صعود العدالة والتنمية … والذهاب إلى جنون ستان – 2007-08-04

هذه المقالة كتبتها بمناسبة انتصار حزب العدالة والتنمية في تركية، ولكن أردت أن تبدأ بمقدمة موقظة حارقة، والبداية من المستشفى المنصوري الكبير: والذي “أنشأه في مصر الملك المنصور سيف الدين قلاوون عام 683هـ /1284م ،وكان آية من آيات الدنيا في التنظيم والترتيب ، جعل الدخول إليه والانتفاع منه مباحا لجميع الناس من ذكر وأنثى وحر وعبد وملك ورعية ، وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة ، ومن مات جُهِّزَ وكُفِّنَ ودُفِن ؛ وعين فيه الأطباء من مختلف فروع الطب ، كما وظف له الفراشين والخَدمة لخدمة المرضى ، وإصلاح أماكنهم وتنظيفها وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام ، بحيث كان لكل مريض شخصان يقومان بخدمته ، وجعل لكل مريض سريراً وفرشاً كاملاً ، وأفرد لكل طائفة من المرضى أماكن تختص بهم ، ورتب فيه مكانا يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء دروس الطب على الطلبة ؛ ومن أروع ما فيه أن الاستفادة منه ليست مقصورة على من يقيم فيه من المرضى ، بل رتب لمن يطلب وهو في منزله ما يحتاج إليه من الأشربة والأغذية والأدوية … وأدى هذا المستشفى عمله الإنساني الجليل حتى أخبرَ بعض أطباء العيون الذين عملوا فيه ؛ أنه كان يعالج فيه كل يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين أربعة آلاف نفس ، ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يعطى كسوة للباسه ، ودراهم لنفقاته حتى لايضطر للالتجاء إلى العمل الشاق فور خروجه. ومن أروع مافيه أيضا النص في وقفيته على أن يقدم طعام كل مريض بزبدية خاصة به من غير أن يستعملها مريض آخر ، ووجوب تغطيتها وإيصالها إلى المريض بهذا الشكل ، ومن أروع ما فيه أيضا ؛ أن المؤرقين فيه من المرضى كانوا يعزلون في قاعة منفردة يشنفون فيها آذانهم بسماع ألحان الموسيقى الشجية ، أو يتسلون باستماع القصص يلقيها عليهم القصاص ، وكان الناقهون منهم تمثل أمامهم الروايات المضحكة ، ومشاهد من الرقص البلدي [الذي يتعارفه أهل القرى] ، وكان المؤذنون في المسجد الملاصق له يؤذنون في السحر قبل ميعاد الفجر بساعتين ، وينشدون الأناشيد بأصوات ندية[1] تخفيفا لآلام المرضى الذين يضجرهم السهر وطول الوقت”[2].
ثم اندثرت الحضارة في النفوس، وتحول ذلك الصرح العظيم بسبب الجهل المرعب إلى حال لاتُصدق ، فقد زار البيمارستان أحد الباحثين في أواسط القرن التاسع عشر فقال عنه : “ولقد تخرب ولم يبق منه سوى تربة مؤسسة يأتي إليها المرضى يزورون مخلفات السلطان! بقصد الشفاء: فيمسون عمامته لشفاء أوجاع الرأس، وقفطانه للشفاء من الحميات المتقطعة ، وتجتمع الشابات من النساء والأمهات ومعهن أولادهن فتطلب الواحدة منهن في القبلة من الله أن يرزقها الله ولداً ذكراً!…. فتأتي النساء أمام القبلة فينزعن اللباس عن أنفسهن … ويكررن القفز مراراً حتى ينهكهن التعب ….وكان كثير من النسوة يأتي بالأطفال الصغار حتى قبل أن تقوى على المشي أجسامهم ويطلب فك عقدة ألسنتهم! وكانت النساء تأتي بالأطفال إلى حجر أسود عريض …. وتعصر ليمونة خضراء فوق الحجر … حتى إذا تلون حامض الليمون باللون الوردي الناشئ من الحجر الأسود الحديدي ، تحمل الأطفال على لحسه فتتألم الأطفال من حموضة الليمون ، وتصيح صارخة بأصواتها، فتسر الأم لسماعها صياح طفلها وكلما علا صوته من شدة الحموضة أيقنت الأم بتمام المعجزة وشفاء ابنها وانفكاك عقدة لسانه. وللنساء اعتقاد خاص في عمودي القبلة وجزأيهما السفليين وهم مغطيان بطبقة تجعل منظرهما سمجاً بسبب عصارة الليمون”[3].
بل ازداد الأمر سوءاً ففي عام 1856م “كان البيمارستان المنصوري قد بلغ الغاية من الاضمحلال وهجره المرضى ، ولم يبق به سوى المجانين …”[4].
حال البيمارستان المنصوري لا يختلف عن حالنا الراهن قيد شعرة، فالضياع والجهل والهبوط الحضاري على كل صعيد سمة صارت علامة فارقة وواضحة في سيرنا ..
لا أريد أن أدخل في نقد الأنظمة السياسية العربية فإن التخلف الكامن في أعماقها لا يعادله مماثل في الجهل والركود بل والاندثار الحضاري، ودمي شديد الفوران على الظالمين، ولكنني لا أرى أنهم هم سبب الخراب الرئيس بل هم تداعياته المنطقية، وهمنا الأول هو إخراج الجنون من بيتنا الداخلي.
ذكر أحد الشيوخ أمام تلامذته أن النهج الذي سار به حزب العدالة والتنمية في تركية هو نهج ممتاز ويجب اتباعه ، من دون مشاكل ولا صدامات [ربما يظن الشيخ نفسه النسخة العربية من أردوغان] ، ولم يتحمل أحد التلاميذ النبهاء فقال للشيخ: هل تعلمون ياسيدي العناء الذي مر به الإخوة الأتراك وهم يزحفون ببطئ ، بدءاً من بديع الزمان النورسي الذي أخفي حتى قبره لكيلا يذكره الناس ثم عدنان مندريس الذي دفع الثمن من دمه فأعدم الرجل لهويته الإسلامية ثم توركت أوزال ذا الوجه العلماني والقلب الإسلامي، ثم الجهود الهائلة لأب الحركة الإسلامية في تركية نجم الدين أربكان ثم تلميذه المنشق عنه الطيب أردوغان .. وكم مرة دخلوا السجون وكم مرة منعوا من حقوقهم ، وماهي معاناتهم في طريقهم الوعر والشاق!.
لقد قفز الشيخ فوق كل المقدمات وأوهم أن النتائج شيء تلتقطه الجماعات الكسولة مثلما تلتقط الطيور طعامها، وبذلك يتوهم المريدون الأنقياء أن الخط الذيأن
أن الخط الذي يسيرون به هو خط ممتاز بمجرد ثناء الشيخ على حركة لا يعرف عنها نقيراً ولا قطميراً، ومازلت عند بعض الهموم أسلي نفسي بما ذكره أحد المشايخ عندما قابل شخصية مرجعية كبرى وصلى وراءها ففتن بثقب صغير في (كلسات) الإمام وأخذ يتحدث أنه هو شخصياً قد تحدث معه! ورأى زهده العظيم من خلال (كلساته) المثقوبة! غاضاً النظر عن المنهج كله (صواباً أو خطأً) وماهي المقدمات التي تصنعه. وقد يتألم أو يبتسم البعض عند قراءته عن الجنون بل الخرافة التي سرت في البيمارستان المنصوري، ولكن الأكثر فجيعة وألماً هو مايحاوله الشيخ المفتون من تمرير العالم كله من ثقب (كلسات) الإمام.
وقد سمعت أن هناك لجنة (وهي تحقق أهدافاً مباشرة للنظام) مؤلفة من علماء السلطة مع تلوينها ببعض الشخصيات البريئة الغافلة قد وضعت لمنع الفوضى في الجسم الديني ، ولم توص اللجنة بفصل يد الدولة عن الدين، ولم توص بالمطالبة بالحريات العامة! حتى يذهب الجفاء ويبقى ما ينفع الناس، ولم توص بضرورة الارتقاء بالتعليم حتى يتكلم جميع الفرقاء بعلم فيصبح اللقاء قريباً، ولم توص بزيادة التواصل مع الأجسام الإسلامية وخاصة مكتومة الأنفاس والمقموعة لاستلال مافي صدور أبنائها من احتقان! ولم توص اللجنة بإلغاء أحكام الطوارئ أو القوانين التي تحكم على الإنسان بالإعدام أو السجن المديد لمجرد أفكار يحملها، بل تتآمر اللجنة لوضع صيغة يمنع فيها أن يفتى في العقيدة بغير المذهب الأشعري والماتريدي وفي الفقه بغير المذاهب الأربعة، وظاهر الأمر ضبط منهجي علمي وباطنه ضبط أمني وسياسي وتخلف حضاري يهون معه ماصار إليه البيمارستان المنصوري من جهل وجنون.
يمكن لمن يريد الرد على هذا التفكير المشوش أن يستعين بكلام الإمام الغزالي رحمه الله في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (وهو إمام الأشاعرة بلا نزاع رحمه الله)، حيث يقول: ص17 : وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم ، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وشريعتهم رعوناتهم، وإرادتهم جاههم وشهواتهم، وعبادتهم خدمتهم أغنيائهم …. ” ، ويقول في العبارة الثانية ص 19 : “فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري ، أو مذهب المعتزلي أو مذهب الحنبلي أو غيرهم ، فاعلم أنه غر بليد قد قيده التقليد، فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان …”.
أتذكر دائماً ماقالته بعض الفرق الإباضية من أنه لا حاجة للحاكم أصلاً إذا قام العدل! وأعتقد أن هذا الرأي الفقهي سوف يكون خطيراً على الظالمين، ولكن ربما يكون من الضروري أن ينتشر في جهل ستان فقد يساهم في كف يد الأنظمة (الديكتاتورية) ، ونشر روح الشورى.
وكيلا تكون المقالة مملة فرأي الإباضية (مع الاعتذار من لجنة خنق المسلمين) هو أقرب إلى الفطرة ونبض الشارع، والذي يتناقل في إحدى طرفه اللاذعة أن الحكام العرب قد ركبوا طائرة في نزهة جماعية بعد أحد مؤتمرات القمم ، ومرت الطائرة فوق تلك البلاد التي كرمها الله فمسخها الحكام وأحالوها أشلاء ومزارع خاصة وسجوناً وقبوراً ، ويظهر أن الإنسانية تحركت قليلاً في نفس أحدهم فقال: ماهذا البؤس المرعب ، سأرمي مليون دينار وسيفرح بها الألوف من الناس، وقال زميله بعد أن أدهشه الخراب المريع: وأنا سأرمي عشرة ملايين وسيسر بها عشرات الألوف من أبناء شعوبنا المسكينة، وقال الثالث : وأنا سأرمي خمسين مليوناً وأظن أن هناك مئات الآلاف سيدعون لي … وأخيراً ضجر الطيار من مزايداتهم فالتفت إليهم قائلاً: وأنا يخطر في بالي أن أرميكم جميعاً وأصبح من كبار الأولياء عند كل الشعوب العربية التي ستدعو لي كل صباح ومساء وحتى يوم الدين!
هل من المعقول بعد كل السجون والزنازين ومصادرة الحريات والضبط لأنفاس الناس أن يصبح الضبط على مستوى الفتوى الفقهية، وبطريقة لاتؤذي إلا أهل العلم لأن الجهال لايهمهم من أين يكتالون ويتفقهون، وصار هناك قنوات تنشر السحر والشعوذة والدجل بشكل مباشر تماماً ولم تتحرك هيئة فقهية من هيئات الأنظمة لتحجيمها أو بيان خطرها! وماذا علي لو أنني متمسك بشدة برأي مفتي مصر العلامة الدكتور محمد علي جمعة الذي يحرم ختان البنات بشكل قطعي فهل سيأتي من يحاسبني لأنني أخالف بعض ماورد في بعض المذاهب! وهل ستغلق المحاكم الشرعية في مصر وسورية والسعودية لأنها تعتمد أن فتوى الطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة على رأي ابن تيمية، وهو ما لاتعتمده المذاهب السائرة بين الناس!
بلاد الجنون والقهر من بوابات أملها الجسم الديني الواعي والراشد ، وليس المتخلف والقافز فوق مقدمات الأمور، والتجربة الإسلامية التركية تجربة رائعة وعظيمة ، وما تقدمه من معطيات عميق ويجب الوقوف عنده بتفكر واستفادة بالغة.
يجب أن نعترف بأن هناك ملاحظات فكرية وسياسية وعقدية تحيط بالتجربة، وبلغ من ضيق صدر أحد كبار القادة الإسلاميين الأتراك أن قال في اجتماع حاشد أن من يريد أن يشتري تذكرة إلى جهنم فليصوت لحزب العدالة والتنمية! واتهمهم آخرون بأنهم ينفذون سياسة أميركا وأنهم عملاء للغرب، وكل ذلك مما يعوزه الدليل وتنفيه السوابق التاريخية للحزب وتأباه السيرة الذاتية لرجال العدالة والتنمية، وبمقابله فقد قدم ذلك الحزب معطيات إيجابية أعتقد أنها تغفر مايراه البعض من سلبيات! ومن أهم ما قدمته حركة العدالة والتنمية مايلي:
أعادت تمحور الأمة التركية حول هويتها الأصيلة وجعلت الروح الإسلامية تتحرك من جديدة لا بشكلها الحماسي بل بنوع من التمكن والتفوق الذي أيقظ الوعي بنظافة الخط الإسلامي وضرورته الحياتية.
بعثت العدالة والتنمية الأمل في أن الإسلام قادر على المقابلة الحضارية على أي صعيد، وفي مقابل ماتعيشه الأمة من مآسٍ، فقد تحرك الأمل في العالم الإسلامي كله ببعث إسلامي راشد.
استطاعت العدالة والتنمية الكسب الحضاري، واستطاعت أن تلم شعث الناس رغم التباينات الدينية والطائفية، فصوت لها أغلب الأرمن (خصوم الأتراك التقليديون) والسريان والطائفة العلوية التركية، وقسم كبير من إخواننا الأكراد، بل كثيرون من الخصوم، وهذا يبرز الخلل الذي تسير فيه بعض الحركات الإسلامية التي لا تحصد إلا العداء للخط الإسلامي ثم للإسلام كله في النهاية. (كان العلامة الدكتور مصطفى السباعي يمر في حملته الانتخابية على الكنائس! ويحصل على نسب مرتفعة من الأصوات من حي باب توما والقصاع المسيحي، فقد كانت رؤيته الإسلامية واسعة، وكان فهمه أن الإسلام يسع الناس كلهم متطابقاً مع حركته الفعلية، بينما أغلبنا يسلم بأمور نظرية ثم ينقضها عملياً).
أوضحت حركة العدالة أن استيعاب الناس إنما يحتاج إلى التدرج في الطرح[5] والصبر عليهم ومعذرتهم في النفور منا بسبب كثرة أغلاطنا وضعفنا عن حمل الإسلام بشكل مناسب ، وأن الناس سيعودون إلينا متى صبرنا عليهم (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) وبالتالي:
فإن التمكن هو الذي يشد الناس، وقد حصر الكثير من الإسلاميين الالتزام في مظاهر ضيقة حجمت أو خنقت الإسلام، والصواب أن التمكن في أي صعيد يعطي قوة هي التي تعيد مد الإسلام الثقافي ثم الاجتماعي ليرجع الناس إلى الالتزام الشخصي والإيماني كحالة وعي دون إكراه، أي أننا نحاول أن نحصل على الكليات من خلال بناء الجزئيات التي لاتنتهي والصواب أن بناء الكليات مباشرة هو الضمان لكل أنواع الالتزام والداعية الأكبر لها في نفوس المجتمعات.
(إن مانلاحظه من استيقاظ الهوية الإسلامية ليس مرده بحال إلى تلك الصور الضعيفة وأحياناً المزرية من الالتزام الشكلي أو المظاهري الذي تعج به الساحة، بل سببه تفاعل مكونات عميقة يستغلها بعض أصحاب المواقع الدينية ويستفيدون منها ويعيشون عليها ومنهم من يساهم في وأدها عبر تحويلها إلى سطحيات أو زعيق أو تمجيد شخصي أو عمل صدامي أو انتحاري، ولا ننسى دور السلطة في أي بلد من تلقفها للصحوة وتدجينها وتعويقها عن طريق المشايخ المرتبطين بها ممن بوأتهم المنابر ومنعت منها كل ذي فكر رشيد، ورغم ذلك فإن الاستيقاظ العميق يسير مثل الماء ضمن الخواص الشعرية للأمة ، وعندما يصل إلى مستوى معين فلا يمكن دفعه بحال).
العمل للإسلام عمل تراكمي طويل، وأحب العمل إلى الله ماداوم عليه صاحبه، والطفرات ليست بحق سواء كانت في البيولوجيا أو علم الاجتماع، وإن غياب النظر الدقيق أدى إلى أننا ننتظر الطفرات، ونغفل عن التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية العميقة، ومادام الهدف هو الإصلاح فقد يتطلب ذلك عملاً يمتد عدة أجيال، و كلما كان المطلوب أعظم كلما كانت الخطة أطول والبناء أبطأ، ولكنه أعمق أثراً ويبقى في الأرض.
قدمت حركة العدالة نموذجاً راقياً في التعاطي مع السلطة، يشكل إحراجاً لمعظم الحركات الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية، فإن فكرة الإمام أو الزعيم أو القائد أو الشيخ الذي يستمر إلى الأبد هي بالحقيقة فكرة خرافية (بل أعتقد أنها من الوثنية السياسية) وإن ترشيح عبد الله غول للرئاسة بدل الطيب أردوغان زعيم الحزب يدل على إدراك عميق لضرورة إبعاد الحركة عن الشخصانية والذاتية. (من كان يعبد محمداً فإن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
يسودنا نحن الإسلاميين انطباع عميق أن كل الحراك السياسي للعدالة والتنمية هدفه هو إصلاح الأمة وليس الحصول على السلطة، أي أن الحكم هو وسيلة وليست هدفاً، ويجب أن نعطي غير الإسلاميين هذا الانطباع الذي يجب أن يكون فعلياً تساهم الحركة بشكل جيد في بلورته (نفضل أن يصل الإيمان إلى أصحاب الكراسي على أن يصل أصحاب الإيمان إلى الكراسي). وأننا مهما كان حراكنا السياسي فعندنا الاستعداد للتراجع لصالح أي جهة تقدم خيراً وإصلاحاً حقيقياً للأمة لأن هدفنا هو الإصلاح لا السلطة.
إن الروح الإسلامية الكامنة في أعماق العدالة والتنمية جعلت الناس توقن أن الخط الإسلامي النظيف هو الضمان لعدم استشراء لفساد الإداري والاقتصادي، وأن أصحاب المنطلقات الإسلامية هم الأقدر على حماية المجتمعات والدول من الآفات الاقتصادية والأخلاقية التي تنخر كالسوس في المجتمعات.
قدم رجال العدالة والتنمية شخصيات وتوجهات ورؤى تثبت للناس أن الإسلاميين قادرون على قيادة الدول وإدارة دفة الإقتصاد والتعاطي مع الوقائع السياسية الكبرى والتعامل الأقرب إلى الرشاد حتى في وجه المحاور الدولية الضاغطة والخانقة.
تصرفت حركة العدالة والتنمية بطريقة راقية مع المنافسين الإسلاميين فأعرضت عن الاشتباك والتطاحن مع إخوة الدرب وقادته وبناته (حزب السعادة) وفضلت توجيه الجهد إلى العمل المثمر، والسبق من خلال العمل لا الحزبيات الضيقة.
أعطت الحركة مداً قوياً للعمل الميداني السلمي والتدرجي مقابل المناهج الصدامية والتكفيرية والعسكرية التي تحاول بعض الجهات المخلصة أو الماكرة فرضها على الساحة مما أعتقد أنه سيقود العالم الإسلامي إلى الانهيار والدخول في نفق مظلم لن تخرج منه إلا أشلاء، وهذا الأمر شيء آخر لا علاقة له بالجهاد والمقاومة لقوات الاحتلال في أي بلد إسلامي مما نعتقد فرضيته ووجوبه (مما شرحناه عدة مرات سابقاً).
إن الريادة لها ضريبة دائماً ، وهو أمر لايستوعبه الكثيرون منا فقد أعطانا الوعاظ خلال مئات السنين صورة أشبه بالخيال وصرنا بعيدين عن إدراك المقدمات التي تصنع النتائج. فصرنا نسارع إلى إحراق أي جهد لايتطابق مع مفاهيمنا الضيقة النظرية أو نترك الساحة بالكلية فنغرق في تفكير سطحي أو خرافي يبعدنا عن الحركة الفعالة الإيجابية لقرون طويلة، وهناك الكثير من المعطيات التي لانملك نحن الإسلاميون خبرة عملية بها والموازنات بين المصالح والمفاسد واختيار أهون الشرين أمر لايحصل إلا من خلال التعاطي الميداني والفعلي وقد صار بيد الحركة الإسلامية في تركية ساحة عمل فعلية تمد سائر العاملين للإسلام بالخبرات وتوفر عليهم الجهود الريادية، ومن الإنصاف القول أن هناك هامشاً من الأخطاء سيحصل ولا بد من الصبر عليه وتحمله من أجل الانتقال على مستوى أفضل وتمكن أعمق.
قدمت العدالة والتنمية رسالة حضارية إسلامية خلاصتها أن الإسلاميين رغم الظلم الذي حاق بهم وخصوصاً من المؤسسات الأمنية والعسكرية فإنهم أحرص على مصلحة البلاد والعباد منها وهم لن يبادلوها العداء (رغم ظلمها ولن يستهلكوا طاقتهم وطاقتها في الجزئيات) بل مستمرون في دربهم الواضح الذي سيضطر الأمنيين والعسكريين في النهاية إلى قبولهم ثم التراجع أمامهم لصالح هوية الأمة ومكوناتها العميقة. (مايزال جنرالات تركيا العلمانيون يمنعون الحجاب حتى في كليات الشريعة الرسمية، وضيق أفقهم جعلهم ينالون دوماً من رجال العدالة والتنمية لأن نساءهم محجبات).
إن ثقل الإسلام كهوية ودين ومبدأ في الحياة لا تصنعه أعمال طائشة هنا أو هناك، بل لابد له من حاضن سياسي واقتصادي واجتماعي، أي لابد له من كيان علينا جميعاً أن نتعاضد في تشييده، وعندها فستتعامل القوى الكبرى مع الإسلام ضمن حجمه الحقيقي وستتغير الكثير من المعطيات (العديد من الجماعات والحكومات الإسلامية تساهم بتقزيم الإسلام وتحجيمه وخنقه ومنعه من أخذ فعاليته ودوره، ولكن أول الغيث قطر ثم ينهمر ،وقد يكون حزب العدالة والتنمية أول هذا القَطر).
منذ أيام أتاني أخ غريب ذكر لي أنه دخل إلى الجامع الأموي وصادف دخوله قدوم رجل وامرأة غربيين، وطلب الحارس من المرأة ارتداء العباءة الخاصة بالنساء فارتدتها ثم جلست عند أحد الأعمدة الحجرية وصارت تصغي باهتمام بالغ إلى درس العلامة الدكتور محمد عجاج الخطيب، وأتاها أحد قيمي المسجد فطلب منها الانتقال إلى مكان خاص بالنساء فرفضت، وألح فرفضت وقام بينهما جدال لعدة دقائق انتهت بتركها المكان قرفاً واشمئزازاً من الطريقة المهينة التي عوملت بها، وتدخل الغريب قائلاً : المكان واسع ولم تضيق على أحد وهي محتشمة وتريد الاستماع والصوت في مكان النساء لا يمكن سماعه جيداً فما المشكلة؟ وقام غيور يهز رأسه بأسف وقال: يابني! أليس عاراً عليك أن تقبل بجلوس امرأة كافرة على المكان الذي تسجد عليه جبهة المؤمن بالله!!!!
أردت البكاء فاختنق البكاء في أعماقي، ثم ضحكت بألم فقد صرنا جميعاً على حافة الهاوية، وتذكرت بيتاً للإمام السرهندي في المكتوبات الربانية ولا أدري لمن هو:
لاتحسبوا أن رقصي بينكم طرباً فالطير يرقص مذبوحاً من الألم
ولأن أغلبنا بنفس العقلية، الذين فوق والذين تحت والمتدين والفلتان فقد مر بعض الشباب(… ) !! بالشارع الذي أسكن فيه، وصاروا يسألون الجيران عني ثم علمت بعد أسابيع فقلت معاتباً أحد الجيران : أهكذا يامنظوم! يسأل عني الشباب الطيبون!! ولا تخبرني؟ فقال خجلاً: في الحقيقة : استحييت من إخبارك بسبب السؤال الذي كانوا يطرحونه؟ فقلت: لاحياء في الدين؟ أخبرني بالله عماذا كانوا يسألون؟ وفوجئت من السؤال الخطير ، لأن عدة أشخاص أتوا يسألون عن طول كلابية الشيخ (الذي هو العبد الفقير كاتب هذه السطور). (مع الاعتذار من الشباب الذين أتوا فقد نسيت أنا نفسي طول [كلابياتي البيضاء] لأنني لم أرتدها منذ زمن طويل لكثرة الغبار والأوساخ، وتدهور البيئة المريع).
في بعض البلاد، ومنها تركية تتحرك الحضارة وفي بلاد أخرى تقبر ويدفن معها كل صاحب مدنية وحضارة، ومن لجنة خنق المسلمين وحتى الجامع الأموي الحزين وانتهاء بالمهتمين بطول الكلابيات لن ننتقل بالبيمارستان الذي نعيش فيه إلى الخراب وحسب بل إلى الجنون المطبق، ولن يكتفي العالم بأن يقول عن بلادنا أنها جهل ستان بل ستصبح جنون ستان بكل استحقاق وتقدير.
عديدون جداً من الإخوة والأخوات يسألون: ماذا نفعل للإسلام؟ وهو أمر يحتاج إلى موضوع خاص ، ولعلي أتناوله في مقال قادم، (راجع أيضاً في الأرشيف من كلمات الشهر مقالاً بعنوان: دعوة إلى المشروع الخاص) ولكن باختصار أقول الآن: سدوا الثغرات التي بين أيديكم بشكل جيد واعتمدوا التواصل في الأفكار، ولا تخافوا مما تطرحون، وافتحوا صدوركم لكل الناس ولا تعادوا أحداً بل عادوا الظلم كمفهوم، وكونوا شجعاناً فيما تعتقدونه من الحق، ولا تتأثروا بكلام الضعفاء ، ولا تفكروا بالعاطفة بل بالعقل، ولا تتحركوا بالذهن البارد بل بالعاطفة الوقادة، وضعف الأمة ليس مبرراً لضعف الفرد، ولتكن طهارة القلب واللسان حاضرة عندكم أبداً … ولا تستقلوا أبداً عملاً صغيراً تقومون به بل ثمروه وأنضجوه.
وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل… وأول الغيث قطر ثم ينهمر ….

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني
الكلمة الشهرية لموقع دربنا www.darbuna.net
رجب 1428هـ/ آب 2007م

* للاطلاع على أخبار حزب العدالة والتنمية انظر موقع أخبار العالم وهو بعدة لغات ومنها العربية:
http//akhbaralaalam.net
– وكأمر عملي يقوم به الإخوة والأخوات فآمل منهم توزيع هذه المقالة على من حولهم ومناقشة أفكارها فيما بينهم، وشكر الله لكم جميعاً

[1] – يسمى هذا المؤذن: مؤنس الغرباء أو مؤنس المرضى ، وكان في مدينة فاس وقف للمؤذنين الذين يحيون الليل ، وكل منهم يسبح الله نحو ساعة بصوته الرخيم، انظر:
– شوقي أبو خلبل ، الحضارة العربية الإسلامية وموجز عن الحضارات السابقة ، دار الفكر المعاصرـ بيروت / دار الفكرـ دمشق ، (1415/1994) ، 337
[2] – مصطفى السباعي ، من روائع حضارتنا ، ، ط5 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1407هـ/1987ص 144ـ145.
[3] – بتصرف من : تاريخ البيمارستانات في الإسلام للدكتور أحمد عيسى، وهو من مطبوعات جمعية التمدن الإسلامي بدمشق ، ذو القعدة 1357هـ ، وقدم له عضو إدارة جمعية التمدن الأستاذ سعيد الأفغاني رحمه الله. وانظر التفاصيل المدهشة عن البيمارستان المنصوري من الصفحة 83- 171.
[4]- البيمارستانات في الإسلام، أحمد عيسى، 110.
[5] – أغلب الحركات الإسلامية تلقن أفرادها أن التدرج هو أمر مرحلي انتهى في بداية الدعوة، وهم يخلطون بين الحكم الشرعي المستقر وبين طريقة حمله إلى الناس، ثم تقدير المصالح والمفاسد الشرعية في أولويات طرحه، وانظر حول التدرج فتاوى ابن تيمية المجلد 20 ص 56-58.

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على صعود العدالة والتنمية … والذهاب إلى جنون ستان – 2007-08-04 مغلقة

من ذكريات الغرب : أولادي : للدكتورجميل سلطان

يا غرامي الــذي ترَكْتُ بعيدا

وفــؤَادي المُـجَرَّح المَعْمـودا

أَنــــتُم لـَذّةُ الحياةِ وَرَيْـحا

نـة قلبــي إذا طَلْبــتُ العودا

مُهجتي أَنتمُ وشَطْرُ ضلوعــي

وهَوىً حَـزَّ فـي الصميمِ شَديـداً

أَشتكي بُعْدَكُمْ وأَشكــو من النأْ

يِ لظىً منَ الضلوعِ زَادت وَقـوداً

ودموعاً تَحـارُ في الجفنِ والخدّ

دِ فَتأْبى طيوفُكــم أنْ تَـــعودا

كنتُ ألـــقى سعادةً بيد الطيـ

ـفِ فَغاضَتْ لمّا حُرِمْتُ الرُّقـودا

غيرَ أَني ما زِلْتُ أَشهدُ في الدَّمـْ

ـع خيالاً مـنْ عندكـمْ محمـودا

حبذا طَيْفُكم ؛ ولو كانَ في الدمْـ

ـعِ يُواســـي مُعَذَّباَ مــفؤودا

قصيدة للشاعر والأديب الكبير المرحوم جميل سلطان عضو جمعية التمدن الإسلامي وقد نشرها في مجلة التمدن الإسلامي منذ أكثر من نصف قرن

 

كُتب في من كنوز التمدن الإسلامي, منائر | التعليقات على من ذكريات الغرب : أولادي : للدكتورجميل سلطان مغلقة

حاسبوا العلماء

ما يطلب من العالم

للشاب الفاضل السيد حسين السراج
(نشرت هذه المقالة في العدد الثاني ـ السنة الأولى 1935م)
من مجلة جمعية التمدن الإسلامي

يؤلم كل منصف عرف ماضي الإسلام الجليل وما فيه من حياة عزيزة وعيشة راضية ما عليه المسلمون من هون وهوان طال ليلهما ولست أريد أن أعالج في هذه المقالة الموجزة هذا البحث من جميع وجوهه المختلفة ، ولكن أصبح مما لا شك فيه لدى كل من بحث هذا البحث من العلماء والمفكرين أن جلّ الداء ناشئ عن شيوخ المسلمين الذين لم يقدِّروا ما يطلبه الإسلام منهم من واجبات كلفوا بها قبل غيرهم من الناس ، إن للعالم منزلة جليلة في الإسلام ومن يمعن في الثناء الوارد على العالم في آيات الإجلال وأحاديث الإكبار يدرك مبلغ اهتمام الإسلام بالعلم اهتماماً عجيباً وعلو منزلة العالم الرفيعة ولكن هذه المنزلة لا تكون لمن علم العلم وأهمل العمل وترك مصالح المسلمين جانباً ، فإن من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم كما ورد في حديث شريف ، وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء بعلم ورثوه وخلق اقتبسوه ، فلينظر علماؤنا إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته المباركة ألم يكن في حياته المملوءة جهاداً مستمراً في سبيل الإصلاح الحقيقي مثلاً أعلى لكل مصلح منصف ومجاهد مخلص لا يفتر عن السعي المتواصل لتحقيق غاية جليلة أسعدت الأرض وقلبت العالم ؟ فما بال علمائنا يكتفون إلا القليل النذر بمنافعهم الشخصية ولا يعنون بمصالح الأمة التي كان أسلافهم على رأس قيادتها حينما كانوا يقومون بواجبهم نحوها خير قيام ، كان العالم لا يخشى أن يوقف الظالم عنده حده ، ولا يبالي في كلمة يقولها في سبيل الله هو مخلص فيها وإن كانت سبباً لموته ، أو عذابه عذاباً أليماً ، وها أن التاريخ شاهد بما لاقاه العلماء من حبس وتعذيب وقتل في سبيل كلمة حق أمام سلطان جائر أو كلمة نصح أمام ضال !

ليس الإسلام دين رهبانية وصوامع وانعزال بل دين حياة وسعي وعمل وإصلاح .. ولئن جلت منزلة العالم في الإسلام فقد جلَّ ما يطلب منه أيضاً من الواجبات العديدة ، فالعالم كما يقف في محرابه إماماً في صلاته ينبغي أن يقف على رأس الأمة يهديها إلى سواء السبيل ، وكما يقف على منبر الجامع خطيباً يجب أن يقف على منبر الأمة مبيناً لها شتى شؤونها فليتق الله علماء الأمة وليتعارفوا ويوحدوا الخطة المنظمة لإنقاذ أمة لا نجاح لها إلا بالإسلام ، وليحاسب الناس العلماء ويطلبوا منهم نتائج عملهم وليتركوا من لا يهتم بنصحهم ومصالحهم الحقيقة كما تركهم غير مأسوف عليه ، وليؤثروا على من يعملون لأنفسهم ويسعون لمنافعهم الخاصة غيرهم من العاملين المخلصين .

كُتب في من كنوز التمدن الإسلامي, منائر | التعليقات على حاسبوا العلماء مغلقة

(كلمات من أعماق المأساة) للأستاذ محمد وسيم الحسامي

تحلقنا حول مائدة الطعام ثم تجاذبنا أطراف الحديث حول آخرالأخبار و من ثم أمسكت بجهاز التحكم و بدأت أتنقل من محطة إلى أخرى، جلنا بلاد العرب و فجعنا بما رأيناه في كل جزء من أمة المليار ، أمة الإسلام.
بدأنا في العراق و شاهدنا أشلاء الجثث تغوص في برك الدم ، في الطرقات المتقطعة التي قطعتها بغضاء الطائفية و قباحة الاحتلال و شهدنا قتل المسلمين بعضهم لبعض و جنود التحالف تتابع ذلك بسرور و ابتهاج.
حملنا التلفاز بعد ذلك إلى فلسطين المحتلة ، إلى غزة و رفح ، إلى رام الله و نابلس ، إلى جنين و الخليل ، أماكن مختلفة ، لكن المخرج واحد و المشاهد متقاربة ..
حصار و تجويع
قتل و تشريد
عقاب شامل للأرض، للإنسان ، للحيوان و الحجر.. و الشجر.
الإبادة الجماعية مستمرة على مرأى و مسمع من القادة العرب الذين طُمس على قلوبهم و ضُربت عليهم الذلة و المسكنة و علت سمعهم و أبصارهم غشاوة و جهلوا معاني الرجولة و الكرامة و العزة …
و بينما أنا أعاين تلك المآسي تذكرت تلك المرأة التي صرخت (وا معتصماه) تستنجد بذلك الخليفة ، فما إن طرق ذلك النداء مسامعه حتى انتفض انتفاضة الأسد الذي انتقصت كرامته و لبى نداءها بجيش جلب لا يعرف أوله من آخره نصرة لتلك المرأة و استجابة لنداءها و اعزازا لكلمة الله و دينه.
أعادتني صرخة أم ثكلى في التلفاز إلى الواقع المرير ، إلى ذل القرن الواحد و العشرين ، إلى هوان أمة المليار ….
انتقلت في رحلتي التلفزيونية إلى لبنان وذهلت مرة أخرى بالخراب ، و آلمني مشهد البيوت التي سويت بالتراب , و أقض مضجعي تلك المجازر التي ترتكب و المشافي التي تستغيث و النساء التي تولول و العويل الذي يتعالى ..
جثث الأطفال ملقاة على الطرقات و أشلاء الأجساد يعاد تجميعها مع بعضها البعض لعلها تكون جثة لشخص لم يعرف اسمه آثر الشهادة على أن ينسحب من وطنه…
الأمل مفقود و الدم مسفوك ، العزة ضائعة و الجهاد مغيب و لا أحد يبالي..
تنقلنا بين بحيرات الدم المسفوح في الطرقات و سافرنا إلى مقابر جماعية وُزعت على مساحات جغرافية متفرقة من عالمنا الإسلامي و رحلنا إلى أقاصي البلاد و دانيها و نحن نبكي دموعا تختلط بالدم و بآهات القلب المكلوم الذي يود أن يدفن صاحبه في التراب لعل بطن الأرض خير من ظهرها….
قررت بعد فترة أن أرحل إلى مكان آخر حيث تكاد المكائد و تحاك المؤامرات لأرى تلك الأخبار التي تبث هناك فوجدت نفسي أتابع أخبار abc news على قناة MBC 4 و التي تعد من أكثر المحطات التلفزيونية مشاهدة في أميركا و خصوصا في المساء الذي يعد وقت ذروة المشاهدة هناك.
و بينما أسمع و أشاهد تقاريرهم و تحليلاتهم ، ظهر تقرير خاص عن (شخصية هذا الأسبوع) و كانت لفتة رائعة حيث كانت شخصية هذا الأسبوع امرأة أمريكية ذات أخلاق عالية و قلب كبير ملأته الرحمة و الشفقة و الحنان فأضحى ثائرا على نطاق وطنيته الضيقة ليرحل إلى لبنان و ينقذ الضحايا هناك.
لقد رحلت هذه المرأة من نيويورك إلى لبنان لتتفقد المناطق المنكوبة في الجنوب و ضاحية بيروت الجنوبية ، لتسعف الضحايا و تساعد المرضى و تؤمن المأوى لللاجئين و تغيث المنكوبين و تبحث لهم عن مكان آمن بعيد عن القصف الهمجي الوحشي الغاشم..
قطعت ليندا نيلون (Linda Nealon) آلاف الكيلومترات لتحقق هدفها الإنساني السامي و تعبر عن شعورها النبيل ، فهاهي تبكي حزنا على ضحية مقطوعة الأعضاء أو ضحية فقدت عينا أو أبا أو أما ، و كم أسفت على ضحية تشردت و فقدت منزلها و عائلتها و تشردت بسسب القصف ..

لعلكم بعد فترة ستحسبون أن هذه المرأة ملاك نزل من السماء على صورة بشر أمريكي و لكن فخركم بهذه الإنسانة سيتحول شعورا بغيضا حانقا غاضبا عندما تعلمون أن أولئك الضحايا الذين هرعت تلك المرأة لمساعدتهم هم كلاب لبنان؟؟!!
نعم ، كلاب جنوبي لبنان و الضاحية الجنوبية….
التقطت لها الكاميرا الصور العديدة و هي تقترب من الكلاب الحزينة ذات الحظ العاثر ..
يا لإنسانية هذه الأمة …
ماذا حل بهم؟
رأفت بالكلاب و نست البشر ….
جابت بين جماعات الكلاب تبثهم أساها و حزنها على وضعهم الاجتماعي المرير و مرت قبالة أشلاء أجساد الأطفال و سمعت عنهم و لم يتحرك لها جفن..
وجدت الحيوانات الشريدة و تاهت عن مئات الألوف التائهة التي تبحث عن مأوى لها…
ذرفت دموعها على كلاب شريدة و تحجر قلبها عند رؤية الأبرياء الصرعى…
و بعد ذلك اختارتها قناة abc لتكون شخصية الأسبوع بسبب هذا الخلق الرفيع المستوى و الشعور الإنساني السامي و الإحساس العالي بالمسؤولية عن حياة تلك المخلوقات المظلومة…

تركت الغرفة و توجهت إلى غرفة أخرى و أنا لا ألوي على شيء ، تبدل وجهي , و على وجهي سحابة سوداء من الحزن و الأسى على هذا الزمان الذي يصدق فيه الكاذب و يخون فيه الأمين …

فهل برأيكم تستحق ليندا أن تكون شخصية هذا الاسبوع؟؟
ربما نعم و من المحتمل أن نكون – نحن – المخطئين في النظر و التقييم و التحليل فرجاء علمونا ما هو الحق!!!

اللهم إن نسألك فرجا من عندك
اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق نصرك الذي و عدتنا
اللهم ردنا إليك ردا جميلا يا أرحم الراحمين
اللهم هذا ضعفنا لا يخفى عليك و هذا ذلنا ظاهر بين يديك و هذا جبروت أعدائنا الذين يحاربون دينك جلي أمامك ، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر و اجعلهم عبرة لمن يعتبر
آمين ، آمين ، آمين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبه
محمد وسيم الحسامي
مساء السبت 12/8/2006

* ملاحظة: العنوان من اختيار الموقع
لقراءة المقال عن ليندا الرجاء الضغط على الرابط التالي
http://abcnews.go.com/WNT/PersonOfWeek/story?id=2303465&page=1

كُتب في مقالات القراء, منائر | التعليقات على (كلمات من أعماق المأساة) للأستاذ محمد وسيم الحسامي مغلقة

حاجتنا إلى القيام بالواجب (القائد والمجاهد عارف التوام)

عظمة الأمة تقاس بقدر قيام أفرادها بالواجب

للأستاذ المقدام عارف التوام
أحد أعضاء جمعية التمدن الإسلامي وغيرها من الجمعيات العاملة
(نشرت هذه المقالة في السنة الأولى 1935م)

استعرض صحف التاريخ وارجع البصر إلى أعمال الرجال العظام ودقق في سبب تكوين الاختراعات العجيبة تجد ذلك ليس أثر حظ شخصي أو تصادف محض ، بل نتيجة إقدام وتمحيص نشأت عن تلبية نداء الشعور بالواجب . والواجب يشمل أبناء الأمة جميعها ويستصرخ كل إنسان كبيراً كان أم صغيراً قوياً كان أم ضعيفاً للدخول في المعترك كل على قدر القسط الذي يترتب عليه إيفاؤه في سبيل ذلك ، ومن الأمثلة التي يتجلى فيها هذا الشعور قوياً أن الشيخ الفندلاوي قاضي المالكية في دمشق والشيخ عبد القادر الحلحولي من علمائها بالرغم من كونهما طاعنين في السن خرجا لقتال الصليبين إبان مهاجمتهم دمشق ولما قيل للأول {يا شيخ أنت معذور بذلك ونحن نكفيكه} قال {قد بعت واشترى} يريد الإيماء إلى قوله تعالى {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} سورة التوبة ـ الآية 111 وتقدم الاثنان وحاربا حتى استشهدا عند النيرب في سبيل الله .
قام هذان وأمثالهما بواجبهما لا رغبة في حسن سمعة ولا حباً في مال أو جراً لنفع أو منصب بل ابتغاء مرضاة الله التي هي الحافز للشعور بالواجب .

وقد كنت ذهبت برفقة الأخوين المخلصين الأستاذ عمر الطيبي والسيد حسن رقية لتفقد قبريهما [أي الفندلاوي والحلحولي] منذ بضعة أشهر الواقعة في أرض النيرب في بساتين الربوة إلى شرقيها فطفنا تلك الوهاد نفتش عن أثر لقبر الشيخين فلم نجد لغير الفندلاوي مقاماً منفرداً في إحدى بساتين محلة الأكراد علمنا بعد سؤال وتدقيق أن العلامة المرحوم محمود باشا هو الذي أخرج هذا القبر الموجود بعد أن وقف على حكايتهما في بعض الكتب وقام بواجب ينم عن شعور يحمد عليه.
وهكذا الأمم تحتفظ بذكرى المبرزين في ميادين العمل وتقوم بواجبها نحوهم بإقامة “الركائز” والحفلات وتأليف الكتب عنهم والمقالات تأييداً لأعمالهم وحفظاً لذكراهم على مر الدهور.

لم يصل القائد العربي عقبة بن نافع في صدر الدولة الأموية إلى بحر الظلمات مجتازاً إفريقية الشمالية كلها إلا اعتقاداً منه أنه أمام واجب ديني حق عليه القيام به فتغلغل في تلك الأصقاع النائية حتى وصل مغرب الشمس على شاطئ البحر الخضم الزاخر الذي أوقفه مذهولاً مسلطاً سيفه في الآفاق قائلاً : أُشهدك اللهم لو لم يكن هذا البحر مانعاً لمضيت فيه رافعاً [اسمك الجليل] .

وألقى طارق بن زياد خطابه المعلوم على قبضة من المجاهدين الأبرار الذين أخلصوا لله الدين [ثم] للوطن الواجب مبيناً لهم أن الخير أمامهم والغرق وراءهم حتى نفذت كلماته إلى نفوسهم فاقتحموا الأندلس وكتبت على جباههم آيات ظفر سطره التاريخ في صحائفهم وما زال الواجب يحدوهم للسير في مضماره الأمين حتى نشروا في تلك الأصقاع المدنية الإسلامية بعد ما كانت تئن تحت كابوس حكامها الظالمين ، فانتقلت بهديهم من الظلمات إلى النور ونعمت في بحبوحة العدالة العربية النقية . ومما لا ريب فيه أنه لو لم يقم القائد العربي بالواجب لما وصلت تلك الدعوة السامية إلى ما وراء البحار ولما أُنقذت تلك البلاد من براثن الاستبداد وقامت فيها مدنية زاهرة مضت عليها عصور وما زالت ماثلة للتاريخ نشاهد آثار عظمتها إلى يومنا هذا وقد اعترف المدققون المنصفون من العلماء الغربيين أن هذه الفتوحات لو دامت دون أن يقف في سبيلها جهل القرون الوسطى وظلماتها لكانت أوربا اليوم أرسخ قدماً في طريق المدنية وأروع أثراً ونفعاً في مؤسساتها النافعة من حالتها الحاضرة ، ولكانت أسلم عاقبة من الوجهة الأخلاقية التي تنقذها من نيران الأحقاد المحرقة التي تتأجج في أحشائها تلك الأحقاد التي صرفت جهود البشر إلى التفنن في التسليح واختراع أساليب الإفناء فكانت نتائجها شؤماً على الإنسانية البريئة وخطراً دائماً في طريق السلم العام الذي يحاول محبو السلام عبثاً الوصول إليه بوضع قواعد يسير عليها البشر مِن إنشاء جمعيات أممية ومؤتمرات دولية تسعى لتخفيف ويلاته بتحديد التسليحات ومنع استعمال الغازات السامة وإلقاء المدمرات على المساكن إلى غير ذلك من تحديد أضرارها في المجتمع المعذب .

وفي الغرب كما في الشرق رجال عرفوا قدر الواجب [لبلادهم] فقاموا بنصرته؛ من هؤلاء نلسن الرجل الإنكليزي العظيم الذي قال مخاطباً جنود الأساطيل التي كان يقودها في الموقعة البحرية التي التهمت معظمها أو كادت وهي : {إن الأمة الإنكليزية اليوم تتطلب إلى كل فرد من أفرادها أن يقوم بواجبه نحوها} .

كان لهذه الكلمات التي تكلم بها نلسن حينما خرج جريحاً وهو يلفظ آخر نفس من حياته وقع عجيب في نفس كل فرد من أفراد الأسطول استفزه وجعله يزأر كالأسد بوغت في عرينه غير مبال بما اعتراه من الكلل والملل من حرب طاحنة كان لا يرى فيها بصيص نجاح ولا وميض خلاص ، السماء من فوقه والماء من تحته ، تتقاذفه النيران عن يمينه وعن شماله ، لا ملجأ يأوي إليه ولا مفر ، فإذا لم يقتحم الخصم فمصيره حتماً إلى الغرق والاضمحلال .

في تلك الساعة الرهيبة التي أدى بها كل فرد واجبه الوطني نحو أمته متأثراً بكلمة قائده الأعلى ، كان الظفر محل الفشل وحل الخلاص مكان الغرق والهلاك .

إن هذه الجملة التي ألقاها نلسن في الساعة الأخيرة مركبة من كلمات محدودة لكنها زفرات صعدت من القلب فأثرت في القلوب ، وهيجت دماً فار فائره في العروق ، وكذلك الأعمال التي قامت بها الجنود هي أعمال بسيطة أيضاً ليس فيها ما يستوجب التعمق بالتفكير والتعب الشديد ، ولكن ما نجم عن تلك الأعمال البسيطة من النتائج الكبرى جعل دولة بريطانيا العظمى صاحبة الأملاك الشاسعة وسيدة البحار اليوم .

مات نلسن بعيد النتيجة الحاسمة لتلك الحرب الضروس ، ولكنه مات مستريح الضمير بعد أن قام بالواجب المتحتم عليه ، وشاهد نور الظفر يتلألأ فوق رأس أمته فراح إلى مقره الأخير مخلداً صحائف ذهبية في تاريخ أمته ، وذكريات كبيرة في قلوب أبنائها لا يمحيها كر العصور .

وإني لأذكر أن قائد الدانمرك على ما أظن صاح بجنوده قائلاً أن لدي رسالة خطيرة قد تودي بحياة حاملها فمن يوصلها إلى حيث أريد في سبيل الوطن وسأصرف عنكم وجهي كي لا يستحيي أحدكم فيتقدم لذلك خجلاً ، ولما عاد إليهم بوجهه وجد الصف كله تقدم خطوة إلى الأمام .. هذه هي نتيجة التضحية الصحيحة في ساعات الخطر بدون رياء أو نفاق .

ما الذي حمل الفتاة جان دارك على إنقاذ وطنها غير التفاني في سبيل الواجب ؟ أليس ذلك الصوت البليغ صوت الواجب الذي استفزها فأوحى لها التسابق إلى حب الموت مع الفوارق التي بينها وبين كثير من الرجال الذين يحملون معرة هذا الواجب وكأن هذا الشعور المفاجئ هتف بها قائلاً : أدركي شعبك من يد العسف والغدر ، وأنقذي بلادك من حروب متوالية لا تقف إلا لتستعيد شدتها وتجدد أوراها ، خربت البلاد وقطعت أوصال الأمة وكادت تقضي على البقية الباقية منها .

أجل بتأثير الواجب فقط وما يتولد عنه من قوى جبارة تمثلت في تلك الروح الرقيقة قامت هذه الفتاة فناضلت وجاهدت حتى أنقذت بلادها من هوة الهلاك بعد أن استولى العدو على قسم كبير منها خلال حروب المئة عام فكان يوم إحراقها يوماً مذكوراً ، يوماً تحتفل به الأمة الفرنسية بذكرى خلاصها وتقدير شعوب الواجب الذي حدا بالفتاة للتضحية في سبيله وستحتفل بذكراها ما دام فيها عروض تنبض ودماء تجول .

وقد تختلف حدود الواجب عند بعض الأمم تبعاً للتقاليد ففي الشرق البعيد أمة عظيمة تبلغ نحو سبعين مليوناً من الأفراد سبقت الأمم الشرقية بإدراك كُنْهِ الواجب الوطني وحب الموت في سبيله ؛ ومعلوم أن الأميرال الياباني توغو الذي دمر الأسطول الروسي حتى لم يبق له أثر وفتح أمام الجيش الياباني طريق الظفر النهائي دعاه هذا الواجب الوطني الخالص إلى واجب تقليدي قومي وهو الموت في حب عاهله الكبير !؟ فانتحر بعد مدة من انتصاره حينما مات الميكادو ليبين لأمته وللملأ أجمع مقدار تقديره الواجب .

وليس ذلك بمستبعد على الأمة اليابانية المملوء تاريخها الحديث بمثل هذه التضحيات التي يتسابق إليها كل ياباني ذكراً كان أم أنثى ، يسمعها المرء بكل إعجاب فتعلمه التفاني وتدربه على الموت الشريف في سبيل الواجب مصداقاً لقول الشاعر عنها :
هكذا الميكادو قد علمنا أن نرى الأوطان أماً وأباً.

فإذا سمعنا مآثر هذه الأمة الشرقية تنتشر أخبارها في ربوع العالم أجمع بما فيه دول الغرب العظيمة فيجب أن لا نستعظم ذلك لأن كل فرد من أفراد هذه الأمة يتفانى في سبيل الواجب ويرى نفسه سعيداً إذا مات من أجل القيام به .
فإذا انتحر القائد الياباني في حب الإمبراطور فخليق بالمسلم أن يضحي بنفسه ونفيسه في سبيل نصرة الله سبحانه .

يظهر مما بيناه أن حب الواجب فضيلة تنشأ في الإنسان وللبيئة تأثير قوي في إنمائها وإضعافها حسب ما فيها من عوامل الحياة أو دواعي الفناء .

فالأمم التي ضعف تقديرها للواجب يعسر عليها النهوض من كبوتها فلا تتمكن من الذود عن كيانها إذ ليس لها من أفرادها من يرد الضيم عنها لتتحرر وتتقدم التقدم المنشود بل ربما قضي عليها إذا كانت تمشي الهوينى إلى غايتها في هذا العصر عصر الكهرباء والطيارة والمذياع .. الذي يستلزم النهوض السريع بخطى ثابتة جريئة . ومن أعظم الأمثلة على ذلك أمم البلقان الصغيرة التي بنت نهضتها على اقتباس النافع بالسير السريع حتى توصلت إلى غايتها القومية وهذا ما يثبت لنا جلياً أن الأمة الناهضة من سباتها إذا سارت نحو ضالتها المرسومة بخطى سريعة وخطة حكيمة وصلت إلى بغيتها .

يضيق علينا المقام في هذه العجالة عن ذكر أمثلة كثيرة تتعلق بالواجب المفروض على كل فرد والتاريخ مملوء بمثل هذه الحوادث التي ذكرناها والتي هيأت الجماعات البشرية للتقدم والرقي المنشودين في ميادين السباق وقد اقتصرنا على ما ذكرناه منها وفيه كفاية لمحبي النهوض وإن القيام بالواجب أمرٌ سهلٌ جداً إذا أعد له المرء عدته من حزم وإقدام وعدَّه أمراً محتماً لا مفر منه .

وواجب الأمة مشاع فليقم كل منها بما وجب عليه سواء قام بذلك الآخرون أو تقاعدوا وهكذا فقد تتألف من أعمال الأفراد مجموعة قوة جليلة تدفع سفينة الأمة لتوصلها إلى ساحل الحياة السعيدة .

شيء واحد يضمن للمرء التوفيق أثناء القيام بالواجب هو الإرادة الحازمة مع النظام الذي يقتحم كل عثرة تعترض سبيل العاملين .

وقد آن أن نجد هذه الإرادة الصلدة في أبناء هذا الشرق البائس الذي توالت عليه خطوب في كل منها دروس وعظات جليلة تحرك الهمم وتدفع كل من له لب وقلب إلى العمل الجسدي والسعي الحثيث في سبيل المصالح العامة ، نعم إننا نجد في الشرق شيئاً من هذا ولكنه غير كاف ، ولا نزال نَحِنُّ لرؤية العاملين مجتمعين لا منفردين ومثقفين لا متخلفين وآملين لا قانطين .

ألا وإن للجمعيات الإصلاحية كجمعية التمدن الإسلامي التي من غايتها السعي للإصلاح بالإسلام الحنيف بعيداً عن كل ما نسب إليه وهو منه بريء أثراً كبيراً في تقوية الشعور بالواجب الذي ضعف في أفراد الناس فضعفوا في الحياة وخذلوا أمام أمم الحياة فلنساعد الجمعيات الإصلاحية المخلصة مادة ومعنى فهي من أَجلِّ ما يدعو إلى الوصول للحياة الحرة المنشودة .

ليحرص كل فرد منا على إنماء الشعور بالواجب في رعيته ، فعلى الأب تقويته في أبنائه ، وعلى الأستاذ تنشيطه في تلاميذه ، وعلى قادة الأمة أن يحببوه إلى أفرادها فإن في هذا كله دواء ناجعاً تحرص جمعية التمدن الإسلامي ومجلتها على بيانه بحقيقته قياماً بالواجب .

ملاحظة من مشرف الموقع : إن كاتب هذه المقالة هو القائد والمفكر والسياسي والمجاهد الكبير عارف التوام عليه رحمة الله، وقد يكون للبعض ملاحظات على بعض عباراتها، ولكن القصد من وراءها واضح وقد وضعناها هنا للتذكير بالمعنى العظيم الذي قصده الكاتب، وماأراده من حث الناس على الأعمال الصالحة، ولكن ليحذر الإنسان من الخروج عن الضوابط الشرعية.
وكما أن الحكمة هي ضالة المؤمن فالإخلاص لله تعالى عمود أعماله، وسبب نجاته، والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وفيما يلي ترجمة يسيرة للكاتب عارف التوام رحمه الله.

جاء في كتاب معالم وأعلام في بلاد العرب لأحمد قدامة ، القسم الأول (القطر السوري) ، الجزء الأول، ص 206:
عارف بن محمود التوام : ولد في دمشق سنة 1279هـ/1878م، وتلقى العلم في دمشق واستانبول، وتخرج برتبة ملازم أول في المدفعية، وتولى عدة مناصب في الجيش التركي في سورية واليمن وأرنجان والبلقان، وساهم في الحركات السرية الاستقلالية، وكان من مؤسسي (جمعية العهد السرية).
خاض معارك الحرب العالمية الأولى وجرح مرتين في فلسطين ورفع إلى قائم مقام مدفعية.
في العهد الفيصلي عين قائداً عاماً للمدفعية ورئيساً لإدارة التسليح ، وعضواً في المجلس الحربي، وبعد دخول الفرنسيين انصرف إلى العمل في الحقول العلمية والاجتماعية، فعمل في التعليم في المدارس الرسمية، إلى جانب المشاركة في الأعمال الوطنية والنشاط العلمي والاجتماعي، وقد ساهم في تأسيس جمعية النداء الخيري ، وجمعية التمدن الإسلامي وغيرهما.
عرف في جميع المناصب التي تولاها بالأمانة والنزاهة والجرأة والاستقامة.
وضع عدة مؤلفات مدرسية في التاريخ والجغرافية وأصول مسك الدفاتر.

وجاء في مجلة التمدن الإسلامي ج3:س 12 ربيع أول 1365/ شباط 1946م.
– ص /40 -39 ماننقله بتصرف يسير:
كلمة تأبين لعارف التوام : عضو المجمع العلمي العربي والتمدن الإسلامي بقلم بديع حقي (عضو الرابطة الأخوية) حيث يتحدث عن(سنة قاسية مرت قبل ستة أعوام [1940] وفي غرفة متواضعة في جمعية التمدن الإسلامي اجتمع مع نفر من رفاقه من مدرسة التجهيز ، وفي تلك السنة العصيبة توقفت أيدي المعطين وفرغ صندوق الرابطة وكانت الدموع تملأ مآقيهم فأطل رجل فارع الطول وبسمة حلوة على شفتيه وقيل لهم أنه : عارف التوام وقد كانوا يسمعون به فسألوه النصح فبث فيهم من روحه وبين لهم كيف يعملون ويكافحون ، فطلبوا منه أن يكون رئيسهم ففعل وطبعوا أوراقاً بذلك فكان اسمه يبعث العطاء والجود في النفوس .. ثم رحل الرجل وبقي اسمه محفوراً في نفوس الشباب.
– وفي ص40 من نفس العدد يقول صهر التوام : ممدوح حقي في قصيدة بعنوان: دمعة غريب ، وجاء فيها:
سرى نعشه والناس كالبحر خلفه يموجون حيرى تائهين على الاثر
يرى نفسه دون الرفاق تواضعاً ولكنه عند الملمات كالنسر
يحلق جباراً وينقض صاعقاً ويسلمه نصر نبيل إلى نصر

ونشرت مجلة التمدن الإسلامي في الصفحة 50، ج4 س12 ربيع2-1365هـ/ آذار 1946م
مقالة للأستاذ محمد كرد علي بعنوان: رفيق صباي ، وخلاصتها أن الفقيد رحمه الله:

درس في المدرسة الرشيدية وكان شديد الاهتمام بدروسه ولم يكن يفخر على رفاقه بتفوقه ، وكان ماهراً بالرياضيات ، وكان جاداً في أموره ،ثم تطوع في الجيش وكان ضابطاً ممتازاً ونقل إلى اليمن فتفوق في إدارته ثم ترك الجيش واشتغل بالأعمال الخيرية فأعاد النظام إلى ميتم الإناث وفي جمعية النداء الخيري ساهم بمحو أمية الآلاف ثم ترأس الرابطة الأخوية في جمعية التمدن الإسلامي .. ومضى وراء نعشه الألوف من محبيه ..
كما ذكر القائد المتقاعد شريف الحجار في الصفحة 51 من نفس العدد في مقالة بعنوان: كيف بدأت المقاومة الوطنية منذ احتلال العدو ربوع سورية.(وهي الكلمة التي ألقاها في الاجتماع التأبيني الذي أقامه مجمع اللغة العربية لرحيل عضو المجمع عارف التوام):
أن الفقيد التوام كان من أركان حزب العهد الذي مني بضربة قاسية إثر موقعة ميسلون، وبعد مقتل كراين بدأ التوام مع بعض العسكريين بلم الشعث وتأسيس هيئات إدارية ونشأت هيئتان:
1- حزب الميثاق: للمقاومة الداخلية للمستعمر كنشر المنشورات وفضح الممارسات الاستعمارية وإغلاق المحلات والإضرابات ضمن نظام محكم ، وتعرض البعض إلى العذاب والنفي والسجن حتى عشرين عاماً.
من أهم أفرادها: نسيب البكري، عارف التوام، شريف الحجار، عمر الطيبي، منير المحايري، سعيد المخيش، ومن التجار: زكي الطرابيشي، شفيق العطري، محيي الدين الحصني، توفيق القيسي ..
2- هيئة هدفها إيقاد نار الثورة العسكرية في وجه جيوش الفرنسيين ، ومن أهم أعضائها: ياسين باشا الهاشمي ، عبد الحميد باشا القلطقجي، نسيب بك الحمزاوي
عارف التوام، شريف الحجار .. وقد وضعت الهيئة خطة ثورة عامة بعد مشاورات استمرت لأشهر مع زعماء عديدين ..
وقامت تلك الهيئة الإدارية في مطلع عام 1924 م بقدح زناد الثورة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، مبتدئة من جبال القلمون بالاتفاق مع قائد الثورة فيها ملحم قاسم، ثم استجاب جبل العرب بعد حوالي سنة… و تأخرت المناطق الأخرى ..
أمدت الهيئة ثورة القلمون بالمال والسلاح كما كانت تقدم الدعم اللازم لأسر المجاهدين في دمشق وتقوم بتسفير من يخشى عليه من بطش الفرنسيين.

هذه سيرة علم من أعلام التمدن الإسلامي مطوية عن كثير من الناس، لعل فيها إيقاظاً للنفوس وحادياً نحو النهضة التي ينتظرها أبناء الإسلام

تشكر إدارة الموقع الأخ الفاضل الذي تطوع بنقل هذه المقالة وغيرها ونسأل الله أن يجزيه عنا كل خير

كُتب في من كنوز التمدن الإسلامي, منائر | التعليقات على حاجتنا إلى القيام بالواجب (القائد والمجاهد عارف التوام) مغلقة

إحياء فروض الكفاية سبيل تنمية المجتمع

نص المحاضرة التي ألقاها فضيلة الأستاذ الشيخ سليمان الزبيبي يوم السبت 15 جمادى الآخرة 1428 هـ
وذلك ضمن الموسم الثقافي لجمعية التمدن الإسلامي بدمشق

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم باسمك نبتدي ، وبهديك نهتدي ، وبك يا معين ، نسترشد ونستعين ، ونسألك أن تكحّل بنور الحق بصائرنا ، وأن تجعل إلى رضاك مصائرنا ، نحمدك على أن سدّدت في خدمة دينك خطواتنا ، وثبّتّ على صراط الحق أقدامنا .
ونصلّي ونسلّم على نبيك الهادي الذي دعا إليك على بصيرة ، وتولّاك فكنت وليّه ونصيره ، وعلى إله المتّبعين لسنّته ، وأصحابه المنيبين لشريعته .
وبعد :
فلقد شرفني أخي الأستاذ أحمد معاذ بأن أكون المتحدّث إليكم اليوم في موضوع أراه مهمّاً وحيوياً عنوانه : إحياء فروض الكفاية سبيل لتنمية المجتمع .
وأول ما تبادر إلى ذهني في هذا الموضوع : قول الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله : من جملة الشرور ترك الترتيب بين الخيرات .
ثم ما قاله شيخنا غزالي العصر : إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ويستوي أن تكون هذه الفريضة فرض عين أو فرض كفاية .
وبعد ذلك ما لاحظته من ظاهرة – أحسبها بلغت حدّ الظاهرة – وهي ما أسميتها ظاهرة الفرار من الثغور عند كثير من إخواننا المتعلّمين في تخصّصاتهم المختلفة أنهم صاروا يجنحون إلى الإقبال على طلب الإجازات في حفظ كتاب الله وربما جمع القراءات المتعددة أيضاً ، بل والالتحاق بالمعاهد الشرعية المتخصصة للتبحّر في دراسة العلوم الشرعية . وأغلب ذلك كله على حساب دراساتهم الأصلية وتخصصاتهم العلمية ظناً منهم بأن الأجر الوارد ذكره في الكتاب والسنة لطالب العلم إنما هو خاص بالعلم الشرعي – وهذا من أخطاء التأويل الشائعة كما لمسته عند الكثيرين .
لذلك كنت ومازلت أحاول جاهداً أن أوضّح لكل ذي علم وصاحب تخصص أنه مشمول برعاية الله وعناية ملائكته في ما أقامه الله فيه من علوم وأعمال يحتاجها المجتمع وتفتقر إليها الأمة ، مع أني أقول أنه لا حرج عليه إذا أراد الاستزادة من علوم الشريعة والتبحّر فيها . لكن بعد أداء واجبه الأصلي وأن تكون هذه الدراسة الشرعية الرديفة خادمة لتخصصه الأول ومرشدة له في كيفية أدائه على النحو المطلوب .

بعد هذا أدخل في موضوعنا فأقول :
قد لا نجافي الحقيقة ونقع في المغالاة ، إذا رأينا أن سبب التخلّف الذي منيت به الأمة المسلمة – ولاتزال – يتمثّل في غياب مفهوم الفروض الكفائية عموماً ، أو انكماش هذا المفهوم في ذهنيّة المسلمين ، وعدم استشعار التكليف والمسؤولية تجاهه ، واقتصاره على ميادين تتناسب مع ذهنية التخلّف لأنها تقع على هامش الحياة ، أو تكاد تكون خارج حياة المجتمع ، فاقتصر مفهومها وميدانها على الصلاة على الميّت وتجهيزه وتكفينه ودفنه ، وكأن الأمة في حالة احتضار ؛ لا تبصر من الفروض الكفائية إلا أحكام الجنائز والموتى !
والإشكالية لم تقتصر على انكماش مدلول الفروض الكفائية أو غياب أبعادها ، وعدم الشعور بالمسؤولية الشرعية عنها ، والثواب العظيم على أدائها ؛ وإنما تجاوز الأمر ذلك إلى شيوع الروح السلبية التواكلية في فهمها وتعاطيها ، وأدى هذا الفهم القاصر إلى نتائج كارثية في واقعنا المعاصر .
ولابد لإعادة وصل الدين بالحياة ، والحضور الفاعل لقيم الدين في خضم الحياة : من إبصار دور الفروض الكفائية في بناء المجتمع وتنميته ، وتطوير الرؤية بحسب تطور الحياة ، لتبلغ آفاقاً جديدة متطوّرة .
ويحسن بنا – قبل الشروع في بيان آثار الفهم القاصر لفروض الكفاية ، وأسباب هذا الفهم – أن نذكر مقدمة بين يدي البحث ، تبين المقصود بالواجب الكفائي ، وأقسامه ، والفرق بينه وبين الواجب العيني ، ومقصد الشارع من كل منهما .
فالواجب الكفائي : هو ما يطالب بأدائه مجموع المكلفين ، وإذا قام به بعضهم سقط الطلب عن الباقين ، وإذا لم يفعله أحد أثموا جميعاً ؛ كالولايات العامة والجهاد وتعليم العلم وإقامة الصناعات المهمّة … وإنما سمّي واجباً كفائيّاًَ لأنه يكفي في حصول المطلوب به قيام بعض المكلّفين بفعله دون بعضهم ، ولهذا فإن ذمّة من لم يفعل هذا الواجب تبرأ بفعل غيره ، وإن لم يقم به أحد مطلقاً فإن الإثم واقع على الجميع .

وربما يحتاج هذا الأمر إلى مزيد إيضاح أستعين فيه ببيان الإمام الشاطبي حيث يبين أن الطلب وارد على البعض – ولا على البعض كيف كان – ولكن على من فيه أهليّة القيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموما والدليل على ذلك أمور . أحدها النصوص الدالّة على ذلك لقوله تعالى ( وما كان المؤمنون لينفروا كافّة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة … الآية . فورد التخصيص على طائفة لا على الجميع ، وقوله ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ….) الآية إلى آخرها وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة ورد الطلب فيها نصّاً على البعض لا على الجميع .
والثاني : ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى فإنها إنما تتعيّن على من فيه أوصافها المرعيّة لا على كل الناس . وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يطلب بها شرعاً باتفاق من كان أهلاً للقيام بها والفناء فيها . إذ لا يصحّ أن يطلب بها من لا يبدئ فيها ولا يعيد …
والواجب العيني : هو ما يطالب بأدائه المكلّفون كلّهم ، وإذا فعله بعضهم لم يسقط الطلب عن الآخرين ؛ كالصلاة والزكاة والصوم … وإنما سمّي هذا الواجب عينيّاً لأن الخطاب يتوجّه إلى كل مكلّف بعينه ، بحيث لو عجز عن فعل الواجب لم يطلب الفعل من غيره ، ولا تبرأ ذمّة المكلّف إلا بفعله ، حتى لو أدّاه جميع المكلّفين دونه لا يسقط الطلب عنه .
والواجب الكفائي ينقلب عينيّاً إذا كان المطالب به واحداًُ بل له أن يندب نفسه إليه كما قال يوسف عليه السلام ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) .
فإن لم يكن في البلد إلا طبيب واحد ؛ كان إسعاف المريض واجباً عينياً عليه ، وإذا حضر استغاثة الغريق سبّاح واحد ؛ تعيّن عليه إنقاذه ، وهكذا … وذلك لأن الواجب الكفائي يريد به الشارع وقوع الفعل الذي يحقق المصلحة ويدفع الضرر ، سواء قام به واحد أو جماعة أو المكلّفون به جميعاً ، فإذا لم يكن القادر عليه إلا واحدا ؛ لزمه القيام بهذا الواجب ، وكان عينياً تشغل ذمته به حتى يقوم به ، وإلا كان آثماً .

يقول الإمام القرافي – رحمه الله – :
((العلم وضبط الشريعة وإن كان فرض كفاية ؛ غير أنه يتعين له طائفة من الناس ، وهي من جاد حفظهم ، ورقّ فهمهم ، وحسنت سيرتهم ، وطابت سريرتهم ، فهؤلاء هم الذين يتعيّن عليهم الاشتغال بالعلم … وصار طلب العلم عليهم فرض عين ))
وها هنا أمران مهمان نقف عليهما : الأول : تحول الواجب الكفائي إلى عيني في حق من تأهل له فلا يجوز ه التقصير في ذلك بحجة أنه يؤدي واجباً كفائياً حيث يقول في نفسه : غيري يكفيني هذا الأمر ومن هنا يأتي ضياع هذه الفرائض وتخلّف المجتمع .
الأمر الثاني أن الإمام القرافي ضرب مثلاً في هذا الجانب للعلم الشرعي ووضع مؤهلات لطالب هذا العلم وعلينا أن نتوسع في ذلك ونرى قدرات وملكات ورغبات كل إنسان وما يحسنه فيوجّه إليه ليسدّ خللاً في الأمة ويقوم بواجب يكفيها الحاجة إلى غيرها .
وأذكر هنا مثلاً ضربه الإمام الغزالي لو أن ناحية فيها مئة عالم بالشريعة وليس فيها طبيب مسلم واحد للحق الإثم الجميع …
وجمهور الأصوليين يقسمون الواجبات الكفائية إلى قسمين : دينية ودنيوية ، ويقصدون بالأولى الواجبات العبادية المحضة كصلاة الجنازة ، وبالثانية المصالح العامة كالصنائع التي يحتاج إليها .
وذهب الإمام الشاطبي في تقسيمها مذهباً آخر ، فهو – رحمه الله – يقسم الواجب الكفائي إلى ما يختص بباب من أبواب الشريعة ؛ كالولايات العامة والجهاد وتعليم العلم … ، وإلى ما لا يختص بباب من أبواب الشريعة ؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وتقسيم الشاطبي رحمه الله يدلّ على عمق فهمه لمقاصد الشريعة ، حيث يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاملاً لجميع أبواب الشريعة ومكمّلاً لها ، لا يختص بباب دون آخر ؛ وذلك لأنه يشمل نواحي الحياة كلها ، ليكون قوة دافعة نحو إتقان العمل والارتقاء بالأمة ، ويصبح علاجاً للأدواء ، وحصناً للأمة من تكرار الأخطاء .
وها هنا أمر مهم يتعلق بامتداد الواجب الكفائي ؛ إذ إن المسؤولية في الواجبات الكفائية لا تنتهي بمجرد تحمّل الواجب الكفائي وتعيينه على الأفراد القائمين به ، بل هناك امتدادات لهذه الواجبات تقتضي من الأمة أمرين اثنين :
أشار إليهما الإمام الشاطبي بقوله : قد يصح أن يقال إنه ( أي الفرض الكفائي ) واجب على الجميع على وجه من التجوّز لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة ، فهم مطلوبون بسدّها على الجملة فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلاً لها . والباقون – وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين ، فالقادر إذاً مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر ..

ونعود فنقول هذان الأمران :
الأول : حمل القائمين بالواجبات الكفائية و إعانتهم للقيام بها على النحو الأمثل .. فالقادرون على العمل مكلفون بمباشرة العمل ، والباقون مكلفون بحمل القادرين على العمل ، وطرق حملهم كثيرة : من الدعاء ، والتشجيع ، والمساهمة في الإعداد ، والنصح ، والنقد ، والمحاسبة ، وإحداث مؤسسات للضبط والضغط ، والسعي المستمر لتحديثها ورفع مستواها وجدواها .
والأمر الثاني : متابعة الواجبات الكفائية والتأكد من إقامتها بقدر الكفاية ، فالفروض الكفائية تمتاز من الفروض العينية بأنها واجبات إجتماعية أو جماعية ، إذا قام بها بعض أفراد الأمة خرجت بذلك من عهدة التكليف وبرئت من المسؤولية ، والقيام بها يعني الاضطلاع بها على الوجه الأمثل ، وتحقيق الكفاية المطلوبة للأمة ، وليس مجرّد مباشرة بعض الأفراد لها دون تحقيق حد الكفاية ، فإذا لم تتحقق الكفاية يبقى الثغر الاجتماعي مفتوحاً ، ويبقى التكليف الجماعي قائماً ، ولا تخرج الأمة بذلك من عهدة المسؤولية .
وهنا ففهم جيداً معنى الإثم الذي يلحق الجميع ، فهو ليس إثماً أخرويا فحسب وإنما هو إثم دنيوي وعقاب عاجل يحيق بالأمة كلها من ضعف وتخلف ومرض واحتياج إلى عدوها في غذائها وكسائها ودوائها وما إلى ذلك . وهذه نقطة مهمة .
وهذا الأمر يقتضي تفعيل مؤسسات البحث والإحصاء ومرافقها في المجالات المختلفة ، لقياس الأداء والإنتاج في مرافق الحياة العامة ، ومدى كفايتها وإتقانها لسدّ حاجة الأمة .
وهذا في الحقيقة من مهام الدولة المسلمة فلا يستطيع الأفراد وحدهم ولا التجمعات الخيرية أن تنهض بمعرفة ذلك كله وتهيئة حاجته وسد هذا الثغر وإنما هي وظيفة الدولة بأجهزتها المختلفة من إحصاء وتخطيط وتوزيع لهذه المهام . ولكن إذا لم يكن تحقيق هذا الأمر كافياً على يد الدول والحكومات ووجد فيها التقصير أو المحسوبيات . فهذا يدفع المسلمين إلى التعاون والتجمع لمحاولة سد ما استطاعوا من الخلل بجهدهم واجتهادهم وهذا يبعث روح المسؤولية في كل فرد ليحمل هموم الأمة كما سيجيء الحديث عنه .
هذا وقد أدى انحسار الفهم عن الأبعاد الحقيقية للواجبات الكفائية ، وإقصائها عن مقتضيات الحياة العامة ، وحصرها بقضايا الكفن والجنازة ؛ إلى خلل بالغ في المسيرة الحضارية للأمة ، وتقصير كبير في أداء دورها الريادي بين الأمم .. ولعل من أهم المجالات التي تظهر فيها آثار هذا الفهم القاصر في واقعنا المعاصر : الفقه السياسي ، والعلوم الكونية ، والعلوم الإدارية ، والخطاب الدعوي .

أولاً – في ساحة الفقه السياسي :
انصبّ معظم الحديث والتنظير في فقهنا السياسي على حقوق الحاكم على الرعية دون العكس ، أو حصر حقوق الرعية في عبارات عامة مجردة من التطبيق ، واقتصر الفهم الديني في هذا المجال على أن مجرّد إقامة رئيس الدولة تعفي الأمة من ذنب التقاعس عن واجب إقامة الحاكم ، دون أن يضاف إلى ذلك قدرة الحاكم على العطاء ، وتمكّنه من القيام بالوظائف المنوطة به على الوجه الأكمل ، وخاصة في مواجهة التحديات التي تعصف بالأمة في عصرنا الحاضر .. وفي ظل غياب مؤسسات المراقبة والمساءلة والشورى والنقد ؛ يصبح تخلّف الأمة وضياع مصالحها نتيجة طبيعية لهذا الفهم القاصر . ومما ساعد على تكريس هذا الضياع : قيام بعض الإدارات السياسية بإقصاء ( الاحتساب ) عن ساحة العمل السياسي والحياة السياسية ، فأصبحت الحسبة محصورة في مظاهر التدين الخاصة ، وهي في الغالب واجبات عينية فردية .
ولا يخفى على أهل العلم أن القيادة السياسية في الإسلام قيادة جماعية وليست فردية ، لذلك فإن من أخطر الأمراض التي أصبنا بها في فقهنا السياسي أننا اعتبرنا القيادة فردية ، وقد ساهم تديين منصب الحاكم وتديين صلاحياته وتديين الطاعة له ؛ في بقاء الفردية هائجة منتشية ، وهكذا صار التعامل مع الحكم والحكام وكأنهم يمارسون طقوساً دينية ، ولا غرو فإن تديين ما ليس بدين كان هو سبب بقاء الشقاء السياسي كل هذا العمر المديد .
ولما قصرت الأفهام عن إدراك أبعاد الواجبات الكفائية في إحداث مؤسسات الضبط والنصح والمراقبة ؛ صارت العلوم السياسية خارجة عن اهتمام التديّن ، فافتقدت الأمة بذلك العقل الذي يفكّر ، ويعي حاضره ويخطط لمستقبله ، ورضي الفرد المسلم أن يطمئن نفسه بمظاهر التديّن الشخصية ، وذلك بالاكتفاء بالواجبات العينية ؛ كالصلاة والصيام والحج …

ثانياً – في ساحة العلوم الكونية :
إن قلة الاهتمام بالعلوم الكونية أبعدت الأمة عن فرص التسخير المتاحة للإمكانيات المكنونة تحت الأرض ، فصارت الأمة متطفّلة على الآخرين في مجال الصناعة ، رغم وفرة الأموال الإسلامية المودعة في المصارف الغربية ، وحتى وقت قريب ؛ كان بعض علماء الدين يرى أن العلوم التطبيقية البحتة لا تدخل في إطار الاهتمام الديني ، ومنهم من باغت به السذاجة أن يقول : (( إن الله قد سخّر لنا غيرنا ليتعب ويصنع ، فهم يصنعون السيارة ونحن نركبها ، وهم يصنعون الطائرة ونحن نسافر بها )) وأقول تعقيباً عليهم : وهم يصنعون الصواريخ ويضربوننا بها فلم لا نرضى بذلك أيضاً ؟!!
هذه العقليات الدينية إن صحّ تسميتها عقليّات دينيّة !!!
كان لها كبير الأثر في تخلّفنا عن القيام بالواجب الكفائي في مجالات العلوم الكونية ، والإفادة منها لسدّ احتياجات الأمة بما يتناسب مع التحدي الحضاري الذي تواجهه ، وهذا ما أدّى إلى تأخّر أمّتنا عن الأمم .
فالأمة الإسلامية لم تتمكن من الاستفادة من طاقاتها في تكوين ( مجتمع المعرفة ) ؛ الذي يوظّف المعرفة لإنتاج المعرفة ثم التقانة ، وهذا أمر في غاية الأهمية ، وهو من أهم الواجبات الكفائية في عصر المعرفة والتقانة ، وهما عصب الحياة وسرّ البقاء .
وأستغلّ الفرصة هنا سانحة بمناسبة الحديث عن ( مجتمع المعرفة ) لأقول : إن مجتمع المعرفة لا يقوم إلا على شيوعها بين أفراده بجنسيهم الذكور والإناث .
أما إذا بقي التقصير في تعليم الإناث أو حصرهم في جوانب محدودة كالعلم الشرعي مثلاً .
فهذا ما يؤخر من نهوض الأمة قروناً لأننا بحاجة إلى كل جهد وإلى كل كفاءة يستوي فيها الذكر والأنثى مع العلم أن بعضاً من فروض الكفاية لا تقوم إلا بالإناث تحديداً .. فإلى متى يتم التعامي عن هذا والغفلة عنه باسم الدين والتقاليد أحياناً ، وباسم عدم الإدراك أحايين أخر .
ونحن في ذكرى النكسة نتذكر بألم كيف أن امرأة صهيونية – غولدا مائير – أذلّت شوارب العرب ولحاهم في حرب 67 …
لذلك لا بد من قيام نسق للابتكار يقوم على إدارة تتميز بالكفاءة ، لنقل التقانة من خارج المجتمع ، واستيعابها في النسيج الاجتماعي ، وتنشيط إنتاج المعرفة المؤدي إلى توليد تقانات جديدة ، تحقق التنمية المنشودة .

ثالثا – في ساحة الفقه الإداري :
لم يكن اهتمام الأمة بالعلوم الإدارية بأحسن حالاً من سابقتيها ، فأصبحنا عاجزين عن الاستفادة من القدرات العقلية المتوفرة ، وتنظيمها في مؤسسة إنتاجية عالية ، وعاجزين عن أن نضع كل كفاءة في مكانها المناسب بعيداً عن مقتضى الولاءات العائلية والحزبية ، حتى أصبحت الوظائف العليا في كثير من بلادنا مرهونة لأصحاب الولاء . وقد عمّ هذا البلاء ولهم عند أدعياء الدين قبل الحكّام والمسؤولين !!
وأصبحت دراسة العلوم الإدارية ( ورداً ) يدرّس في الجامعات ، دون أن يساهم في حلّ المشكلات الإدارية للبلاد ؛ التي تعاني من تناثر الكفاءات وهجرة بعضها ، وعدم تنظيمها في منظومة متكاملة بحيث يستفاد من طاقاتها ، ويأخذ كل واحد مكانه بقدر طاقته وعطائه ، وتصبح قدرات الأمة وطاقاتها في نسيج متماسك ، يدفع المجتمع إلى الأمام .. وبذلك يتسنّى للأمة القيام بالواجب الكفائي في هذا المجال .

رابعاً – في ساحة الخطاب الدعوي :
بسبب ضمور الفهم في مجال الفروض الكفائية ، وقصر النظر عن إدراك آفاقها : كان خطاب حركات التجديد والإصلاح يدور في فلك الواجبات العينية ، ولم يعط حيّزاً كافياً للواجبات الكفائية ، وكانت اهتمامات معظم الحركات الإسلامية جزثيّة ضيّقة ، لم تصل إلى مستوى التصدي للمصالح العامة للأمة ، وتناولها من خلال نظرة كلّيّة شاملة .
ويقف وراء ذلك : الخلل في مناهج التعليم الدينية ، التي لا ترقى إلى مستوى تخريج فئة عالمة بمقاصد الدين في الحياة ، بل تخرّج حفظة لبعض المتون الفقهيّة والأصوليّة ، يتصدّرون للفتوى بعيداً عن معرفة الواقع وملابساته . في تشخيص هذا الداء الدّويّ يقول العلّامة الشيخ يوسف : (( وآفة كثير ممن اشتغلوا بعلم الدين : أنهم طفوا على السطح ، ولم ينزلوا إلى الأعماق ؛ لأنهم لم يؤهّلوا للسباحة فيها ، والغوص في قرارها ، والتقاط لآلئها ، فشغلتهم الظواهر عن الأسرار والمقاصد ، وألهتهم الفروع عن الأصول ، وعرضوا دين الله وأحكام شريعته على عباده تفاريق متناثرة ، لا يجمعها جامع ، ولا ترتبط بعلّة )) . بل أقول إن بعضهم زاد على ذلك فصار ينصب العداء لمن ينصح ويوجه ويضع يده على مواطن الخلل في هذه المناهج والأساليب ويسعى إلى إقصائه بكلّ طريقة ويتوسل إلى ذلك بكلّ وسيلة حتى جاءتنا أيام بدأ الإملاء الخارجي في تعديل هذه المناهج وتهذيبها هو المتّبع في كثير من بلادنا فاستكنّا له وكنا أذلّة على الكافرين أعزّة على المؤمنين .تلك بعض الآثار المترتبة على قصور الفهم لأبعاد الواجبات الكفائية ، وتقصير الأمة في العمل بمقتضياتها . ولكن ما هي الأسباب الرئيسة لذلك الفهم القاصر ؟

إن للقصور في الفهم والتقصير في العمل أسباب عديدة ، ترجع بمجملها إلى أزمات ثلاث تعاني منها الأمة الإسلامية :

أولاً – أزمة الفكر والفهم والتديّن :
إن أول ما يبدو لنا – حين ننظر إلى القرنين الأخيرين – ذلك الضباب الكثيف الذي يحيط بحقيقة الإسلام في نفوس كثير من المسلمين ، والبعد المتزايد عن هذه الحقيقة في الحياة الواقعية ، فمفهوم ( لا إله إلا الله ) الذي يشكل أساس الإسلام كله : تحول إلى كلمة تقال باللسان لا علاقة لها بالواقع ، ولا مقتضى لها في حياة أكثر الناس ، وصار مفهوم العبادة الواسع محصوراً في شعائر تعبدية معزولة عن الحياة ، وأصبحت عقيدة القضاء والقدر قوّة مخذّلة عن العمل والحركة ، مثبّطة عن الأخذ بالأسباب . وأصيبت العقلية المسلمة بقصر في الفهم لأبعاد مقتضيات الاستخلاف على الأرض ، وقصّرت عن الاستنباط والاعتناء بالسنن الكونية التي جاء القصص القرآني لتأكيدها , حيث تَضعَفُ آياته آيات الأحكام التي استنبط منها هذا الكمّ الكبير من التراث الفقهي بمعنى أن الآيات التي عرضت السنن الكونية هي أضعاف الآيات التي اصطلح الفقهاء على تسميتها بآيات الأحكام . والتي لا تزيد عن خمس مئة آية في أقصى عدد لها . ولا يدرس طلاب الشريعة غيرها من كتاب الله ، أما بقية الآيات فيقال لك إن هذه ليست آيات أحكام ويهمل فهم الكتاب مع كثرة حفاظه وجامعيه من الذكور والإناث !!
وأصبح حال طلبة العلم خاصة كما يقول إقبال :
المسلم فقير ومهلهل الثياب جبريل يولول ويصيح من أعماله
تعال لنرسم أمة أخرى فهذه الأمة عبء على كاهل العالم
لنرسم أمة أخرى تضع العمل نصب عينيها أمة أخرى تحمل الدارين على كاهلها.
وأغلب هذه الأحكام يتعلّق بالواجبات العينية ، في حين أهمل الفقه المتعلّق بسنن سقوط الحضارات ونهوضها ، الذي تكون حمايته بالواجبات الكفائية التي شرعت للحفاظ على خيرية الأمة ووسطيتها وشهودها ، وأداء دورها الراشد والمرشد وسط الأمم ، وبقي هذا الجانب من الفقه مهملاً جيلاً بعد جيل ، ولم ينل حظّه من الاهتمام المطلوب ، واتّكل فيه اللاحقون على جهود السابقين .
لقد نال التراث الفقهي قدراً كبيراً من التقديس ؛ حيث إن البيئة العلمية في الأغلب لا تسمح بالاستدراك على السابقين ، وهذا ما أدّى إلى تهميش الفقه بالسنن الكونية في العقلية المسلمة ، ونتيجة لذلك فقدنا التوازن في عملية التدافع بين الحق والباطل ، وبدأ التفكير في التعامل مع الواقع بناءاً على ( فقه الضعف ) ، مع كثرتنا وكثرة عتادنا الذي لا نملك حق استعماله إلا ضد شعوبنا !

ثانياً – سيادة الاستبداد الفردي :
لعل من أخطر تداعيات الاستبداد السياسي أن علاقة الحاكم مع شعبه تقوم على الشدة ، في حين تلين قناته مع الآخرين ، فهو يستخدم القوة مع الشعب ، والضعف مع قوة الخارج ! لذلك فإن سيادة الاستبداد الفردي تؤدي إلى التديّن الفردي ، وعدم التدخل في شؤون السلطة المستبدة ، فتنحسر من ثمّ الواجبات الكفائية عن الواقع ممارسة وتفعيلاً ، أو يتراجع فهمها في إطار القضايا المصيرية للأمة ، لينحصر في قضايا المصير الفردي من دفن وكفن وجنازة .
وهكذا فإن الاستبداد قد ساهم مساهمة عظيمة في تهميش المسؤوليات المجتمعية على ساحة اهتمامات خطاب الإصلاح الديني ، أو خطاب علماء الدين عموماً ، وصار الخطاب يعنى يتأكيد المسؤوليات الفردية والتديّن المظهري ، بعيداً عن الخوض في مقتضيات نظام العدالة والمساواة وحقوق الرعية .

ثالثاً – الغزو الفكري لخدمة الاستعمار :
لمّا كان الفهم الشامل لأبعاد الواجبات الكفائية يساعد في الوقوف بوجه الأطماع الاستعمارية ، ويحمل على مقاومتها ودحض مخطّطاتها ؛ فقد عمد الاستعمار – عندما أدرك ذلك – إلى العمل على صرف توجّهات الناس واهتماماتهم عن المصالح العامة إلى الأمور الخاصة والشؤون الشخصية ، ليشغل كلّ فرد بتحصيل لقمته عن قضايا أمته ، وبالواجب العيني عن الواجب الكفائي ، حتى ضجّت فروض الكفاية تشكو من هذا الداء ، مع قلّة الأكفاء وكثرة الأعداء . وهنا أستحضر قول الأستاذ الراشد (( وما أركس أمة الإسلام اليوم في المحن ولا أضعفها إلا مثل هذا الشعور السلبي ؛ الذي يتبرّأ فيه كل أحد من المسؤولية ويحيلها إلى غيره ، فيكون التقصير من الجميع . ولهذا يكون الذي تتصاعد عنده مشاعر المسؤولية ويرى نفسه أنه هو المخاطب بالواجبات الشرعية دون غيره ، وأنها عليه مثل فرض عين : أكثر ثواباً عند الله ، وكلما زاد تقصير الناس زاد أجره ، حتى ليصير أضعافاً ، ثم البركة الربانية توصله إلى سبعمئة ضعف .
ولهذا ينبغي أن يلجأ الفن التربوي الإسلامي إلى هذا النمط من المخاطبة النفسية ، وإيصال المسلم إلى أن يشعر بأن المسؤولية قد جمعت من أشتاتها وتركّزت عليه ، وأن فروض الكفاية كأنها بالنسبة إليه فروض عين ، فإنه إن بلغ كل مسلم هذا المبلغ من الحساسية ؛ آل أمر الأمة إلى خير وافر .

لقد كان الائتلاف الثلاثي ( أزمة الفكر + الاستبداد + الاستعمار ) وراء القصور في الفهم للواجبات الكفائية وانحسارها عن الحياة العامة ، وعناصر الائتلاف الثلاثة خدمت هذا الغرض عن عمد ، وما أكثر الذين أضروا بمصالح الأمة وهم يحسنون النية والقصد !
لا بد إذن من مراجعة الأسباب التي أفرزت الكثير من الفهم السلبي للواجبات الكفائية ، ثم العمل على تصويب هذا الفهم ؛ فإن عملية النهوض بالعالم الإسلامي من الواقع المرير الذي يعيش فيه ؛ لا تكون إلا بإحياء الواجبات الكفائية ، وبعث أبعادها في عقلياتنا الدينية ، وتفعيلها في حياتنا العملية ، وهي عملية تبدأ من تصحيح الفهم والفقه بالمقاصد واستحضارها ، ليكون إحياء فروض الكفاية سبيلاً للتنمية الشاملة ، ويصبح الدين عامل رقي وتقدّم ؛ مصداقاً لقول الله تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )
وإن لم نفعل ذلك فلن تزداد الأمة إلا ضعفاًُ على ضعف وتخلّفاً على تخلف وهذا ما يدفعني إلى أن أختم حديثي بحرقة على لسان الفيلسوف المسلم محمد إقبال قائلاً في مناجاته :
أسير في طريق ليس له منزل ، البذور التي أنثرها ليس لها محصول
أنا لا أخشى الأحزان ، ولكن لا تعطني حزناً لا يليق بالقلب
أعط الاضطراب للعالم مني ، بدل وغير الأرض والسماء
إقتلع من ترابنا آدماً آخر ، اقتل هذا الإنسان الذي هو عبد للربح والخسارة
إلى متى تبقى نظرتك ممزوجة بالعتاب ، إلى متى تبقى أصنام هذا العصر
وإلى متى يبقى أولاد إبراهيم خدماً للنمرود في بيت الأوثان
ثم أقول متفائلاً
أخرج من الصدر تكبيرك اخلط ترابك بإكسيرك
أمسك ذاتك واستمسك وعش طيباً ولا تدع تقديرك بيد أحد غيرك
لو تأخذ شرارة من نار القلب فإنك تستطيع أن تجعل منها شمساً تحت الفلك .

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

كُتب في المناهج | التعليقات على إحياء فروض الكفاية سبيل تنمية المجتمع مغلقة

آق شمس الدين (قدوة لأصحاب العمائم البيضاء)

آق شمس الدين (قدوة لأصحاب العمائم البيضاء)

العمائم نوعان : طاهرة وملوثة ، أما الطاهرة فمثل بياض الثلج لا تزداد مع الأيام إلا سناء فهي لأهل الإيمان نصير وللحق راية ، وفي وجه الباطل سد وللحائر دليل، وأما الملوثة فلا يزال ران النفاق يكسوها حتى تصبح مثل سواد الليل تقشعر لمرآها قلوب المؤمنين ، وتهش لها قلوب الشياطين، ولا يزداد الناس بها إلا ضياعاً وحيرة وأوهاماً، حتى إذا انتهى أهل الباطل منها رموها مثل ثوب عتيق …
وبين النوعين فرق شديد فالعمائم البيضاء جبل عال من الاستقامة والفضائل وغيرة الإيمان ونصيحة الخلق ، والملوثة في قعر واد سحيق من الانتهازية وحب الظهور والتصنع أمام الخلق والحمية للنفس ومداهنة الحكام وغش العوام والتلبيس عليهم … مع الذلة لصاحب الدينار … بل حتى صاحب الطعام والمرق والكساء ….

خلق الله للمعالي أناساً وأناساً لقصعة وثريد …..

وأحياناً تلتبس الأحوال فتدور على لسان الضعيف من أصحاب العمائم عبارات يلوكها حتى تصبح عادة … يتوهم بها الغيرة والحرص حتى لم يعد الإنسان يطيق سماعها …..
ومن العبارات العجيبة عبارة : لا تفجعنا بنفسك يقولها الصغار للأصاغر وقد كان يقولها الكبار للأكابر … وإذا كانت قد قيلت لأبي بكر رضي الله عنه وهو يتلقى بصدره وحده فتنة تحيط بالأمة … فلا يليق أن تقال لرجل امتنع عن النفاق ، وآخر جهر بحق لطيف ، وثالث امتنع عن مجاراة الغلط ، ورابع نصح بصدق … وخامس دعاه رهط من أصحاب المسؤولية … معززاً مكرماً فلم يوصه أصحابه بالصدق بل بالمداهنة والذلة … وأردفوا: لا تفجعنا بنفسك!!
أرجوك أيها العالم يا من تحب أن تلحق بالعمائم البيضاء الطهور: افجعنا بنفسك وأعل الحق ولا تكتمه … ودعنا نسير في جنازتك شهيد كلمة وصاحباً لحمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طريق السادة العظام.

أما العبارة الثانية فهي عبارة أعجب ، وذلك أن البعض يكذب على الله والناس… ويضعضع في نفوس العامة بكلامه ونفاقه عمل ألوف من أهل الحق مما بذلوه في نحت القلوب القاسية.
وبعدها إذا ذكر قائم للحق أمامه : قال : كنت عند فلان من المسؤولين … وقد خذلت عن فلان …. يامسكين ، ومن أخبرك أن أهل الحق يريدون تخذيلك عنهم ، وما مرادهم سوى أن يصل الحق كما هو وبالحكمة والموعظة الحسنة ولكن دون نقص ولا تشويه ولابهتان ..
بالله عليك يا مدعي التخذيل خذل الباطل عن الحق وخذل عن نفسك صولات الشيطان ، واجهر بالحق مرة … وإلا استحالت عمامتك من اللون الأبيض حتى تصبح سوداء كالفحم الأصيل تتدرج على الطرق الرمادي.

ولكل أصحاب العمائم هذه التذكرة تثبيتاً لأصحاب البيضاء منها ، وهزاً لقلوب السائرين في الطرق الملتوية لعلهم يرجعون.

كان المربي الشيخ آق شمس الدين هو الباني الأول لقلب وعقل السلطان محمد الفاتح ، والذي لم يكن تجاوز العاشرة عندما كان أستاذه يمسك بيده ويمشيان معاً على شاطئ البحر المحيط بأسوار القسطنطينية الحصينة ، ثم يقول له الأستاذ : أترى هذه الأسوار الشاهقة والمدينة العظيمة؟ إنها القسطنطينية ، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً من أمته سيفتحها بجيشه ويضمها إلى أمة التوحيد : ( لَتَفْتَحْنّ القسطنطينية ، فلنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش).

كان آق شمس الدين زراعاً للخير ، بصيراً بمكامن النفوس وكان يتوجه إلى الله أن لايضيع له جهداً في تربية الأمير الصغير محمد (والذي صار بعد سنوات : السلطان محمد الفاتح ) .

السلطان مراد الثاني كان هو والد الأمير محمد ، وكان يصطحبه معه إلى بعض المعارك ، ليبني في نفسه روح المجاهد ونفسية القائد ، وليتعلم قيادة الجيش وفنون القتال عملياً ، حتى إذا ما ولي السلطنة وخاض غمار المعارك كان له القدح المعلى فيها …. ولما جاء اليوم الموعود شرع السلطان محمد الفاتح في مفاوضة الإمبراطور قسطنطين ليسلمه القسطنطينية ، فلما بلغه رفض الإمبراطور تسليم المدينة قال رحمه الله : (حسناً ، عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر).

وحاصر السلطان القسطنطينية واحداً وخمسين يوماً ، وبعدها سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين قبله ، على يد بطل شاب له من العمر ثلاث وعشرون سنة.
أثناء فتح القسطنطينية أراد السلطان أن يكون شيخه جانبه أثناء الهجوم فأرسل إليه يستدعيه، لكن الشيخ كان قد طلب ألا يدخل عليه أحد الخيمة ومنع حراس الخيمة رسول السلطان من الدخول، وغضب محمد الفاتح وذهب بنفسه إلى خيمة الشيخ ليستدعيه ، فمنع الحراس السلطان نفسه!من دخول الخيمة بناءً على أمر الشيخ! فأخذ محمد الفاتح خنجره وشق جدار الخيمة في جانب من جوانبها ونظر إلى الداخل فإذا بشيخه آق شمس الدين ساجدٌ لله في سجدة طويلة وعمامته متدحرجة من على رأسه وشعر رأسه الأبيض يتدلى على الأرض ، ولحيته البيضاء تنعكس مع شعره كالنور، ثم رأى السلطان شيخه يقوم من سجدته والدموع تنحدر على خديه ، فقد كان يناجي ربه ويدعوه بإنزال النصر ويسأله التمكن و الفتح القريب.

عاد السلطان محمد (الفاتح) عقب ذلك إلى مقر قيادته ونظر إلى الأسوار المحاصرة فإذا بالجنود العثمانيين قد أحدثوا ثغرات بالسور تدفق منها الجنود إلى القسطنطينية ، ففرح السلطان بذلك وقال: ليس فرحي لفتح المدينة إنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زمني.

وذكر الإمام الشوكاني صاحب البدر الطالع مايلي مما حصل بعد يوم واحد من الفتح (جاء السلطان إلى خيمة
( آق شمس الدين) وهو مضطجع فلم يقم له ، فقبل السلطان يده وقال له : جئتك لحاجة، قال : وما هي ؟ قال: أن أدخل الخلوة عندك، فأبى، فأبرم عليه السلطان مراراً وهو يقول: لا. فغضب السلطان وقال: إنه يأتي إليك واحد من الأتراك فتدخله الخلوة بكلمة واحدة وأنا تأبى علي ، فقال الشيخ : إنك إذا دخلت الخلوة تجد لذة تسقط عندها السلطنة من عينيك فتختل أمورها فيمقت الله علينا ذلك ، والغرض من الخلوة تحصيل العدالة ، فعليك أن تفعل كذا وكذا ، وذكر له شيئاً من النصائح – ثم أرسل السلطان إليه ألف دينار فلم يقبل ، ولما خرج السلطان محمد الفاتح من عند الشيخ قال لبعض من معه : ما قام الشيخ لي. فقال له: لعله شاهد فيك من الزهو بسبب هذا الفتح الذي لم يتيسر مثله للسلاطين العظام، فأراد بذلك أن يدفع عنك بعض الزهو .

لم يحتل أحد في قلب محمد الفاتح مكانة مثلما احتلها أستاذه آق شمس الدين، وكان ينظر إليه بأعظم مشاعر الحب، والإجلال ، والتوقير ، ويزوره على الدوام ، حيث يستمع لأحاديثه ونصائحه ، ويستفيد من علمه الغزير.
أما آق شمس الدين فكان مهيباً لا يخشي سوى الله ، لذا فإنه عند قدوم السلطان (محمد الفاتح) لزيارته ، لا يقوم له من مجلسه ، ولا يقف له. أما عند زيارته للسلطان (محمد الفاتح) فقد كان السلطان يقوم له من مجلسه توقيراً له ، واحتراماً ويجلسه بجانبه.

وقد لاحظ ذلك وزار السلطان وحاشيته ، لذا لم يملك الصدر الأعظم (محمود باشا) من أن يبدي دهشته للسلطان فقال له : لا أدري يا سلطاني العظيم ، لم تقوم للشيخ (آق شمس الدين ) عند زيارته لك ، من دون سائر العلماء والشيوخ ، في الوقت الذي لا يقوم لك تعظيماً عند زيارتك له ؟!. فأجابه السلطان : أنا أيضاً لا أدري السبب … ولكني عندما أراه مقبلاً علي ، لا أملك نفسي من القيام له … أما سائر العلماء والشيوخ ، فإني أراهم يرتجفون من حضوري ، وتتلعثم ألسنتهم عندما يتحدثون معي ، في الوقت الذي أجد نفسي أتلعثم عند محادثتي الشيخ آق شمس الدين.

رسالة إلى أصحاب العمائم إذا وقفوا بين أيدي السلاطين ، فما بالك عندما يقفون بين يدي العبيد.

كتبه: أحمد معاذ الخطيب الحسني

المصادر : [بتصرف]:

1- روائع من التاريخ العثماني ، لأورخان محمد علي ، ص 47، والدولة العثمانية لعلي الصلابي ، ص185 نقلاً عن موقع التاريخ :
http://altareekh.com/doc/article.php?sid=247

2- هل فات الأوان لتبدأ من جديد.. للأستاذ باسل شيخو.

3- السلطان محمد الفاتح ، د.فهمي

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على آق شمس الدين (قدوة لأصحاب العمائم البيضاء) مغلقة

من أجل إنتاجية أفضل (رسم الأهداف) للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

يعيش العالم المتقدم أزمة حضارة بسبب افتقاده الوجهة أو الهدف الأكبر الذي يجذب إليه جميع مناشط الحياة، ويمنحها المنطقية والانسجام. أما المسلمون فأزمتهم الأساسية، هي أزمة حركة في العالم، وأزمة شهود على العصر؛ فهم في أكثر الأحيان يتأثرون، ولا يؤثرون، ويأخذون من الحياة أكثر مما يعطونها؛ وذلك بسبب انخفاض إنتاجيتهم، وضعف إدارتهم لإمكاناتهم الشخصية والعامة.
نقرأ آيات الاستخلاف وشروط التمكين في الأرض، وأدبيات النجاح والفلاح، لكنَّ قليلين منا الذين يسألون أنفسهم عن وظيفتهم الشخصية في تحقيق كل ذلك!

إن الأماني الوردية حول قيادة أمتنا للعالم تداعب أخيلة الكثيرين منا، وتدغدغ مشاعرهم، لكن لا أحد يسأل عن آليات تحقيق ذلك، ولا عن الإمكانات المطلوبة للسير في طريقه!
إني أعتقد أن هناك حقيقة أساسية غائبة عن أذهان الكثيرين منا، هي أننا لا نستطيع أن نوجد مجتمعًا أقوى من مجموع أفراده؛ ولذا فإن النهوض بالأمة يقتضي على نحوٍ ما أن ينهض كل واحد منا على صعيده الشخصي، وما لم نفعل ذلك، فإن الغد لن يكون أفضل من اليوم.

إن رسم الأهداف نوع من مدِّ النظر في جوف المستقبل، وإن الله ـ جل وعلا ـ يحثنا على أن نتفكر في الآتي، ونعمل له : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } {الحشر: 18
إن المسلم الحق لا يكون إلا مستقبليًا، ولكننا بحاجة إلى أن نعمم روح الالتزام نحو الآخرة على مسلكنا العام تجاه كل ما يعنينا من شؤون وأحوال.

أهمية وجود هدف:
من الأدوات الأساسية في تحسين وضعية الفرد أن يكون له هدف يسعى إلى تحقيقه. ونرى أن حيوية وجود هدف واضح في حياتنا تنبع من اعتبارات عديدة، أهمها:
1 – إن كل ما حولنا في تغير دائم، والمعطيات التي تشكل المحيط الحيوي لوجودنا لا تكاد تستقر على حال، وهذا يجعل كل نجاح نحققه معرضًا للزوال؛ ووجود هدف أو أهداف في حياتنا، هو الذي يجعلنا نعرف على وجه التقريب ما العمل الذي سنعمله غدًا، كما أنه يساعد على أن نتحسس باستمرار الظروف والأوضاع المحيطة؛ مما يجعلنا في حالة دائمة من اليقظة، وفي حالة من الاقتدار على التكيف المطلوب.
وقد جرت عادة الكثيرين منا أن يسترخوا حين ينجزون عملاً متميزًا؛ مما يضعهم على بداية الطريق إلى أزمة تنتظرهم. ولذا فإن الرجل الناجح، هو الذي يسأل نفسه في فورة نجاحه عن الأعمال التي ينبغي أن يخطط لها، ويقوم بإنجازها؛ فالتخطيط هو الذي يجعل أهمية المرء تأتي قبل الحَدَث. أما معظم الناس فإنهم لا يفكرون إلا عند وجود أزمة، ولا يتحركون إلا حين تحيط بهم المشكلات من كل جانب، أي يستيقظون بعد وقوع الحدث، وبعد فوات الأوان!

2 – إن وعي كثيرين منا بـ(الزمن) ضعيف، ولذا فإن استخدامنا له في حل مشكلاتنا محدود. وحين يجتمع الناس برجل متفوق فإنهم يضعون بين يديه كل مشكلاتهم، ويطلبون لها حلولاً عاجلة متجاهلين عنصر (الزمن) في تكوينها وتراكمها، وطريقة الخلاص منها. ووجود هدف في حياة الواحد منا يجعل وعيه بالزمن أعظم، ويجعله يستخدمه في تغيير أوضاعه. إذا سأل كل واحد منا نفسه: ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه جهله بعلم من العلوم – مثلاً – أو قضية من القضايا؟ فإنه يجد أنه في الوقت الحاضر لا يستطيع أن يفعل أي شيء يذكر تجاه ذلك. أما إذا سأل نفسه: ماذا يمكن أن يفعل تجاهه خلال خمس سنين؟ فإنه سيجد أنه يستطيع أن يفعل الكثير؛ وذلك بسبب وجود خطة، واستهداف للمعالجة، وهما دائمًا يقومان على عنصر الزمن. إني أعتقد أن كثيرًا من الخلل المنهجي في تصور أحوالنا، وحل أزماتنا، يعود إلى ضيق مساحة الرؤية، ومساحة الفعل معًا، وذلك كله بسبب فقد النظر البعيد المدى.

3 – إن كثيرًا من الناس يظهرون ارتباكًا عظيمًا في التعامل مع (اللحظة الحاضرة) وذلك بسبب أنهم لم يفكروا فيها قبل حضورها، فتتحول فرص الإنجاز والعطاء إلى فراغ قاتل ومفسد؛ وهذا يجعلنا نقول: إننا لا نستطيع أن نسيطر على الحاضر، ونضبط إيقاعه، ونستغل إمكاناته، إلا من خلال مجموعة من الآمال والأهداف والطموحات، وبهذا تكون وظيفة الهدف في حياتنا هي استثمار اللحظة الماثلة على أفضل وجه ممكن.
إني أتجرأ وأقول: إن ملامح خلاص جيلنا، والجيل القادم ـ على الأقل ـ من وهن التخلف والانكسار قد تبلورت في أمرين: المزيد من الالتزام بالمنهج الرباني، والمزيد من التفوق، ولا نستطيع أن نجعل هذين الأمرين حقيقة واقعة في حياتنا من غير تحديد أهداف واضحة.

سمات مطلوبة في الهدف:

1. المشروعية:
إن مجمل أهداف المرء في الحياة، يعادل على نحو تام (استراتيجية) العمل لديه، ولذا فإن الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة، تختلط فيها عوامل البناء مع عوامل الهدم، وينسخ بعضُها بعضَها الآخر. إن الهدف غير المشروع، قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة، لكنه يحطّ من التوازن العام للشخصية، ويفجّر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة. وليس المقصود بشرعية الهدف أن يكون معدودًا في (المباحات) فحسب، وإنما المقصود أن يكون مندمجًا على نحو ما في الهدف الأسمى والأكبر الذي يحيا المسلم من أجله على هذه الأرض، ألا وهو الفوز برضوان الله – تبارك وتعالى – وهذا يعني أن الأهداف المرحلية والجزئية للواحد منا يجب ألا تتنافر معه في وضعيتها أو مفرزاتها أو نتائج تفاعلها. ولعل من علامات الانسجام بينها وبين الهدف الأكبر ــ شعور المرء أنه يحيا (حياة طيبة) وهي لا تولد من رحم الرخاء المادي، ولا من رحم التمتع بالجاه أو الاستحواذ على أكبر كمية من الأشياء، وإنما تولد من ماهية التوازن والانسجام بين المطالب الروحية والمادية للفرد، ومن التأنق الذي يشعر به من يؤدي واجباته.
الهدف المشروع عامل كبير في إيجاد التطابق بين رموزنا وخبراتنا، وهو إلى ذلك مولِّد لما نحتاجه من حماسة للمضي في الطريق إلى نهايته.

2. الملاءمة:

لكل منا طاقاته وموارده المحدودة، وله ظروفه الخاصة، وله إلى جانب ذلك تطلعات وتشوُّفات؛ ومن الواضح اليوم أن الحضارة الحديثة أوجدت لدى الناس طموحات فوق ما هو متوفر من إمكانات لتلبيتها، وهذا يؤدي بكثير من الناس إلى أن يسلكوا طرقًا غير مشروعة لتلبيتها، أو يؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار.
والهدف الملائم، هو ذلك الهدف الذي يتحدى ولا يعجز. ومعنى التحدي دائمًا: طلب تفجير طاقات كامنة أو استخدام موارد مهملة، لكنها جميعًا ممكنة. حين يكون الهدف سهلاً فإنه لا يؤدي إلى حشد إمكاناتنا الذاتية، ولا إلى تشغيل أجهزتنا النفسية والعقلية، كما لو أننا طلبنا من شخص أن يقرأ في كل يوم ربع ساعة، أو يستغفر عشر مرات.
في المقابل فإن الهدف الكبير جدًا يصد صاحبه عن العمل له، وفي هذا السياق نرى كثيرًا من أهل الخير، يشعرون بالإحباط، ويشكون دائمًا من سوء الأحوال، وتدهور الأوضاع، وهذا نابع من وجود هدف كبير لديهم هو (الصلاح العام) لكن ليس لديهم أهداف صغيرة، أو مرحلية تصب فيه. إن كل هدف صغير يقتطع جزءًا من الهدف الكبير، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل؛ وعدم وجود أهداف صغيرة، يجعل الهدف النهائي يبدو دائمًا كبيرًا وبعيدًا، وهذا يسبب آلامًا نفسية مبرحة، ويجعل المرء يظهر دائمًا بمظهر الحائر العاجز. إنه لا يأتي بالأمل إلا العمل، وقليل دائم خير من كثير منقطع.

3. المرونة:
إن أنشطة جميع البشر، تخضع لعدد من النظم المفتوحة، ومن ثم فإن النتائج التي نتطلع إلى الحصول عليها، تظل في دائرة التوقع والتخمين. حين يرسم الإنسان هدفًا، فإنه يرسمه على أساس من التقييم للعوامل الموجودة خارج طبيعة عمله، وخارج إرادته، وهذه العوامل كثيرًا ما يتم تقييمها على نحو خاطئ، كما أنها عرضة للتغير، بالإضافة إلى أن إمكاناتنا التي سوف نستخدمها في ذلك هي الأخرى متغيرة؛ ولهذا كله فإن الهدف يجب أن يكون (مرنًا)، أي: له حدود دنيا، وله حدود عليا؛ وذلك كأن يخطط أحدنا لأن يقرأ في اليوم ما بين ساعتين إلى أربع ساعات، أو يزور ثلاثة من الإخوة إلى خمسة وهكذا.. هذه المرونة تخفف من ضغط الأهداف علينا؛ فالناس يشعرون حيال كثير من أهدافهم أنها التزامات أكثر منها واجبات، والالتزام بحاجة دائمًا إلى درجة من الحرية، وسيكون من الضار بنا تحوُّل الأهداف إلى قيود صارمة، وحواجز منيعة في وجه تلبية رغبات شخصية كثيرة.

4. الوضوح:
هذه السمة من السمات المهمة للهدف الجيد، حيث لا تكاد تخلو حياة أي إنسان من الرغبة في تحقيق بعض الأمور، لكن الملاحظ أن قلة قليلة من الناس، تملك أهدافًا واضحة ومحددة، ولذا فمن السهل أن يتهم الإنسان نفسه أو غيره بأنه لم يتقدم باتجاه أهدافه خطوة واحدة خلال عشرين سنة، مع أنك لا تراه خلال تلك المدة إلا منهمكًا ومتابعًا بما يعتقد أنه هدف يستحق العناء!

إنه يمكن القول بسهولة: إن كل هدف ليس معه معيار لقياسه وللكشف عما أنجز منه، وما بقي؛ ليس بهدف. ولذا فإن من يملك أهدافًا واضحة يحدثك دائمًا عن إنجازاته، وعن العقبات التي تواجهه. أما من لا يملك أهدافًا واضحة، فتجده مضطربًا، فتارة يحدثك أنه حقق الكثير الكثير، وتارة يحدثك عن خيبته وإخفاقه؛ إنه كمن يضرب في بيداء، تعتسفه السبل، وتشتته مفارق الطرق! نجد هذا بصورة أوضح لدى الجماعات؛ فالجماعة التي لا تملك أهدافًا واضحة محددة، تظل مشتتة الرأي في حجم ما أنجزته، ولا يكاد خمسة من أبنائها يتفقون في تقويمهم لذلك! لا يكفي أن يكون الهدف واضحًا، بل لا بد من تحديد توقيت لإنجازه، فالزمان ليس ملكًا لنا إلى ما لا نهاية، وطاقاتنا قابلة للنفاد. ثم إن القيمة الحقيقية للأهداف، لا تتبلور إلا من خلال الوقت الذي يستغرقه الوصول إليها، والجهد والتكاليف التي نحتاجها. ولهذا كله فالبديل عن وضوح الهدف، ووضوح تكاليفه المتنوعة، ليس سوى العبث والهدر والاستسلام للأماني الخادعة!

إن من أسباب ضبابية أهدافنا أننا لا نبذل جهدًا كافيًا في رسمها وتحديدها، وهذا لا يؤدي إلى انعدام إمكانية قياسها فحسب، وإنما يؤدي أيضًا إلى إدراكها بطريقة مبتذلة أو رتيبة، مما يُفقدها القدرة على توليد الطاقة المطلوبة لإنجازها.

سنعمل الكثير من أجل أهدافنا إذا أدركنا أنه عن طريقها تتم الصياغة النهائية لوجودنا. ولله الأمر من قبل ومن بعد

كُتب في المناهج | التعليقات على من أجل إنتاجية أفضل (رسم الأهداف) للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار مغلقة

ثقافة النحر وفلسفة الانتحار – 2007-07-02

ليست السكاكين وحدها هي التي تنحر في العراق وغير العراق ، بل إن الفكر الذي يغذي ذلك موجود في الأعماق ، وما يحصل إنما هو نتيجة ثقافة دموية كامنة تضع المقدمات للنحر المخيف. وقد تبلد حس بعض الناس رغم ماتحمله هوامش الأخبار كل يوم من مرعبات الحوادث : أربعون جثة فصلت عن رؤوسها … ثلاثون جثة مشوهة … ميتم للأطفال المتخلفين عقلياً تمارس عليهم أنواع الاعتداءات الجنسية وهم في غاية الهزال والعري .. تفجير مرقد الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام [عبارة سنية الأصل فلا ترتعب] .. تدمير مسجد الإمام العارف بالله الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه [عبارة شرعية مائة بالمائة فلا تخف منها] … أي غابة هذه بل أي احتقار لكرامة البشر … ووصاية همجية عليهم.

عبثاً نحاول الخروج من الأزمة ، لأن جذور تلك الثقافة وأصول ذلك الفكر موجود في الأعماق … نعم وبشكل مؤكد…. ومن يراجع العديد من الكتب والأدبيات (والمؤلف أكثرها في عهود الانحطاط الأولى، تمييزاً لها عن عصور الانحطاط الحالية) سيجد المقدمات والتحضير النفسي والفقهي والاجتماعي للنحر الذي يبدأ بالحرص والغيرة على الدين والعقيدة ، مع تنزيه النفس والنظر إليها بعين الكمال مع احتقار عمل الغير وعدم تخطئته فقط بل محاولة اقتلاعه من جذوره، وعندما تصبح الأمة في حرج ويفقد العقلاء زمام الأمور فإن التوحش يبرز بشكل مرعب متكئاً على تلك المقدمات التي زرعت في العقول خلال مئات السنين حتى غدت مكمناً (لفيروسات) توحش مذهل ، وما تسمعه في أيام الفتن والاضطرابات هو النتيجة الوحيدة لها.

الاجتثاث ليس هدفاً ولا وسيلة ولا مبدأ ولا مقصداً بل حالة متوحشة صرفة.ً وسواء كان الاجتثاث فكرياً أم عسكرياً أم ثقافياً فنتيجته واحده .. المزيد من الدماء.

الواحدية عقيمة والتعددية هي سبب التكاثر والنمو ، وكما أن الوجود المجرد لكائن ما لا يؤدي إلى التكاثر بل إلى الفناء المحتم، ولا يمكن الإنجاب الطبيعي حتى يكون هناك زوجان (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات 49، فكذلك واحدية السياسة والثقافة والحضارة بل الفلسفة والأخلاق والأعراف … لاتؤدي إلا إلى العقم

( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) المائدة، 48…. وإذا فهمنا ذلك عرفنا أن من الأسباب الرئيسة لاضمحلال الحضارات وفناء الدول وتصدع الأنظمة الشمولية مهما طال بها العمر وانقراض كثير من الفلسفات والآراء هو الواحدية التي تحمل جراثيمها ، لذا لم يكن الإسلام قادماً للاجتثاث بل للهداية والتقويم ، بل أعطى المخالف من أهل الكتاب مكانة خاصة من الاحترام ، بعد نظر منه في إبقاء مكونات مغايرة في أعماقه ترفد بعوامل النشاط والحركة والتبادل الحضاري.

يظن البعض أن إفناء الآخرين هو سبيل الاستقرار لأي مبدأ أو نظام أو عقيدة وحتى دولة … والحقيقة أنه بداية نهايتها ، لذا أعلن الإسلام أنه (لا إكراه في الدين) ، وينقض الإسلام عروة عروة من لم يعرف الجاهلية …

ممارسات الإفناء تتحرك اليوم على المحاور الثلاثة :

1- محور الهيمنة الدولية : والتي في حقيقتها هيمنة استعلائية منحرفة ومصاصة لدماء شعوب الأرض وخيراتها، ولقد شعرت بالاشمئزاز، وأنا أسمع الرئيس بوش يتحدث عن الحرية، وتوق الشعوب لها ، متناسياً أن النظام الأميركي هو أكبر قامع لحرية الشعوب (وهو بالتأكيد شيء آخر غير الشعب الأميركي الذي تعمى عليه حقائق ماتفعل إدارته) وما تفعله قواته في بلاد الله وخصوصاً البلاد الإسلامية شيء لا أظن أن البشرية سوف تغفره يوماً، بل أضافته إلى السجل المخزي والذي كتب بالدم وضم رفات مئات الملايين من الهنود الحمر الذين أبادهم التوحش الغربي، ثم النهب المنظم لخيرات وثروات الشعوب، ثم العدوان على الطبيعة والبيئة والإنسان والحيوان والنبات والحجر، وقبلها هيروشيما وناغازاكي وبعدها التوحش المرعب والإبادة المخيفة للشعب الفيتنامي ، والسكوت عن المذابح البشعة في فلسطين والعراق وأفغانستان وعصابات القتل والإجرام والأنظمة القمعية في أميركا اللاتينية ، والمليون أفريقي الذين ذبحوا بالبلطات والسكاكين بين الهوتو والتوتسي وأم العدل تتفرج … وفوق ذلك تمتلك الجرأة لتتحدث عن العدل … والحرية … والكرامة في عالم هي التي تقوده نحو الفناء الوشيك، ولا ينقص ذلك لتتم الصورة إلا لعبة صغيرة تذهب إلى (الكنيست الإسرائيلي) وتستعدي على بلدها وشعبها، وهي تظن أن هناك من تدغدغ قلبه الأحلام الأميركية بالنصر الموعود، إننا وبكل صراحة نرفض النصر الأميركي المزعوم (إذا كان نصراً حقيقة) فكيف وهو قبر لا يماري في حقيقته اثنان ولا يطمع في النزول به من له أدنى نصيب من عقيدة أو وطنية أو صدق إلا إن كان فريداً في غادريته، متميزاً في خيانته، ويمكن لأمثال هؤلاء أن يتأكدوا تماماً أن أي مواطن فيه ذرة خير لبلاده، ومهما بلغ به الضيق من النظام الحاكم، فإنه لن يمد يداً ولا عقلاً ولا قلباً للنظام الأميركي وستبقى روحه في كفه يصد الأذى ويحمي الديار. ولقد حزن البعض لتداعي دولة محمود عباس الكرتونية ، ولكنهم لم يفكروا ملياً بعواقب طلبه قدوم قوات دولية لحماية الفلسطينيين!!! لقد صار خطيراً جداً تواجد قوات دولية في جنوب لبنان وقدوم قوات دولية إلى غزة وجلب قوات عسكرية إلى الحدود السورية اللبنانية .. فالنتيجة الوحيدة هي الاحتلال الكامل للمنطقة.

ومن باب النصيحة لله فإننا نقول لإخواننا في أي خط إسلامي أن يحذروا من يتم استيعابهم ضمن المخطط القادم الذي يعدهم بتغيير أنظمة بلادهم ، وحتى لوكانت تلك الأنظمة تحاول شراء رضا النظام الأميركي، فإنها أنظمة لها أعمار محدودة ، وهي على سوئها وظلمها تكاد تكون سيئة من سيئات ذلك النظام العالمي المتوحش. والخط الإسلامي وحرصاً على سلامته الاستراتيجية لا ينبغي له أن يحمل على كتفيه إثم الخضوع لهيمنة النظام الأميركي، وإذا كانت أدبيات العمل الإسلامي تتحدث دائماً عن الفجر الآتي بعد ظلام طويل، فإن ظلمة النظام الأميركي كله إلى رحيل، وما أصبحت تكنه أمم الأرض من كراهية لذلك النظام بشارة بانتهائه القريب … فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

[من الحقائق المؤلمة أن الكثيرين من طلاب الجامعات والشباب يحلمون بالخروج من بلادهم لعوامل شتى ولكنهم يكرهون اليد الغريبة إلى أبعد حد ولديهم من الصدق والإيمان ما هم مستعدون معه لبذل أرواحهم دفاعاً عن دينهم وبلادهم … وهم في توقهم إلى الخروج لا يكرهون بلادهم بل يكرهون الظلم الذي صار معشعشاً فيها والذي جعل الشباب يفكرون في الهجرة بسبب ما يرافق ذلك الظلم من قلة فرص العمل والمحسوبيات وعدم تكافؤ الفرص وقلة الإتقان وغير ذلك … فضلاً عن عدم احترام الإنسان وكرامته].

المحور الثاني: محور الأنظمة القمعية : والتي أفنت طاقة بلادنا وشعوبنا، وجعلتها تعيش حياة برية بعيدة عن المدنية والحضارة، ومحرومة من حقوقها، فضلاً عن تخريب دينها وعقيدتها واستقامتها بل فطرتها وإنسانيتها ، هذا إن لم نتحدث عن نهب خيراتها واقتصادها وسوء إدارتها، ولنكن صرحاء حتى العظم : على أنظمتنا (الظالمة) أن لا تغتر كثيراً بما تقوله عن وقوفها في وجه المد الأميركي لأن وعي الشعوب لم يعد خاضعاً للمزاج العالمي ولا المحلي، ولم يعد الإسلاميون وغير الإسلاميين من الحريصين على أوطانهم براضين عن السقوط في القبضة الأميركية للنجاة من الظلم المحلي، ولكنهم في نفس الوقت لا يقبلون بحجة مقاومة الهيمنة الأميركية على العالم أن يبقوا أسرى ظلم طويل، وتحت وطأة انتقاص مفضوح لأدنى الحقوق الشرعية والإنسانية ، ولم يعد بريق شعارات النضال ملهياً لهم عن الثروات التي ينهبها أبناء البعض، ولم تعد الهتافات الثورية تمنع من إدراكهم العميق لما يحف ببعض القوانين والمحاكمات من ظلم مبين، وما تشرع له أبواب السجون كل فترة، وما سببته تلك الأنظمة من تخلف مخجل ونقل إلى البدائية عم كل سبيل.

على الذين يظلمون شعوبهم أن يعلموا أن مد الحرية قادم لا بيد الإدارة الأميركية بل بوعي الأمة التي ذاقت الذل ألواناً، ومالم تبادر تلك الأنظمة البدائية إلى الصلح مع شعوبها فإنها هي التي تدفع إلى الطوفان الذي لايريده أحد، وكل القوانين الاستثنائية، وكل الأحكام الظالمة، وكل الضمانات الأمنية، وكل الأموال المنهوبة فليس لبقائها في يد الظالمين أي ضمان وستقلبها الشعوب على رؤوس ظالميها في لحظات ..

حسنٌ يظن الظالمون أن الشعوب ستخسر وبالتالي فهي لن تقايض خسارتها بالحرية وهذا سراب يجلوه التاريخ، فالظالمون يقعون في فخ الإدمان للظلم، وهم يحاولون التمويه وإظهار العدل، وكما يتصورون هم العدل لا كما تريد الشعوب، وبالتالي فالظلم يزداد ويزداد وهم لا يشعرون حتى تأتي لحظة التحول … ومهما خسرت الشعوب فستتقدم نحو حريتها والخاسر الوحيد هو الطغيان.

أتذكر هنا الآلاف من شهداء الإسلام الذين ظن الطغاة أن وهج دمائهم قد خفت … وما خَفَتَ يوماً .. بل إن وقع أقدامهم على طريق التحرير يرتفع صوته .. يسوق الظلم إلى نهايته التي زرعها هو بيديه.

لا بل إن دماء أي مظلوم في الأرض ما كانت لتضيع، ومن الأمثلة المؤلمة في ذلك قصة (قيكتور جارا) المناضل اليساري ضد ظلم الجنرال الهالك بينوشيه في الشيلي. (نذكر قصته من باب العبرة والإنسانية المضطهدة في وجه الظلم والطغيان … مع الاختلاف الكامل في المبدأ والعقيدة).

كتب فيكتور جارا أغنية ” أتذكرك يا أماندا” عندما سمع باكتشاف السكري لدى ابنته(اماندا).
كتب الأغنية كتعبير عن حزنه، واستحضارا لروح أمه الحبيبة التي أطلق على ابنته اسمها،وسرعان ما صارت هذه الأغنية سلاحا في يد الجماهير المقهورة التي رفعت على الأكتاف سلفادور ألليندي، وحزب الوحدة الشعبية نحو قصر الرئاسة في سانتياغو دي تشيلي ، وفي صباح 12 أيلول -1973 اعتقل فيكتور جارا مع الآلاف من زملائه وطلابه في الجامعة، بعد انتهاء الاعتصام الذي جرى احتجاجا على إنقلاب بينوشيت الدموي،هناك حيث غنى جارا أعذب أغانيه..

سال الدم من أطراف أصابعه وهو يعزف على الغيتار، غنى للحب وللحرية الآتية، وغنى ضد الطغاة،غنى “هاستا سييمبري كومندانتِ” وحين انتهى الجنود من اغتيال البلد، توجهوا نحو المدينة الجامعيةونُقل الأستاذ الجامعي، فيكتور ليديو جارا مارتينيز مكبلا مع طلبته إلى إستاد تشيلي .

تم تعذيب الآلاف ومن ثم إعدامهم على يد القوات العسكرية، وبحسب شهادة الكثيرين فقد عُذب جارا بوحشية إلى الحد الذي تهشمت فيه أطرافه وقفصه الصدري .. وأثناء التعذيب، وهو ملقى على الأرض مهشم العظام طلب الضباط منه ساخرين أن يعزف أغنية لأجلهم فأنشد بشجاعة “أتذكرك يا أماندا” أنشد ابنته وأمه وتشيلي الذبيحة.

في الخامس عشر من أيلول بعد المزيد من التنكيل بجسده أطلقت النار عليه بغزارة وتوحش من الأسلحة الرشاشة وألقي جسده في العراء على تخوم سانتياغو. ويتناقل الكثيرون قصيدته الأخيرة، التي قالها في ستاد سانتياغو, وكتبت وتم تهريبها في حذاء أحد أصدقائه.ولم يطلق جارا قبل رحيله اسما على القصيدة، وهكذا بقيت القصيدة بلا اسم ، لكن الكثيرين يشيرون إليها باسم “ستاد تشيلي”

في أيلول 2003, شاهد الطاغية بينوشيت, من غرفة توقيفه في مدريد, أهالي الضحايا وهم يشعلون، للمرة الأولى الشموع علنيا على مداخل ستاد سانتياغو الذي صار اسمه ستاد فيكتور غارا.

هذه قصة حزينة من قصص المظلومين في الأرض ممن لم تضع دماؤه بين يدي أحكم الحاكمين، فكيف بدماء الآلاف المؤلفة من حملة القرآن ودعاة الإسلام، ورافعي رايات الأمة ممن غيبوا في القبور أو علقوا على أعواد المشانق .. وما كان ذنبهم إلا أن قالوا ربنا الله … حاشا لعدل الله أن تضيع معه دماؤهم .. فليفهم الظالمون وليعودوا إلى الحق قبل فوات وقت.

المحور الثالث : محور التآكل الداخلي : وهو الأخطر ولا أزال أتهيب الحديث والكتابة فيه بعمق فهو أكثر خطراً، وشائك أكثر مما قبله، وقد طلب العديدون من الأفاضل تناول الموضوع ومازلت أجد فيه صعوبة ، وسأتوسع هنا قليلاً دون أن يعني ذلك الكفاية منه ، آملاً أن يهبني الله القدرة والشجاعة على المتابعة في كلمات قادمة.

إن بذور الاضمحلال نحملها في أعماقنا أحياناً دون أن نحس بخطورتها ، ومالم يحصل موقف حازم منها فإنها ستكون العامل الأول في الضياع بل الفناء المريع، وفيما يلي مثال جلي عن ذلك: منذ بضعة عقود ظهر في الساحة كتاب لعالم ومرب وداعية رحمه الله، وأعجب الكتاب الكثيرين ، إلا أنني كنت في غاية الحذر من الغرق فيما يطرحه لعبارات وأحكام منها على سبيل المثال كلام عن السحر والسحرة والأحكام الشرعية المتعلقة به، وذكر المؤلف حكماً لبعض الفقهاء يقضي بقتل الساحرة!
نعم وماذا بعد؟ لقد قاس الكاتب المتبرجة على الساحرة. انتهى

لايلزم الإنسان الكثير من الذكاء ليعرف أن هذا تحريض باطني على القتل، ورغم الرفض الشرعي لموضوع التبرج، إلا أن الحكم عليه بهذه الطريقة مرفوض بالكلية فدماء الناس معصومة والرذائل الأخلاقية ليس حلها ولا يجوز أن يقال أن حكمها القتل … فدماء الناس (مسلمهم وكافرهم) معصومة في الأصل (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً). المائدة 32.
هناك حوادث قليلة ولكن روحها موجودة في العديد من بلدان العالم الإسلامي، وقد سمعت عن العديد من حوادث إلقاء ماء النار على وجوه فتيات متبرجات! من قبل شبان متدينين، والنتيجة هي خسارة الشباب وخسارة الفتيات .. ورغم أنني أحمل الأنظمة القمعية مسؤولية معظم الإحباط الذي قد يشعر به بعض الشبان الأغرار ممن يظنون إصلاح الأرض سبيله الوحيد هو أذى تلك الفتيات المسكينات .. إلا أنني أقول أن السبب الرئيس هو تلك الاندساسات الخفية التي تزحف في ثنايا الكتب والفتاوى … ويتعامل معها الناس بأشكال شتى ولكن هناك عينات تلتقط منها وفي ظروف معينة فكراً دموياً قابلاً لنحر الخصوم دون شفقة ولا بصيرة ولا تقوى.

لا يقتصر الأمر على كتاب معين، أو زمن خاص ، ففكر النحر للخصوم ما زال يجد سوقاً رائجة، ومن آخر ما اطلعت عليه كتاب لعالم كبير يتحدث فيه عن الإسلام في ديارالغرب ، ولذلك العالم وجهة نظر جديرة بالتفكير والمدارسة والاستفادة مما فيها، ولكنني صدمت بنحره لخصومه ومن الوريد إلى الوريد! .. والخصوم ليسوا فكرة ضبابية أو شخصيات تاريخية، بل بعض أعلام الأمة الكبار ….
ليت ذلك العالم الكبير قال أن النتائج التي وصل إليها أولئك العلماء غير صحيحة، وليته قال أن منهجهم غير دقيق، وليته قال أن تصورهم للمسائل لا تحفه الخبرة الكافية، وليته زعم أنهم لايدركون آثار فتاويهم وسلبياتها.
ليته قال كل ذلك … إذا لتحملته حقائق العلم والموضوعية التي طالما يذكرها … وبغض النظر عن بعض المقولات التي ذكرها وقررها ثم انتقد خصومه (إخوانه في الدين والإسلام) عليها بعد ذلك ناسياً انه قبل صفحات قد دعا إليها …
بغض النظر عن ذلك فقد قال في الصفحة 152 من كتابه: “فلكي يتبين لتلك السلطات الحاكمة أن الإسلام سهل لين كالخيزران، يتلوى حسب المطلوب وينسجم مع البيئة التي هو فيها أياً كانت، ويندمج مع النظام القائم، ولكي يولوا أصحاب الأنشطة الحزبية الإسلامية العون ويساندوهم في جهودهم السياسية إن في تلك المجتمعات الغربية أو في دولهم الإسلامية، يمضي أصحاب هذه الأنشطة في تلوين النظام الإسلامي والأحكام الإسلامية، بلون التبعية الدائمة [تشتهر بين الناس أسماء بعض العلماء بعض الدول الإسلامية أعطوا الأنظمة الظالمة من الشرعية ومبررات سفك الدماء ماهو أعظم بكثير مما يذكره العالم الغيور].
ويتابع: “وإبرازاً منهم لهذه الظاهرة أنشؤوا في تلك المجتمعات الغربية ما سموه المجلس الأوربي للفتوى والبحوث [جرأة عجيبة في الاتهام] ، ومما يلفت النظر أن كثيراً من أعضائه لا معرفة لهم بالفقه ولا علاقة لهم به [!!!]…. أما الهدف البعيد فهو أن ينال أصحاب هذه النظرة الإسلامية السياسية ثقة ذوي النفوذ الغربيين
[ ناقض الكاتب نفسه فقد قال في الصفحة 124: وأنا أقول: أما أن التيار الإسلامي يتنامى في المجتمعات الغربية فربما كان واقعاً وحقيقة … ولكن مما لا شك فيه أن تنامي هذا التيار يسير جنباً إلى جنب مع تنامي الثقة المتبادلة، ومع التنسيق اللازم مع الأنظمة الغربية [!!!!] والاندماج الأكثر شمولاً مع سياسة هذه المجتمعات والمصالح التي تكاد تشكل جامعاً مشتركاً بينهما، هذا مع احتفاظ الوجود الإسلامي بشخصيته ومستلزمات الإبقاء على هويته] .
ويتابع الكاتب: ” فيمكنوا لهم سبيل بلوغ الحكم في مجتمعاتهم ودولهم الإسلامية، وفرصة قيادة الحكم فيها حسب ما يقتضيه هذا الإسلام المساير المسالم المستسلم لتيارات الحداثة والتجديد على اختلافها. [اتهام دون دليل وطعن في دين ثلة من خيار الأمة ، وإطلاق في العبارات ينبغي لعالم كبير أن لا يقع فيها].
ثم يتابع العالم الكبير : “وسيراً على هذا المنهج أصدر مجلس الفتوى هذا سلسلة أحكام وفتاوى شرعية ، يعلم القائمون عليه والمديرون له أنها فتاوى باطلة اقتضتها السياسة … [تحدث العالم الكبير-145 عن ورع العلماء في الفتاوى وعن الرهبة التي كان تفيض بها أفئدة الرعيل الأول عند تصديهم للفتوى ، وكنا نرجو أن يترجم ذلك عملياً في كلامه قبل أن يذكر أحكامه القاسية على علماء لايقلون عنه إن لم يسابقه بعضهم في العلم والفضل] .

وللعلم فإن المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث يرأسه سماحة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ، ومن أعضائه العلامة الشيخ فيصل المولوي ، والعلامة الفقيه الموريتاني عبد الله بن بيه … والعلامة الطبيب محمد الهواري وآخرون ممن يشهد لهم المسلمون في الأرض (ممن يوافقهم أو يخالفهم) بالحرص على هذا الإسلام، والعمل العنيد من أجله وبذل الوسع في مد بساطه ، وبعد ذلك هم بشر يخطئون ويصيبون، وكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب المقام صلى الله عليه وآله وسلم.

وحتى لا يحتار القارئ ولا يضيع وهو يبحث عن البوصلة الصحيحة فإن العالم الكبير يرشده إلى الحل: ص 155:” لعل الملاذ يكمن في البقية الباقية من العلماء الراشدين الذين عرفوا الله فوضعوا مخافته في قلوبهم ، وأيقنوا أنه وحده الضار والنافع، والمعز والمذل والمعطي والمانع فاتكلوا بصدق عليه وفوضوا أمورهم إليه ، واجتمعوا على تجديد البيعة مع الله وإعطائه العهود الصادقة أن يكونوا أمناء على شرعه حراساً لدينه ، ثم صاغوا من تلاقيهم وتعاونهم مرجعية علمية دينية، تصدع بالحق وتصحح المفاهيم الخاطئة، وتشطب على الفتاوى الدينية الباطلة، وتجيب عن أسئلة المستفتين أياً كانوا بما يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما اتفق عليه جماهير سلفنا الصالح، في غير غلو ولا شطط، مع التيسير من دون تمييع ومع الحيطة من دون تعسير… [إننا نؤكد للعالم الكبير أن من ينتقدهم في قلوبهم مخافة من الله وأنهم يعتقدون أنه هو الضار والنافع … وليته مادام ذكر المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بالاسم ومعلوم من هم فيه ومن يضم؛ ليت العالم الكبير يذكر لنا اسم هيئة علمية أو أسماء عشرة من العلماء الذين يخافون الله ويشكلون مرجعية مناسبة للأمة ، ويستوعبون ظروفها وآلامها بدل الكلام العام الذي لاينتفع القارئ له إلا بتهديم مؤسسة ولا بديل يسد جزءاً صغيراً مما تقوم به].

إن النحر لأولئك العلماء ولمجلسهم الذي عرف بهم وعرفوا به مرفوض شرعياً وأخلاقياً والطعن بدينهم وعلمهم بهذه الطريقة فيه تجاوز لا نقبله ونجل ذلك العالم الكبير عن الوقوع فيه.

فكر النحر خطير وهو من مقدمات التنازع والتشرذم ، وبداية ظاهره هو الغيرة والحرص على الدين، ولكن نهايته هو التعصب وضيق الصدر من كل مخالف وقد يتطور الأمر عند الجهال إلى التفسيق والتبديع والتضليل ثم التكفير.

كان الإمام الغزالي في غاية الفطنة ، ولم يلقب حجة الإسلام عبثاً ، فقد تصدى لفكر النحر من بداياته ووقف منه موقفاً واضحاً ، سواء في أطواره الأولى ، أو في انتشاره الوبائي التكفيري الماحق.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله (حجة الإسلام) في رسالته الصغيرة المسماة فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة أن الوجود له خمسة أنواع : حقيقي وحسي وتخيلي وشبهي وعقلي ، وأن من أقر للنبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم بواحد منها فقد خرج من الكفر (ص25-31) والشأن معه أن تقول أصاب وأخطاً أما الكفر فليس له وجه .

وقد درسها بعض طلاب العلم فدهشوا وقالوا : إن كان كلام الإمام الغزالي صحيحاً فكل مادرسناه خلال السنوات السابقة غير صحيح! لأن مايطرحه الغزالي وأمثاله من النادر تدارسه، وفكر النحر أقرب إلى الأمزجة في أزمنة التعصب والانغلاق.

وصية الغزالي “فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ماداموا قائلين: لا إله إلا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها” ص 61، “والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طبائع من يغلب عليهم الجهل” ص 66.

و”من خالف الإجماع، ولم يثبت عنده بعد [التواتر] فهو جاهل مخطئ، وليس بمكذب، فلا يمكن تكفيره، والاشتغال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير” ص72.

“ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب، أما الكفر فلأنه نزله منزلة النبي المعصوم من الزلل الذي لايثبت الإيمان إلا بموافقته، ولا يلزم الكفر إلا بمخالفته، وأما التناقض: فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر ويحرم التقليد، فكيف يقول: يجب عليك تقليدي، أو يجب عليك أن تنظر وأن لا ترى في نظرك إلا ما رأيتُ، وكل ما رأيتُه حجة فغليك أن تعتقده حجة، وما رأيتُهُ شبهة فعليك أن تعتقده شبه، وأي فرق بين من يقول: قلدني في مجرد مذهبي وبين من يقول: قلدني في مذهبي ودليلي جميعاً؟ وهل هذا إلا التناقض!” ص22-23.

مشكلة النحر أنه لا يصيب طرفاً دون طرف فإنك عندما تنحر غيرك فلا بد أن التوحش سوف يستيقظ في نفسه أو طائفته أو جماعته، وبالتالي فأنت هدف أساسي للنحر رداً على نحرك المسبق ..

من ينحرون لايدرون ماذا فعلوا … سواء كانوا أصحاب قوة عظمى كالولايات المتحدة، أم كانوا أصحاب أنظمة قمعية جبرية (ديكتاتورية) أم أصحاب أقلام مثل الداعية الذي قرن الساحرة بالمتبرجة ثم شملهما بحكم القتل … ولو أستطعت أن أخاطب أياً من تلك الأطراف الثلاثة لصحت بأعلى صوتي : هل تدرون ماذا فعلتم أيها المساكين… إنكم عندما بدأتم بنحر غيركم فلن تحصلوا على أية نتيجة نهائية ومضمونة لأن السكين التي تحملونها لا تنحر خصومكم بل تبدأ من أعناقكم أنتم … فالنحر للغير هو عين الانتحار .

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على ثقافة النحر وفلسفة الانتحار – 2007-07-02 مغلقة

الجمود للأستاذ المفضال الشيخ محمد سعيد العرفي (الجزء الأول)

إذا ما أردنا أن نبحث عن أسباب تأخر المسلمين عامة والعرب خاصة نجد الجمود في طليعتها ونعلم أن معظم الآفات الاجتماعية نشأت عنه لأنه العامل الأكبر في رواجها وفي إيجاد مساوئ الأخلاق والعادات السافلة التي تأصلت في نفوس الكثيرين منا حتى وصل بنا الأمر إلى حالنا المؤلمة التي لم يعد تحملها ممكناً لو بقي في الأدمغة تفكير وفي النفوس إباء وفي القلوب غيرة وحَميِّة .

يكفي الجمود شناعة وحطة أنه تعطيل لنعمة العقل التي امتاز بها الإنسان على سائر المخلوقات حتى استطاع أن يكون أفضلها وسيدها على الإطلاق ، فإذا فقدها يصبح في عداد البهائم المحرومة من هذه الفضيلة لأن الجامد هو الذي تعطلت مواهبه ولم يتصور ذهنه إلا ما فيه نفع عاجل وإن أدى إلى حتفه في أسرع وقت وأقربه وهذه صفة فاقد الشعور التام والإدراك الصحيح .

ولا يقف الجمود عند هذا الحد بل يسري تعطيله إلى الأعضاء فلا يستفيد الجامد منها أكثر مما تستفيده العجماوات من حواسها ومشاعرها وأعضائها الفعالة .

وأقل ما يوصف به الجامد أنه كسول يحب البطالة ، ذليل يختار الضعة والدناءة مُتّكِلٌ على غير خالقه حق الاتكال ، يشتاق إلى الخمول والحقارة ليكون عالة على غيره ومصيبة على أمته ، وما دخل الجمود عملاً إلا أفسده ، ولا تفشى وباؤه في أمة إلا أسقطها في مهاوي الانحطاط والدمار .

الغيرة من أسباب انتظام الحياة وترقيتها لأنها تبعث على التسابق في ميدان النظام الاجتماعي ، والرغبة في التفوق تدفع الأمة إلى بذلها الجهد في سبيل التقدم نحو الكمال وتقديمها الأضاحي لنيل ما تصبو إليه من الرفعة والمجد الخالد مع السعي الحثيث لجعل كيانها في مستوى لا يقل عن غيرها إذا لم يتقدمها بمراحل ، لكن الانتباه إلى هذا الشعور الحساس يُميته الجمود ويحل محله استكانة ورضاء بعيش زهيد ممزوج بمرارة الذل والاضطهاد .

جاء الدين الإسلامي نعمة على البشر أجمعين فبدد ظلمات الجهل وفرق شمل الظُلم وأزال العصبية العمياء ودعا إلى التوحيد المطلق فلم يجعل لمخلوق سلطة على آخر وحرر العقل من الجمود وقيود العادات المخالفة للصواب وخاطب القلب في أَحكامه فلم يأبه للقشور والسخافات والأمور الباطلة ولهذا نشر العلم وأوجب تعلمه على الذكور والإناث كي تعرف النفس مالها وما عليها من واجبات نحو ربها وذاتها وأسرتها وأمتها والناس أجمعين وما برح القرآن العظيم محققاً هذه الفضائل لو كان القرآن يُعمل به في عصرنا كما ينبغي .

وكيف يُعمل بُه ؟ وقد نسخته العادات على أيدي الجامدين الذين هم بلاء على الأمة ولا علاقة لهم مع العلم والدين إلا بالزي وحده وإتقان هندامه وأن السابق منهم من يستطيع فهم قسم من ظاهر العبارة بدون تمحيص ولا تدقيق ، لكن تفشي الجهل وبطش الدول الحاكمة على الديار الإسلامية بالعلماء العاملين وانتقامها من أحرار المؤمنين أفسح لهم مجالاً واسعاً فاضطرت الأمة للاقتداء بهم اغتراراً بهيآتهم وبما ترى لهم من الجاه والاحترام لدى الدولة وقد ثبَّتَ تفسخ المعاهد الدينية هؤلاء الجامدين وجعل لهم شأناً وأبقى السيطرة بيدهم ليلتقطوا من جاهلي الأمة فريقاً على شاكلتهم يحل محلهم ويتبوأ المناصب الدينية .

وبذلك تاه المسلمون عن طريق الصواب ولم يتسن لهم أن يفحصوا الأمور بعين الحقيقية ويلموا شملهم ويجمعوا قوتهم المبعثرة لأن الجمود قلب أذهان الكثيرين منهم وفرقهم شيعاً وأحزاباً فبعد أن كانت المذاهب رحمة للأمة أصبحت نقمة وعذاباً بإساءة استعمالها واستغلالها للشهرة والاكتساب فصدق على هؤلاء وأمثالهم قول الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } سورة الأنعام آية 159 لقد كانت المذاهب الكثيرة في صدر الإسلام واختلاف العلماء فيما لا نص فيه من الشارع غير حائلة دون تقدم المسلمين وتخليصهم البلاد العربية ـ العراقية والشامية ـ من براثن كسرى وقيصر وفتحهم الممالك الكثيرة من الأقطار المختلفة لأنهم كانوا يرون مثل هذا مجالاً للتوسع على عباد الله ما دام الاختلاف لا يمس النصوص القطعية المصونة عن التغيير والتحريف ولا سيما أن المجتهد المصيب له أجران ـ أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ـ والمخطئ له أجر الاجتهاد فقط فهو إذن غير محروم من الأجر فإذا جزم بخطأ المخالف فلا شك في أنه لا يستحق أن يزدري بالتابع له والمقلد لقوله والأحرى به أن لا يعده ضالاً أو مارقاً وعندئذ يسهل الإصلاح وجمع كلمة المسلمين المتفرقة بحسب العادة والدسائس .

أما الآن فقد احتل الجمود هذه المواقع الخفية وعُطِّلَ بعضُ كتاب الله تعالى بالتلاوة من غير إمعان في أحكامه ولا تدبر في آياته وألغي بعض السنة النبوية حتى لم تعد بنظر الجامدين صالحة إلا لأن تقرأ أحاديثها الصحيحة في البيوت للتبرك فقط .

ولقد أخذ الخطب الأعمى يستفحل منذ ابتداء القرن الرابع للهجرة حتى أن الحروب الصليبية كانت نارها تستعر في سواحل الشام ومصر في النصف الثاني من القرن الخامس وعلماء المسلمين يومئذ فريقان : فريق يشتغل في بيان أحكام العبارات الظاهرة غير آبه لهذا البلاء العظيم ولم يشر إليه في مؤلفاته العديدة ولو من طرف خفي ، وفريق لاه في نصرة مذهبه بالجدال مع المذاهب المختلفة التي تجمعه وإياها كلمة التوحيد .

أليس من أعظم الأدلة على الجمود أن كثيراً من العلماء الذين نحترمهم ونأخذ بقولهم بلا طلب دليل لم يذكروا هذه الحروب الصليبية في كتبهم مع أن لهيبها مستعر حتى الآن ولم يذكروا لنا ماذا دمرت من البلدان وسفكت من الدماء وانتهكت من الأعراض وأتلفت الشيء الكثير من الأموال وغيرها في حين أنهم قد دونوا في كتب الدين من الخرافات المعادية للعلوم الكونية والطبيعة شيئاً كثيراً لأن شأن الجمود أن يدع صاحبه يصرف ذهنه إلى القشور وحدها غير ملتفت إلى اللباب واستحصال الفائدة ، ولم يأت القرن السابع إلا وقوي الجمود حتى نشأت عنه فتنة الكرخ المشئومة بين السنة والشيعة فنجمت عنها واقعة بغداد وسقوط الدولة العباسية على يد هولاكو وحصول الفظائع الكثيرة .

* العالم الفاضل المجاهد عالم دير الزور ونائبها السابق في مجلس النواب السوري وثائرها على الظلم والاحتلال الفرنسي.. صادر الفرنسيون أملاكه وكتبه وحكموا عليه بالنفي. عرف فيه صدق الدين وقوة اليقين، والعلم الواسع في المعقول والمنقول والشجاعة والنجدة، وعلو الهمة، فهو عالم وطبيب وضابط وعابد معا، تلقى العلم على شيوخه الأجلاء، والتحق بالجيش التركي، فرقي إلى ضابط، واتصل بالقسم الطبي بالجيش، فأفاد علم الطب، وكان رامية يرمي فيصيب عشرة في عشرة، وكان مع ذلك أديباً مؤرخاً، راوياً للمنظوم والمنثور، حلو الحديث، حسن الدعابة فكه المحضر، حاضر البديهة،ربانياً في تعبده وتقشفه، فيلسوفا في تفكيره ونظراته. وقد نشرت مجلة التمدن الإسلامي المقالة أعلاه في السنة الأولى ، العدد الأول: 1354هـ/1932م

كُتب في من كنوز التمدن الإسلامي, منائر | التعليقات على الجمود للأستاذ المفضال الشيخ محمد سعيد العرفي (الجزء الأول) مغلقة