب قرارين بتاريخ 31 آب 1920، ثم تلا ذلك إقامة دولة دمشق فدولة حلب وتبعها إقامة دولة الدروز بتاريخ 4 آذار 1921″[27]. ولكن أبناء سورية من كافة الطوائف وقفوا في وجه مخططاته الماكرة، ويذكر رئيس الوزراء السوري الأسبق معروف الدواليبي، أن سبب إخفاق فرنسة لتقسيم سورية عام 1925 إلى دويلات متعددة، يرجع إلى “الانتفاضات الشعبية التي قامت في سورية، وبخاصة في حلب التي فصِلت عن دمشق تحت اسم حكومة حلب، فقد انطلقت فيها مظاهرة من أكبر المظاهرات التي شهدتها سورية ومن أشدها، فكانت القاضية على مشروع الدويلات من أساسه…. وقد اشترك في المظاهرة الكبيرة كبار العلماء والطلاب. وكان كثير من المتظاهرين يحملون السلاح، وقد قوبلت المظاهرة بالمدفعية والرصاص…. وبدأت الصحف تعلن عن تجمعات الثوّار وأخبارهم كل يوم، فأسقط في يد الفرنسيين وأخذوا يتراجعون عن مخططاتهم ومشروعهم بتقسيم سورية إلى دويلات”[28].
وفي لفتة رائعة ذكَّر سلطان باشا الأطرش[29] في كلمته لتأبين الشهبندر ماكان قد صرح به الأخير في خطاب له: “اجمعوا قلوبكم إلى قلوبنا، وضموا قلوبنا إلى قلوبكم، لا توصدوا أبواب الوطن في وجه من كان عاملاً صادقاً، لأن جنة هذا الوطن تتسع للجميع من غير تفريق في الملة”[30].

[1] – يمكن الاطلاع على نموذج من تآمر العائلات السنية والعلوية والمسيحية معاً ضد مصالح الشعب الأعزل والفقير من خلال القصة المأساوية لأبي فاتح (سليمان المرشد) والذي أعدمته السلطات السياسية لاحقاً في دمشق، وانظر :
– منذر موصلي، البحث عن الحقيقة (المرشدية وسليمان المرشد)، دمشق، ط2، دار المروة، 1429هـ/2008م، 65-76.
[2] – بلغ الأمر بأحد الولاة عام 1222 هـ أنه أمر في دمشق بمنع الكنافة والقطايف والبقلاوة والعوامة!! … وانظر: تاريخ حسن آغا العبد، حوادث بلاد الشام والامبراطورية العثمانية، تحقيق يوسف نعيسة، دار دمشق 143.
[3] – تفكجي تعني الجندي حامل البندقية، والأصح: تفنكجي. وانظر: تاريخ الشام، مرجع سابق، 31.
[4] – البلص عند العوام هي الاحتيال في السرقة ، والمعنى: يفرضون عليه غرامة.
[5] – ميخائيل بريك الدمشقي، تاريخ الشام، مرجع سابق، 76.
[6] – المرجع نفسه، 116. والمقصود هو البطريرك دانيال الذي كان يتحكم في نصارى دمشق، وكان ظالماً وبخيلاً ومرابياً، حتى ضج منه أهل ملته فاشتكوا إلى البطريرك صفرونيوس البطريرك القسطنطيني العربي الأصل، فأصلح بينهم، بعد قلاقل ومنازعات ومشارطات.
[7] – الدفتردار: كلمة تركية فارسية، وتعني: حافظ السجلات، وهو مسئول الخزينة والمشرف على المالية، وعادة يكون هو الشخصية الثانية بعد الوالي، وانظر لذلك: – يوسف جميل نعيسة، مجتمع مدينة دمشق، (1186-1256هـ/1172-1840م)، دمشق، دار طلاس، ط2، 1994، 1، 212.
[8] – المرجع نفسه، 2 ،545.
[9] – المرجع نفسه، 2،552.
[10] – يوسف نعيسة، مجتمع مدينة دمشق، مرجع سابق، 2 ، 537.
[11] – الدالاتية: مشتقة من أصل تركي يعني الأهوج أو المجنون، أو الطائش، وأصولهم أناضولية وكرواتية وصربية وبوسنية، وكانوا يعيشون على الغزو والنهب، لعدم وجود رواتب رسمية لهم، وكانوا يرتدون جلود النمور والأسود والدببة لإرعاب خصومهم، ومعظمهم كانوا لصوصاً أو قطاع طريق، وكانوا في صراع لا يتوقف مع باقي قوات المرتزقة.
اللاوند: اسم أطلقه العثمانيون على بحارتهم الأوائل، وهو مستعار من كلام أهل البندقية، ثم أطلقت الكلمة على المتمردين ثم الفرسان المرتزقة، واقترن اسمهم في دمشق بالأكراد، وكانوا أشداء في القتال ولا يهابون الموت، وقد عرفوا بالفساد، وقد نفت الدولة العثمانية عام 1804 ستة عشر ألفاً منهم، فما سلم منهم إلا ستمائة خيال لجئوا إلى أحمد باشا الجزار.
السكبان: من أقدم أصناف الجند المرتزقة، وتعني: حارس أو حامي الكلاب، وهي تعني الجندي الذي يحمل البندقية، ويقود الكلب أمام الأمير، ثم أطلقت على المقاتلين مقابل المال، وقد حرفها العوام إلى السكمان، وأصلها فارسي. وكانت فرقة مستقلة ثم دمجت بالفرق الانكشارية. وانظر لماسبق:- نعيسة، مجتمع مدينة دمشق، مرجع سابق،1، 244-249.
[12] – المرجع نفسه،2، 554.
[13] – حسن آغا العبد، حوادث بلاد الشام والامبراطورية العثمانية، مرجع سابق، 112.
[14] – ميخائيل بريك الدمشقي، تاريخ الشام، مرجع سابق، 117-118.
[15] – في الأصل: وهي اللواتي.
[16] – محمد بن عبد الله الطنجي، ابن بطوطة (779هـ/1377م)، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، القاهرة، المطبعة الأزهرية، 1346هـ/1928)، 1، 63.
[17] – محمد سعيد الأسطواني، مشاهد وأحداث دمشقية، مرجع سابق، 175.
[18] – عبد العزيز العظمة، مرآة الشام، مرجع سابق، 325.
[19] – محمد سعيد الأسطواني، مشاهد وأحداث دمشقية، مرجع سابق، 176.
[20] – المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني ( 1851هـ/1935م) كان المرجع الأعلى للمسلمين في بلاد الشام وكبير علمائهم، وانظر لذلك: محمد رياض المالح، عالم الأمة وزاهد العصر: العلامة المحدث الأكبر بدر الدين الحسني، دمشق، 1397هـ/1977م.
[21] – جريدة فتى العرب، العدد 1543، الخميس 15 شعبان 1335هـ/17 شباط 1917م، وانظر المرجع نفسه، 230.
[22] – خلال حفل تأبيني أقيم بعد ظهر الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1354هـ/13 آب 1935م، على مدرج الجامعة بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة الشيخ بدر الدين، ونقلت بعض كلماتها جريدة الجزيرة، العدد 326، الجمعة 17 جمادى الأولى 1354هـ/16 آب 1935م. وانظر: المرجع نفسه، 120-125.
[23]- أدهم آل جندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، دمشق، مطبعة الاتحاد، 1960، 358.
[24] – المرجع نفسه، 358.
[25] – المرجع نفسه، 368.
[26] – ساطع الحصري، يوم ميسلون، مرجع سابق، 305، وقد وقع العريضة كل من : بطريرك الروم الكاثوليك: تقلاوس، متروبوليت بصرى وحوران: ميخائيل بخاش، مطران السريان بدمشق: أستودس كيسسهان، النائب الأسقفي الماروني بدمشق: الخوري إبراهيم مساكي، فارس الخوري، ناصيف أبو زيد، أسعد أبو شعر، قسطاكي الحمصي، إبراهيم طويل، ميخائيل وإلياس صحناوي، ميشيل أواديس، شفيق قدسي، أنطوان أبو حمد، خليل عنحوري، اسبر الخوري، موسى سعد شامية. وقد نشرت العريضة في جريدة العاصمة بتاريخ 2 آب 1920.
[27] – نزار كيالي ، دراسة في تاريخ سورية، مرجع سابق، 47-49. بتصرف.
[28] – نقلاً عن: http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=9706&article=307826
وانظر: مذكرات الدكتور معروف الدواليبي، إعداد: عبد القدوس أبو صالح، تحرير: محمد علي الهاشمي، الرياض، مكتبة العبيكان، 1426هـ/2005م، 14-15.
[29] – سلطان باشا الأطرش (1886-1982) : القائد العام للثورة السورية، وبقية الأبطال من بني معروف، ولد في قرية القريا، ونشأ على تقاليد العرب الأصيلة من الشهامة والمروءة والشجاعة، وفجر ثورة جبل العرب ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، وقد أبلى في الفرنسيين أعظم النكايات، وهزمهم في عشرات المعارك، وبعد إخماد الثورة عام 1927 هاجر بأسرته وأتباعه ليعيش عشر سنوات في المنافي بين الأردن والحجاز، وعند صدور عفو عنه رفض مصافحة الجنرال الفرنسي كاترو وقبول هديته (ألف ليرة ذهبية) كما لم تخرج منه كلمة شكر، وانظر للاستزادة:
– جميل شاكر الخانجي (1898-1976)، ثوار صنعوا الاستقلال (صفحات مضيئة من تاريخ الثورة السورية)، إعداد وتحرير: نشأت جميل الخانجي، دمشق، دار الشرق، 1429هـ/2008م، 259-274. والمؤلف كان أمين سر الثورة السورية، وعضو اللجنة العليا للدعاية والاستخبارات.
– أدهم آل جندي، تاريخ الثورات السورية، مرجع سابق، ، 189-213.
[30] – حسن الحكيم، صفحة من حياة الشهبندر، مرجع سابق، 195. وقد أقيم التأبين بتاريخ 2 أيلول 1940، وألقى كلمات الأمير عبد الله ، وهاشم الأتاسي، وسلطان باشا الأطرش، صديق الشهبندر وتلميذه زكي الخطيب، وقد نشرت الكلمات في جريدة الأيام، العدد 2234، 4 أيلول 1940.

كُتب في المناهج | التعليقات على دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 3 مغلقة

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 4

المبحث الرابع: فكر محلق فوق الطائفية
يقول أحد مؤسسي جمعية التمدن الإسلامي وعلمائها، عبد الفتاح الإمام: “يجب الانتباه إلى أننا أمة واحدة، إلهنا واحد … وأعمالنا للدين والدنيا ترجع إلى أصل واحد … فمن أين جاء التفرق والخصام؟ لاشك أن للسياسة الغاشمة يداً في هذا التفريق …”[1].
إن من لم يكن مسلماً بالدين فهو مسلم بالثقافة، وبالتالي فإن مكونات الأمة كلها بمسلميها ومسيحييها ينبغي أن تكون يداً واحدة لبناء وطن آمن ومستقر ، وفيما بلي بعض اللفتات التي وجدها الباحث عن علاقة جمعية التمدن الإسلامي بكافة الأطياف في سورية، مع الاعتذار عن عدم استيفاء الأمر حقه، بسبب اتساعه.

أولاً: العلاقة مع المسيحيين:
تحظى المسيحية في الوجدان الإسلامي باحترام مميز[2]، ويكفي ماذكرته سورتا الروم ومريم عليها السلام لبيان ذلك، ولكن هناك فتوراً ملاحظاً في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين[3]، وقد حاول رجال التمدن ردم الهوة بين الطرفين، فكتب الأستاذ أبو عصام[4] مقالاً بعنوان: نشاط الإسلام عند نصارى العرب[5]، وحاول النفاذ فيه إلى الحقائق المجردة فقال: “إذا حصل ما يعكر الصفاء بين المسلمين ونصارى هذه البلاد في بعض الظروف فهذا ناجم : عن دسائس الدول الاستعمارية التي تعمل دوماً، بالخفاء على تفريق أبناء الوطن، وتعصبِ بعض رجال الدين الذين يسعون (جهلاً وحمقاً) لإلقاء العداوة والبغضاء بين البسطاء باسم الدين … والدين الإسلامي والمسيحي بريئان من جرائمهم[6] …وتعصب بعض الولاة من المسلمين الذين كانوا يجهلون أبسط مبادئ دينهم”[7].
مما يلفت النظر عندما أنشئت مدرسة التمدن الإسلامي عام 1945، أنها استعانت بثلاثة مدرسين مسيحيين[8]، [الوثيقة رقم 1] وهم: ريمون هبرا ، أنطون جناوي ، جوزيف السبع، ليس لقلة المدرسين المسلمين، بل بحثاً عن أرقى المستويات التعليمية من أجل المصلحة العامة، كما أن مستوصف الجمعية الذي أسس عام 1959، قد استعان بطبيب مسيحي هو جورج كساب[9]، وهذه سابقة ليس سببها الحاجة بل الانفتاح والتعاضد.
شكل فكر التمدن زاداً مميزاً للمهاجرين يربطهم ببلادهم ولغتهم، إن لم يكن بعقيدتهم ودينهم، حتى إن الأديب المهجري الكبير إلياس قنصل أرسل رسالة بتاريخ 29أيلول 1975م يطلب فيها إرسال نسخ من كتاب : (النبي محمد r، كلمات بأقلام نخبة من الباحثين والأدباء المسيحيين المنصفين) والذي نشرته الجمعية عام 1964م، مردفاً: “وأغتنم السانحة لأسجل عميق إعجابي بما قمتم به وتقومون من جهود موفقة جبارة لرفع شأن العروبة، وأسأل الله أن يديمكم سنداً لها وتفضلوا بقبول فائق احترامي .. [الوثيقة رقم 2][10]”، وقد قامت الجمعية بإرسال بعض الكتب هدية إليه، وهذا يدل على الأفق الواسع الذي يتجاوز الطائفية، ويعمل من خلال مصلحة عليا للجميع.
ويبلغ الوعي المشترك درجة أنه قد”عُرض أمر مساعٍ تبذل لاتحاد (إسلامي- نصراني) لمكافحة الرذائل التي ينكرها الدينان، فتقرر المساهمة في هذه الفكرة”[11]، وليت مؤسسات المجتمع المدني تجد فسحة كافية لتنطلق بمثل هذه الإطارات، في عمل إيجابي يعود خيره على الجميع.
من الأمور المميزة في وعي الإسلاميين عموماً ورجال التمدن خصوصاً، هو ذلك الإدراك للمصالح الوطنية التي تجمعهم، وسعيهم للتعاون مع كافة الأطراف الطائفية لتحقيقها، ومثال ذلك انتخابات عام 1947، حيث برزت هناك قائمة سميت: قائمة الأمة [الوثيقة رقم3]، وقد أيدتها رابطة العلماء ورجالات الوطنية والعلم والجهاد، وقد ضمت وطنيين كبار مثل زكي الخطيب وحسن الحكيم، ورجال التيارات الإسلامية مثل محمد المبارك وعبد الحميد الطباع وعارف الطرقجي، وعلي الطنطاوي، وأبرز شخصيات التمدن: أحمد مظهر العظمة[12]، ولكن المدهش أيضاً أنها ضمت: فارس الخوري، عن الطوائف المسيحية غير الممثلة، وقسطنطين منسي عن الروم الأرثوذوكس، وفريد أرسلانيان عن الأرمن.
يصعب على غير السوريين فهم الحادثة التالية: “عندما أصبح فارس الخوري رئيساً لوزراء سورية سكن في منزل يقابل جامع الأفرم [منطقة شورى-المهاجرين] ، وكان مؤذن المسجد هو أكرم خُلقي [رسام له محل في منطقة الطلياني] وفكر كما يلي: إن دولة رئيس الوزراء يقوم بمهمات عظيمة ولا شك أنه متعب وربما لم ينم إلا قبل قليل، وإذا رفعت صوتي بالأذان للصلاة [لم يكن وقتها هناك مكبرات للصوت] فربما أوقظه، ومصالح الناس تقتضي أن ينال الراحة الكافية ليتابع خدمتهم! واتجه أكرم خُلُقي من الباب الجنوبي ليؤذن عند الباب الشمالي! كي لا يصل الصوت إلى بيت رئيس الوزراء! وفي اليوم التالي استدعى فارس الخوري مؤذن المسجد وسأله عن سبب عدم رفع الأذان البارحة! فأخبره المؤذن بالقصة فانزعج الخوري قائلاً: هل تعلم أنني لا أنام قبل أن استمع إلى نداوة أذان الفجر واستلهم منه مايعينني على متابعة أعمالي! غداً يكون الأذان كالمعتاد! وهكذا كان”[13]
إن للمجتمع السوري خصوصيته التاريخية والاجتماعية المميزة، التي تتجلى دائماً في صور فائقة الوعي والأداء.

ثانياً: العلاقة مع الشيعة:
ربما لم يحصل شرخ في تاريخ الأمة كمثل الشرخ الذي حصل بين السنة والشيعة، ولا زال الباحث يعتقد رغم كل الإشكاليات الموجودة بين الطرفين، أن العقلاء يمكن أن يزيلوا العداء، ,حتى إذا لم يزل الجفاء، وكان للجمعية سبق في التواصل، فقد قررت “الكتابة إلى السيد محسن الأمين وإلى الشيخ عبد الفتاح الإمام، بشأن المركز التبشيري في دمشق”[14]. وذكرت المجلة مايلي: “اقترحنا على سماحته كتابة كلمة في هذا الموضوع فتفضل بهذا المقال”، ونشر بعنوان : الاتحاد سعادة والتفرق خسران ، لسماحة العلامة الأستاذ السيد محسن الأمين العاملي[15] ، وفي الهامش: وفي نفس العدد مقال[16] بعنوان : “عبرة الذكرى النبوية” للأستاذ أحمد صندوق [مدير المدرسة المحسنية].
ويقول أحمد مظهر العظمة، مخرجاً الشيعة مما ابتلي به أكثرهم نتيجة غلو بعضهم: “وعلى كل فإن هذا الطرف البعيد الذي نفخ فيه أصحاب الأغراض المسمومة ليس يعني أن التشيع كله كذلك، وإنما يعني الغلو الذي خرج بأهله عن حظيرة الحق والاعتدال.فالشيعة فرق عدة منهم المغالي المتطرف حتى بلوغ درجة الكفر فلا يعد من الفرق الإسلامية في شيء … ومنهم المقتصد الذي لم يغل هذه المغالاة بل بقي على أركان الإيمان والإسلام. ولا يلتفت إلى نقل القدح (في الشيخين أبي بكر وعمر) من غلاتهم فهو مردود عندنا وعندهم”[17].
يشير الباحث إلى مقال مهم كتبه يتعلق بالعلاقة مع الشيعة وإيران ومنعها من امتلاك الطاقة الذرية، فيرجى الاطلاع عليه [ملحق رقم 1].

[1] – عبد الفتاح الإمام، خلاصة الدواء، مجلة التمدن الإسلامي، مرجع سابق، السنة 12،1366هـ، 399.
[2]- أطلق الإسلام كلمة أهل الذمة على من يعيشون في رحاب مجتمع المسلمين من غير المسلمين (اليهود والنصارى)، والذمة في اللغة تعني: العهد والضمان والأمان، ولا يحمل الأمر أي معنى سلبي، ولكن صار هناك نفور منه عند بعض غير المسلمين معتبرين أنه يتضمن نوعاً من الوصاية غير المقبولة! في هذا الزمان، والشريعة تبحث أولاً عن المعاني ثم المباني، ولا مُشاحَّة في الاصطلاح، لذا كتب المفكر الإسلامي: فهمي هويدي كتاباً مميزاً سماه: مواطنون لا ذميون (موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين)، وقد نشرته دار الشروق، 1420هـ/1999م،ط3، وينصح الباحث بقراءته لمن تهمهم هذه المواضيع. كما ينصح بقراءة فصل مهم حول الموضوع في كتاب الجهاد للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، القاهرة، مكتبة وهبة، 1430هـ/2009م.
[3] – يشعر كثير أو قليل من المسيحيين بنوع من القلق بسبب زيادة الغرق في المحيط الإسلامي، وقد هاجر العديدون منهم بسبب ذلك، وهناك واجب أخلاقي على الجميع القيام به، وهو زيادة التراحم والتواصل بينهم، والقفز فوق الظروف القاهرة والتعكيرات الطائفية والتي تسوق الجميع إلى الهاوية.
[4] – نشر المقال باسم أبي عصام دون تفصيل، ويغلب على ظن الباحث أنه خير الله صبحي الجعفري.
[5] – استخدمت كلمة النصارى في القرآن الكريم لوصف أتباع روح الله وكلمته عيسى عليه السلام، فقال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة -82)، وقد لاحظ الباحث أن هناك عدم ارتياح من بعض المسيحيين لاستخدامها، وضمن حدود علمه فهو لا يعتقد أن هناك أي إشكال شرعي في استخدام كلمة المسيحيين إن كانت هي ما يحبه القوم لأنفسهم، مع العلم أن كلمة نصارى استخدمت من قبل المسيحيين أنفسهم تاريخياً في كثير من المواضع.
[6] – إن حوادث التصفيات الدموية في العراق طالت الجميع مسلمين (سنة وشيعة)، عرباً وأكراداً، مسيحيين ويزيديين، ولا يشك الباحث أن هناك قوى إقليمية وعالمية وراءها، ولكن الأكثر خطورة هو الاقتلاع والتصفية لبعض الطوائف الصغيرة، والتي هي أقدم سكان المنطقة، وعلى سبيل المثال فإن الطائفة السريانية هي إحدى الطوائف التي تتعرض لتصفية مخيفة في ظل صمت محلي ودولي مريب. وما من دين أنزله الله يرضى بذلك الإجرام كائناً ماكانت دوافعه، وانظر موقع: http://www.marefa.org للاطلاع على تاريخ الكنسية السريانية الأرثوذكسية.
[7] – مجلة التمدن الإسلامي، مرجع سابق، السنة 14، شعبان 1367هـ/ 1948م، 205.
[8] – انظر غلاف التمدن، مرجع سابق، السنة 11، شوال 1364هـ=1945.
[9] – انظر سجلات مستوصف جمعية التمدن في سنواته الأولى. وجدير بالذكر أن الجمعية ضمت كبار أطباء سورية، ومنهم الدكتور محمد جميل الخاني: رئيس الجمعية ونقيب الأطباء، والدكتور حمدي الخياط: نقيب الأطباء، وهما من مؤسسي كلية الطب، والدكتور شوكت الشطي والدكتورعبد الوهاب القنواتي شيخ الصيادلة ونقيبهم، وغيرهم، ومن أبرز أطبائها الحاليين الدكتور هيثم الخياط كبير مستشاري منظمة الصحة العالمية للشرق الأوسط وشمال أفريقية.
[10] – كتبت الوثيقة على الآلة الكاتبة ووقعها الأستاذ قنصل وكتب عنوانه بخطه، وتحته خط الأستاذ العظمة للكتب التي أرسلت إلى قنصل.
[11] – سجل القرارات، مرجع سابق، الجلسة 61 (24 شوال 1367هـ/ 29 آب 1948م)، 166.
[12] – نال أحمد مظهر العظمة 22254 صوتاً، ولطفي الحفار 21672 صوتاً، وصبري العسلي 20463 صوتاً، وحسن الحكيم 18166 صوتاً، وخالد بكداش 9886 صوتاً، بينما لم ينل ميشيل عفلق إلا 10630 صوتاً. وقد تدخلت الولايات المتحدة في تلك الانتخابات بشكل فج مما شرح سابقاً وغيرت من نتائجها، وانظر لتفاصيل الانتخابات: – جريدة بردى اليومية، لصاحبيها: جورج فارس ومنير الريس، السنة الثانية، العدد 301، 24 شعبان 1366هـ/13 تموز 1947م، الصفحة الرئيسية.
[13] – حدثني بالقصة أكثر من مرة: المؤرخ الدكتور شوقي أبو خليل نقلاً عن الأستاذ هاني المبارك، وكان حاضراً المؤرخ الدكتور نزار أباظة، في دار الفكر بدمشق وصاغها الباحث بأسلوبه.
[14] – سجل القرارات، مرجع سابق، الجلسة 39، (2 ذي الحجة 1357هـ/ 10ت الثاني 1938م)، الفقرة 1، 85.
[15] – السيد محسن العاملي، من كبار علماء الطائفية الشيعية، وآخر المراجع العظام في بلاد الشام، وله مؤلفات كثيرة، وكان ذا أفق واسع وحاول الخروج بالطائفة من بعض العادات السلبية، وإليه تنسب المدرسة المحسنية.
وقد نشرت المقالة في مجلة التمدن جمادى الآخرة 1367هـ/نيسان 1948م، السنة 14،6.
[16] – المرجع نفسه، مجلد السنة 14،10.
[17] – أحمد مظهر العظمة، حضارتنا، س 12، رجب 1365هـ، 223. والجملة الأخيرة منقولة عن مقدمة ابن خلدون، 164.

كُتب في المناهج | التعليقات على دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 4 مغلقة

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 5

ثالثاً: العلاقة مع العلويين:
إن بيان الحق أمانة ثقيلة، ويعتبر وضع الطائفة العلوية من المواضيع الشائكة، التي امتزج فيه التاريخي مع السياسي، وقد عانت الطائفة من تهميش واضح[1]، وعدم فهم لها، وساهمت العزلة في غلو أفراد منها وشططهم، بل تسلل خرافات خطيرة لايرضى بها علماؤهم[2]، ولا مثقفوهم، واستعملت الأطراف المقابلة موضوع التكفير والإخراج من الملة كسلاح خطير للعزل وزيادة التهميش، دون أن تحس بآلام العلويين ومعاناتهم[3] و”الشعوبيون أبعدوهم عن العالم، وحصروهم في الجبال، ومنعوهم من الاختلاط بغيرهم، وأغروا بعض المؤلفين آنئذ، فكتبوا عن العلويين (النصيرية) ما لاينبغي أن يُكتب، وهاجموهم في كتبهم هجوماً، ليس بمستحسن ولا يجوز أن نقرهم عليه…”[4] ، وإن العلوي عموماً إنسان فيه من الصفات الإيجابية ما قد يندر عند غيره، وهو شديد الحذر والارتياب، بسبب ماض أليم، ولكنه إن وثق بك صار أقرب الناس إليك[5]، وبينما كان الواجب أن يكون الإسلام هو المعصم الجامع الذي يضم الأصابع كلها[6]، فإن عدم النضوج لدى شرائح من المكون السوري! أدى إلى نزوفات دامية لم تفد أحداً[7]، بل شكلت جرحاً غائراً يجب على العقلاء من كل الأطراف أن يساعدوا على البرء منه، وفوق ذلك فإن يد السياسة الدولية، حاولت أن تزيد الشقة بين الطوائف، وقد أخفقت أثناء الاحتلال، ونجحت بعد الاستقلال!
الشيء الذي لا يعرفه الأكثرون، ولم يُشر إليه من قبل هو أنه وجد فرع أو لجنة لجمعية التمدن الإسلامي في “قضاء صافيتا، في [قرية] بيت الشيخ يونس”[8]، ومعلوم أن هذه القرية كلها من العلويين، وكانت هناك صلات قوية بين الطرفين، ويمكن معرفة أسبابها من خلال المقال التالي، لكاتب من صافيتا (بيت الشيخ يونس) يقول: “نشطت في الجبل العلوي دعايات الأجنبي، ففتكت ببعض أهلها فتكاً ذريعاً وأصبحوا على ماهم عليه من حالة سيئة، فأمسوا لايكادون يعرفون من أحكام دينهم شيئاً، نقول هذا مع العلم بأن دعاة الأجنبي المستعمر على الرغم مما بذلوا لم يسيطروا إلا على طبقة قليلة ضعيفة الإرادة كثيرة السذاجة.
ومعلوم أن العلويين من صميم الإسلام وقلب العروبة، وقد كان المستعمر يحاول أن يحقق أغراضه ومآربه فيهم، فنرجو من أولي الأمر الآن أن يصلحوا ما أُفسد، ويغرسوا مانجني منه ثمرات طيبة[9]، حتى لاتخلو مدرسة إسلامية أولية أو ابتدائية في محافظة العلويين من تطبيق درس وقواعد الدين الإسلامي في الصفوف على اختلافها، وأن تفتح مدارس كثيرة كي تكافح الأمية ، لأن ثقافة الأمة وتوجيهها إلى الأعمال الصالحة النبيلة لاتتوقف إلا على تربية النشء وتعليمه الأهداف الكاملة الشريفة، والمبادئ المستقيمة …. وهي رسالة نبينا العظيم وإسلامنا القويم، وشريعته السمحاء”[10].
وبناء على اقتراح جاء من مصياف، قرر مجلس الإدارة “السعي لزيادة عدد مقاعد [الـ] طلاب العلويين والدروز في الكلية الشرعية”[11]. كما “بُحث في معونة طالب علوي لاستكمال دراسته، وهو السيد…. فكُلف الأستاذ الخطيب السعيَ لتأمين دراسته ومنامه وطعامه في بعض المدارس”[12].
بل إن التواصل وإعادة الالتحام بلغت حداً مدهشاً، فقرر مجلس الإدارة: “التوسط بشأن الطلاب العلويين في الكلية الشرعية، وما يُطلب منهم من تقديم الكفالة، وإخراجهم من المدرسة، وتكليف الأستاذ الخطيب بذلك”[13]. ولما لم تجد الوسائط قرر المجلس: “مراجعة وزير العدل بشأن إخراج الطلاب العلويين من الكلية الشرعية، لعدم تقديم أوليائهم كفالة، رغم تسامح العمدة رسمياً بذلك عند انتسابهم، ومع الدروز تألفاً لهم وترغيباً لطلب العلم فيهم…”[14].
لقد كان عند رجال التمدن خوف حقيقي في أن ينجح الاحتلال في شق الطائفة العلوية عن الجسم الإسلامي الذي ينتسبون إليه، فبذلوا كل جهودهم لدعم إخوانهم، وفتح ما أمكن من الأبواب لهم، وقرروا “مقاومة التبشير في العلويين بتعزيز العلم والدين الإسلامي في البلدان والقرى، برعاية ذوي الوجاهة والمكانة هناك”[15]. ومن بعض جهودهم كتاب “إلى محافظ العلويين للأخذ على أيدي المبشرين”[16].
أما التواصل الإسلامي البديع فنجده في موقف المجاهد الكبير صالح العلي والذي رفض بإباء مكر البعثة البروتستانتية، فقررت إدارة التمدن التأزر معه و”إرسال كتاب شكر إلى الشيخ صالح العلي[17]في العيون، على موقفه من البعثة التبشيرية اليسوعية، التي أهدته إنجيلاً، فرده وقدم لها مصحفاً”[18].
ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الشيخ المجاهد صالح العلي [العلوي] قد توفي بين ذراعي أخيه[19] العالم السني الجليل الشيخ محمد المجذوب[20] [رحمهما الله جميعاً].

رابعاً: العلاقة مع الإسماعيليين:
قالت مجلة التمدن: ” زار دمشق للمرة الثانية السيد علي نجل سمو آغا خان ، فتفقد الاسماعيليين المرتبطين من الوجهة المذهبية بوالده ، وتبرع بإنشاء مدارس ، كما تبرع لبعض المؤسسات الخيرية ، والله سبحانه يجزي المحسنين خير الجزاء”[21] ، “فقد قال فيما قاله أن بعض جماعته ابتعدوا عن التعاليم الإسلامية وأنه سيعمل على حملهم على اتباع تلك التعاليم …. وآغا خان اشتهر بأنه من آل بيت النبوة ، فهو إذن أولى الناس بالعودة إلى ماجاء به محمد بن عبد الله r ، وهو أولى الناس بأن يجعل اللغة العربية، التي هي لغة الإسلام الرسمية ، ولغة القرآن الكريم ، ولغة محمد r اللغة الرسمية لجماعته وآل بيته ، وهو أولى الناس بأن يدافع عما أعلن الإسلام تقديسه ….. [وإن] آغا خان حريص على التضامن الإسلامي وعلى إعادة الخلافة الإسلامية ، وهذا مايحملني على أن أتوجه إلى سموه وإلى سمو نجله بأن يعملا لهذا التضامن …. وقد لمس المسلمون أن القطيعة لاتفيد الإسلام والمسلمين شيئاً …. أما الجهاد الأكبر فهو اتحاد مذهبي يعود المسلمون فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ، ويتناسون الفرقة والتعصب الذميم ، وينسون ما وقع في العصور الأولى من حروب ومشاحنات مذهبية لم يفد منها إلا أعداء الإسلام …”[22] . وقد قررت إدارة التمدن: “زيارة سلطان البهرة، والبحث معه في الشؤون الإسلامية، وطلب مساعدته”[23].
لقد كان توحيد الفرق الإسلامية، وإبعاد الروح الطائفية، وكف اليد الدخيلة هاجساً عند رجال التمدن، ومن أعمالهم: “إرسال كتاب إلى الأمير محمد ملحم، صهر الأمير سليمان العلي، تعزيزاً للدعوة التي أرسلها [إلى] الأخير منهما؛ آغا خان بوجوب تضامن الإسماعيليين مع إخوانهم المسلمين، ودعوته للعمل بذلك”[24].

سادساً: العلاقة مع الدروز:
إن الحال في العلاقة مع الدروز مشابهة لما كانت مع غيرهم من الطوائف التي تنتسب في النهاية إلى الإسلام، وقد دعت الجمعية “لسماع محاضرة يلقيها الصحفي الأديب السيد رفيق وهبة موضوعها : بنو معروف في أدوار التاريخ ، في مدرج الكلية العلمية الوطنية … يوم السبت 6ربيع الأنور 1364هـ/17 شباط 1945م”[25]. ويلاحظ أن هذه الأعمال كلها قد تمت قبل الجلاء، مما يبرز الحرص الشديد للجمعية على لم صفوف أبناء الأمة جميعاً.
وقد أسلفنا كيف أن الجمعية توسطت للطلاب العلويين والدروز لقبولهم في الكلية الشرعية، وأنها راجعت وزير العدل من أجلهم” تألفاً لهم وترغيباً لطلب العلم فيهم…”[26].
يلاحظ لم الشمل من خلال ماحصل إذ أنه “أثناء القصف الفرنسي لدمشق [آيار 1945] هبت حوران وبنو معروف في جبل العرب لنجدة دمشق، ولكن قوات الحلفاء تدخلت، “وتم إخضاع القوة الافرنسية الباغية بقوة حليفة، وبودنا لوكانت قوة عربية، لكان ذلك …. أشفى للصدور”[27].
مما لا يعرفه الكثيرون أيضاً أن أحد أهم رجال جمعية التمدن هو بقية الأمراء التنوخيين الذين تعرضوا للمذابح في لبنان، ولم ينج منهم إلا طفل صغير، صار حفيده من أهم العلماء وهو عز الدين التنوخي[28] : (1889-1966م) : الملقب علم الدين، والده محمد أمين شيخ السروجية الدمشقي ، من كبار علماء اللغة والأدب ، درس في مدرسة الفرير بيافا ، ثم في الأزهر خمس سنوات ، وكان من أقرب أصدقائه الشيخ عز الدين القسام.
درس التنوخي الزراعة في فرنسة من عام 1910-1913م ، وخدم في الجيش العثماني ثم فر إلى الجوف فالبصرة فعمل في جريدة (الأوقات الرسمية) وبعدها التحق بجيش الشريف فيصل ثم استقر بمصر ، وعاد إلى سورية ، ففلسطين فبغداد ، ورجع دمشق نهاية عام 1931 ، فانتخب أمين سر مجمع اللغة العربية وهو من مؤسسيه الأوائل، ونائب رئيسه لاحقاً ، وعضو مراسل للمجمع العراقي ، وعمل أيضاً مديراً لمعارف السويداء فمفتشاً للمعارف بدمشق ، ودرس في دار المعلمين ببغداد والشام ، وفي جامعة دمشق ، وهو أحد أهم رواد التعريب في مجال الفيزياء ، وقد حقق مجموعة من نفائس التراث ، وله كتب في الأدب ، وترجم عن الفرنسية عدة كتب في الفيزياء والأدب.

سابعاً: النظرة إلى اليهود:
رغم أن هناك عداء تاريخياً بين المسلمين واليهود، ابتدأ منذ بداية الدعوة الإسلامية، إلا أن الإسلام يطلب الإنصاف بل البر من أتباعه، فيقول تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[29]، وهذه الروح دعت جمعية التمدن إلى أن تكتب إلى علوبة باشا في القاهرة باقتراحات تراها الجمعية صالحة للقضية الفلسطينية، ومما جاء فيها: “نشر تصريحات أكابر اليهود في الأقطار العربية بأنهم يتبرؤون من الصهيونية ولا يناصرونها”[30].
وهذا البيان يوضح تمييز الجمعية بين الصهيونية كحركة سرطانية عنصرية، واليهود كأتباع دين خصه الإسلام بالاحترام.
وبينما لم يتجاوز الفكر الإسلامي موضوع الدندنة على التحرير العسكري، فقد كان فكر التمدن أكثر عمقاً، حيث يلفت النظر في العدد الصادر في أول العام الرابع عشر بتاريخ شعبان 1367هـ الموافق حزيران 1948م كتاب مفتوح إلى اللجنة العربية العليا في فلسطين حول مشروع يمكن أن يساعد في إنقاذ فلسطين، : “وملخص هذا الرأي أن تستثمر فلسطين استثماراً جماعياً…. كما تستثمر الشركات المساهمة…. إن استثمار الفلاح العربي لأرضه منفرداً لا يتفق وروح الزمن الحاضر، وخاصة في فلسطين التي أصبحت فيها الصهيونية تدير مستعمراتها بطريقة مشتركة، إن الاستثمار المشترك يساعد على التقدم السريع والاستفادة من المخترعات الحديثة.
.. يقولون إن اليهود أغنياء وعلماء! وأنا أقول كلا! وإنما أصبحوا أغنياء باتحادهم! وأصبحوا علماء بمعرفتهم كيف يستفيدون من العلماء! فهل هناك مانع يمنع من أن نحذو حذوهم في استثمارهم المشترك!
أيها العرب! أيها المسلمون في أطراف الأرض إذا كنتم تحبون فلسطين فجودوا عليها بالمال.فليس كالمال المنظم من منقذ لها مبدئياً”[31].
كم جاء في مقال آخر يتكلم بواقعية شديدة عما ينبغي القيام به في فلسطين: “وإنني أحب أن ابتعد قليلاً عن آفاق الشعور العربي القائل: لنا الصدر دون العالمين أو القبر، فأريكم ميداناً من ميادين العمل فأحدثكم بالشعور المادي، والتنظيم الاقتصادي … إنكم لو نظرتم إلى فلسطين باعتبارها تربة ومزرعة، وأنشأتم الشركات التي تحب المال، تحب الربح، إذاً لاستملكتم أراضي فلسطين بشركات تعاونية أو مساهمة، تبذرون أسهمها في جميع الأقطار العربية إن لم تحتاجوا ما وراءها من ديار النصرة … لقد كانت عواطفنا غالبة ومساعينا هزيلة … وإن ماصارت إليه قضيتنا في فلسطين هو ثمن هذا الموقف الهزيل، فاعرفوا قيمة الأعمال بنتائجها، ولا تؤخذوا بأوهام مخادعة …”[32].
[1] – لا يتحدث الكاتب بالطبع عن بعض العناصر الفاسدة، والتي لا تخلو طائفة منها، والتي ربما تستغل طائفتها بانتهازية مخيفة، وتتاجر بآلام الناس لركوب مصالحها الخاصة سياسية كانت أم اقتصادية أم دينية، بل يتحدث الباحث عن العلويين ككيان بشري، عاش مهمشاً دون أن تمتد إليه يد حانية، وقلب مفتوح، بحيث يساعد على فهمه وإدراك معاناته، وينصح الباحث بقراءة كتاب: منير الشريف، المسلمون العلويون، من هم؟ وأين هم؟ وقد طبعته المطبعة العمومية بدمشق طبعة ثانية عام 1960.
[2] – كان للباحث تجارب شخصية إيجابية ومثمرة مع بعض أفراد الطائفة العلوية، ويخص منهم بالذكر العالم الجليل الشيخ محمد الحكيم رحمه الله، والمفكر والشاعر داعية حقوق الإنسان الدكتورمحمود صارم، والعميد محمد سليمان رحمه الله.
[3] – اطلع الباحث ومن قبل أطراف موثوقة على حوادث تقشعر لها الأبدان، وظلم مخيف، تعرض له أبناء وبنات الطائفة العلوية قبل عشرات السنين، مما يخجل التاريخ من ذكر مرارته، ولكن في نفس الوقت فإنه ليس ذنب أي طائفة ظهور مفسدين ينتسبون إليها، ويجرون طوائفهم لدفع ثمن باهظ نتيجة ظلمهم وفسادهم، لأنهم كما أفسدوا في غيرهم فقد أفسدوا في طوائفهم التي ينتسبون إليها وظلموها، (يمكن الاطلاع على قصة حزينة بعنوان: شروال برهوم للأديبة نادية الغزى، وهي تشرح جزءاً من معاناة الناس)، وقد آن للأمة بكل مكوناتها أن تخرج من عقد التاريخ، وتبني المستقبل، وتناقش الإشكاليات الموجودة ببصيرة موضوعية، وقلوب مفتوحة.
[4] – منير الشريف، المسلمون العلويين، مرجع سابق، 155.
[5] – المرجع نفسه، راجع فصل: نفسية العلوي 145-150.
[6] – عبارة مقتبسة من كلام العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في مناسبات عدة، وهو ينتقد الفكر الذي يمزق الأمة.
[7] – كانت حوادث الثمانينات الدامية تتويجاً للجهل المتبادل بين السلطة والجماعات الإسلامية، والذي بدأ بعد الاستقلال من خلال المراهقات السياسية والتوترات التي كانت تعيشها كل التبارات والطوائف ولم يستطع أحد أن ينجو من دوامتها.
[8]- سجل القرارات، مرجع سابق، الجلسة 9(1022 صفر 1364م/ 5 كاون الثاني 1945م)، الفقرة السابعة، 136.
[9] – في الأصل: طية.
[10] – حامد محمود ياسين، الجبل العلوي يتوق إلى التعليم الإسلامي، التمدن، السنة11، (ذو الحجة 1364/تشرين الثاني1945)،300.
[11]- سجل المقررات، مرجع سابق، الجلسة 66 (16 رمضان 1362/15 أيلول 1934م)، 129..
[12] – المرجع نفسه، الجلسة 6 (26 ربيع الثاني 1378هـ/9 تشرين الثاني 1958م)، الفقرة 3، 223.
[13] – سجل المقررات، مرجع سابق، الجلسة 101 (18 محرم 1364هـ/1 كانون الثاني 1945م) ، فقرة 3، 135.
[14] – المرجع نفسه، الجلسة 102 (25 محرم 1364هـ/ 8 كانون الثاني 1945م) فقرة 1، 135.
[15] – المرجع نفسه، الجلسة 4(13 شباط 1358هـ/3 نيسان 1939م)، الفقرة 4، 89.
[16] – المرجع نفسه، الجلسة 12،(9 ربيع الآخر 1357هـ/8 حزيران 1938م)، 77.
[17] – صالح العلي (1883-1950)، مجاهد كبير، وقائد وطني، ولد في قرية المريقيب التابعة لقضاء طرطوس، قاد الثورة ضد الفرنسيين في جبال العلويين لمدة ثلاث سنوات، وأرهق قوات الاحتلال الفرنسي وانتصر عليها في عشرات المعارك، قبل محاصرة قواته في قرية الشيخ بدر، وإجباره على الاستسلام، وقد دفن إلى جانب المسجد الذي بناه. وانظر للاستزادة:
-جميل شاكر الخانجي، ثوار صنعوا الاستقلال، مرجع سابق، 353-360.
[18] – سجل المقررات، مرجع سابق، الجلسة 12 (9 ربيع الآخر 1357هـ/8 حزيران 1938م)، 77.
[19] – سمعت هذه الرواية من العديد من الأشخاص من أهل الساحل، ثم وجدت مقالة للدكتور خالد الأحمد، يذكر فيها صراحة أنه سمع ذلك في المدينة المنورة من الشيخ المجذوب، والمقالة منشورة على الموقع التالي:
http://www.asharqalarabi.org.uk/mushrakat/b-mushacat-207.htm.
ولم يتسن لي الاتصال بحفيده العالم الفاضل الشيخ فداء المجذوب، ولعلي أستدرك ذلك قريباً.
[20] – محمد المجذوب (1907- 1999)، عالم وداعية وأديب وشاعر، ولد في طرطوس، وشارك في مقاومة الفرنسيين واعتقل واضطهد، وكان من وجوه الإسلاميين في الساحل السوري، وعمل في التربية والتعليم في سورية والسعودية، وله أكثر من خمسين مؤلفاً في الفكر والأدب والشعر. وانظر في ترجمته:
-إتمام الأعلام، نزار أباظة-محمد رياض المالح، دمشق، دار الفكر، ط2، 1424هـ/2003م، 411. ومقالة بعنوان: محمد المجذوب كما عرفته، بقلم: محمد نعسان عرواني http://www.odabasham.net/show.php?sid=894.
[21] – مجلة التمدن، مرجع سابق، مجلد 14 – ص96. آيار 1948م. ومحضر الجلسات، مرجع سابق، السنة 1364هـ، الجلسة 9 الفقرة الرابعة.
[22] – مجلة التمدن، مرجع سابق، السنة 14، 97.
[23] – سجل القرارات، مرجع سابق، الجلسة 3، (3 ربيع الأول 1356هـ/12 آيار 1937)، 62.
[24] – المرجع نفسه، الجلسة 61(10 شعبان 1362هـ/ 11 آب 1934م) الفقرة 2، 128.
[25] – بطاقة دعوة باسم الجمعية.
[26] – سجل القرارات، مرجع سابق، الجلسة 102 (25 محرم 1364هـ/ 8 كانون الثاني 1945م) فقرة 1، 135.
[27] – أخبار العالم الإسلامي، مجلة التمدن،11، (جمادى الثاني 1364)، 6، 75.
[28] – خير الدين الزركلي، الأعلام ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط4، 1979، 4،229.
[29] – سورة المُمتحَنة، آية 8.
[30] – سجل القرارات، مرجع سابق، الجلسة 22، (5 رجب 1357هـ/26حزيران 1938)، الفقرة الرابعة، 81.
[31] – محمود مهدي الاستانبولي، مجلة التمدن الإسلامي، مرجع سابق، السنة 12، جمادى الأولى 1365هـ، 127.
[32] – محمد بن كمال الخطيب، المرجع نفسه، كيف ننقذ فلسطين، السنة 12، شعبان 1365هـ، 275-277.

كُتب في المناهج | التعليقات على دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 5 مغلقة

دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 6

خلاصة البحث:

أظهر البحث مايلي:
· للسياسة الدولية يد ملحوظة في إثارة واستثمار المشاعر الطائفية، بما يخدم مصالحها، من خلال التفرقة، وإثارة العداوات بين مختلف الطوائف.
· تواصل الطوائف مع بعضها وإدراكها لأحوال كل منها أحد مفاتيح التعامل الإيجابي فيما بينها.
· التراحم الطائفي أمر أعمق من التسامح الطائفي، وهو قائم على وقائع تاريخية ثابتة، ويجب إعادة إحيائه من جديد.
· النقاط غير المضيئة في العلاقات بين الطوائف ليست قدراً يتحتم البقاء في أسره.
· يقدم الإسلام بمعناه الواسع ساحة رحبة للالتقاء والتواصل.
· قدمت جمعية التمدن الإسلامي بدمشق ريادة فكرية وعملية في التعامل الطائفي، جدير بأن تعمم ويستفاد منها.
· لا يمكن للسياسة الدولية أن تحدث شروخاً طائفية أو تثير النعرات في ظل وعي وتراحم أصيل.

واختصر كل بحثي فيما قاله أحد كبار رجال جمعية التمدن الإسلامي ، وأحد أدمغة الاقتصاد السوري في الخمسينات، ومدير مصرف سورية المركزي، الدكتور عزت الطرابلسي رحمه الله:
“من ( أنانية ) الإنسان الفردِ أنه يحب احتكار الخلق الطيب والصفة الحسنة ، فيسوؤه أن يراهما في غيره .
أليس من أنانية (الإنسان المجموع) إذاً (كالأمم المستعمِرة) أنها تحب أن تنفرد بالصفات الحسنة : بالحرية والاستقلال !
يقولون “أنْ ليس للوطنية دين فقلت لهم : ألا يكفي أن تكون ديناً [رابطة] للجميع؟”[1].

جريدة المراجع

1- ابن بطوطة، الطنجي، محمد بن عبد الله (779هـ/1377م)، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، القاهرة، المطبعة الأزهرية، 1346هـ/1928.
2- أبو صالح، عبد القدوس، مذكرات الدكتور معروف الدواليبي، تحرير: محمد علي الهاشمي، الرياض، مكتبة العبيكان، 1426هـ/2005م.
3- الأسطواني، محمد سعيد ، مشاهد وأحداث دمشقية في منتصف القرن التاسع عشر، تحقيق: أسعد الأسطواني، دمشق، دار الجمهورية، 1994.
4- بدران، عبد القادر، منادمة الأطلال ومسامرة الخيال، بيروت، دار ابن عابدين، ط2، 1406/1986.
5- بريك الدمشقي، ميخائيل، تاريخ الشام (1720-1782)، تحقيق وتقديم أحمد غسان سبانو، سلسلة دراسات ووثائق تاريخ دمشق الشام (3)، دمشق، دار قتيبة، 1402هـ/1982م.
6- آل جندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، دمشق، مطبعة الاتحاد، 1960.
7- الحكيم، حسن، صفحة من حياة الشهبندر، دم، مطابع الجمعية العلمية الملكية، 1980.
8- الحصري، ساطع (أبو خلدون)، يوم ميسلون (صفحة من تاريخ العرب الحديث)، بيروت، مكتبة الكشاف، ط2، 1948.
9- الخانجي، جميل شاكر (1898-1976)، ثوار صنعوا الاستقلال (صفحات مضيئة من تاريخ الثورة السورية)، إعداد وتحرير: نشأت جميل الخانجي، دمشق، دار الشرق، 1429هـ/2008م.
10- الخوري، فارس، أوراق فارس الخوري، بعناية كوليت خوري، دمشق، دار طلاس، ط2، 2001، المجلد الأول/2.
11- زرزوز،محمد عدنان، مصطفى السباعي (الداعية المجاهد والفقيه المجدد)، دمشق، دار القلم، ط2، 1424هـ/2003م.
12- الشريف، منير، المسلمون العلويون، من هم؟ وأين هم؟ وقد طبعته المطبعة العمومية بدمشق طبعة ثانية عام 1960.
13- الصواف، محمد شريف، موسوعة الأسر الدمشقية، دمشق، بيت الحكمة، ط2، 1431هـ/2010م، المجلد الأول/3.
14- العبد، حسن آغا، حوادث بلاد الشام والامبراطورية العثمانية، تحقيق يوسف جميل نعيسة، دار دمشق، 1986.
15- العظمة، عبد العزيز، مرآة الشام (تاريخ الشام وأهلها)، تحقيق: نجدة فتحي صفوة، دمشق، دار الفكر، ط2،142هـ/2002م.
16- عياش، عبد القادر ، معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين، دمشق، دار الفكر، 1405هـ/1985.
17- القرضاوي، يوسف، فقه الجهاد، القاهرة، مكتبة وهبة، 1430هـ/2009م، 2م.
18- نعيسة، يوسف جميل، مجتمع مدينة دمشق، (1186-1256هـ/1172-1840م)، دمشق، دار طلاس، ط2، 1994.
19- كيالي، نزار، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر (1920-1950) ، دمشق ، دار طلاس ، 1997. – وجيه الكوثراني، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين (قراءة في الوثائق)، معهد الإنماء العربي، طرابلس الغرب، 1980.
20- المالح، محمد رياض، عالم الأمة وزاهد العصر: العلامة المحدث الأكبر بدر الدين الحسني، دمشق، 1397هـ/1977م.
21- المالح، محمد رياض- نزار أباظة، إتمام الأعلام، ، دمشق، دار الفكر، ط2، 1424هـ/2003م.
22- الموصلي، منذر، البحث عن الحقيقة (المرشدية وسليمان المرشد)، دمشق، دار المروة، ط2، 1429هـ/2008م.
23- اليافي، عبد الكريم، الدين والإحياء الروحي في الوطن العربي اليوم، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 2004.

24- ashreb-achrek, N 198-Hiver,Paris, 2008-2009.
25- http://www.asharqalarabi.org.uk/mushrakat/b-mushacat-207.htm.
26- http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/04/100411_sudan_elex_ carter_tc2.shtml
27- http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1173695208143 &pagename=Zone-Arabic-Daawa%2FDWALayout

28- http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=9706&article=307826

29- http://darbuna.net

30- http://www.odabasham.net/show.php?sid=894.

31- http://www.islamwijzer.nl/forums/vbnews.php?do=viewarticle&artid=94&title=Open%20brief%20aan%20Wilders
32- مجلة التمدن الإسلامي، جمعية التمدن الإسلامي، دمشق (1935-1982) أعداد مختلفة
33- جريدة بردى اليومية، جورج فارس ومنير الريس، السنة 2، العدد 301، 24 شعبان 1366هـ/13 تموز 1947م.
34- سجل القرارات لجمعية التمدن الإسلامي، (1932-1961).
35- سجل مستوصف جمعية التمدن الإسلامي (1959-1960).
36- نظام جمعية التمدن الإسلامي، شهر برقم 490 وتاريخ 8 حزيران 1960.

ملحق رقم ( 1 ) مقتطفات من مقال بعنوان : الذين يتوبون ويَذَّكَّرون
حول العلاقة مع الشيعة وملف إيران النووي (كتبه: أحمد معاذ الخطيب الحسني ، بتاريخ 2 تشرين الثاني 2007م)
يمكن الاطلاع على المقال الأصلي في الموقع التالي: http://www.darbuna.net/word/?ID=780
ليس الاعتراف بالخطأ سهلاً كما قد يتصور البعض، بل هو عملية جذرية في التفكير والتصورات والمبادئ والأصول الشرعية وتقدير المصالح، والموازنة بين الهدف القريب والبعيد.

لنأخذ مثالاً عن ذلك ملف إيران النووي، والحشد الغربي الدولي ضدها. لقد عانى المسلمون تاريخياً من شرخ حاد بسبب الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة، ولكنني أزعم أن الاحتقان الموجود الآن لم يسبق قط ، وكان الصراع يعمل على المحور السياسي ثم العلمي والفقهي، وقد تتفاقم الأمور فتتسرب إلى العامة فتحصل اشتباكات واعتداءات لا تلبث أن تنطفئ ويعود الناس إلى حياة طبيعية فطرية، ويتجاورون ويتزوجون من بعضهم ويتبايعون رغم كل الخلافات، لأن الحامل الشرعي الفطري ثم الاجتماعي الذي يضمهم يبقى مهما حصل أكثر زخماً من التفعيل السياسي أو السجال العلمي أو التناوش والصدام العملي، الذي قد يحصل في أماكن تبقى محدودة ولا تنتقل لتصبح فتنة عارمة.

لماذا لم ينتبه أحد إلى أن إذكاء الفتنة الطائفية يتجه إلى مستويات مخيفة بسبب الحقن من كل الأطراف، ولماذا لم ننتبه إلى أن الأسباب التي نختلف عليها كانت موجودة ولكن ساحتها لم تكن أبداً بالاتساع والحجم الذي تحتله اليوم! بل إن مافي بطون الكتب من الصراعات المذهبية شيء مذهل حقيقة، ولكنه بقي في الكتب وقد يطل برأسه في صراعات محدودة ولكنها لا تغير لون كافة المجتمعات.

الموجود اليوم هو تجييش سياسي ماكر، وليس فقط عداءً عقدياً أومذهبياً فالعقيدة والمذهب والطائفة موجودة كلها سابقاً ولم تؤد إلى مانحن فيه.

ابحث عن النخر الداخلي الذي جعل الدول الكبرى قادرة على ضخ الفتنة في مجتمعاتنا، وابحث عن السبب في أن التهيئة لعمل عسكري ضد إيران صار الحديث عنه عادياً، وقد يحصل، ولكن الأخطر هو موقف الدول الإسلامية المتخاذل، وأكثر منه خطراً الموقف النفسي للحركات الإسلامية! والتي قد تعطي انطباعاً للساحة الشعبية بعدم أهمية الأمر وأنه لا يخصنا!

إن الحسرة السنية بسبب الغزو الشيعي المدعوم من الدولة الإيرانية ليس سبباً كافياً للصمت حيال احتمال الاعتداء على إيران، ولنفترض أننا نختلف عن الشيعة في العقيدة خمسين بالمائة وفي الفقه عشرين بالمائة (مجرد افتراض) فإن اختلافنا مع الغرب الماكر في العقيدة تسعين بالمائة …

إن امتلاك إيران للقوة النووية لا يؤذي أي سني لكنه رادع مرعب للقوى المتكالبة على العالم الإسلامي، والعدوان على إيران زيادة في الهيمنة على المنطقة والتكالب على ثرواتها وتعميق لغزو ثقافي واجتماعي يزداد تجذراً في العالم الإسلامي.

بصراحة من المنطقي والشرعي أن نرفض أي مس بإيران ونعتبر ذلك عدواناً على الأمة المسلمة كلها.

هذا الرفض إنما هو للعدوان، ولكن هناك مسألة أخطر قد لا ننتبه لها، وهي أن السلاح النووي كله إنما هو لعنة على البشرية، وأعتقد من الناحية الشرعية أنه لا يدخل فيما أمرنا بإعداده من القوة، فإن التوحش وإفناء البشر ليس من مقاصد الشريعة بل من مصادماتها.وما امتلكته الدول الإسلامية حتى الآن من سلاح وعتاد وجيوش لم يُجد نقيراً ولا قطميراً في وجه الغزاة، ويظهر أن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية لم تكن صادقةً يوماً في صدها للغزاة والمحتلين وإنما كانت خنجراً في ظهر شعوبها ومتاجرة بالشعارات وهي تنظر بدم بارد إلى الشعوب تذبح بين أيدي المحتلين، ومن يقاوم الاحتلال دائماً هم أبناء الأمة الضعفاء والمهمشين والمصادرين ، وخصوصاً الإسلاميين الذين لا يستطيعون بيع مبادئهم وتبقى بلادهم وأهلوهم عزيزين عليهم فيفدونهم بأرواحهم وهم الذين لم يلقوا منهم إلا الأذى والمشانق والسجون والتنكيل.

ومسألة أخرى: إن من الخطأ الجسيم للأمة المسلمة أن تحاول مجاراة عدوها فيما هو من خصائصه من الهمجية والتوحش، بل عليها تعميق خصائصها الإنسانية وتفعيل دورها الحضاري كرائد في عالم القوى اليوم.

يجب أن ندرك أن مازلنا نملكه من خصائص لا يزال يشكل فتنة وسحراً لعالم اليوم وللمجتمعات البشرية التي يزيد تخبط أنظمتها، وأن ما نحن فيه من عطالة، وما يسيطر على بلاد المسلمين من غرق في التاريخ وخضوع للأنظمة المتخلفة السياسية والدينية ومفرزاتها الاجتماعية هو أكبر الصادات وعوامل الشلل التي تمنع الأمة من الانطلاق.

يجب أن نعطي اللحظة الحاضرة حقها فنرفض العدوان على أي بلد مسلم، بل أي بلد مظلوم، ويجب أن نعطي المستقبل حقه فلا نجري في المنظومات التي تستهلكنا ولا نظن أن امتلاك السلاح النووي هو مفتاح القوة … هذه الدولة الباغية (إسرائيل) يقال أنها تمتلك أكثر من مائة قنبلة ذرية! ولكنها لا تستطيع أن تستخدمها عندما يكون السلاح هو الحجر! والجنود هم الناس … هي فقط تستطيع ردع الأنظمة!

يكفي أن ينظر البشر إلى ما استهلكته الحروب المعاصرة من الأموال وأفنته من البشر وحملته من الرعب والدمار والفتن ليعلم أن تكديس السلاح من أعظم الذنوب، وكلما غرقت الأمة في الجهل أنفقت على السلاح، ونست التعليم والصحة والمعرفة والبحث والتطوير، والاستقرار النفسي والاجتماعي، ولا ينبئك مثل بلاد العرب المتخلفة عن أمثال ذلك المصير.
[1] – عزت الطرابلسي، مجلة التمدن الإسلامي،مرجع سابق، السنة الأولى، العدد الرابع، 1935م.

كُتب في المناهج | التعليقات على دور السياسة الدولية في إثارة النعرات الطائفية والوعي الإسلامي تجاهها – 6 مغلقة

المرأة والأسلمة .. أبعاد معاصرة في العلاقات بين الرجال والنساء

في تحليل أدوار النساء في الصحوة الإسلامية المعاصرة الاستناد إلى نموذج ثابت تظهر فيه المرأة كضحية لقهر” ذكوري” وتحيز وقمع ضدها، ويحاول هذا الكتاب الجديد الذي يحوي مقالات و دراسات شتى صدر حديثاً في أكسفوردبانجلترا عن منشورات بيرج لكارين آسك وماريت تيجومسلاند (محررتين) تحت عنوان: “المرأة والأسلمة: أبعاد معاصرة في العلاقات بين الرجال والنساء” أن يفتح آفاق لتفسيرات حول المشاركة النساء الحالية في التحول للأسلمة والحركات الاجتماعية الإسلامية، بحيث تتجاوز التصنيفات الاستشراقية السائدة عن التحول لضحية للدين ورجاله وتزييف وعيها بحقوقها ،فيبحث الكتاب خلال فصوله المختلفة من خلال بحوث ميدانية محاولاً تحليل و فهم الظواهر التي تقدَّم في الخطاب الغربي -العام والأكاديمي- بشكل مشوه تحت شعار الأصولية الدينية، وتسعى المساهمات المختلفة من خلال بحث عدد متنوع من الممارسات الدينية و الاجتماعية الإيجابية في عدد البلدان الإسلامية إلى وصف و فهم الدين كممارسة تحدث في الحياة اليومية، ولهذا تظهر بفعالية في خبرة المرأة المؤمنة، ولا توجد به أوصاف نمطية للحركات الإسلامية مثل نعتها بالتخلف أو السلطوية أو غياب العقلانية، بل المصطلحات المستخدمة في الكتاب عادة هي الإسلامية والممارسات الإسلامية، وهنا محاولة جادة لتحليل السبل التي تطور بها النساء المسلمات أصواتاً مسموعة ومشاركة ملموسة في عملية الأسلمة.

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كتب | التعليقات على المرأة والأسلمة .. أبعاد معاصرة في العلاقات بين الرجال والنساء مغلقة

مدرسة رمضان تفتح أبوابها

للأستاذ الدكتور أحمد الريسوني
ها هي مدرسة رمضان تفتح أبوابها كالمعتاد، في موعد سنوي لا يتخلف منذ تأسيسها في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وهي السنة التي فرض فيها الصوم في الإسلام. أي أنها منتظمة منذ أربعة عشر قرنا و 28سنة.

فشهر رمضان وصيام رمضان مدرسة حقيقية للتربية والتعبئة والتكوين والتدريب. ولو بحثنا لوجدنا جميع المتدينين مدينين في صلاحهم وتدينهم لمدرسة رمضان. فإما فيها بدأ تحولهم والتزامهم، وإما بفضلها يرممون ما يتضعضع من أحوالهم، وإما فيها يجددون عزائمهم، وإما في أجوائها يرتقون في مراتبهم …

مدرسة رمضان – كما هو معلوم – لا تستمر سوى شهر واحد، ولكنها تقدم مواد دراسية وتداريب عملية مكثفة، بمستويات عالية الجودة والفعالية، مما يجعل الشهادة المحصلة للناجحين، تفوق في قيمتها الشهادات المحصل عليها في سنة كاملة أو حتى في عدة سنوات، من الدراسات العادية. أما موادها الدراسية والتطبيقية فهي:

* مادة الصوم

* مادة احترام الوقت

* مادة الصلاة

* مادة القرآن الكريم

* مادة الكرم والإنفاق

* مادة التزاور والتغافر
* فأما المادة الأولى، فهي المادة الرئيسية في مدرسة رمضان، وهي التي تستغرق أكبر عدد من الساعات الدراسية. ومن ضمنها الامتناع والانقطاع عما هو مباح من شهوات البطن والفرج من الفجر إلى الغروب، ومن باب أولى الامتناع والانقطاع عما هو محرم من أصله.

ومقصود هذه المادة هو تمكين الصائمين من تحصيل التقوى وتدريبهم على ممارستها. وهو المقصد الذي أشارت إليه الآية الكريمة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة/183].

والتقوى في جوهرها منهج سلوك يتسم باليقظة والانتباه والاحتياط، ومقتضاه أن الإنسان عند كل خطوة يريد يقدم أن عليها: ينظر فيها، وينظر حواليها، وينظر ما قبلها وما بعدها.. وبعد ذلك يُقدم عن بينة ويمشي على بصيرة. وبيان هذا ومثاله ما روي “أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل أبيَّ بنَ كعب عن التقوى؟ فقال له أُبيّ: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى قال: فما عملتَ؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى”

ومِثلُه عن أبي هريرة: “أن رجلاً قال له: ما التقوى؟ فقال: هل أخذتَ طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم . قال: فكيف صنعت؟ قال : إذا رأيتُ الشوك عدلتُ عنه ، أو جاوزته ، أو قصُرت عنه ، قال: ذاك التقوى”

وقد نظم الشاعر هذا المعنى بقوله:

خَـلِّ الذنوب صغيـرَهـا … وكبيـرَهـا، ذاك التُّـقَى

واصنع كماشٍ فوق أر… ض الشوك يحذر ما يرى
فالصائم حين يصبح ويظل حذرا متيقظا، خشية أن يتناول ما يفسد صومه، من جرعة ماء، أو حبة تمر، أو لقمة طعام…، وحين يغفل لحظة ثم ينتبه فيسحب الطعام أو الشراب من بين شفتيه، وحين يمسي خائفا متوجسا أن ينطق بكلمة غيبة أو كذب أو شهادة زور… وحين يغدو صارفا سمعه بصره عن هذه وتلك وهذا وذاك …، وحين يُغضبه أو يستفزه أحد فتـثور ثائرته، لكنه يتذكر ويقول: اللهم إني صائم…، وحين يهُمُّ بكسب حرام ثم يخاف على نفسه وعلى صيامه … حينئذ يكون فعلا “كَمَاشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى”، وتلك هي التقوى… وهو المعنى الذي يعبر عنه المغاربة بالمشي على البيض …

* وأما مادة احترام الوقت، فهي أن الإحساس بالوقت وضبطه والتقيد به، يكون في رمضان بما لا مثيل له ولا قريب منه في أي وقت آخر من السنة. فشهر رمضان يعده الناس يوما بيوم، فلا يكاد أحد يخطئ أو يتردد في كم مضى منه وكم بقي. بل يعدون أيامه ولياليه ساعة بساعة، ويعدون بعض مواعيده دقيقة بدقيقة، كما هو شأن وقت الإمساك ووقت الإفطار. وهذا فضلا عن ضبط مواعيد الصلوات الخمس وصلوات التراويح.

* وأما مادة الصلاة، فهي وإن لم تكن خاصة برمضان، فإنها تعرف في رمضان زيادة كبيرة كما وكيفا، سواء بالمحافظة على أوقات الصلوات، أو بأدائها في المساجد والجماعات، أو في

زيادة الصلوات النافلة، وخاصة منها صلاة التراويح. ولكن أهم ما تعرفه الصلاة في رمضان هو كثرة المنخرطين الجدد في صفوف المصلين.

* أما مادة القرآن الكريم، فتأتي أهميتها وخصوصيتها من كون رمضان هو شهر القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة/185]. وكان جبريل عليه السلام يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيدارسه ويعارضه القرآن مرة أو مرتين كل رمضان.

* وأما الكرم والإنفاق ، فهما أيضا مما يتضاعف ويزدهر في مناخ رمضان. وذلك أثر من آثار الصيام والإقبال على الله في هذا الشهر الذي يوصف بالشهر الكريم. فحينما يهنئ الناس بعضهم بحلول رمضان يقولون: “رمضان كريم” . فرمضان شهر الجود والكرم والإنفاق، وفيه اشتهرت “موائد الرحمن” قديما وحديثا. وهذا مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجود الناس ، وكان أجود ما يكون فى رمضان، حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلَرسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجود بالخير من الريح المرسلة”

وهو القائل عليه السلام: “من فطَّر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا”

ومن أسباب ما يقع في رمضان من ارتفاع في أثمان المواد الغذائية و المواد الاستهلاكية عموما، كثرة الإطعام للفقراء، وكثرة الصدقة والإنفاق عليهم. ويتوج ذلك بإخراج زكاة الفطر في الأيام الأخيرة من رمضان وصبيحة الأول من شوال.

غير أن أعظم كرم يعرفه رمضان هو كرم الله تعالى الموصوف في الحديث النبوي الشريف:” إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ كل ليلة: يا باغى الخير أقبل، ويا باغى الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة”

* وأما مادة التزاور والتغافر التي يكثر تداولها في رمضان، بين الأقارب والجيران والأصدقاء، فلأن رمضان شهر المغفرة والتغافر، فمن يحب أن يغفر الله له فليغفر وليتغافر مع عباد الله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور/22].

ومعلوم أن الأعمال الصالحة والإنجازات الناجحة – وهي كثيرة في رمضان – تبقى موقوفة القبول عند الله تعالى لكل من بينهم خصومة وقطيعة وتدابر. فمن هنا يبادر الناس إلى التزاور والتغافر والتصالح والتسامح في رمضان. ومن لم يكن عندهم شيئ من هذا، فتواصلهم وتزاورهم خير على خير في شهر الكرم والخير.

وبقي أن أذكِّر كافة المسجلين في مدرسة رمضان أن الامتحانات النهائية تبدأ منذ “العشر الأواخر” من الشهر الكريم، وتبلغ ذروتها في ليلة القدر. وفي هذا الصدد يجب على الجميع أن يتذكوا قول السيدة عائشة رضي الله عنها: “كان النبى – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل العَشرُ شد مئزره ، وأحيى ليله ، وأيقظ أهله”

فمدرسة رمضان – ككل المدارس الجدية – ليست مضمونة النجاح لكل من يدخلونها ويمضون أوقاتهم بين جدرانها، وإنما النجاح فيها يكون بقدر ما تم تحصيله من موادها وتداريبها، وما تم تحقيقه من مقاصدها وفوائدها. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الحالات التي لا يخرج أصحابها من مدرسة رمضان بشيئ. قال عليه السلام “رُبَّ صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش , ورُبَّ قائمٍ حظه من قيامه السهر” . وقال “من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدَعَ طعامه وشرابه”

وفي الحديث أيضا:” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر ، فلما رقيَ عتبة ، قال : « آمين » ثم رقي عتبة أخرى ، فقال : « آمين »، ثم رقي عتبة ثالثة ، فقال : «آمين» ثم ، قال : « أتاني جبريل ، فقال : يا محمد ، من أدرك رمضانَ فلم يغفر له ، فأبعده الله ، قلت : آمين ، قال : ومن أدرك والديه أو أحدَهما ، فدخل النار ، فأبعده الله ، قلت : آمين ، فقال : ومن ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك ، فأبعده الله ، قل : آمين ، فقلت : آمين”.

مع الشكر للأخ أحمد ..

كُتب في المناهج | التعليقات على مدرسة رمضان تفتح أبوابها مغلقة

أسس في توجيه الرأي العام في القرآن الكريم

إن إقامة الحق ونصرة الإيمان وهيمنة رأي عام صالح لا يمكن أن يتم من دون مقدمات عملية ، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك ضمن مفاهيم عديدة نذكر منها ما يلي:

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على أسس في توجيه الرأي العام في القرآن الكريم مغلقة