آق شمس الدين (قدوة لأصحاب العمائم البيضاء)

آق شمس الدين (قدوة لأصحاب العمائم البيضاء)

العمائم نوعان : طاهرة وملوثة ، أما الطاهرة فمثل بياض الثلج لا تزداد مع الأيام إلا سناء فهي لأهل الإيمان نصير وللحق راية ، وفي وجه الباطل سد وللحائر دليل، وأما الملوثة فلا يزال ران النفاق يكسوها حتى تصبح مثل سواد الليل تقشعر لمرآها قلوب المؤمنين ، وتهش لها قلوب الشياطين، ولا يزداد الناس بها إلا ضياعاً وحيرة وأوهاماً، حتى إذا انتهى أهل الباطل منها رموها مثل ثوب عتيق …
وبين النوعين فرق شديد فالعمائم البيضاء جبل عال من الاستقامة والفضائل وغيرة الإيمان ونصيحة الخلق ، والملوثة في قعر واد سحيق من الانتهازية وحب الظهور والتصنع أمام الخلق والحمية للنفس ومداهنة الحكام وغش العوام والتلبيس عليهم … مع الذلة لصاحب الدينار … بل حتى صاحب الطعام والمرق والكساء ….

خلق الله للمعالي أناساً وأناساً لقصعة وثريد …..

وأحياناً تلتبس الأحوال فتدور على لسان الضعيف من أصحاب العمائم عبارات يلوكها حتى تصبح عادة … يتوهم بها الغيرة والحرص حتى لم يعد الإنسان يطيق سماعها …..
ومن العبارات العجيبة عبارة : لا تفجعنا بنفسك يقولها الصغار للأصاغر وقد كان يقولها الكبار للأكابر … وإذا كانت قد قيلت لأبي بكر رضي الله عنه وهو يتلقى بصدره وحده فتنة تحيط بالأمة … فلا يليق أن تقال لرجل امتنع عن النفاق ، وآخر جهر بحق لطيف ، وثالث امتنع عن مجاراة الغلط ، ورابع نصح بصدق … وخامس دعاه رهط من أصحاب المسؤولية … معززاً مكرماً فلم يوصه أصحابه بالصدق بل بالمداهنة والذلة … وأردفوا: لا تفجعنا بنفسك!!
أرجوك أيها العالم يا من تحب أن تلحق بالعمائم البيضاء الطهور: افجعنا بنفسك وأعل الحق ولا تكتمه … ودعنا نسير في جنازتك شهيد كلمة وصاحباً لحمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طريق السادة العظام.

أما العبارة الثانية فهي عبارة أعجب ، وذلك أن البعض يكذب على الله والناس… ويضعضع في نفوس العامة بكلامه ونفاقه عمل ألوف من أهل الحق مما بذلوه في نحت القلوب القاسية.
وبعدها إذا ذكر قائم للحق أمامه : قال : كنت عند فلان من المسؤولين … وقد خذلت عن فلان …. يامسكين ، ومن أخبرك أن أهل الحق يريدون تخذيلك عنهم ، وما مرادهم سوى أن يصل الحق كما هو وبالحكمة والموعظة الحسنة ولكن دون نقص ولا تشويه ولابهتان ..
بالله عليك يا مدعي التخذيل خذل الباطل عن الحق وخذل عن نفسك صولات الشيطان ، واجهر بالحق مرة … وإلا استحالت عمامتك من اللون الأبيض حتى تصبح سوداء كالفحم الأصيل تتدرج على الطرق الرمادي.

ولكل أصحاب العمائم هذه التذكرة تثبيتاً لأصحاب البيضاء منها ، وهزاً لقلوب السائرين في الطرق الملتوية لعلهم يرجعون.

كان المربي الشيخ آق شمس الدين هو الباني الأول لقلب وعقل السلطان محمد الفاتح ، والذي لم يكن تجاوز العاشرة عندما كان أستاذه يمسك بيده ويمشيان معاً على شاطئ البحر المحيط بأسوار القسطنطينية الحصينة ، ثم يقول له الأستاذ : أترى هذه الأسوار الشاهقة والمدينة العظيمة؟ إنها القسطنطينية ، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً من أمته سيفتحها بجيشه ويضمها إلى أمة التوحيد : ( لَتَفْتَحْنّ القسطنطينية ، فلنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش).

كان آق شمس الدين زراعاً للخير ، بصيراً بمكامن النفوس وكان يتوجه إلى الله أن لايضيع له جهداً في تربية الأمير الصغير محمد (والذي صار بعد سنوات : السلطان محمد الفاتح ) .

السلطان مراد الثاني كان هو والد الأمير محمد ، وكان يصطحبه معه إلى بعض المعارك ، ليبني في نفسه روح المجاهد ونفسية القائد ، وليتعلم قيادة الجيش وفنون القتال عملياً ، حتى إذا ما ولي السلطنة وخاض غمار المعارك كان له القدح المعلى فيها …. ولما جاء اليوم الموعود شرع السلطان محمد الفاتح في مفاوضة الإمبراطور قسطنطين ليسلمه القسطنطينية ، فلما بلغه رفض الإمبراطور تسليم المدينة قال رحمه الله : (حسناً ، عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر).

وحاصر السلطان القسطنطينية واحداً وخمسين يوماً ، وبعدها سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين قبله ، على يد بطل شاب له من العمر ثلاث وعشرون سنة.
أثناء فتح القسطنطينية أراد السلطان أن يكون شيخه جانبه أثناء الهجوم فأرسل إليه يستدعيه، لكن الشيخ كان قد طلب ألا يدخل عليه أحد الخيمة ومنع حراس الخيمة رسول السلطان من الدخول، وغضب محمد الفاتح وذهب بنفسه إلى خيمة الشيخ ليستدعيه ، فمنع الحراس السلطان نفسه!من دخول الخيمة بناءً على أمر الشيخ! فأخذ محمد الفاتح خنجره وشق جدار الخيمة في جانب من جوانبها ونظر إلى الداخل فإذا بشيخه آق شمس الدين ساجدٌ لله في سجدة طويلة وعمامته متدحرجة من على رأسه وشعر رأسه الأبيض يتدلى على الأرض ، ولحيته البيضاء تنعكس مع شعره كالنور، ثم رأى السلطان شيخه يقوم من سجدته والدموع تنحدر على خديه ، فقد كان يناجي ربه ويدعوه بإنزال النصر ويسأله التمكن و الفتح القريب.

عاد السلطان محمد (الفاتح) عقب ذلك إلى مقر قيادته ونظر إلى الأسوار المحاصرة فإذا بالجنود العثمانيين قد أحدثوا ثغرات بالسور تدفق منها الجنود إلى القسطنطينية ، ففرح السلطان بذلك وقال: ليس فرحي لفتح المدينة إنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زمني.

وذكر الإمام الشوكاني صاحب البدر الطالع مايلي مما حصل بعد يوم واحد من الفتح (جاء السلطان إلى خيمة
( آق شمس الدين) وهو مضطجع فلم يقم له ، فقبل السلطان يده وقال له : جئتك لحاجة، قال : وما هي ؟ قال: أن أدخل الخلوة عندك، فأبى، فأبرم عليه السلطان مراراً وهو يقول: لا. فغضب السلطان وقال: إنه يأتي إليك واحد من الأتراك فتدخله الخلوة بكلمة واحدة وأنا تأبى علي ، فقال الشيخ : إنك إذا دخلت الخلوة تجد لذة تسقط عندها السلطنة من عينيك فتختل أمورها فيمقت الله علينا ذلك ، والغرض من الخلوة تحصيل العدالة ، فعليك أن تفعل كذا وكذا ، وذكر له شيئاً من النصائح – ثم أرسل السلطان إليه ألف دينار فلم يقبل ، ولما خرج السلطان محمد الفاتح من عند الشيخ قال لبعض من معه : ما قام الشيخ لي. فقال له: لعله شاهد فيك من الزهو بسبب هذا الفتح الذي لم يتيسر مثله للسلاطين العظام، فأراد بذلك أن يدفع عنك بعض الزهو .

لم يحتل أحد في قلب محمد الفاتح مكانة مثلما احتلها أستاذه آق شمس الدين، وكان ينظر إليه بأعظم مشاعر الحب، والإجلال ، والتوقير ، ويزوره على الدوام ، حيث يستمع لأحاديثه ونصائحه ، ويستفيد من علمه الغزير.
أما آق شمس الدين فكان مهيباً لا يخشي سوى الله ، لذا فإنه عند قدوم السلطان (محمد الفاتح) لزيارته ، لا يقوم له من مجلسه ، ولا يقف له. أما عند زيارته للسلطان (محمد الفاتح) فقد كان السلطان يقوم له من مجلسه توقيراً له ، واحتراماً ويجلسه بجانبه.

وقد لاحظ ذلك وزار السلطان وحاشيته ، لذا لم يملك الصدر الأعظم (محمود باشا) من أن يبدي دهشته للسلطان فقال له : لا أدري يا سلطاني العظيم ، لم تقوم للشيخ (آق شمس الدين ) عند زيارته لك ، من دون سائر العلماء والشيوخ ، في الوقت الذي لا يقوم لك تعظيماً عند زيارتك له ؟!. فأجابه السلطان : أنا أيضاً لا أدري السبب … ولكني عندما أراه مقبلاً علي ، لا أملك نفسي من القيام له … أما سائر العلماء والشيوخ ، فإني أراهم يرتجفون من حضوري ، وتتلعثم ألسنتهم عندما يتحدثون معي ، في الوقت الذي أجد نفسي أتلعثم عند محادثتي الشيخ آق شمس الدين.

رسالة إلى أصحاب العمائم إذا وقفوا بين أيدي السلاطين ، فما بالك عندما يقفون بين يدي العبيد.

كتبه: أحمد معاذ الخطيب الحسني

المصادر : [بتصرف]:

1- روائع من التاريخ العثماني ، لأورخان محمد علي ، ص 47، والدولة العثمانية لعلي الصلابي ، ص185 نقلاً عن موقع التاريخ :
http://altareekh.com/doc/article.php?sid=247

2- هل فات الأوان لتبدأ من جديد.. للأستاذ باسل شيخو.

3- السلطان محمد الفاتح ، د.فهمي

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على آق شمس الدين (قدوة لأصحاب العمائم البيضاء) مغلقة

من أجل إنتاجية أفضل (رسم الأهداف) للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

يعيش العالم المتقدم أزمة حضارة بسبب افتقاده الوجهة أو الهدف الأكبر الذي يجذب إليه جميع مناشط الحياة، ويمنحها المنطقية والانسجام. أما المسلمون فأزمتهم الأساسية، هي أزمة حركة في العالم، وأزمة شهود على العصر؛ فهم في أكثر الأحيان يتأثرون، ولا يؤثرون، ويأخذون من الحياة أكثر مما يعطونها؛ وذلك بسبب انخفاض إنتاجيتهم، وضعف إدارتهم لإمكاناتهم الشخصية والعامة.
نقرأ آيات الاستخلاف وشروط التمكين في الأرض، وأدبيات النجاح والفلاح، لكنَّ قليلين منا الذين يسألون أنفسهم عن وظيفتهم الشخصية في تحقيق كل ذلك!

إن الأماني الوردية حول قيادة أمتنا للعالم تداعب أخيلة الكثيرين منا، وتدغدغ مشاعرهم، لكن لا أحد يسأل عن آليات تحقيق ذلك، ولا عن الإمكانات المطلوبة للسير في طريقه!
إني أعتقد أن هناك حقيقة أساسية غائبة عن أذهان الكثيرين منا، هي أننا لا نستطيع أن نوجد مجتمعًا أقوى من مجموع أفراده؛ ولذا فإن النهوض بالأمة يقتضي على نحوٍ ما أن ينهض كل واحد منا على صعيده الشخصي، وما لم نفعل ذلك، فإن الغد لن يكون أفضل من اليوم.

إن رسم الأهداف نوع من مدِّ النظر في جوف المستقبل، وإن الله ـ جل وعلا ـ يحثنا على أن نتفكر في الآتي، ونعمل له : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } {الحشر: 18
إن المسلم الحق لا يكون إلا مستقبليًا، ولكننا بحاجة إلى أن نعمم روح الالتزام نحو الآخرة على مسلكنا العام تجاه كل ما يعنينا من شؤون وأحوال.

أهمية وجود هدف:
من الأدوات الأساسية في تحسين وضعية الفرد أن يكون له هدف يسعى إلى تحقيقه. ونرى أن حيوية وجود هدف واضح في حياتنا تنبع من اعتبارات عديدة، أهمها:
1 – إن كل ما حولنا في تغير دائم، والمعطيات التي تشكل المحيط الحيوي لوجودنا لا تكاد تستقر على حال، وهذا يجعل كل نجاح نحققه معرضًا للزوال؛ ووجود هدف أو أهداف في حياتنا، هو الذي يجعلنا نعرف على وجه التقريب ما العمل الذي سنعمله غدًا، كما أنه يساعد على أن نتحسس باستمرار الظروف والأوضاع المحيطة؛ مما يجعلنا في حالة دائمة من اليقظة، وفي حالة من الاقتدار على التكيف المطلوب.
وقد جرت عادة الكثيرين منا أن يسترخوا حين ينجزون عملاً متميزًا؛ مما يضعهم على بداية الطريق إلى أزمة تنتظرهم. ولذا فإن الرجل الناجح، هو الذي يسأل نفسه في فورة نجاحه عن الأعمال التي ينبغي أن يخطط لها، ويقوم بإنجازها؛ فالتخطيط هو الذي يجعل أهمية المرء تأتي قبل الحَدَث. أما معظم الناس فإنهم لا يفكرون إلا عند وجود أزمة، ولا يتحركون إلا حين تحيط بهم المشكلات من كل جانب، أي يستيقظون بعد وقوع الحدث، وبعد فوات الأوان!

2 – إن وعي كثيرين منا بـ(الزمن) ضعيف، ولذا فإن استخدامنا له في حل مشكلاتنا محدود. وحين يجتمع الناس برجل متفوق فإنهم يضعون بين يديه كل مشكلاتهم، ويطلبون لها حلولاً عاجلة متجاهلين عنصر (الزمن) في تكوينها وتراكمها، وطريقة الخلاص منها. ووجود هدف في حياة الواحد منا يجعل وعيه بالزمن أعظم، ويجعله يستخدمه في تغيير أوضاعه. إذا سأل كل واحد منا نفسه: ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه جهله بعلم من العلوم – مثلاً – أو قضية من القضايا؟ فإنه يجد أنه في الوقت الحاضر لا يستطيع أن يفعل أي شيء يذكر تجاه ذلك. أما إذا سأل نفسه: ماذا يمكن أن يفعل تجاهه خلال خمس سنين؟ فإنه سيجد أنه يستطيع أن يفعل الكثير؛ وذلك بسبب وجود خطة، واستهداف للمعالجة، وهما دائمًا يقومان على عنصر الزمن. إني أعتقد أن كثيرًا من الخلل المنهجي في تصور أحوالنا، وحل أزماتنا، يعود إلى ضيق مساحة الرؤية، ومساحة الفعل معًا، وذلك كله بسبب فقد النظر البعيد المدى.

3 – إن كثيرًا من الناس يظهرون ارتباكًا عظيمًا في التعامل مع (اللحظة الحاضرة) وذلك بسبب أنهم لم يفكروا فيها قبل حضورها، فتتحول فرص الإنجاز والعطاء إلى فراغ قاتل ومفسد؛ وهذا يجعلنا نقول: إننا لا نستطيع أن نسيطر على الحاضر، ونضبط إيقاعه، ونستغل إمكاناته، إلا من خلال مجموعة من الآمال والأهداف والطموحات، وبهذا تكون وظيفة الهدف في حياتنا هي استثمار اللحظة الماثلة على أفضل وجه ممكن.
إني أتجرأ وأقول: إن ملامح خلاص جيلنا، والجيل القادم ـ على الأقل ـ من وهن التخلف والانكسار قد تبلورت في أمرين: المزيد من الالتزام بالمنهج الرباني، والمزيد من التفوق، ولا نستطيع أن نجعل هذين الأمرين حقيقة واقعة في حياتنا من غير تحديد أهداف واضحة.

سمات مطلوبة في الهدف:

1. المشروعية:
إن مجمل أهداف المرء في الحياة، يعادل على نحو تام (استراتيجية) العمل لديه، ولذا فإن الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة، تختلط فيها عوامل البناء مع عوامل الهدم، وينسخ بعضُها بعضَها الآخر. إن الهدف غير المشروع، قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة، لكنه يحطّ من التوازن العام للشخصية، ويفجّر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة. وليس المقصود بشرعية الهدف أن يكون معدودًا في (المباحات) فحسب، وإنما المقصود أن يكون مندمجًا على نحو ما في الهدف الأسمى والأكبر الذي يحيا المسلم من أجله على هذه الأرض، ألا وهو الفوز برضوان الله – تبارك وتعالى – وهذا يعني أن الأهداف المرحلية والجزئية للواحد منا يجب ألا تتنافر معه في وضعيتها أو مفرزاتها أو نتائج تفاعلها. ولعل من علامات الانسجام بينها وبين الهدف الأكبر ــ شعور المرء أنه يحيا (حياة طيبة) وهي لا تولد من رحم الرخاء المادي، ولا من رحم التمتع بالجاه أو الاستحواذ على أكبر كمية من الأشياء، وإنما تولد من ماهية التوازن والانسجام بين المطالب الروحية والمادية للفرد، ومن التأنق الذي يشعر به من يؤدي واجباته.
الهدف المشروع عامل كبير في إيجاد التطابق بين رموزنا وخبراتنا، وهو إلى ذلك مولِّد لما نحتاجه من حماسة للمضي في الطريق إلى نهايته.

2. الملاءمة:

لكل منا طاقاته وموارده المحدودة، وله ظروفه الخاصة، وله إلى جانب ذلك تطلعات وتشوُّفات؛ ومن الواضح اليوم أن الحضارة الحديثة أوجدت لدى الناس طموحات فوق ما هو متوفر من إمكانات لتلبيتها، وهذا يؤدي بكثير من الناس إلى أن يسلكوا طرقًا غير مشروعة لتلبيتها، أو يؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار.
والهدف الملائم، هو ذلك الهدف الذي يتحدى ولا يعجز. ومعنى التحدي دائمًا: طلب تفجير طاقات كامنة أو استخدام موارد مهملة، لكنها جميعًا ممكنة. حين يكون الهدف سهلاً فإنه لا يؤدي إلى حشد إمكاناتنا الذاتية، ولا إلى تشغيل أجهزتنا النفسية والعقلية، كما لو أننا طلبنا من شخص أن يقرأ في كل يوم ربع ساعة، أو يستغفر عشر مرات.
في المقابل فإن الهدف الكبير جدًا يصد صاحبه عن العمل له، وفي هذا السياق نرى كثيرًا من أهل الخير، يشعرون بالإحباط، ويشكون دائمًا من سوء الأحوال، وتدهور الأوضاع، وهذا نابع من وجود هدف كبير لديهم هو (الصلاح العام) لكن ليس لديهم أهداف صغيرة، أو مرحلية تصب فيه. إن كل هدف صغير يقتطع جزءًا من الهدف الكبير، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل؛ وعدم وجود أهداف صغيرة، يجعل الهدف النهائي يبدو دائمًا كبيرًا وبعيدًا، وهذا يسبب آلامًا نفسية مبرحة، ويجعل المرء يظهر دائمًا بمظهر الحائر العاجز. إنه لا يأتي بالأمل إلا العمل، وقليل دائم خير من كثير منقطع.

3. المرونة:
إن أنشطة جميع البشر، تخضع لعدد من النظم المفتوحة، ومن ثم فإن النتائج التي نتطلع إلى الحصول عليها، تظل في دائرة التوقع والتخمين. حين يرسم الإنسان هدفًا، فإنه يرسمه على أساس من التقييم للعوامل الموجودة خارج طبيعة عمله، وخارج إرادته، وهذه العوامل كثيرًا ما يتم تقييمها على نحو خاطئ، كما أنها عرضة للتغير، بالإضافة إلى أن إمكاناتنا التي سوف نستخدمها في ذلك هي الأخرى متغيرة؛ ولهذا كله فإن الهدف يجب أن يكون (مرنًا)، أي: له حدود دنيا، وله حدود عليا؛ وذلك كأن يخطط أحدنا لأن يقرأ في اليوم ما بين ساعتين إلى أربع ساعات، أو يزور ثلاثة من الإخوة إلى خمسة وهكذا.. هذه المرونة تخفف من ضغط الأهداف علينا؛ فالناس يشعرون حيال كثير من أهدافهم أنها التزامات أكثر منها واجبات، والالتزام بحاجة دائمًا إلى درجة من الحرية، وسيكون من الضار بنا تحوُّل الأهداف إلى قيود صارمة، وحواجز منيعة في وجه تلبية رغبات شخصية كثيرة.

4. الوضوح:
هذه السمة من السمات المهمة للهدف الجيد، حيث لا تكاد تخلو حياة أي إنسان من الرغبة في تحقيق بعض الأمور، لكن الملاحظ أن قلة قليلة من الناس، تملك أهدافًا واضحة ومحددة، ولذا فمن السهل أن يتهم الإنسان نفسه أو غيره بأنه لم يتقدم باتجاه أهدافه خطوة واحدة خلال عشرين سنة، مع أنك لا تراه خلال تلك المدة إلا منهمكًا ومتابعًا بما يعتقد أنه هدف يستحق العناء!

إنه يمكن القول بسهولة: إن كل هدف ليس معه معيار لقياسه وللكشف عما أنجز منه، وما بقي؛ ليس بهدف. ولذا فإن من يملك أهدافًا واضحة يحدثك دائمًا عن إنجازاته، وعن العقبات التي تواجهه. أما من لا يملك أهدافًا واضحة، فتجده مضطربًا، فتارة يحدثك أنه حقق الكثير الكثير، وتارة يحدثك عن خيبته وإخفاقه؛ إنه كمن يضرب في بيداء، تعتسفه السبل، وتشتته مفارق الطرق! نجد هذا بصورة أوضح لدى الجماعات؛ فالجماعة التي لا تملك أهدافًا واضحة محددة، تظل مشتتة الرأي في حجم ما أنجزته، ولا يكاد خمسة من أبنائها يتفقون في تقويمهم لذلك! لا يكفي أن يكون الهدف واضحًا، بل لا بد من تحديد توقيت لإنجازه، فالزمان ليس ملكًا لنا إلى ما لا نهاية، وطاقاتنا قابلة للنفاد. ثم إن القيمة الحقيقية للأهداف، لا تتبلور إلا من خلال الوقت الذي يستغرقه الوصول إليها، والجهد والتكاليف التي نحتاجها. ولهذا كله فالبديل عن وضوح الهدف، ووضوح تكاليفه المتنوعة، ليس سوى العبث والهدر والاستسلام للأماني الخادعة!

إن من أسباب ضبابية أهدافنا أننا لا نبذل جهدًا كافيًا في رسمها وتحديدها، وهذا لا يؤدي إلى انعدام إمكانية قياسها فحسب، وإنما يؤدي أيضًا إلى إدراكها بطريقة مبتذلة أو رتيبة، مما يُفقدها القدرة على توليد الطاقة المطلوبة لإنجازها.

سنعمل الكثير من أجل أهدافنا إذا أدركنا أنه عن طريقها تتم الصياغة النهائية لوجودنا. ولله الأمر من قبل ومن بعد

كُتب في المناهج | التعليقات على من أجل إنتاجية أفضل (رسم الأهداف) للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار مغلقة

ثقافة النحر وفلسفة الانتحار – 2007-07-02

ليست السكاكين وحدها هي التي تنحر في العراق وغير العراق ، بل إن الفكر الذي يغذي ذلك موجود في الأعماق ، وما يحصل إنما هو نتيجة ثقافة دموية كامنة تضع المقدمات للنحر المخيف. وقد تبلد حس بعض الناس رغم ماتحمله هوامش الأخبار كل يوم من مرعبات الحوادث : أربعون جثة فصلت عن رؤوسها … ثلاثون جثة مشوهة … ميتم للأطفال المتخلفين عقلياً تمارس عليهم أنواع الاعتداءات الجنسية وهم في غاية الهزال والعري .. تفجير مرقد الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام [عبارة سنية الأصل فلا ترتعب] .. تدمير مسجد الإمام العارف بالله الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه [عبارة شرعية مائة بالمائة فلا تخف منها] … أي غابة هذه بل أي احتقار لكرامة البشر … ووصاية همجية عليهم.

عبثاً نحاول الخروج من الأزمة ، لأن جذور تلك الثقافة وأصول ذلك الفكر موجود في الأعماق … نعم وبشكل مؤكد…. ومن يراجع العديد من الكتب والأدبيات (والمؤلف أكثرها في عهود الانحطاط الأولى، تمييزاً لها عن عصور الانحطاط الحالية) سيجد المقدمات والتحضير النفسي والفقهي والاجتماعي للنحر الذي يبدأ بالحرص والغيرة على الدين والعقيدة ، مع تنزيه النفس والنظر إليها بعين الكمال مع احتقار عمل الغير وعدم تخطئته فقط بل محاولة اقتلاعه من جذوره، وعندما تصبح الأمة في حرج ويفقد العقلاء زمام الأمور فإن التوحش يبرز بشكل مرعب متكئاً على تلك المقدمات التي زرعت في العقول خلال مئات السنين حتى غدت مكمناً (لفيروسات) توحش مذهل ، وما تسمعه في أيام الفتن والاضطرابات هو النتيجة الوحيدة لها.

الاجتثاث ليس هدفاً ولا وسيلة ولا مبدأ ولا مقصداً بل حالة متوحشة صرفة.ً وسواء كان الاجتثاث فكرياً أم عسكرياً أم ثقافياً فنتيجته واحده .. المزيد من الدماء.

الواحدية عقيمة والتعددية هي سبب التكاثر والنمو ، وكما أن الوجود المجرد لكائن ما لا يؤدي إلى التكاثر بل إلى الفناء المحتم، ولا يمكن الإنجاب الطبيعي حتى يكون هناك زوجان (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات 49، فكذلك واحدية السياسة والثقافة والحضارة بل الفلسفة والأخلاق والأعراف … لاتؤدي إلا إلى العقم

( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) المائدة، 48…. وإذا فهمنا ذلك عرفنا أن من الأسباب الرئيسة لاضمحلال الحضارات وفناء الدول وتصدع الأنظمة الشمولية مهما طال بها العمر وانقراض كثير من الفلسفات والآراء هو الواحدية التي تحمل جراثيمها ، لذا لم يكن الإسلام قادماً للاجتثاث بل للهداية والتقويم ، بل أعطى المخالف من أهل الكتاب مكانة خاصة من الاحترام ، بعد نظر منه في إبقاء مكونات مغايرة في أعماقه ترفد بعوامل النشاط والحركة والتبادل الحضاري.

يظن البعض أن إفناء الآخرين هو سبيل الاستقرار لأي مبدأ أو نظام أو عقيدة وحتى دولة … والحقيقة أنه بداية نهايتها ، لذا أعلن الإسلام أنه (لا إكراه في الدين) ، وينقض الإسلام عروة عروة من لم يعرف الجاهلية …

ممارسات الإفناء تتحرك اليوم على المحاور الثلاثة :

1- محور الهيمنة الدولية : والتي في حقيقتها هيمنة استعلائية منحرفة ومصاصة لدماء شعوب الأرض وخيراتها، ولقد شعرت بالاشمئزاز، وأنا أسمع الرئيس بوش يتحدث عن الحرية، وتوق الشعوب لها ، متناسياً أن النظام الأميركي هو أكبر قامع لحرية الشعوب (وهو بالتأكيد شيء آخر غير الشعب الأميركي الذي تعمى عليه حقائق ماتفعل إدارته) وما تفعله قواته في بلاد الله وخصوصاً البلاد الإسلامية شيء لا أظن أن البشرية سوف تغفره يوماً، بل أضافته إلى السجل المخزي والذي كتب بالدم وضم رفات مئات الملايين من الهنود الحمر الذين أبادهم التوحش الغربي، ثم النهب المنظم لخيرات وثروات الشعوب، ثم العدوان على الطبيعة والبيئة والإنسان والحيوان والنبات والحجر، وقبلها هيروشيما وناغازاكي وبعدها التوحش المرعب والإبادة المخيفة للشعب الفيتنامي ، والسكوت عن المذابح البشعة في فلسطين والعراق وأفغانستان وعصابات القتل والإجرام والأنظمة القمعية في أميركا اللاتينية ، والمليون أفريقي الذين ذبحوا بالبلطات والسكاكين بين الهوتو والتوتسي وأم العدل تتفرج … وفوق ذلك تمتلك الجرأة لتتحدث عن العدل … والحرية … والكرامة في عالم هي التي تقوده نحو الفناء الوشيك، ولا ينقص ذلك لتتم الصورة إلا لعبة صغيرة تذهب إلى (الكنيست الإسرائيلي) وتستعدي على بلدها وشعبها، وهي تظن أن هناك من تدغدغ قلبه الأحلام الأميركية بالنصر الموعود، إننا وبكل صراحة نرفض النصر الأميركي المزعوم (إذا كان نصراً حقيقة) فكيف وهو قبر لا يماري في حقيقته اثنان ولا يطمع في النزول به من له أدنى نصيب من عقيدة أو وطنية أو صدق إلا إن كان فريداً في غادريته، متميزاً في خيانته، ويمكن لأمثال هؤلاء أن يتأكدوا تماماً أن أي مواطن فيه ذرة خير لبلاده، ومهما بلغ به الضيق من النظام الحاكم، فإنه لن يمد يداً ولا عقلاً ولا قلباً للنظام الأميركي وستبقى روحه في كفه يصد الأذى ويحمي الديار. ولقد حزن البعض لتداعي دولة محمود عباس الكرتونية ، ولكنهم لم يفكروا ملياً بعواقب طلبه قدوم قوات دولية لحماية الفلسطينيين!!! لقد صار خطيراً جداً تواجد قوات دولية في جنوب لبنان وقدوم قوات دولية إلى غزة وجلب قوات عسكرية إلى الحدود السورية اللبنانية .. فالنتيجة الوحيدة هي الاحتلال الكامل للمنطقة.

ومن باب النصيحة لله فإننا نقول لإخواننا في أي خط إسلامي أن يحذروا من يتم استيعابهم ضمن المخطط القادم الذي يعدهم بتغيير أنظمة بلادهم ، وحتى لوكانت تلك الأنظمة تحاول شراء رضا النظام الأميركي، فإنها أنظمة لها أعمار محدودة ، وهي على سوئها وظلمها تكاد تكون سيئة من سيئات ذلك النظام العالمي المتوحش. والخط الإسلامي وحرصاً على سلامته الاستراتيجية لا ينبغي له أن يحمل على كتفيه إثم الخضوع لهيمنة النظام الأميركي، وإذا كانت أدبيات العمل الإسلامي تتحدث دائماً عن الفجر الآتي بعد ظلام طويل، فإن ظلمة النظام الأميركي كله إلى رحيل، وما أصبحت تكنه أمم الأرض من كراهية لذلك النظام بشارة بانتهائه القريب … فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

[من الحقائق المؤلمة أن الكثيرين من طلاب الجامعات والشباب يحلمون بالخروج من بلادهم لعوامل شتى ولكنهم يكرهون اليد الغريبة إلى أبعد حد ولديهم من الصدق والإيمان ما هم مستعدون معه لبذل أرواحهم دفاعاً عن دينهم وبلادهم … وهم في توقهم إلى الخروج لا يكرهون بلادهم بل يكرهون الظلم الذي صار معشعشاً فيها والذي جعل الشباب يفكرون في الهجرة بسبب ما يرافق ذلك الظلم من قلة فرص العمل والمحسوبيات وعدم تكافؤ الفرص وقلة الإتقان وغير ذلك … فضلاً عن عدم احترام الإنسان وكرامته].

المحور الثاني: محور الأنظمة القمعية : والتي أفنت طاقة بلادنا وشعوبنا، وجعلتها تعيش حياة برية بعيدة عن المدنية والحضارة، ومحرومة من حقوقها، فضلاً عن تخريب دينها وعقيدتها واستقامتها بل فطرتها وإنسانيتها ، هذا إن لم نتحدث عن نهب خيراتها واقتصادها وسوء إدارتها، ولنكن صرحاء حتى العظم : على أنظمتنا (الظالمة) أن لا تغتر كثيراً بما تقوله عن وقوفها في وجه المد الأميركي لأن وعي الشعوب لم يعد خاضعاً للمزاج العالمي ولا المحلي، ولم يعد الإسلاميون وغير الإسلاميين من الحريصين على أوطانهم براضين عن السقوط في القبضة الأميركية للنجاة من الظلم المحلي، ولكنهم في نفس الوقت لا يقبلون بحجة مقاومة الهيمنة الأميركية على العالم أن يبقوا أسرى ظلم طويل، وتحت وطأة انتقاص مفضوح لأدنى الحقوق الشرعية والإنسانية ، ولم يعد بريق شعارات النضال ملهياً لهم عن الثروات التي ينهبها أبناء البعض، ولم تعد الهتافات الثورية تمنع من إدراكهم العميق لما يحف ببعض القوانين والمحاكمات من ظلم مبين، وما تشرع له أبواب السجون كل فترة، وما سببته تلك الأنظمة من تخلف مخجل ونقل إلى البدائية عم كل سبيل.

على الذين يظلمون شعوبهم أن يعلموا أن مد الحرية قادم لا بيد الإدارة الأميركية بل بوعي الأمة التي ذاقت الذل ألواناً، ومالم تبادر تلك الأنظمة البدائية إلى الصلح مع شعوبها فإنها هي التي تدفع إلى الطوفان الذي لايريده أحد، وكل القوانين الاستثنائية، وكل الأحكام الظالمة، وكل الضمانات الأمنية، وكل الأموال المنهوبة فليس لبقائها في يد الظالمين أي ضمان وستقلبها الشعوب على رؤوس ظالميها في لحظات ..

حسنٌ يظن الظالمون أن الشعوب ستخسر وبالتالي فهي لن تقايض خسارتها بالحرية وهذا سراب يجلوه التاريخ، فالظالمون يقعون في فخ الإدمان للظلم، وهم يحاولون التمويه وإظهار العدل، وكما يتصورون هم العدل لا كما تريد الشعوب، وبالتالي فالظلم يزداد ويزداد وهم لا يشعرون حتى تأتي لحظة التحول … ومهما خسرت الشعوب فستتقدم نحو حريتها والخاسر الوحيد هو الطغيان.

أتذكر هنا الآلاف من شهداء الإسلام الذين ظن الطغاة أن وهج دمائهم قد خفت … وما خَفَتَ يوماً .. بل إن وقع أقدامهم على طريق التحرير يرتفع صوته .. يسوق الظلم إلى نهايته التي زرعها هو بيديه.

لا بل إن دماء أي مظلوم في الأرض ما كانت لتضيع، ومن الأمثلة المؤلمة في ذلك قصة (قيكتور جارا) المناضل اليساري ضد ظلم الجنرال الهالك بينوشيه في الشيلي. (نذكر قصته من باب العبرة والإنسانية المضطهدة في وجه الظلم والطغيان … مع الاختلاف الكامل في المبدأ والعقيدة).

كتب فيكتور جارا أغنية ” أتذكرك يا أماندا” عندما سمع باكتشاف السكري لدى ابنته(اماندا).
كتب الأغنية كتعبير عن حزنه، واستحضارا لروح أمه الحبيبة التي أطلق على ابنته اسمها،وسرعان ما صارت هذه الأغنية سلاحا في يد الجماهير المقهورة التي رفعت على الأكتاف سلفادور ألليندي، وحزب الوحدة الشعبية نحو قصر الرئاسة في سانتياغو دي تشيلي ، وفي صباح 12 أيلول -1973 اعتقل فيكتور جارا مع الآلاف من زملائه وطلابه في الجامعة، بعد انتهاء الاعتصام الذي جرى احتجاجا على إنقلاب بينوشيت الدموي،هناك حيث غنى جارا أعذب أغانيه..

سال الدم من أطراف أصابعه وهو يعزف على الغيتار، غنى للحب وللحرية الآتية، وغنى ضد الطغاة،غنى “هاستا سييمبري كومندانتِ” وحين انتهى الجنود من اغتيال البلد، توجهوا نحو المدينة الجامعيةونُقل الأستاذ الجامعي، فيكتور ليديو جارا مارتينيز مكبلا مع طلبته إلى إستاد تشيلي .

تم تعذيب الآلاف ومن ثم إعدامهم على يد القوات العسكرية، وبحسب شهادة الكثيرين فقد عُذب جارا بوحشية إلى الحد الذي تهشمت فيه أطرافه وقفصه الصدري .. وأثناء التعذيب، وهو ملقى على الأرض مهشم العظام طلب الضباط منه ساخرين أن يعزف أغنية لأجلهم فأنشد بشجاعة “أتذكرك يا أماندا” أنشد ابنته وأمه وتشيلي الذبيحة.

في الخامس عشر من أيلول بعد المزيد من التنكيل بجسده أطلقت النار عليه بغزارة وتوحش من الأسلحة الرشاشة وألقي جسده في العراء على تخوم سانتياغو. ويتناقل الكثيرون قصيدته الأخيرة، التي قالها في ستاد سانتياغو, وكتبت وتم تهريبها في حذاء أحد أصدقائه.ولم يطلق جارا قبل رحيله اسما على القصيدة، وهكذا بقيت القصيدة بلا اسم ، لكن الكثيرين يشيرون إليها باسم “ستاد تشيلي”

في أيلول 2003, شاهد الطاغية بينوشيت, من غرفة توقيفه في مدريد, أهالي الضحايا وهم يشعلون، للمرة الأولى الشموع علنيا على مداخل ستاد سانتياغو الذي صار اسمه ستاد فيكتور غارا.

هذه قصة حزينة من قصص المظلومين في الأرض ممن لم تضع دماؤه بين يدي أحكم الحاكمين، فكيف بدماء الآلاف المؤلفة من حملة القرآن ودعاة الإسلام، ورافعي رايات الأمة ممن غيبوا في القبور أو علقوا على أعواد المشانق .. وما كان ذنبهم إلا أن قالوا ربنا الله … حاشا لعدل الله أن تضيع معه دماؤهم .. فليفهم الظالمون وليعودوا إلى الحق قبل فوات وقت.

المحور الثالث : محور التآكل الداخلي : وهو الأخطر ولا أزال أتهيب الحديث والكتابة فيه بعمق فهو أكثر خطراً، وشائك أكثر مما قبله، وقد طلب العديدون من الأفاضل تناول الموضوع ومازلت أجد فيه صعوبة ، وسأتوسع هنا قليلاً دون أن يعني ذلك الكفاية منه ، آملاً أن يهبني الله القدرة والشجاعة على المتابعة في كلمات قادمة.

إن بذور الاضمحلال نحملها في أعماقنا أحياناً دون أن نحس بخطورتها ، ومالم يحصل موقف حازم منها فإنها ستكون العامل الأول في الضياع بل الفناء المريع، وفيما يلي مثال جلي عن ذلك: منذ بضعة عقود ظهر في الساحة كتاب لعالم ومرب وداعية رحمه الله، وأعجب الكتاب الكثيرين ، إلا أنني كنت في غاية الحذر من الغرق فيما يطرحه لعبارات وأحكام منها على سبيل المثال كلام عن السحر والسحرة والأحكام الشرعية المتعلقة به، وذكر المؤلف حكماً لبعض الفقهاء يقضي بقتل الساحرة!
نعم وماذا بعد؟ لقد قاس الكاتب المتبرجة على الساحرة. انتهى

لايلزم الإنسان الكثير من الذكاء ليعرف أن هذا تحريض باطني على القتل، ورغم الرفض الشرعي لموضوع التبرج، إلا أن الحكم عليه بهذه الطريقة مرفوض بالكلية فدماء الناس معصومة والرذائل الأخلاقية ليس حلها ولا يجوز أن يقال أن حكمها القتل … فدماء الناس (مسلمهم وكافرهم) معصومة في الأصل (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً). المائدة 32.
هناك حوادث قليلة ولكن روحها موجودة في العديد من بلدان العالم الإسلامي، وقد سمعت عن العديد من حوادث إلقاء ماء النار على وجوه فتيات متبرجات! من قبل شبان متدينين، والنتيجة هي خسارة الشباب وخسارة الفتيات .. ورغم أنني أحمل الأنظمة القمعية مسؤولية معظم الإحباط الذي قد يشعر به بعض الشبان الأغرار ممن يظنون إصلاح الأرض سبيله الوحيد هو أذى تلك الفتيات المسكينات .. إلا أنني أقول أن السبب الرئيس هو تلك الاندساسات الخفية التي تزحف في ثنايا الكتب والفتاوى … ويتعامل معها الناس بأشكال شتى ولكن هناك عينات تلتقط منها وفي ظروف معينة فكراً دموياً قابلاً لنحر الخصوم دون شفقة ولا بصيرة ولا تقوى.

لا يقتصر الأمر على كتاب معين، أو زمن خاص ، ففكر النحر للخصوم ما زال يجد سوقاً رائجة، ومن آخر ما اطلعت عليه كتاب لعالم كبير يتحدث فيه عن الإسلام في ديارالغرب ، ولذلك العالم وجهة نظر جديرة بالتفكير والمدارسة والاستفادة مما فيها، ولكنني صدمت بنحره لخصومه ومن الوريد إلى الوريد! .. والخصوم ليسوا فكرة ضبابية أو شخصيات تاريخية، بل بعض أعلام الأمة الكبار ….
ليت ذلك العالم الكبير قال أن النتائج التي وصل إليها أولئك العلماء غير صحيحة، وليته قال أن منهجهم غير دقيق، وليته قال أن تصورهم للمسائل لا تحفه الخبرة الكافية، وليته زعم أنهم لايدركون آثار فتاويهم وسلبياتها.
ليته قال كل ذلك … إذا لتحملته حقائق العلم والموضوعية التي طالما يذكرها … وبغض النظر عن بعض المقولات التي ذكرها وقررها ثم انتقد خصومه (إخوانه في الدين والإسلام) عليها بعد ذلك ناسياً انه قبل صفحات قد دعا إليها …
بغض النظر عن ذلك فقد قال في الصفحة 152 من كتابه: “فلكي يتبين لتلك السلطات الحاكمة أن الإسلام سهل لين كالخيزران، يتلوى حسب المطلوب وينسجم مع البيئة التي هو فيها أياً كانت، ويندمج مع النظام القائم، ولكي يولوا أصحاب الأنشطة الحزبية الإسلامية العون ويساندوهم في جهودهم السياسية إن في تلك المجتمعات الغربية أو في دولهم الإسلامية، يمضي أصحاب هذه الأنشطة في تلوين النظام الإسلامي والأحكام الإسلامية، بلون التبعية الدائمة [تشتهر بين الناس أسماء بعض العلماء بعض الدول الإسلامية أعطوا الأنظمة الظالمة من الشرعية ومبررات سفك الدماء ماهو أعظم بكثير مما يذكره العالم الغيور].
ويتابع: “وإبرازاً منهم لهذه الظاهرة أنشؤوا في تلك المجتمعات الغربية ما سموه المجلس الأوربي للفتوى والبحوث [جرأة عجيبة في الاتهام] ، ومما يلفت النظر أن كثيراً من أعضائه لا معرفة لهم بالفقه ولا علاقة لهم به [!!!]…. أما الهدف البعيد فهو أن ينال أصحاب هذه النظرة الإسلامية السياسية ثقة ذوي النفوذ الغربيين
[ ناقض الكاتب نفسه فقد قال في الصفحة 124: وأنا أقول: أما أن التيار الإسلامي يتنامى في المجتمعات الغربية فربما كان واقعاً وحقيقة … ولكن مما لا شك فيه أن تنامي هذا التيار يسير جنباً إلى جنب مع تنامي الثقة المتبادلة، ومع التنسيق اللازم مع الأنظمة الغربية [!!!!] والاندماج الأكثر شمولاً مع سياسة هذه المجتمعات والمصالح التي تكاد تشكل جامعاً مشتركاً بينهما، هذا مع احتفاظ الوجود الإسلامي بشخصيته ومستلزمات الإبقاء على هويته] .
ويتابع الكاتب: ” فيمكنوا لهم سبيل بلوغ الحكم في مجتمعاتهم ودولهم الإسلامية، وفرصة قيادة الحكم فيها حسب ما يقتضيه هذا الإسلام المساير المسالم المستسلم لتيارات الحداثة والتجديد على اختلافها. [اتهام دون دليل وطعن في دين ثلة من خيار الأمة ، وإطلاق في العبارات ينبغي لعالم كبير أن لا يقع فيها].
ثم يتابع العالم الكبير : “وسيراً على هذا المنهج أصدر مجلس الفتوى هذا سلسلة أحكام وفتاوى شرعية ، يعلم القائمون عليه والمديرون له أنها فتاوى باطلة اقتضتها السياسة … [تحدث العالم الكبير-145 عن ورع العلماء في الفتاوى وعن الرهبة التي كان تفيض بها أفئدة الرعيل الأول عند تصديهم للفتوى ، وكنا نرجو أن يترجم ذلك عملياً في كلامه قبل أن يذكر أحكامه القاسية على علماء لايقلون عنه إن لم يسابقه بعضهم في العلم والفضل] .

وللعلم فإن المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث يرأسه سماحة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ، ومن أعضائه العلامة الشيخ فيصل المولوي ، والعلامة الفقيه الموريتاني عبد الله بن بيه … والعلامة الطبيب محمد الهواري وآخرون ممن يشهد لهم المسلمون في الأرض (ممن يوافقهم أو يخالفهم) بالحرص على هذا الإسلام، والعمل العنيد من أجله وبذل الوسع في مد بساطه ، وبعد ذلك هم بشر يخطئون ويصيبون، وكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب المقام صلى الله عليه وآله وسلم.

وحتى لا يحتار القارئ ولا يضيع وهو يبحث عن البوصلة الصحيحة فإن العالم الكبير يرشده إلى الحل: ص 155:” لعل الملاذ يكمن في البقية الباقية من العلماء الراشدين الذين عرفوا الله فوضعوا مخافته في قلوبهم ، وأيقنوا أنه وحده الضار والنافع، والمعز والمذل والمعطي والمانع فاتكلوا بصدق عليه وفوضوا أمورهم إليه ، واجتمعوا على تجديد البيعة مع الله وإعطائه العهود الصادقة أن يكونوا أمناء على شرعه حراساً لدينه ، ثم صاغوا من تلاقيهم وتعاونهم مرجعية علمية دينية، تصدع بالحق وتصحح المفاهيم الخاطئة، وتشطب على الفتاوى الدينية الباطلة، وتجيب عن أسئلة المستفتين أياً كانوا بما يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما اتفق عليه جماهير سلفنا الصالح، في غير غلو ولا شطط، مع التيسير من دون تمييع ومع الحيطة من دون تعسير… [إننا نؤكد للعالم الكبير أن من ينتقدهم في قلوبهم مخافة من الله وأنهم يعتقدون أنه هو الضار والنافع … وليته مادام ذكر المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بالاسم ومعلوم من هم فيه ومن يضم؛ ليت العالم الكبير يذكر لنا اسم هيئة علمية أو أسماء عشرة من العلماء الذين يخافون الله ويشكلون مرجعية مناسبة للأمة ، ويستوعبون ظروفها وآلامها بدل الكلام العام الذي لاينتفع القارئ له إلا بتهديم مؤسسة ولا بديل يسد جزءاً صغيراً مما تقوم به].

إن النحر لأولئك العلماء ولمجلسهم الذي عرف بهم وعرفوا به مرفوض شرعياً وأخلاقياً والطعن بدينهم وعلمهم بهذه الطريقة فيه تجاوز لا نقبله ونجل ذلك العالم الكبير عن الوقوع فيه.

فكر النحر خطير وهو من مقدمات التنازع والتشرذم ، وبداية ظاهره هو الغيرة والحرص على الدين، ولكن نهايته هو التعصب وضيق الصدر من كل مخالف وقد يتطور الأمر عند الجهال إلى التفسيق والتبديع والتضليل ثم التكفير.

كان الإمام الغزالي في غاية الفطنة ، ولم يلقب حجة الإسلام عبثاً ، فقد تصدى لفكر النحر من بداياته ووقف منه موقفاً واضحاً ، سواء في أطواره الأولى ، أو في انتشاره الوبائي التكفيري الماحق.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله (حجة الإسلام) في رسالته الصغيرة المسماة فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة أن الوجود له خمسة أنواع : حقيقي وحسي وتخيلي وشبهي وعقلي ، وأن من أقر للنبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم بواحد منها فقد خرج من الكفر (ص25-31) والشأن معه أن تقول أصاب وأخطاً أما الكفر فليس له وجه .

وقد درسها بعض طلاب العلم فدهشوا وقالوا : إن كان كلام الإمام الغزالي صحيحاً فكل مادرسناه خلال السنوات السابقة غير صحيح! لأن مايطرحه الغزالي وأمثاله من النادر تدارسه، وفكر النحر أقرب إلى الأمزجة في أزمنة التعصب والانغلاق.

وصية الغزالي “فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ماداموا قائلين: لا إله إلا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها” ص 61، “والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طبائع من يغلب عليهم الجهل” ص 66.

و”من خالف الإجماع، ولم يثبت عنده بعد [التواتر] فهو جاهل مخطئ، وليس بمكذب، فلا يمكن تكفيره، والاشتغال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير” ص72.

“ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب، أما الكفر فلأنه نزله منزلة النبي المعصوم من الزلل الذي لايثبت الإيمان إلا بموافقته، ولا يلزم الكفر إلا بمخالفته، وأما التناقض: فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر ويحرم التقليد، فكيف يقول: يجب عليك تقليدي، أو يجب عليك أن تنظر وأن لا ترى في نظرك إلا ما رأيتُ، وكل ما رأيتُه حجة فغليك أن تعتقده حجة، وما رأيتُهُ شبهة فعليك أن تعتقده شبه، وأي فرق بين من يقول: قلدني في مجرد مذهبي وبين من يقول: قلدني في مذهبي ودليلي جميعاً؟ وهل هذا إلا التناقض!” ص22-23.

مشكلة النحر أنه لا يصيب طرفاً دون طرف فإنك عندما تنحر غيرك فلا بد أن التوحش سوف يستيقظ في نفسه أو طائفته أو جماعته، وبالتالي فأنت هدف أساسي للنحر رداً على نحرك المسبق ..

من ينحرون لايدرون ماذا فعلوا … سواء كانوا أصحاب قوة عظمى كالولايات المتحدة، أم كانوا أصحاب أنظمة قمعية جبرية (ديكتاتورية) أم أصحاب أقلام مثل الداعية الذي قرن الساحرة بالمتبرجة ثم شملهما بحكم القتل … ولو أستطعت أن أخاطب أياً من تلك الأطراف الثلاثة لصحت بأعلى صوتي : هل تدرون ماذا فعلتم أيها المساكين… إنكم عندما بدأتم بنحر غيركم فلن تحصلوا على أية نتيجة نهائية ومضمونة لأن السكين التي تحملونها لا تنحر خصومكم بل تبدأ من أعناقكم أنتم … فالنحر للغير هو عين الانتحار .

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على ثقافة النحر وفلسفة الانتحار – 2007-07-02 مغلقة

الجمود للأستاذ المفضال الشيخ محمد سعيد العرفي (الجزء الأول)

إذا ما أردنا أن نبحث عن أسباب تأخر المسلمين عامة والعرب خاصة نجد الجمود في طليعتها ونعلم أن معظم الآفات الاجتماعية نشأت عنه لأنه العامل الأكبر في رواجها وفي إيجاد مساوئ الأخلاق والعادات السافلة التي تأصلت في نفوس الكثيرين منا حتى وصل بنا الأمر إلى حالنا المؤلمة التي لم يعد تحملها ممكناً لو بقي في الأدمغة تفكير وفي النفوس إباء وفي القلوب غيرة وحَميِّة .

يكفي الجمود شناعة وحطة أنه تعطيل لنعمة العقل التي امتاز بها الإنسان على سائر المخلوقات حتى استطاع أن يكون أفضلها وسيدها على الإطلاق ، فإذا فقدها يصبح في عداد البهائم المحرومة من هذه الفضيلة لأن الجامد هو الذي تعطلت مواهبه ولم يتصور ذهنه إلا ما فيه نفع عاجل وإن أدى إلى حتفه في أسرع وقت وأقربه وهذه صفة فاقد الشعور التام والإدراك الصحيح .

ولا يقف الجمود عند هذا الحد بل يسري تعطيله إلى الأعضاء فلا يستفيد الجامد منها أكثر مما تستفيده العجماوات من حواسها ومشاعرها وأعضائها الفعالة .

وأقل ما يوصف به الجامد أنه كسول يحب البطالة ، ذليل يختار الضعة والدناءة مُتّكِلٌ على غير خالقه حق الاتكال ، يشتاق إلى الخمول والحقارة ليكون عالة على غيره ومصيبة على أمته ، وما دخل الجمود عملاً إلا أفسده ، ولا تفشى وباؤه في أمة إلا أسقطها في مهاوي الانحطاط والدمار .

الغيرة من أسباب انتظام الحياة وترقيتها لأنها تبعث على التسابق في ميدان النظام الاجتماعي ، والرغبة في التفوق تدفع الأمة إلى بذلها الجهد في سبيل التقدم نحو الكمال وتقديمها الأضاحي لنيل ما تصبو إليه من الرفعة والمجد الخالد مع السعي الحثيث لجعل كيانها في مستوى لا يقل عن غيرها إذا لم يتقدمها بمراحل ، لكن الانتباه إلى هذا الشعور الحساس يُميته الجمود ويحل محله استكانة ورضاء بعيش زهيد ممزوج بمرارة الذل والاضطهاد .

جاء الدين الإسلامي نعمة على البشر أجمعين فبدد ظلمات الجهل وفرق شمل الظُلم وأزال العصبية العمياء ودعا إلى التوحيد المطلق فلم يجعل لمخلوق سلطة على آخر وحرر العقل من الجمود وقيود العادات المخالفة للصواب وخاطب القلب في أَحكامه فلم يأبه للقشور والسخافات والأمور الباطلة ولهذا نشر العلم وأوجب تعلمه على الذكور والإناث كي تعرف النفس مالها وما عليها من واجبات نحو ربها وذاتها وأسرتها وأمتها والناس أجمعين وما برح القرآن العظيم محققاً هذه الفضائل لو كان القرآن يُعمل به في عصرنا كما ينبغي .

وكيف يُعمل بُه ؟ وقد نسخته العادات على أيدي الجامدين الذين هم بلاء على الأمة ولا علاقة لهم مع العلم والدين إلا بالزي وحده وإتقان هندامه وأن السابق منهم من يستطيع فهم قسم من ظاهر العبارة بدون تمحيص ولا تدقيق ، لكن تفشي الجهل وبطش الدول الحاكمة على الديار الإسلامية بالعلماء العاملين وانتقامها من أحرار المؤمنين أفسح لهم مجالاً واسعاً فاضطرت الأمة للاقتداء بهم اغتراراً بهيآتهم وبما ترى لهم من الجاه والاحترام لدى الدولة وقد ثبَّتَ تفسخ المعاهد الدينية هؤلاء الجامدين وجعل لهم شأناً وأبقى السيطرة بيدهم ليلتقطوا من جاهلي الأمة فريقاً على شاكلتهم يحل محلهم ويتبوأ المناصب الدينية .

وبذلك تاه المسلمون عن طريق الصواب ولم يتسن لهم أن يفحصوا الأمور بعين الحقيقية ويلموا شملهم ويجمعوا قوتهم المبعثرة لأن الجمود قلب أذهان الكثيرين منهم وفرقهم شيعاً وأحزاباً فبعد أن كانت المذاهب رحمة للأمة أصبحت نقمة وعذاباً بإساءة استعمالها واستغلالها للشهرة والاكتساب فصدق على هؤلاء وأمثالهم قول الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } سورة الأنعام آية 159 لقد كانت المذاهب الكثيرة في صدر الإسلام واختلاف العلماء فيما لا نص فيه من الشارع غير حائلة دون تقدم المسلمين وتخليصهم البلاد العربية ـ العراقية والشامية ـ من براثن كسرى وقيصر وفتحهم الممالك الكثيرة من الأقطار المختلفة لأنهم كانوا يرون مثل هذا مجالاً للتوسع على عباد الله ما دام الاختلاف لا يمس النصوص القطعية المصونة عن التغيير والتحريف ولا سيما أن المجتهد المصيب له أجران ـ أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ـ والمخطئ له أجر الاجتهاد فقط فهو إذن غير محروم من الأجر فإذا جزم بخطأ المخالف فلا شك في أنه لا يستحق أن يزدري بالتابع له والمقلد لقوله والأحرى به أن لا يعده ضالاً أو مارقاً وعندئذ يسهل الإصلاح وجمع كلمة المسلمين المتفرقة بحسب العادة والدسائس .

أما الآن فقد احتل الجمود هذه المواقع الخفية وعُطِّلَ بعضُ كتاب الله تعالى بالتلاوة من غير إمعان في أحكامه ولا تدبر في آياته وألغي بعض السنة النبوية حتى لم تعد بنظر الجامدين صالحة إلا لأن تقرأ أحاديثها الصحيحة في البيوت للتبرك فقط .

ولقد أخذ الخطب الأعمى يستفحل منذ ابتداء القرن الرابع للهجرة حتى أن الحروب الصليبية كانت نارها تستعر في سواحل الشام ومصر في النصف الثاني من القرن الخامس وعلماء المسلمين يومئذ فريقان : فريق يشتغل في بيان أحكام العبارات الظاهرة غير آبه لهذا البلاء العظيم ولم يشر إليه في مؤلفاته العديدة ولو من طرف خفي ، وفريق لاه في نصرة مذهبه بالجدال مع المذاهب المختلفة التي تجمعه وإياها كلمة التوحيد .

أليس من أعظم الأدلة على الجمود أن كثيراً من العلماء الذين نحترمهم ونأخذ بقولهم بلا طلب دليل لم يذكروا هذه الحروب الصليبية في كتبهم مع أن لهيبها مستعر حتى الآن ولم يذكروا لنا ماذا دمرت من البلدان وسفكت من الدماء وانتهكت من الأعراض وأتلفت الشيء الكثير من الأموال وغيرها في حين أنهم قد دونوا في كتب الدين من الخرافات المعادية للعلوم الكونية والطبيعة شيئاً كثيراً لأن شأن الجمود أن يدع صاحبه يصرف ذهنه إلى القشور وحدها غير ملتفت إلى اللباب واستحصال الفائدة ، ولم يأت القرن السابع إلا وقوي الجمود حتى نشأت عنه فتنة الكرخ المشئومة بين السنة والشيعة فنجمت عنها واقعة بغداد وسقوط الدولة العباسية على يد هولاكو وحصول الفظائع الكثيرة .

* العالم الفاضل المجاهد عالم دير الزور ونائبها السابق في مجلس النواب السوري وثائرها على الظلم والاحتلال الفرنسي.. صادر الفرنسيون أملاكه وكتبه وحكموا عليه بالنفي. عرف فيه صدق الدين وقوة اليقين، والعلم الواسع في المعقول والمنقول والشجاعة والنجدة، وعلو الهمة، فهو عالم وطبيب وضابط وعابد معا، تلقى العلم على شيوخه الأجلاء، والتحق بالجيش التركي، فرقي إلى ضابط، واتصل بالقسم الطبي بالجيش، فأفاد علم الطب، وكان رامية يرمي فيصيب عشرة في عشرة، وكان مع ذلك أديباً مؤرخاً، راوياً للمنظوم والمنثور، حلو الحديث، حسن الدعابة فكه المحضر، حاضر البديهة،ربانياً في تعبده وتقشفه، فيلسوفا في تفكيره ونظراته. وقد نشرت مجلة التمدن الإسلامي المقالة أعلاه في السنة الأولى ، العدد الأول: 1354هـ/1932م

كُتب في من كنوز التمدن الإسلامي, منائر | التعليقات على الجمود للأستاذ المفضال الشيخ محمد سعيد العرفي (الجزء الأول) مغلقة

رحلة التمدن الإسلامي

نص المحاضرة التي ألقاها رئيس جمعية التمدن الإسلامي أحمد معاذ الخطيب الحسني بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لـتأسيس الجمعية.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي سيدنا محمد وسائر رسل الله الكرام وآلهم وأصحابهم أجمعين
إخوتي الكرام … أخواتي الفاضلات … سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد : فيسر جمعية التمدن الإسلامي أن تفتتح موسمها الثقافي بمناسبة ذكرى تأسيسها الخامسة والسبعين بهذه المحاضرة عن رحلة التمدن الإسلامي ، وتتشرف بحضوركم جزاكم الله خيراً.

إن رحلة التمدن الإسلامي رحلة شاقة ابتدأت أوائلها عندما سقطت البلاد بيد المحتل الفرنسي في الرابع والعشرين من تموز عام ألف وتسعمائة وعشرين .. ثم سبب انهيار الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية في السابع والعشرين من رجب عام ألف وثلاثمائة وأربعة وعشرين هجرية الموافق للثالث من آذار عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين ميلادية .. قلقاً شديداً … وأحدث زلزالاً مدوياً …
كان انهيار الدولة العثمانية إيذاناً بمرحلة جديدة لا بد من التصدي لها ، كما أن الاحتلال الأوربي أيقظ العالم العربي والإسلامي إلى حقيقة الواقع الذي يعيشه ،( فالمشروع الغربي كان يحمل حاجاتٍ وطموحات رأسمالية توسعية ، ويحمل أيضاً أداة هذا التوسع: الإرساليات ، التعليم ، الثقافة الغربية ، الجيش ،السلعة المصنعة والرساميل ؛ فهو مشروع رأسمالي … توسعي ، و ذو صفة هجومية)[1].
تفاعلت كل العوامل في نفوس بعض الشباب المخلصين فانبثقت جمعية التمدن الإسلامي وحصلت على الاعتراف الرسمي بتاريخ 29 من ذي الحجة عام ألف وثلاثمائة وخمسين هجرية الموافق للخامس من آيار عام ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين ميلادية ، ويقول الأستاذ أحمد مظهر العظمة: (حينما أسست جمعية التمدن الإسلامي في عام 1350هـ/1932م كانت قدما الأجنبي الدخيل على أرض الوطن ، وكانت عاداته وتوجيهاته تعمل عملها في عقول أبنائه وقلوبهم ومشاعرهم كما عملت من قبل ُ في بلاد سيطر عليها ؛ حتى حلت اللغة الفرنسية محل العربية على اللسان والأقلام ، وأصبح المسلم غير الواعي يفكر بلغة الدخيل ويتجه اتجاهه ، وكان من الواجب حيال ذلك أن تنهض جماعات بواجب الدعوة إلى تمدننا الأصيل بعقائده[2] وعباداته ولغته ومكارمه وتشريعه مع الأخذ بكل جديد نافع يرحب به الإسلام من حضارة الغرب ، ولاسيما الصناعة والعلم ، والتحذير من إلحاده وعلمانيته وفساده وما إلى ذلك مما يؤدي إلى انحلال الأمة وانحدارها في مزالق الذل والضياع.
وقامت جمعية التمدن الإسلامي ، وكانت دعوتها إلى الإسلام الصافي الذي بين الحقوق والواجبات ، وأثاب وعاقب بعدل وحكمة بعيداً عن الجور والبدع والأوهام ….
لقد أسست جمعية التمدن الإسلامي لتحذر الناس الإلحاد وأمثال هذه الضلالات والمنكرات وتأخذ بأيديهم إلى الإسلام المشرق ، دين الهداية والمدنية والسعادة والتسامح الحق والحضارة المثلى ، وساعدها على ذلك إصدار مجلتها عام 1354هـ/1935م ، إذ كانت ولا تزال لسان حالها في دعوتها الإصلاحية الشاملة بمعناها الإسلامي العام”[3].
إذاً فلقد كان رجال التمدن بعيدي الغور وأدركوا أن تضعضع الكيان الإسلامي و قدوم المحتل شيء لا يقاوم بالانفعالات والعواطف وعندما يأتي المحتل فإنه يأتي ومعه حضارة وثقافة وتشريعات وآداب وفنون وفلسفة وكل ذلك لا بد من المقابلة له بما هو أعمق منه وبما يفوقة تأثيراً.
يقول العلامة الدكتور عبد الكريم اليافي في كتابه: الدين والإحياء الروحي الصفحة السادسة عشرة : “لقد تبلور جزء من المشاعر الدينية في سورية أول الأمر في جمعية التمدن الإسلامي التي تأسست عام 1932 ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين وعكفت على إصدار مجلتها الشهرية ومنشوراتها المتعددة والقيام ببعض المحاضرات العامة ولكنها كلها تدور حول الإسلام والحياة الاجتماعية.
لم يكن نظر التمدن الإسلامي إلى الحضارة الغربية نظر القبول أو العداء بل نظر الواقع والإنصاف والمقابلة ، ويقول الأستاذ العظمة في ذلك: (وحضارة الغرب منها الصالح ، وهو إسلامي بالفطرة أو النسب ، ومنها المضل الذي لايُسمع معه حداء قافلتنا المنبعث من أعماق ماض رشيد مجيد …. فدعوة هذه المجلة إذاً ، إنسانية عامة إذ الإسلام صلاح عالمي ، لا ضرر فيه ولا ضرار ، والخلق كلهم بنظره عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، وأكرمهم عند الله أتقاهم ، فلا غنى للعالم عن الإسلام كما لا غنى له عن الشمس)[4].
كان منهج الجمعية ولا يزال منهج اتباع الدليل من الكتاب والسنة مع إدراك عميق لمقاصد الشريعة، وانفتاح وتعاون مع كافة التيارات الإسلامية، دون انغلاق ولا تعصب ولا تكفير، مع اهتمام بالغ بأحوال الأمة و سد ثغراتها على كل صعيد، وإدراك عميق لرسالة الإسلام وعالميته ومدنيته.
إن رقي فكر التمدن لم يأت من فراغ فقد كان مؤسسو الجمعية الأوائل من العلماء وبقي دائماً للعلماء الدور الأول فيها ، وأول رئيس للجمعية هو الشيخ حمدي السفرجلاني الأسطواني وأول مجلس إدارة تألف من السادة: عبد الفتاح الإمام، عبد الرحمن الخاني، أحمد مظهر العظمة، عبد الحكيم المنير،أحمد حلمي العلاف، عبد الحميد كريم.
ضمت الجمعية (وخلال الأزمان المختلفة) دائماً بعض كبار علماء ومفكري الشام ومنهم على سبيل المثال: القاضي الشيخ حسن الشطي، الطبيب اللغوي محمد جميل الخاني (نقيب أطباء سورية)، العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار ، العالم والمفكر والأديب أحمد مظهر العظمة ، العالم المفسر عبد الفتاح الإمام ، العالم الحقوقي محمد علي ظبيان، العلامة المؤرخ محمد أحمد دهمان ، العلامة المحقق محمد سعيد الباني، العلامة الأستاذ عز الدين علم الدين التنوخي، العلامة الأستاذ سعيد الأفغاني ، الفقيه العلامة مصطفى الزرقا، العلامة الطبيب البارع حمدي الخياط ، العالم المفكر المجاهد محمد بن كمال الخطيب …خطيب الأموي سيدي الوالد محمد أبو الفرج الخطيب وآخرون رحمهم الله جميعاً . [انظر في حديث الصور لوحة تضم بعض مؤسسي الجمعية].
كان هدف الجمعية منذ البداية واضحاً للمؤسسين، وأخذ بداية صيغة المحافظة على الآداب الإسلامية، ونشر الفضيلة والأخلاق وبث المعارف … ثم أخذ صيغته النهائية فحددت الجمعية غايتها بأنها : تبيان الإسلام تبياناً صحيحاً شاملاً لجميع نواحي دعوته وثقافته ومكارمه وعدالته وحضارته، والعمل على تحقيق ذلك. وتتذرع الجمعية بالوسائل المشروعة ومنها:
‌أ- النشر في مجلتها وسواها من الصحف.
‌ب- النشر في منشورات خاصة.
‌ج- المؤلفات وطباعتها وإذاعتها والترجمة والتعريب.
‌د- الخطب والدروس والمحاضرات والمدارس والأندية،
‌ه- المساعي الرسمية والشعبية،
‌و- التعاون والبر المستطاعان على أنواعهما والمساعدة في بناء المساجد،
‌ز- الإسعاف والمعالجة للفقراء المرضى.

– هناك إجحاف حقيقي بحق الجمعية من القريب والبعيد … ولنبدأ من القريب فالعديد ممن ترجم للعلامة البيطار لم يذكر أية كلمة تشير إلى فعاليته في التمدن وأنه كان نائب الرئيس فيها وكذلك مايتعلق بالمؤرخ محمد أحمد دهمان، والعلامة الأفغاني وجميل سلطان وعشرات غيرهم … بل إن أحداً لم يذكر أن جزءاً من نشاط الشيخ علي الطنطاوي إنما كان بإشراف ورعاية التمدن وأنه مع شيخه الأهم العلامة البيطار كانا يمشيان باسم الجمعية ويحملان فكرها ويلقيان الدروس باسمها …
أما الغريب فيكفي ما وقع فيه المستشرق الألماني يوهانس رايسنر في كتابه عن الحركات الإسلامية في سورية حيث صنف الأستاذ العظمة ضمن خط معين وهو الرجل الذي لم ينتم إلى أية جماعة غير التمدن وإن كان على صلة متينة جداً بكل التيارات الإسلامية من حوله… وربما توهم رايسنر أن صلات العظمة الواسعة قد جعلته عضواً في هذه الجماعة أو تلك … وذكر رايسنر أيضاً أن محمد جميل الخاني يبدو أنه “العضو الوحيد في جمعية التمدن الإسلامي الذي أتم دراسته في أوربا إذ درس الطب في جامعة السوربون (فرنسا)”[5] ورغم أن الدراسة في أوربة لا تزيد رجال التمدن مدنية ولا تضيف إلى مكانتهم شيئاً إلا أن الأوهام ينبغي دفعها ففي الجزء الثالث من السنة الخامسة عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين هجرية جاء مايلي: “عاد الأستاذ الحقوقي (عضو الجمعية) ووكيل المجلة في باريز السيد عزة طرابلسي بعد عام قضاه في الدراسة الحقوقية لنيل شهادة الدكتوراة”. كما أن الدكتور جميل سلطان قد درس أيضاً في أوربة .. وكذلك العديد ممن لايتسع المجال لذكرهم .
كما يقول رايسنر أن المهندس عمر عدنان الشلق من مؤسسي الجمعية ، وهو العضو الوحيد الذي تخرج من كلية، ومارس مهنة هندسية من بين أعضاء منهم عدد لابأس به من الأطباء” بينما جاء في ترجمة عبد الغني القادري في دورية (من هو) أنه كان منتمياً إلى جمعية التمدن الإسلامي، و”نال شهادة الهندسة من مدرسة الطرق والجسور للحكومة الفرنسية في باريس”[6].
عانت الجمعية حقيقة من التهميش وغمط الحق ولم تعط لا هي ولا رجالها حقهم … وفي استقصاء سريع لأسباب ذلك من خلال مقابلات شفهية مع بعض الدعاة القدماء انحصرت أهم الاسباب فيما يلي:
تواضع رجال التمدن وعدم بحثهم عن الشهرة .. (رأي العديد من الدعاة) ..
كل منهم كان يحمل الهموم الكثيرة ويقوم بالأعمال العديدة مما لم يمكنهم من إنشاء كيان خاص للتمدن (الأستاذ اللبابيدي).
سبق رجال التمدن عصرهم فلم يدرك الكثيرون قيمة ماكانوا يدعون إليه (الدكتور عبد الكريم اليافي).
حاصرتهم أسوار الحزبية في الطريق .. (الأستاذ عمر عبيد حسنة)..

يلفت النظر الوضع العلمي لرجال التمدن ثم مكانتهم الاجتماعية والبيئة التي انحدروا منها ، وهذا برأيي سبب الثراء المدهش في فكر الجمعية ، وبعد نظرها ، وصلاتها الدافئة مع كافة الاتجاهات الإسلامية التي حولتها ، ثم قدرتها على التواصل وفهم كافة أطراف المجتمع بل الاستفادة من الأنماط الثقافية المغايرة ، رغم أنها لم تبلور نفسها في جماعة ، بل بقيت حتى اليوم جمعية ، تنطلق بفكر قوي يلم تحته شتات الكثيرين ، وفيما يلي تراجم بعض رجال الجمعية مع الاعتذار عن ذكر الكثيرين ممن لا يمكن حصر مآثرهم هنا. :
1- محمد حمدي الإسطواني (السفرجلاني)[7] : (1304-1382هـ/1886-1962م) ولد بدمشق وأخذ عن علمائها وخصوصاً مفتي الشام عطا الكسم، واهتم بالمخطوطات وعمل بتجارة الكتب، وكان من المناهضين لسياسة التتريك، وأحد رافعي العلم العربي على السراي بعد انسحاب الأتراك، ثم عين عضواً في اللجنة الوطنية العليا للحفاظ على استقلال البلاد، والتي صارت توجه المقاومة ضد الفرنسيين، وتمد المجاهدين بالمال والسلاح، وخرج إلى الأردن ففلسطين وراء الملك فيصل الأول ومعه الشيخ كامل القصاب والشاعر خير الدين الزركلي، وبعد اضطرابات في دمشق اعتقل ومعه نقيب الأشراف الشيخ سعيد الحمزاوي، ولمدة ستة أشهر في قلعة دمشق، والمترجم من مؤسسي جمعية الهداية الإسلامية.
كان الإسطواني من أهم مؤسسي جمعية التمدن الإسلامي، وأول رئيس لها، وباسمه صدرت الرخصة الرسمية[8].
2- محمد جميل الخاني: محمد جميل بن محي الدين الخاني : (1310-1371هـ/1892-1951م) تولى رئاسة الجمعية لغاية[9] شعبان 1354 ، وهو عالم وباحث ومفكر ومؤلف ونقيب لأطباء سورية
وكان من أهم رواد التعريب في كلية الطب بجامعة دمشق[10] ، ستة اشخاص منهم اثنان من أعضاء الجمعية الأساسيين هما: الدكتور أحمد حمدي الخياط ، والدكتور محمد جميل الخاني .
1- محمد حسن الشطي : (1297- 1382هـ= 1879-1962م)[11] :
تلقى العلوم الابتدائية في المدارس الأهلية والعسكرية ، وأخذ عن شقيقيه: الشيخ عمر والشيخ مراد وعمه الشيخ أحمد ، وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ عبد الله الحموي ، والشيخ أبي الصفا المالكي ، ودرس علوم العربية على مفتي الشام الشيخ عطا الله الكسم ، والشيخ محمد عبده العربيلي ، وحضر دروس الشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ بكري العطار ، وأخذ الخط عن الخطاط مصطفى السباعي ، والخطاط رسا.
بدأ كاتباً ثم رئيساً للكتاب في محكمة دمشق ثم دوما ، ثم قاضياً في النبك ثم دوما ، ثم دمشق.
سيدي الوالد الشيخ محمد أبو الفرج الخطيب الحسني: خطيب جامع بني أمية الكبير لأكثر من أربعين عاماً ومن مؤسسي العديد من الهيئات الإسلامية ، لازم بعض كبار العلماء، تخرج من الأزهر وعمل في الحقل الإسلامي من كافة أبوابه، وهو عضو مؤسس لجمعية التمدن في طورها الثاني في أوائل الخمسينات، ومن طرائف التاريخ أنه نال كمرشح مستقل في انتخابات كانون الأول 1961م عدداً من الأصوات بلغ (11275)[12] صوتاً بينما نال صلاح الدين البيطار (11381) صوتاً مع أن وراءه حزباً بكامله ، ويكفي في ترجمته أنه صاحب العمامة التي لم تلوث بالنفاق، وقد كان له دور شديد الأهمية في الحفاظ على الجمعية مما هدد كيانها في فترة الثمانينات العاصفة.
محمد ظهير الكزبري[13] : محمد ظهير الدين بن محمد رمزي المنير الشهير بالكزبري الحسيني، ولد عام 1910م ، ينحدر من أعرق أسر العلم في الشام .
الأمين العام لوزارة الأوقاف ، شغل وظائف رئاسة التفتيش في الأوقاف ، وأمين سر المجلس الإسلامي الأعلى، وعضو لجنة الأوقاف العليا ،ومديراً لأوقاف حلب، وعضو مجلس تأديب موظفي الدولة، وعضواً مفوضاً في شركة نجيب باقي التجارية المساهمة، ورئيساً لمجلس إدارة جمعية التمدن الإسلامي.
استفاد وتلقى العلم عن العديد من العلماء ، وأبرزهم : عبد القادر المبارك وسليم الجندي ، وعبد الرحمن سلام (أمين الفتوى في بيروت).
عرف بالاستقامة الشديدة ونظافة اليد واللطف البالغ، وله فضل عظيم في المحافظة على جمعية التمدن الإسلامي خلال ظروف الثمانينات العاصفة، وقد كان تمكنه القانوني، وطول باله من أهم الأسباب التي مكنته من درء الأذى عن الجمعية. واختير بعد استقالته رئيساً فخرياً للجمعية مدى الحياة …
أما أهم رجلين على الإطلاق في التمدن فهما العلامة الأديب أحمد مظهر العظمة ومحمد بن كمال الخطيب الحسني . [انظر ترجمتهما في الموقع : أعلام – راحلون].
وأجدني عاجزاً عن إيفاء الرجلين حقهما … ولعلنا نخصص محاضرة كاملة عن كل منهما بل عن كل رجل من رجال التمدن الذين عملوا بصمت وبذلوا أعمارهم بل بذل بعضهم قوت أولاده ونور عينيه ليستمر التمدن الإسلامي وأقول باختصار أن الأستاذ العظمة ينحدر من أعرق الأسر التركمانية وقد ولد عام ألف وتسعمائة وتسعة وحفظ القرآن الكريم ولازم العلماء ثم درس الفلسفة وتخرج من الجامعة دارساً الحقوق والآداب عام 1935 م وتمكن من الأدب الفرنسي.
دعا إلى تأسيس جمعية التمدن الإسلامي بدمشق عام 1350هـ ـ 1932م، وألقى باسمها عام 1351هجري أولى محاضراته في قاعة المجمع العلمي العربي بمناسبة ذكرى المولد النبوي، وبقي أميناً لسرها حتى توفي آخر رؤسائها العالم القاضي الجليل الشيخ محمد حسن الشطي عام 1383 هـ ـ 1962م فانتخب الأستاذ العظمة رئيساً لها، وقد كان ينهض في الحالتين بمعظم أعمالها، ومنها رئاسة تحرير مجلتها التي تطوع لها منذ اصدارها في ربيع الأول من عام 1354هـ ـ نيسان 1935م حتى وفاته.

كتب الأستاذ في التفسير والسنة والعقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق والتشريع والتربية والحضارة والمدنية والعلم والثقافة والمجتمع والتراجم والخطابة. ودرس في حلب وبغداد.
عرف عنه اللطف الشديد والتهذيب البالغ الذي لم يكن يدانيه فيه أحد وقد اختير وزيراً أكثر من مرة وآخر موقع تولاه هو رئاسة الهيئة العامة لتفتيش الدولة .وقد أفنى حياته وبقي رغم (مرض باركنسون الذي أصابه) وقد تجاوز السبعين من عمره يتابع كل صغيرة وكبيرة في الجمعية ويحرص أن تبقى ضمن الخط النظيف الذي خطته في الأمة ، ويقبض بيده المرتجفة على القلم ليكتب فصولاً رائعة من الوفاء والثبات.
أما الرجل الثاني فهو الداعية المجاهد أحمد بن كمال الخطيب الحسني والذي فقد بصره في سنوات عمره الأخيرة لعظيم ما أجهد فيه نفسه من نصرة الإسلام ومدنيته ،
تجرع اليتم باستشهاد والده ونشأ عصامياً وشق طريقه الصعب في الحياة حتى تخرج من كلية الحقوق بجامعة دمشق ، وقد انخرط الأستاذ في نشاطات كثيرة وطنية وإسلامية ، أما أهم خط أثَّر في حياة الأستاذ رحمه الله فهو بلا ريب خط جمعية التمدن الإسلامي ، وهو أحد أقدم رجالها وأمين سرها ثم مديراً مجلتها ، وأفنى شبابه فيها وكانت الجمعية همه وحياته وسعادته ورغم الطريق الطويل المليء بالمصاعب والمحن .
ظهرت نجابة الأستاذ خطيباً وكاتباً ومفكراً منذ بواكير شبابه ، ويذكر الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته أنه قد اقترح تأليف لجنة تقيم الحق وتجمع بين التيارات الإسلامية وانتخبت اللجنة من ثلاثة وهم الأستاذ محمد كمال الخطيب، والشيخ ياسين عرفة، والشيخ علي الطنطاوي).
لم يترك الأستاذ نوعاً من العمل الخيري والاجتماعي لم يقتحمه فكان من مؤسسي ميتم سيد قريش، ومن مؤسسي جمعية رعاية المكفوفين، كما شارك في الإدارة والتأسيس والتدريس في العديد من المدارس وخصوصاً مايهتم منها بمكافحة الأمية، واختير مديراً للتعليم الخاص في وقد تأثر بشكل كبير بقريبه الأستاذ محب الدين الخطيب وطريقته في الحركة والتفكير.
ألف الأستاذ العديد من الكتب والمئات من المقالات وآلاف الخطب وكان للحياة الصعبة والمجهدة التي عاشها والسجون التي فتحت له أثر شديد على جسده النحيل ، ففقد بصره نهائياً قبل وفاته بثمانية أعوام وهو صابر محتسب.وغمط حقه حياً وميتاً ( توفي في 18 ربيع الثاني عام 1421هـ الموافق 20 تموز 2000م).
حياة رجال التمدن رحلة طويلة من المحن والجهاد والبذل الذي لايعرف الحدود لهذا الدين العظيم وكثيرون لم يعرفوا ماقدمه رجال التمدن لهذا الدين ومدنيته ولكنهم مضوا أوفياء أنقياء وبقوا منارات عظيمة في درب الإسلام ومدنيته.
أهم الأنشطة الدعوية والخيرية التي قامت بها الجمعية
لقد قامت الجمعية بالكثير من الأنشطة وأهمها:
1- المحاضرات: وكانت تعقدها في المجمع العلمي العربي، وقد ألقت هناك عشرات المحاضرات وكان من أجملها المحاضرات التي كانت بمناسبة ذكرى ولادة النبي الهادي عليه الصلاة والسلام ، أوالمحاضرات التعريفية ببعض العلماء الراحلين كالشيخ أحمد النويلاتي شيخ القراء الشيخ عبد الله المنجد والمفسر عبد الله العلمي وغيرهم ممن بقيت تراجمهم محفوظة بفضل دعاة التمدن ورجاله والتي قدموها للناس ثم أودعوها سطور مجلتهم. وتضم ثنايا مجلته بعض أروع الأشعار والكلمات وأذكر مثالاً عن ذلك قصيدة جميلة ألقاها الأديب عبد السلام الجزائري عنوانها : “سأظل الحياة باسمك صداحاً”[14] ، وهي من قصائد حفلة التمدن الإسلامي بمناسبة المولد النبوي الشريف وقد جاء فيها :
أي ذكرى أهجتها أي ذكرى[15]

فاستهلت على شفاهي شعرا

أنت ألهمتني النشيدَ وأوحيـ

ـتَ لي اللحن يعربياً أغـرا

أنت أرعشت أنمُلي فوق أوتا

ري فسالت على رَبابي سحرا

خفق القلب عند ذكراك يهفو

وعلت في فمي التسابيح تَترى

وجناحي المَهيـض واهٍ مُعَنىَّ

وعلى مخلبي دمــائي حُمرا

رغم دنيا الأذى وغدر زماني

عِشت حراً وسوف أُدفن حرا

أمةٌ أخجلَ الزمان كَراهـا

واعتراها الهوانُ طوراً فطورا

ذَكِّري قومي الغفاة زمانـا

ذكريهم قد تنفع اليومَ ذكرى

وأغاني الجراح أشجى أغانٍ

هدهدتها الآلام عصراً فعصرا

فإذا ما أسكبتُ دمعي لحناً

يوم ميلادكَ الوضيء فعُـذرا

هي ذكراكَ قد أثارت شجوني

هي ذكراكَ يالها اليوم ذكرى

2-الخطب والحفلات: وقد ملأ رجال التمدن فراغاً هائلاً بمحاضراتهم المدوية ووالتي كان على رأسها العلامة البيطار والأستاذان العظمة والخطيب ، إضافة إلى الشيخ علي الطنطاوي والتنوخي والأفغاني وغيرهم …وقد استضافت الجمعية يوماً مولانا أبي الحسن الندوي ليلقي محاضرة لديها وقد أشار إلى ذلك في كتبه …
3- الدروس العامة في مركزها، أو في مساجد دمشق: حيث توزع علماء الجمعية بين المساجد مما كان له أكبر الأثر في طرح فهم واع متمدن للإسلام. وجاء في عدد رمضان لعام ألف وثلاثمائة وأربعة وستون هجرية مايلي:”يلقى باسم جمعية التمدن الإسلامي كل يوم درس بعد العصر في جامع الأحمدية (في سوق الحميدية) وكل ليلة بعد العشاء في جامع المرابط (في المهاجرين)، وتلقى خطبة بعد صلاة الجمعة في جامع عيسى باشا (الدرويشية) فنحث الجمهور على سماع هذه الدروس التوجيهية العظيمة النفع والفائدة”[16]
4- مجلة التمدن الإسلامي: صدر أول أعداد المجلة عام ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين واستمرت إلى عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين قبل أن تفرض ظروف قاهرة تجمدها في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين وقد كتب فيها كبار علماء العالم الإسلامي ومفكريه مما لايمكن استيفاؤه الآن وفقط نذكر على سبيل المثال أسماء العلماء الأساتذة : أحمد مظهر العظمة، محمد بن كمال الخطيب، محمد أحمد دهمان، محمد بهجة البيطار ، ، سعيد الأفغاني ، عز الدين التنوخي ، مصطفى الزرقا، ، سليم الجندي ، محمد كرد علي ، محمد جميل سلطان، أبو الحسن الندوي ، أبو الأعلى المودودي ، علي الطنطاوي ، مصطفى السباعي ، محمد سعيد العرفي ، محمد الغزالي ، ناصر الدين الألباني ، وهبي سليمان الغاوجي ، سعيد رمضان البوطي ، صالح فرفور .. عمر رضا كحالة، عبد الرحمن الخاني، محمد الخضر حسين، محمود شيث خطاب،..صلاح الدين المنجد
وكثيرون آخرون رحمهم الله جميعاً.
يقول شيخ الجامع الأزهر : محمد الخضر حسين ، عندما زار دمشق خلال آخر ربيع الآخر 1356هـ/أوائل تموز 1937م (وأنشئت منذ سنين أيضاً جمعية التمدن الإسلامي ، وحضرات أعضاء جمعيتنا يطلعون على مجلتها (التمدن الإسلامي) ، ويقرأون ماينشر في هذه المجلة من المباحث الدينية والاجتماعية والتاريخية المفيدة ، ومن حضرات أعضائها القائمين بشؤونها الأستاذ حسن الشطي ، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار ، والأستاذ الشيخ علي ظبيان ، والأستاذ أحمد العظمة ، ولهذه الجمعية أيضاً فضل كبير في تقويم سياسة الحكومة متى انحرفت عن سبيل الحق)[17].
5- المطبوعات: لقد بلغ عدد العناوين التي طبعتها الجمعية قريباً من مائة عنوان ، من أوائلها كتاب: تاريخ البيمارستانات في الإسلام وألفه الدكتور أحمد عيسى وأهداه للتمدن وقد قدم له الأستاذ سعيد الأفغاني عضو الجمعية، ومن روائع ماطبعته الجمعية كتاب: حضارتنا للأستاذ العظمة وقد طبع عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين، وهو أعمق وأدق بكثير وأسبق من كتاب : من روائع حضارتنا الذي ألفه العلامة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله. وحرصاً من الجمعية على نقاء الاعتقاد وخلو عقول المسلمين من الخرافات فقد طبعت كتاباً عنوانه: مولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ألفه الأستاذ خير الدين وانلي بإشراف الجمعية وتوجيه الأستاذ محمود مهدي الاستانبولي وملأه بأخبار صفاته وشمائله وما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام ليكون ذكرى صالحة للمؤمن يقتدي فيها بنبيه في كل حين، وقد أضاف إليه الأشعار الجميلة التي سارت بذكرها الركبان، ومنها النشيد الشهير: حطموا ظلم الليالي واسبقوا ركب المعالي
والذي انتشر في سائر العالم الإسلامي، وقد قدم للكتاب ثلة من أهل العلم تمثل أوسع طيف إسلامي، فقرظ الكتاب العلامة أبو الخير الميداني والدكتور أبي اليسر عابدين، والشيخ محمد جميل الشطي، والشيخ أحمد كفتارو والشيخ حسن حبنكة رحمهم الله.
أما الكتيب الأخير الذي نشير إليه فهو كتاب صغير عنوانه : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كلمات بأقلام نخبة من الباحثين والأدباء المسيحيين المنصفين … وقد ذكر الأديب المهجري إلياس قنصل في رسالة خاصة إلى الأستاذ العظمة أنه يعتزم ترجمة أجزاء منه إلى اللغة ألإسبانية.
6-الفتاوى: شارك علماء الجمعية في تقديم آلاف الفتاوى التي تتحرى العقيدة الصافية والدين السمح وتجمع بين ثبات الإسلام ومرونته وأسماء علماء الجمعية ممن رحل إلى الله وممن بقي نفعنا الله بهم شاهدة على مدرستهم وفقههم وما قدموه للأمة من خير.
7- المكتبة: قامت الجمعية باقتناء مكتبة تحوي أمهات المراجع، وجعلتها في خدمة الباحثين والطلاب، “فغدا في المكتبة أكثر من ألف وستمائة كتاب، عدا الكتب المدرسية، والمجلات والصحف العديدة، وكانت المكتبة منهلاً عذباً لبعض الأساتذة والطلاب، وكان من هؤلاء من يرشدون إلى المصادر، ويوجهون في البحوث”[18]، وقد أتحف الكثير من العلماء والمؤلفين المكتبة بنسخ من كتبهم مقرونة بالإهداء[19]، وهناك كتب عليها تواقيع من أهداها تدل على ماكان للجمعية من مكانة بين العلماء والدعاة[20]. ويا للأسف فإن بعض الناس استغل فترة ضعف مرت بها الجمعية منذ أكثر من حوالي عشرين عاماً فسرق بعض ما فيها وضمه إلى مكتبته وكأنه ظن أن الحقوق تضيع عند غيبة أصحابها.
وكانت الجمعية قد صنعت لمشتركي المكتبة بطاقات خاصة، وأوقات محددة لضمان الفائدة.
8-القضايا العامة: لايكاد يوجد قضية عامة لم تشارك الجمعية بحملها بشكل إيجابي، ولقد كانت أول المنبهين إلى خطر السرطان الصهيوني في المنطقة، وشاركت في الضغط على الحكومة الإيطالية لإطلاق سراح بعض المجاهدين وتم الأمر، كما قادت الجمعيات الإسلامية للمطالبة بحق تقرير المصير لكشمير، وغدا الأستاذ العظمة الناطق باسم جمعية العلماء في الخمسينات خلال الحملة الشعبية لفضح الممارسات الاستعمارية الفرنسية وتحرير الشعب الجزائري.
9- المدارس: لا حظ رجال التمدن أن الثقافة الدخيلة من أخطر ما يصيب الأمة فأنشئوا مدرسة التمدن الإسلامي الثانوية وكانت من أرقى المدارس في وقتها، والذي لفت نظري فيها ليس فقط النخبة العلمية التي استلمت التدريس فيها ، بل وجود دروس لتعلم الرسم والموسيقى والرياضة في مدرسة تابعة لجمعية إسلامية يقوم على إدارتها كبار العلماء ، وضمن منهج سليم ليبقى حملة الإسلام على دراية بجماليات الحياة مما تلاحظ انحساره عند الكثيرين ممن يتكلمون عن أمور لم يعرفوها ولم يتذوقوها، وكما قال أحد العلماء يوماً : إن الفنون المنحرفة لايمكن أن تقابل بالصراخ والعويل على المنابر بل لا بد من فنون نظيفة تقوم مقامها.
سبق للجمعية أن أشرفت على عدة مدارس مجانية لمحو الأمية مساهمة من الجمعية في زيادة الوعي والمدنية وإخراج الناس من الجهل، ومن أبرزها مدرسة شكري القوتلي في القدم وكان المرحوم الأستاذ محمد بن كمال الخطيب الرجل الفعال جداً في الموضوع.
10- إعانة الطلاب: أشرفت الجمعية على (الرابطة الأخوية لمساعدة فقراء الطلبة) كما تعلم الكثيرون إما في مدارس الجمعية أو المدارس التي أشرفت عليها الجمعية، ومن كبار العلماء الذين تخرجوا من مدرسة التمدن العلامة الدكتور أديب الصالح .
11-أعمال البر والإحسان: وهي أوسع من أن يحصر الكلام عنها اليوم وشملت فقراء الطلاب ، والمساعدة في بناء المساكن . وتقديم الأدوية والطبابة واللباس والطعام … ومن أطرفها أن دعاة الجمعية كانوا يزورون المساجين في قلعة دمشق فيعلمونهم ويقدمون لهم المساعدة المالية الممكنة.
12- المساهمة في بناء المساجد: حيث شرعت ببناء مسجد في حي الأكراد، بمساعدة شباب من ذوي الغيرة، ومن أهم المساجد التي ساهمت الجمعية في بنائها وضمن الإطار القانوني والموافقات الرسمية مسجد (بلال) .
13- تعريف الغربيين بالإسلام: حيث”عرفت بالإسلام كثيراً من الجماعات والأفراد الغربيين في أوربا وأمريكا بتوزيعها رسالة للأستاذ محمود مهدي سبق أن طبعتها باللغة الإنكليزية للتعريف بالإسلام”[21].
ولفهم الروح الدعوية التي تحملها الجمعية نذكر ماكتبه الأستاذ أحمد مظهر العظمة [22] عن قصة داعية لم يشتهر اسمه بين الناس، ولكن لن يمحى في ديوان العاملين فعله ، وهو الشيخ سعيد القواف والذي كان يعظ حلقة في جامع بني أمية الكبير بدمشق عندما مرت به مجموعة من السائحين الأميركيين[23] فدعاهم إلى الجلوس حوله ، وأخذ يحدثهم عن محبة النبي r للناس كلهم ، ودعوته إلى سلامة الإنسانية كلها ، وأخلاقه r إلى أن قالوا: إنا نؤمن بمحمد ونعترف بعظمته! وغادروه شاكرين ، ثم ترك أحدهم له رسالة جاء فيها : “…. ونرجو أن لاتكون أصبت بسوء بعد مفارقتنا إياك ، إذ ظهر لنا أن حسن الشعور الذي أظهرته نحونا لم يرق لهم [بعض من كانوا في المسجد] ، ولقد امتلأت قلوبنا سروراً عندما رأيناك شديد الغيرة تستمد حديثك من الله تعالى.
كنت أود جداً أن أكتب جميع ماذكرته لنا كي أتلوه على طلاب مدرسة أتولى إدارتها ، فيها أربعة عشر ألف طالب ، وسأقرر لهم ما أذكره مما تفضلت به علينا لكي يخرج من قلوبهم ما أدخل فيها من ضغن على الإسلام بسبب سوء التفاهم ، وإني مستعد لتقديم كل خدمة تطلبها مني … وذلك للغرض العظيم الذي أنت قائم لأجله وهو محبة الناس أجمع.
وعقب الأستاذ العظمة بعبارات منها: … لقد أمسينا في عيشنا الغفول حين أصبحنا لا نشعرأننا جنود سلام نعمل لله وحده ، فمتى نعود جنوداً فلا نبقى عبيداً للنفس والهوى والدخيل”[24].
ومازال بعض أعضاء الجمعية على أتم استعداد لعون كل ضيف وباحث ممن يقصدون الجمعية يبحثون في فكرها عن مدنية الإسلام وصفائه.
إن البشرية تئن حقيقة وتتألم وهي بحاجة لمن يمد لها يد الرحمة فلقد طحنها المفسدون في الأرض ومحوا كرامتها ولابد من منقذ ، فمن تراه يكون غير المؤمنين المصلحين الرحماء.
14- إحياء اللغة العربية: كان للجمعية في أميركة الجنوبية وحدها أكثر من ثلاثمائة مشترك في فترة الخمسينات، وسبب هذا الإقبال مرده إلى ماكانت تقدمه التمدن من زاد للمهاجرين يربطهم ببلادهم ولغتهم إن لم يكن بعقيدتهم ودينهم، حتى إن الأديب المهجري الكبير إلياس قنصل أرسل رسالة بتاريخ 29/9/1975م يطلب فيها إرسال نسخ من كتاب : (النبي محمد r، كلمات بأقلام نخبة من الباحثين والأدباء المسيحيين المنصفين) والذي نشرته الجمعية عام 1964م، مردفاً: “وأغتنم السانحة لأسجل عميق إعجابي بما قمتم به وتقومون من جهود موفقة جبارة لرفع شأن العروبة، وأسأل الله أن يديمكم سنداً لها وتفضلوا بقبول فائق احترامي .. [25]”، وقد قامت الجمعية بإرسال بعض الكتب هدية إليه.
15- النشرات الإصلاحية: ومنها نشرات لتثقيف الحجاج كان توزع في الديار المقدسة ونشرات عن ضرر القمار والربا وغيرها … كما صدرت نشرات بالاتفاق مع الجمعيات الإسلامية الأخرى لمعالجة بعض القضايا المهمة.
16- الاهتمام بالشكاوى الاجتماعية: حيث كان أعضاء الجمعية ولا يزال العديد منهم مفاتيح للخير يقتطعون من أوقاتهم من أجل حل الخصومات وإصلاح ذات البين وإعادة الناس إلى الألفة والسكينة والتراحم.
17- الرعاية الطبية: أسست الجمعية مستوصفاً لها عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين وبقي مستمراً في العمل حتى اليوم ، ونقدر بأنه قد انتفع به مايقارب النصف مليون مريض إلى الآن وبأجور رمزية جداً .. ولدينا اليوم أربع طبيبات يغطين الأمراض الداخلية والنسائية والقلبية والأطفال ، والمعاينة العادية مقدارها فقط ثلاثون ل. س. إضافة إلى المساعدات المادية للفقراء المرضى.
18- العناية بالطفل المسلم: أصدرت الجمعية سلاسل للأطفال باسم: المسلم الصغير ألحقت ببعض أعداد مجلتها، وأصدرت مكتبة الطفل (من سلسلة عظماء الإسلام) وقد خرج منها أكثر من عشرة أعداد ، كما أنها أصدرت بالاتفاق مع أحد الكتاب حكايات حارثة والتي كانت مجلة إسلامية غير مسبوقة للأطفال وصدر منها بضعة أعداد..

خصائص العمل الدعوي والفكري لدى جمعية التمدن الإسلامي: كانت جمعية التمدن المحضن الفكري، والتربة التي أخصبت وتفاعلت مع كافة الأطياف الإسلامية، وتعاملت مع الجميع بروح شديدة الانفتاح، وحاولت أن تلتقي مع كل طرف من خلال مايحمل من إيجابيات لا من خلال مايحفه من السلبيات، وكانت تشجع كل قلم وفي مجلتها نشرت سلسة الأحاديث الضعيفة للمحدث الألباني رحمه الله، وفي مجلتها كتب العلامة البوطي أول مقالة له وكانت بعنوان أمام المرآة. وعلى مائدتها تلاقي الجميع ونشرت الجمعية للجميع مؤمنة بحرية الفكر وضرورة التلاقي وأن ماينفع الناس يمكث في الأرض .
حرصت جمعية التمدن طوال حياتها على العمل العام ، والتزمت بالقانون ولو أجحف بمصالحها ولم يكن فكر التمدن يوماً فكراً تنظيمياً لجماعة ما بل بقي فكراً يستمد من الأمة ويرجع إليها، ونأت الجمعية بنفسها عن الصراعات الحزبية والسياسية ولم يكن لها توجه صدامي أو عنفي أو تكفيري لا في بداياتها ولا في استمراريتها وبقيت دعوتها قائمة على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

جمعية التمدن حملت فكراً سبق وقتها:
هناك أمور تلفت النظر من إدراك رجال التمدن ثوابت الإسلام وواقع الناس وعالمية الرسالة فكانوا أسبق من غيرهم إلى التعامل الإيجابي في العديد من الأمور التي لا يزال جزء من الجسم الديني عاجزاً عن تبين وجه الصواب فيها أو منكمشاً في حيرة لا يدرك السبيل الصحيح فيها.
فمن سوابق الجمعية إدراكها لوازم المواجهة الحضارية وأن مدنية الغرب ليس حلها بالسلاح بل بمدنية راقية تبقي أصلح ماعند الغربيين وتضيف إليهم ركائز الإيمان.
ومن سوابق الجمعية إدراك دور المرأة فأسست لجنة نسائية منذ عامها الأول وتلك سابقة في وسط عم الجهل فيه وكانت تعقد جلساته في منزل عضو الجمعية الدكتور سعيد السيوطي..
ويقول العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار تعقيباً على قوله تعالى : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض .. )[26] : (وصف الله تعالى بهذه الآية المؤمنين والمؤمنات بالولاية ، وفرض عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأعطى حق هذه الولاية بشطريها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ للرجال والنساء على السواء ، ويدخل في هذا إنكارهم على الخلفاء والملوك ورؤساء الجمهوريات والحكومات ، فالذين هجروا هذه الفريضة هم خارجون عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين بهذا الوصف)[27] (وللمرأة الحق كل الحق بأمر الرجل بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وسلامة بيتها من جراثيم الفساد التي يحاول الرجل الشرير أن يلقح بها عياله وأطفاله … فعلى النساء أن يحذرن كل الحذر ، وأن يعلمن حق المرأة في إنكار المنكر…)[28].
وهذا كلام خطير لا يتحمله كثير من الرجال والمتدينين اليوم فما بالك به قبل ثلاثة أرباع قرن من الزمان..
أما المؤرخ العلامة محمد أحمد دهمان فيذكر في مقال له بعنوان : المرأة المسلمة : (إن مما يبهج النفوس ، ويثير العواطف أن نرى المرأة المسلمة آخذة بأسباب الرقي والحضارة ، مصافحة بيمناها القلم ، وباليسرى القرطاس ، تدبج المقالات الرائعة ، والأبحاث القيمة والمقالات المفيدة ، لقد كانت المرأة في عصور الإسلام الذهبية مثالاً للكمال الإنساني ، والترقي الحقيقي ، والعلم الصحيح ، إذ كانت المرأة المسلمة شريكة للرجل في بناء النهضة الإسلامية والتمدن الإسلامي والحضارة الإسلامية ، فقد قامت بواجبها في كل نهضة إسلامية نافعة)[29].
من سوابق التمدن أيضاً انتباهها إلى أنه مامن حضارة إلا ولها فلسفة في الفن والآداب، فعمل رجال التمدن على صياغة منهج إسلامي سليم وجعلوا لتلاميذهم دروساً في الرياضة والرسم والموسيقا … ويقول الأستاذ العظمة: إن للفن أثراً كثيراً في حياة الأمم وحضارتها فهو المرآة التي تنعكس فيها صفات الأمة …وهو موقظ لشعور الأمة الماجدة بتصوير أمجادها في كل نواحي الخير والجمال ، بكل مافي هذه الجملة من معنى ، فليت أنصار الفن التصويري يعنون بالنواحي الموقظة الفنية بدل عناية بعضهم بنواح ذات تأثير دنيئة المقاصد لا تناسب رفعة الفن)[30].
من سوابق التمدن الإسلامي إدراكهم العميق أن شعوب الأرض هي شيء غير أنظمته صلحت أوفسدت فبحثوا في أعماق الفقه والتشريع وبينما كان المناخ العلمي العام لا يذكر للناس في العلاقة مع الأمم والشعوب غير الحرب أو الجزية أو القتال ، كان رجال التمدن يذكرون مايلي: “يظن بعضهم أن الإسلام أو الجزية أو الحرب هي ماينبغي عرضه على الأعداء دون غيرها. مع أنه يجوز شرعاً مصالحتهم على شروط أخرى تكون لصالح المسلمين. فالأمر في ذلك موكول لرأي الإمام القائد”[31].
وعندما ألقى العلامة فارس الخوري كلمة حول الموضوع تعقبته مجلة التمدن فقالت: “لقد ظن العلامة فارس الخوري كما ظن كثير غيره بأن قائد المسلمين ليس له إلا عرض هذه المطالب الثلاثة على المحاربين: الإسلام أو الجزية أو القتال! مع أنه غير مقيد بها دائماً”[32].
ورغم ماكان العالم الإسلامي يعانيه ويعانيه حتى الآن من حرب واعتداء فإن ذلك لا يجوز أن يحرف الإسلام عن رسالته ولا يجوز للمسلمين أن يشربوا أخلاق خصومهم الحربية ،وقد جاء في مجلة التمدن تعليقاً على قوله تعالى: ((فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً))[33] وعند الحديث عن : نشاط الإسلام الحربي ، جاء تحت عنوان :جهادنا وقتالهم :”يظهر لنا من مجموع آيات الكتاب الكريمة الواردة في القتال ، ومن عمل النبي[r] نفسه في سننه ، ومن السيرة ، ومن تاريخ حروبه ، أن الإسلام لا يبيح حرب الاعتداء ، ولا يحل الحرب لعرض الحياة الدنيا …”[34].
من سوابق الجمعية إدراكها ماتفعله الطائفية البغيضة فكانت تحرص على ماتعتقد أنه الحق وحملت دائماً لواء الدليل الصحيح ، والحرص على الكتاب والسنة وفق منهج علماء أهل الشام الذي يجمع بين النص والمقصد ويبتعد عن البدع والخرافات، مع الحرص الشديد على المخالف ومن ذلك :
” زار دمشق للمرة الثانية السيد علي نجل سمو آغا خان ، فتفقد الاسماعيليين المرتبطين من الوجهة المذهبية بوالده ، وتبرع بإنشاء مدارس ، كما تبرع لبعض المؤسسات الخيرية ، والله سبحانه يجزي المحسنين خير الجزاء”[35] ، “فقد قال فيما قاله أن بعض جماعته ابتعدوا عن التعاليم الإسلامية وأنه سيعمل على حملهم على اتباع تلك التعاليم …. وآغا خان اشتهر بأنه من آل بيت النبوة ، فهو إذن أولى الناس بالعودة إلى ماجاء به محمد بن عبد الله r ، وهو أولى الناس بأن يجعل اللغة العربية، التي هي لغة الإسلام الرسمية ، ولغة القرآن الكريم ، ولغة محمد r اللغة الرسمية لجماعته وآل بيته ، وهو أولى الناس بأن يدافع عما أعلن الإسلام تقديسه ….. [وإن] آغا خان حريص على التضامن الإسلامي وعلى إعادة الخلافة الإسلامية ، وهذا مايحملني على أن أتوجه إلى سموه وإلى سمو نجله بأن يعملا لهذا التضامن …. وقد لمس المسلمون أن القطيعة لاتفيد الإسلام والمسلمين شيئاً …. أما الجهاد الأكبر فهو اتحاد مذهبي يعود المسلمون فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ، ويتناسون الفرقة والتعصب الذميم ، وينسون ما وقع في العصور الأولى من حروب ومشاحنات مذهبية لم يفد منها إلا أعداء الإسلام …”[36]
من سوابق الإدراك لعالمية الإسلام ورسالته وواقع الناس وحاجتهم إلى الهداية ما ورد على غلاف الجزئين 14-15 من السنة الرابعة عشرة : تقدم إدارة مجلة التمدن الإسلامي بفخر هذا البحث العلمي الفلسفي الرائع لأمين سرها الأستاذ الحقوقي محمود مهدي الاستانبولي ، وقد جاء فيه بعد التقصي أن العلماء والفلاسفة مهما تاهوا فإنهم في النهاية لايمكن لهم الانفكاك من الاعتراف بالخالق العظيم.. وأنه “ليس في الكون إلحاد مطلقاً “[37] [أي لايوجد إلحاد قطعي بل ضلال وحيرة وأوهام].
ويقول الأستاذ إحسان سامي حقي: (ومهما اختلفت الأسماء وتشعبت المسالك ، وابتعدت أو اقتربت المناهج ، فالحقيقة التي لا مناص للجميع منها أنهم يدورون حول الإسلام يتلمسون بعض أصوله ، فيقرعون بابه ولا يدخلونه حسداً وغروراً)[38] ونختم كلامنا بما قاله العلامة العظمة: (وبدهي أن دعوتنا هذه ترمي إلى حق وسلام …. وهي واضحة كأنها النهار …. وأسلوبنا مُنار بالإيمان ، مؤيد بالتجربة آخذ بالعلم ، مستند إلى العقل ، مراع للمصلحة ، مزدان بالآداب)[39].

التمدن الإسلامي اليوم : من خلال ماذكرناه فإنني أعتقد أن فكر التمدن اليوم أعظم أهمية مما مضى ودوره يبرز بأهمية أكبر والحاجة إليه أعظم ونأمل أن يقدم المسلمون إلى العالم كله الإسلام نظاماً صالحاً ومدنية قائمة على الإيمان.
دمشق / 17 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 2 حزيران 2007م

عقيدة وعمل (عقيدة جمعية التمدن الإسلامي)

أعتقد أن الأمر كله لله تعالى، وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم رسله للناس كافة، وأن القرآن الكريم – آخر كتب الله – وضامن لسعادة الدنيا والآخرة، وكل ما فيه من عالم الشهادة والغيب: كالملائكة والآخرة والجنة والنار… حق لا ريب فيه. وأتعهد بأن أتلو يومياً ما تيسر من القرآن الكريم، وأن أتمسك بالسنة المطهرة، وأن أدرس السيرة النبوية وتاريخ الصحابة الكرام، وأتفقه ما استطعت في الدين.
وأتعهد بأن أكون مستقيماً أؤدي العبادات وأبتعد عن المنكرات، فاضلاً أتحلى بالأخلاق الكريمة وأتخلى عن الأخلاق الذميمة وأتحرى العادات الإسلامية ما استطعت، وأوثر المحبة والود على التحاكم والتقاضي، فلا ألجأ إلى القضاء إلا مضطراً. واعتز بشعائر الإسلام ولغته العربية، وأتعلم وأعمل على بث العلوم والمعارف النافعة في طبقات الأمة.
أعتقد أن المسلم مطالب بالعمل والتكسب المشروع، وأن في ماله حقاً للسائل والمحروم. وأتعهد بأن أعمال لكسب وسائل عيشي، واقتصد لمستقبلي، وأؤدي زكاة مالي وأجعل جزءاً منه لأعمال الخير، وأشجع كل مشروع اقتصادي إسلامي نافع، وأرجح منتجات بلادي وبني ديني ووطني، وأنبذ الربا في أشكاله جميعاً، واستغني عن الكماليات ما أمكنني.
وأعتقد أن المسلم مسؤول عن أسرته، وأن من واجبه أن يحافظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها. وأتعهد بأن أعمل بذلك جهدي وأن أبث أحكام الإسلام في أفراد أسرتي، ولا أدخل أبنائي أية مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم، وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ أحكام الإسلام.
أعتقد أن من واجب المسلم العمل على إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه، وأن راية الإسلام يجب أن تسود البشر، وأن من قصد كل مسلم تربية العالم على قواعد الإسلام.
وأتعهد بأن أجاهد في سبيل أداء هذه الرسالة ما حييت،وأضحي في سبيلها ما استطعت. أعتقد أن المسلمين جميعاً أمة واحدة تربطها العقدية الإسلامية، وإن الإسلام يأمر أبناؤه بالإحسان إلى الناس.
وأتعهد بأن أبذل جهدي لإزالة الجفاء وتوثيق رابطة الإخاء بين جميع المسلمين. أعتقد أن السر في تأخر المسلمين ابتعادهم عن دينهم، وأن أساس الإصلاح العودة إلى تطبيق الإسلام تطبيقاً صحيحاً، وأن ذلك ممكن لو عمل له المسلمين عمله، وأن سعي جمعية التمدن الإسلامي، وما كان على شاكلتها – ومناصرة المصلحين منها ومن سواها المناصرة المرجوة؛ لما يحقق هذه الغاية الرفيعة الغالية.
وأتعهد بالثبات على دعوة الحق كدعوتها، والإخلاص لكل عمل من أعمالها الإسلامية، وأن أظل مناصراً لها ما دامت مخلصة لله
تعالى في عملها.

[1] – وجيه كوثراني ، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين (قراءة في الوثائق) ، بيروت ، معهد الإنماء العربي ، 1980، 163.
[2] – بعقائده: درج قلم ، والأصوب أن نقول: بعقيدته ؛ إذ للمسلم عقيدة واحدة.
[3] – بيان إداري بتاريخ : 1/11/1395هـ الموافق 5/11/1975م وهو مطبوع على الآلة الكاتبة وتوجد مسودته الأصلية بخط الأستاذ أحمد مظهر العظمة رحمه الله ،
[4] – العدد الأول ، السنة الثالثة، 1356ربيع الأول ، هـ/1937م ، ص3-4.
[5] – رايسنر ، 121.
[6] – مكتب الدراسات السورية والعربية، من هو في سورية (1951)، دمشق، مطبعة العلوم والآداب، آب 1951، 593.
وقد جاء في الكتاب أنه من مواليد 1897، وهو مهندس صيانة الأبنية في الأشغال العامة للمنطقة الجنوبية.
[7] – محمد مطيع الحافظ-نزار أباظة، تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، دمشق، دار الفكر، 1412هـ/1991م، 3(المستدرك)، 314 -316.
[8] – انظر الوثيقة :
[9] – مجلة التمدن الإسلامي ، دمشق ، السنة الأولى ، العدد السادس ، شعبان 1354 ، الغلاف الأخير ،
[10] – محمد عدنان سومان (عميد كلية الطب في جامعة دمشق) ، جامعة القاهرة ، محاضرة مع شرائح ضوئية ، 2003. الشريحة 5.
[11] – محمد مطيع الحافظ- نزار أباظة ، تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري ، ج2 ، 763.
[12] – خالد العظم ، مذكرات خالد العظم ، ط3 ، بيروت ، الدار المتحدة للنشر ، 2003م ، 3 ، 220. ويعتقد أن هناك محاولات تزوير اعترض عليها بعض المرشحين منعت من فوز الشخصيات المذكورة.
[13] – من ترجمة خطية بقلم المترجم له وجهها إلى ابن عمه الدكتور عبد الملك الكزبري-رابطة آل الكزبري، بعنوان : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى، وهي موقعة بخط المترجم له بتاريخ: 29 شوال 1417هـ/8 آذار 1997م، وتتألف من عشر صفحات.
[14] – مجلد 14- جزء1-2-3 ، ص 24.
[15] – من قصيدة ألقاها الأديب عبد السلام الجزائري بعنوان: سأظل باسمك الحياة صداحاً في حفل أقامته جمعية التمدن الإسلامي بدمشق ، ونشرته مجلة التمدن في عدد جمادى الأولى 1367هـ/نيسان 1948م.
[16] – التمدن الإسلامي، 11، 13، رمضان المبارك 1364هـ، 183.
[17] – الخضر حسين ، محمد ، جمعه وحققه علي الرضا التونسي ، الرحلات ، دم ، المطبعة التعاونية ، 1396هـ/1976م ، 123.
[18] – نشرة بعنوان: أعمال ومتبرعون لجمعية التمدن الإسلامي، 1376هـ، 4-5.
[19] – منها على سبيل المثال:
[20] – من أهمها:
[21] – نشرة :أعمال ومتبرعونن 1376هـ،6.
[22] – أحمد مظهر العظمة (1911-1982م) ، عالم ومحام ومدرس وشاعر وخطيب ؛ من كبار المفكرين والمربين الإسلاميين في بلاد الشام ، أحد مؤسسي جمعية التمدن الإسلامي وأمين سرها خمسين عاماً ، كان صاحب أخلاق رفيعة ، ولى الوزارة في سورية أوائل الستينات ، ورئاسة هيئة تفتيش الدولة ، وله مؤلفات كثيرة ، وانظر لذلك :
– أحمد العلاونة ، ذيل الأعلام ، جدة ، دار المنارة ، 1418هـ/1998م ، 34.
[23] – حدثت هذه القصة قبل مايقارب سبعين عاماً!
[24] – أحمد مظهر العظمة ، “شيخ يسمع أميركا صوت السلام الإسلامي” ، مجلة التمدن الإسلامي ، دمشق ، 3 ، (3 ، جمادى الأولى 1356هـ) ، 65-66، وقد سقنا الموضوع بتصرف يسير.
[25] – كتبت الوثيقة على الآلة الكاتبة ووقعها الأستاذ قنصل وكتب عنوانه بخطه، وتحته خط الأستاذ العظمة للكتب التي أرسلت إلى قنصل.
[26] – سورة التوبة ، الآية 73.
[27] – العدد الأول ، السنة الثالثة، 1356ربيع الأول ، هـ/1937م ، ص5.
[28] – العدد الأول ، السنة الثالثة، 1356ربيع الأول ، هـ/1937م ، ص6.
[29] – العدد الأول ، السنة الثالثة، 1356ربيع الأول ، هـ/1937م ، ص 10.
[30] – س 10 ، ج1 ، ربيع أول 1363/آذار 1944 ، ص15-16.
[31] – محمود مهدي ، نشاط الإسلام الحربي س 14- ص 169.
[32] – أبي عصام : محمد خير الجعفري؟ ، نشاط الإسلام عند نصارى العرب ،14/207
[33] – المجلد 4 -89
[34] – عبد الرحمن عزام ، ص190 سنة 14 ، جهادنا وقتالهم.
[35] – مجلد 14 – ص96. جزء 6-7 ، رجب 1367هـ /آيار 1948م.
[36] – 14-ص 97.
[37] – محمود مهدي الاستانبولي ، أنا مؤمن بالله ، لماذا؟ ج 14-15 س 14 شوال 1367/آب 1948. ص 238.
[38] – حقي ، إحسان سامي (الإسلام دين البشرية الخالد ) ، مجلة التمدن الإسلامي ، دمشق ، السنة الثالثة ، العدد الأول ، ربيع الأول 1356هـ/ 1937م ، ص 12.
[39] – س10 ع 1 ، ص 3.

كُتب في من كنوز التمدن الإسلامي, منائر | التعليقات على رحلة التمدن الإسلامي مغلقة

الملك العاري والنساج المحتال – 2007-06-01

في ذاكرتي من أيام المرحلة الابتدائية قصة من أمتع وأفيد ما قرأت، وهي قصة (الملك العاري والنساج المحتال) .. والتي تتحدث عن ملك ساذج، وجد نساج محتال طريقاً إليه وأقنعه بأن يصنع له ثياباً نفيسة (وبالطبع مكلفة جداً) و ذات ميزة عظيمة وهي أن الأغبياء وحدهم لا يرونها!
صدق الملك قليل الخبرة كلام النساج وفي اليوم الموعود اجتمع أركان الدولة في القصر العظيم، بعدما أُمر الشعب المسكين بالاحتشاد لإظهار الفرحة بالثياب العظيمة لمولانا الملك!
أمام الجميع وفي القصر بدأ النساج المحتال بخلع ثياب الملك قطعة قطعة وإلباسه بدلاً عنها ذلك القماش المزعوم، وبدأ تهريج الحاشية: ماشاء الله يامولاي، شيء عظيم.. ثياب رائعة … ولم يصدق كبير الحكماء عينيه فقد بدأ الملك يتحول إلى رجل عارٍ ، ولكنه (كما هي عادة المنافقين) خشي أن يقول الحق.
الملك نفسه بدأ يشك بنفسه فهاهي ثيابه تخلع عنه قطعة وراء أخرى ولا بديل عنها! ولكن الملك قال في نفسه بين حشود المنافقين: هل من المعقول أن الكل يراها! وأنا .. فقط .. أنا الذي لا يراها! هل يعني ذلك أنني الغبي الوحيد هنا! ثم التفت فجأة نحو كبير حكمائه قائلاً بزهو الأغبياء: مارأيك ياكبير الحكماء؟ ولم يكن ذلك الكبير يرى إلا العري القبيح ولكنه شهق قائلاً: مولاي ماهذه الثياب المدهشة بالفعل إنها شيء لا يصدق، والتفت برأسه نحو النساج المحتال قائلاً بضيق مكتوم: إن النساج الذي صنع هذه الثياب الباهرة لجد ماهر ومتقن!
النساج المحتال رد على كلام كبير الحكماء بانحناءة رأس ماكرة! وتعالت صيحات الإعجاب … الكل أقسم أنه لم ير مثل تلك الثياب من قبل، والكل جزم بأن الملك موفق جداً في اختيار نساجه المبدع، والكل أصر أن تلك الثياب لائقة جداً جداً بالملك ..
حياة النفاق جعلت كل أفراد البلاط يسكتون، و لأن تلك الثياب البديعة وحدهم الأغبياء لا يرونها وخشية أن يتهم واحدهم بالغباء رضي الجميع بأن يباع الملك دون ثمن ..
وأخيراً أصبح الملك عارياً حتى من ورقة التوت التي تغطي عورته … فقد ألبسه النساج بدل كل قطعة خلعها عنه قطعة أخرى بديعة الصنع ،ووحدهم الأغبياء لا يرونها!! وصار الملك يوزع ابتساماته البلهاء بين الحضور … وهم يبادلونه الحماس .. حتى أن رئيس صناديق المملكة قد تأثر لدرجة البكاء وهو يتحسس طرف العباءة المزيفة التي يرتديها الملك صارخاً بانفعال شديد: شيء لا يصدق .. لا يصدق أبداً يا مولاي … أهنئكم على هذا الذوق الرفيع..
نظرات الافتتان والتقدير بُذلت من الحاشية دون حساب وصيحات الإعجاب بدت مثل سيل هادر انتقل زخمه إلى القطيع الموجود خارج القصر الذي كان ينتظر على أحر من الجمر طلة الملك البهية مرتدياً ثيابه الذكية (كشافة الأغبياء) والتي أصبحت حديث كل لسان..
وأخيراُ فتح باب القصر وأطل الملك بعريه الكامل لتحييه الجماهير .. فقط ثوان من الذهول اعترت القطيع الكبير ثم ما لبثت أن تبدلت إلى نشوة عارمة عندما صاح أحد المرتزقة .. فليحيا مولانا الملك بثيابه العظيمة… ورددت الجماهير المحتشدة: فليحيا الملك .. وثيابه العظيمة …
ومثل البرق سرت الصيحات: أوه … شيء رائع شيء عظيم … جميل مدهش .. فتان … لا يصدق … بل إن التأثر بلغ بالبعض إلى حد الإغماء … بينما قام الباقون بالدبك بكل قوة تعبيراً عن الامتنان والشكر الدفين الذي يكنه القطيع الكبير في أعماق فؤاده لمولانا الملك ..
كل فرد من الحاشية أو الرعية، بل الملك نفسه أخذ يتساءل: ماهذا الحظ التعيس .. حتى أكون أنا وحدي الغبي الذي لا يرى تلك الثياب المدهشة .. وهز الملك رأسه بحيرة بالغة .. وكاد يبكي لكنه تجلد وعاد يتبادل التحيات مع شعبه … ويلوح لهم بقبضته: نعم .. أيها القطيع الرائع … حتى آخر قطعة ثياب ..
العربة المكشوفة سارت بين الجماهير المكتظة … والكل يصفق ويدبك ويرقص … وفجأة حصل مالم يكن في الحسبان …

كان هناك طفل في العاشرة ينتقل مع القطيع وقد شاهد الموكب من أوله … وبدأت الحيرة والشك يتسللان إليه، ولكنه جمع كل قوته ليصعد على عمود عال، ثم استجمع كل شجاعته ليصرخ بصوت اخترق كل ضجيج الراقصين والدبّاكين : أيها الكذابون … إن الملك لا يرتدي أية ثياب!! إن الملك عار … الملك عار ..
ومثل سريان النار في الهشيم دبت الصيحة في القطيع … وكأن بقايا العقل القديم الذي كان فيه قد استيقظ ففر الناس هائمين على وجوههم … وحتى الحاشية المذعورة أصابها الذهول ففرمعظمها وكل فرد منها فتح فمه حتى النهاية وفي عينيه بريق دهشة ممتزجة برهبة الحقيقة المرة ..
بعض الماكرين وقفوا قريباً من عربة الملك وهم يقهقهون وقد أمسكوا خواصرهم من شدة الضحك .. وأحدهم ضرب يده على جبهته وهو يكاد يتمزق من المفارقة العجيبة ..
لم يجد الملك شيئاً يستر به عورته … وحدهم بعض الأتقياء غضوا من أبصارهم احتراماً للملك بينما كان بعض أفراد الحاشية الخبيثة يحملقون بشراهة …

الملك العاري ليس شخصاً في الدول الممحوقة بل ظاهرة .. ومنذ فرعون الأول بدأ العري يدب إلى الملوك وكل منهم يظن أنه قادر على البقاء في ثيابه محترماً موقراً …
لم يفكر أحد ولم يخطربباله أن ماكانت تفعله الحاشية بالمواطنين من تعذيب وتعرية جسدية أو نفسية سوف تفعله بدناءة أكبر مع الملك نفسه …

شاه إيران .. رجل أميركة في المنطقة وضابط الإيقاع … عندما حانت نهايته اشترك الجميع في تعريته والأسبق كانوا هم أسياده الذين أرادوه أن يبقى عارياً حتى من قبر صغير يستر فيه جسمه الفاني فرفضوا أن يدخل أراضيهم، حتى حن عليه أحد رفقاء دربه فمن عليه بمترين من التراب يستران عورته .
هيلا سيلاسي .. وتشاوشيسكو … وصدام … ومن كان قبلهم ومن سيأتي بعدهم حقيقة هم مساكين .. هم وأمثالهم دائماً ينحتون في الشعوب .. وكان الشعب ينحت لهم النهاية كما يريد هو .. يد القمع وكم الأفواه لم تسمح له أن يقول مايريد، ففعل مثلما يريدون، وفي هستيريا جماعية كان يدبك ويرقص ويزمجر باللافتات في وجه الأعداء .. لكنه كان يسن أسنانه كي ينهش من ظلموه .. وقد رأى الناس على الشاشات حاكم العراق قبل هجوم القوات الأميركية وهو يمسك شيئاً معدنياً مستديراً يزعم أنه صاعق قنبلة ذرية … وهجم الأعداء أخيراً … فبقي أكثر الشعب الذي كان يدبك واقفاً يتفرج بل ويشمت … ومن باعه ليسوا أبداً أولئك البؤساء الذين غصت بهم السجون وعاشوا وشربوا الذل حتى آخر قطرة … فدائماً من أعماقهم تنبعث الغيرة والشهامة والكرامة .. ولكن الباعة هم المقربون .. وفي مقدمهم ابن عمه … قائد الحرس الجمهوري العظيم!

ليس في الأمر دعابة، ولم يعد عري الحاكم اليوم مجرد ثياب تنتزع منه بالحيلة، أو مجرد أمر معنوي، لأن أكثر الحكام العرب والمسلمين ليست لهم ثياب أصلاً، وهم ولدوا عراة من كل شرعية، ولن يجدوا شيئاً يلبسونه فكل ثيابهم صنعها نساجون محتالون، وحاشية منافقة، وقد فرضوا أنفسهم فرضاً والشعوب تصفق وتدبك! أما في الأعماق … فسل التاريخ القريب يذهلك مافيه.

لست أبالي كثيراً بأصحاب المصالح الدنيوية، فطبيعة الاحتيال الدنيوي تملي عليهم النفاق الدائم، وربما يساكنهم الرعب المبين من الحكام وأزلامهم، ولكني مذهول حقاً ممن يلبسون العمائم البيضاء الطاهرة فتستحيل على رؤوسهم قطعاً من الفحم الأسود، وأنا أعتقد لو أن بعضهم عاند الحاكم لا حباً في العناد بل إصراراً على مصلحة الأمة والدولة والشعب والحاكم لنجا الجميع من مآزق لا تظهر آثارها إلا بعدما يكون الوقت قد فات لإصلاحها.

زعم أحدهم زوراً يوماً أن الملك فاروق ينحدر من السلالة النبوية الطاهرة … ومضى فاروق وبقي صاحب العمامة الكذوب عبرة لأهل الاحتيال والنفاق.
وقام أحدهم معقباً على كلمة أحد الحكام فقال : لقد اهتز عرش الرحمن لكلمة الرئيس القائد …. وسكت الجميع بين منافق أو غبي أو جبان، وكأن الإسلام سوف يموت إن مضى واحدهم للقاء الله سعيداً شهيداً… ومكر الجالسون جميعاً بالرئيس المغرور، ثم دارت الأيام وأعدم السيد الرئيس القائد … بحبل ملفوف حول عنقه وفي مكان لا يليق إلا بعصابات الإجرام والأشقياء، وبقي بعض من غشوه ينتشرون في الأرض هنا وهناك يبحثون عن صيد آخر يفترسونه ويبيعونه المكر والنفاق.

وحصلت مرة مواجهات مسلحة بين جماعة إسلامية وإحدى الحكومات فلم يكن دور بعض العلماء حل الإشكالات ولا تعطيف قلوب الحكام على التائهين من الشباب، ولا رد الشباب إلى الصواب، بل كانوا أسبق من الحكام في التنكيل فلم يعطوا أبناء الإسلام حتى صفة البغي ، بل أعلنوا أن حد الحرابة هو الذي يجب أن يطبق على الشباب المسلم، وغمسوا أيديهم في دماء الأمة بما لم تنغمس به يد حاكم ولا فرعون.
ربما يجد الحكام مبررات لهم إن اتخذوا الحزم (الذي ترضاه الشريعة ويبيحه القانون ويليق بكرامة ابن آدم ) في بعض المواطن فقد تضيع دولة بكاملها من وراء التهاون في بعض الأمور، ولكن الذي لا يفهم أن ينبري بعض أصحاب العمائم فيكونوا ملكيين أكثر من الملك، ويقدموا من المبررات مالا تحلم به دولة ولاحاكم، ويكون عملهم هو التهريج والكذب وكتمان الحق، أما حقوق الإنسان وعدالة القانون وإيقاف النهب والسلب للأموال العامة ومنع الرشوة والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ورد المظالم وإلغاء سيطرة الحزب الواحد فقد تعافوا من ذلك تماماً وتركوا ذلك لغيرهم، وقد كانوا الأجدر في الريادة فيه.
لقد قام أحدهم مرة (وعمامته بحاجة إلى جمل صغير ليحملها) فقال : إن الله قد حبس الأنبياء فيونس صار في بطن الحوت، ويوسف في الجب!! فإذا اعتقلت الدولة بعض المواطنين فماهي المشكلة!
ويتناقل الناس أن أحدهم قال مخاطباً أحد الحكام: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله … ) وبحثت في كل التفاسير التي وصلت إليها يدي لأجد شبهة تدفع ما هو قريب من الكفر بهذه الجراءة على الله فلم أجد، إذ أن الآية خاصة بالنبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز أن تقال لعمر بن الخطاب ولا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأرضاهما.

لا ألوم الحاكم الذي يمتلئ بالغرور إن سمع أشباه ذلك الكلام، فهو بشر والنفس أمارة بالسوء، ولكني ألوم تلك العمائم التي تتزلف بالليل والنهار وتبيع الحاكم والمحكوم، وهي تماماً أسوأ جزء من الحاشية الفاسدة، لأن الحاكم مهما انحرف، ومهما كانت حاشيته فاسدة، فإنه في أعماق قلبه يميل إلى سماع رأي أهل العلم والدين، وتطمئن نفسه إن وجد في كلام بعض أهل العلم له سنداً، فإن كان بعضهم هم النساجون المحتالون، فاقرأ على الدولة والأمة والحاكم والمحكوم كلهم السلام!

لم يعد أي حاكم اليوم معبراً عن نفسه، بل إن أي تصرف ينعكس بشكل إيجابي أو سلبي على كل الناس، وانظر إلى رعونة صدام ، فقد رضي أن يدمر العراق تدميراً، ولم يرض أن يتنازل عن الحكم للأمة، أو يؤسس لحكم جماعي يتآلف به الناس، بل بقي يكابر ويغتر بمن يدبكون ويصرخون ويرقصون، وظل يتحدث عن النشامى .. والماجدات … وحاشيته تزين له النصر والقوة والتمكن، وحب الشعب اللاهب له، وسوس الفساد والظلم ينخر في الأمة … وهو يدري أو لا يدري .. وربما لو تقدم بين يديه جمع من العلماء يذكرونه (مهما غضب) ويصرون على رجعته مهما ابتعد (ولو سجنهم .. وحتى لو أعدمهم) … إذاً لو فروا لا على العراق، بل على أمة الإسلام شراً مستطيراً، ولحموا وحدة أهل العراق، ودين وكرامة واستقلال أهل العراق، بل بلاد المسلمين كلها. ومهما كانت ضريبة الحرية غالية فإن ضريبة الذل أفدح بكثير ..

للإمام الغزالي لفتات عظيمة ومنها قوله أن الإنسان بحاجة إلى عدو مشاحن أكثر من حاجته إلى صديق مداهن .. وذلك لأن المشاحن يعين على إصلاح النفس، والمداهن يزكيها كل لحظة، بل ويمنع من رؤية عيوبها فيزداد الخلل وتتسع الثغرات.

كلنا يجب أن يكون ذلك الطفل الذي يصرخ .. وربما كانت صرخاته هي منفذ النجاة الوحيد، وعلينا أن لانموه الأمور أو نغير من حقائقها، وحرصاً على أن لا يكون هناك نساج محتال، فلنرفع أصواتنا متكلمين عن الحق، غير آبهين بالباطل، ولتأخذ الأسماء حقائقها ، ولنقل للمنافق أنه ينافق، وللمزاود أنه مزاود . ولنحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله إلينا، ومن ضياع الحق على أيدينا …

يجب أن نكون مع ذلك الصبي الشجاع ولا نسمح للحاشية المنافقة بتعرية أحد، حاكماً كان أم محكوماً، فالعري اليوم هو كشف للغطاء السياسي والدولي عن الدولة، وتخريب للاستقرار ونحت في تماسك الأمة، وإيقاد لمشكلات نحن في غنى عنها، والبعض لا يهمه كل ذلك مقابل مكاسب هزيلة ، ومن يتسلقون اليوم على أكتاف الأمة، ويبيعون دينها بثمن بخس دراهم معدودات كي تتم تزكيتهم في توزيعات المناصب القادمة، هم أكثر الناس بيعاً للبلاد والعباد، ولا دين لمن لا أمانة له، ومن يعلم أن الإسلام دين التوحيد وأن جماليات الإيمان وخصوصيات الفن الإسلامي تمنع من وضع صور لأحد على جدران المساجد ثم بعد ذلك يعلقونها فهم يبيعون الدين للحكام ويبيعون الحكام للناس، ويبيعون الناس والأمة للشيطان.

قال تعالى:
– (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). سورة البقرة- 79.
– (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) سورة البقرة – 159.. صدق الله العظيم

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني
16 جمادى الأولى 1428هـ/ 1 حزيران 2007

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على الملك العاري والنساج المحتال – 2007-06-01 مغلقة

أمك … وأبوك …

ضاق صدر يحيى أصغر أفراد أسرته من إلحاح أمه التي تجاوزت الثانية والثمانين من العمر فقد كانت تسأل عن كل أمر عدة مرات ، وفي أحد الأيام وبينما هما يتناولان الطعام ، وإذا بصوت غريب يصدر قرب النافذة المفتوحة فقالت الأم : ماهذا الصوت ؟
قال يحيى : إنه صوت غراب!
قالت الأم: لم أفهم! ماذا قلت؟
إنه غراب يا أمي! قلت لك إنه غراب!
لم أسمعك جيداً! ماهذا الصوت؟
كاد يحيى ينفجر وهو يقول بضيق: كم مرة سأضطر للجواب! إنه غراب .. غراااااب …
بصعوبة أشارت الأم بيدها إلى مصنف قديم في خزانة الكتب .. وطلبت من ابنها أن يعطيها إياه! فأحضره بضجر وخصوصاً أن الغبار يعلوه! قائلاً: هل هو من مصنفات المرحوم أبي …
تجولت أصابع الأم المرتعشة بين الأوراق … إلى أن استقرت عند صفحة ما فأخذت تتأملها من خلال نظارتها السميكة … ثم قالت بصوت خافت: إقرأ …. يا بني …
نظر يحيى إلى المصنف فوجد كتابة قديمة تعلوه وتذكر أنه يضم أحلى الذكريات، إن عمر هذا المصنف يقارب عمر يحيى أي أربعين عاماً تقريباً.
بدأ الابن يقرأ : اليوم أكمل ابننا يحيى سنته الرابعة وها هو يمرح ويركض في الحديقة هنا وهناك وبينما كنا نحتفل به حصل أمر غريب إذ حام غراب في طرف الحديقة وصار يصدر بعض الأصوات…. فسألني ابني ما هذا الصوت؟ فقلت له إنه غراب فعاد وسألني نفس السؤال ثلاث عشرة مرة ثم انتقل إلى أبيه فسأله نفس السؤال خمس عشرة مرة .. وكلما قلنا له إنه صوت غراب عاد فكرر السؤال وكأنه لم يسألنا من قبل … وكنا نحضنه ونقبله وسرورنا لا يوصف ..
لقد كنا سعداء جداً في ذلك اليوم وتمت سعادتنا بتلك الأسئلة التي صار يحيى يصر على إعادتها … إنها مسؤوليتنا أن نجيب على كل سؤال يطرحه أولادنا ولو كرروه مئات المرات …
ارتجف يحيى من رأسه إلى قدميه ونظر إلى أمه فلم ير وجهها الذي غطته بيديها …
لم يستطع أن يتكلم فقد خنقته دموعه .. ولم ير أمامه إلا لوحة كبيرة كتب عليها قول الله تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ َتَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَن عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ّ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) صدق الله العظيم

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على أمك … وأبوك … مغلقة

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

قام بعض الإخوة الأفاضل بتلخيص كتاب مولانا أبو الحسن علي الحسني الندوي :ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ومازالت تلك المعاني بحاجة إلى التأمل والإضافة والتعميق، وحبذا لو تدارس الإخوة المهتمون هذا الملخص فيما بينهم وأضافوا إليه ماتشهده البشرية من تطورات تشي بحاجتها إلى منهج جديد يقودها بعد أن تعبت واستنزفت من المناهج العكرة التي لم تجلب لها إلى الشقاء.

الباب الأول
العصر الجاهلي

الفصل الأول
الإنسانية في الاحتضار

كان القرن السادس والسابع (لميلاد المسيح) من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف ، فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون ، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي ، وكأنَّ الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه ،وفقد قوة التمييز بين الخير والشر ، وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن ، وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة ، ولاذوا إلى الأديرة والكنائس ، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا . وإن الإنسانية لا تشقى بتحول الحكم والسلطان من فرد إلى فرد آخر من جنسه ، أو من جماعة إلى جماعة أخرى مثلها في الجور والاستبداد وحكم الإنسان للإنسان ، بل بالعكس تقتضي ذلك سنة الكون .
بل إن كثيراً من هؤلاء السلاطين والأمم كانوا منبع الفساد والمرض في جسم المجتمع البشري فكان لا بد من عملية جراحية ، وكان قطع هذا الجزء السقيم وإبعاده من الجسم السليم مظهراً كبيراً لربوبية رب العالمين ورحمته { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ولكن لم يكن انحطاط المسلمين وزوال دولتهم انحطاط شعب أو عنصر أو قومية ولكنه انحطاط رسالة هي للمجتمع البشري كالروح .
فهل كان انحطاط المسلمين واعتزالهم في الواقع مما يأسف له الإنسان ، وبعد قرون مضت على الحادث ؟
وهل خسر العالم حقاً- وهو غني بالأمم والشعوب- بانحطاط هذه الأمة شيئاً ؟ وفيم كانت خسارته ؟
وماذا آل إليه أمر الدنيا ، وماذا صارت إليه الأمم بعدما تولت قيادها الأمم الأوروبية حتى خلفت المسلمين في النفوذ العالمي ، وأسست دولة واسعة على أنقاض الدولة الإسلامية ؟ وما أثر هذا التحول العظيم في قيادة الأمم وزعامة العالم في الدين والأخلاق والسياسة والحياة العامة وفي مصير الإنسانية ؟
وكيف يكون الحال لو نهض العالم الإسلامي من كبوته وصحا من غفوته ، وتملك زمام الحياة ؟
ذلك كله ما نحاول الإجابة عنه في الصفحات الآتية ! …

أبو الحسن علي الحسني الندوي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟

لم يكن انحطاط المسلمين أولاً ، حادثاً من نوع ما وقع وتكرر في التاريخ من انحطاط الشعوب والأمم ، ولكن هذا الحادث كان غريباً لا مثيل له في التاريخ . مع أن في التاريخ مثلاً وأمثلة لكل حادث غريب .
نظرة في الأديان والأمم :
أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين ، حتى فقدت روحها وشكلها ، وأصبحت مهود الحضارة والسياسة مسرح الفوضى لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة.
المسيحية في القرن السادس المسيحي :
لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل والوضوح بحيث تقوم عليه حضارة ، ولكن كان فيها أثارة من تعليم المسيح ، وعليها مسحة من دين التوحيد البسيط ، فجاء بولس فطمس نورها ، وقضى قسطنطين على البقية الباقية ، حتى أصبحت النصرانية مزيجاً من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية والرهبانية ، مكونة من معتقدات وتقاليد لا تغذي الروح ، ولا تمد العقل ولا تشعل العاطفة ، بل أصبحت تحول بين الإنسان والعلم والفكر ، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية .
الحرب الأهلية الدينية في الدول الرومية :
ثم ثارت حول الديانة وفي صميمها مجادلات كلامية، وسفسطة من الجدل العقيم شغلت فكر الأمة ، واستهلكت ذكاءها ، وتحولت في كثير من الأحيان حروباً دامية وقتلاً وتدميراً . وحاول الإمبراطور هرقل (610-641) بعد انتصاره على الفرس سنة 638 جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها ، وأراد التوفيق ، وفي صدر عام 631 حصل وفاق على ذلك وصار المذهب المنوثيلي مذهباً رسمياً للدولة ، ولكن القبط نابذوه العداء وتبرؤوا من هذه البدعة ، وصمدوا له واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة ، ووقع اضطهاد فظيع على يد قيرس في مصر واستمر عشر سنين ، وقع خلالها ما تقشعر منه الجلود.
الانحلال الاجتماعي والقلق الاقتصادي :
بلغ الانحلال الاجتماعي غايته في الدولة الرومية والشرقية ، وعلى كثرة مصائب الرعية ازدادت الإتاوات . حتى أصبح أهل البلاد يتذمرون من الحكومات . وقد هلك عام 532 في الاضطراب ثلاثون ألف شخص في العاصمة(13) . وعلى شدة الحاجة إلى الاقتصاد في الحياة أسرف الناس فيه. وأصبح الهمّ الوحيد اكتساب المال من أي وجه ، ثم إنفاقه في إرضاء الشهوات . وذابت أسس الفضيلة . وانهارت دعائم الأخلاق .
مصر في عصر الدولة الرومية ديانة واقتصاداً : كانت مصر في القرن السابع من أشقى بلاد الله بالنصرانية، وبالدولة الرومية معاً ، أما الأولى فلم تستفد منها إلا خلافات ومناظرات في طبيعة المسيح ، وأما الأخرى فلم تلق منها إلا اضطهاداً دينياً فظيعاً واستبداداً سياسياً شنيعاً ، فألهاها ذلك عن كل وطر من أوطار الحياة.
هذا ، وقد اتخذها الروم شاة حلوباً يريدون أن يستنزفوا مواردها . وهكذا اجتمع لمصر من الاضطهاد الديني ، والاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي ما شغلها بنفسها ، وكدر عليها صفو حياتها ، وألهاها عن كل مكرمة .
الحبشة : أما جارتها الحبشة فكانت على المذهب (المونوفيسي) كذلك ، ولم تكن في الدين بذات روح ، ولا في الدنيا بذات طموح .
الأمم الأوروبية الشمالية الغربية : أما الأمم الأوروبية المتوغلة في الشمال والغرب فكانت تتسكع في ظلام الجهل المطبق ، والأمية الفاشية ، والحروب الدامية ، وكانت بمعزل عن جادة قافلة الحضارة الإنسانية ، ولم تكن بذات رسالة في الدين ، ولا بذات راية في السياسة .
اليهود : وكانت هي أغنى أمم الأرض مادة في الدين ، وأقربها فهماً لمصطلحاته ومعانيه ، ولكن لم يكونوا عاملاً من عوامل الحضارة والسياسة أو الدين يؤثر في غيرهم ، وقد أورثهم تاريخهم الخاص وما تفردوا به بين أمم الأرض من العبودية الطويلة والاضطهاد الفظيع والكبرياء القومية ، والإدلال بالنسب ، والجشع وشهوة المال وتعاطي الربا.
بين اليهود والمسيحيين : وقد تجدد في أوائل القرن السابع من الحوادث ما بغضهم إلى المسيحيين ، وبغض المسيحيين إليهم وشوه سمعتهم .
إيران والحركات الهدامة فيها : أما فارس التي شاطرت الروم في حكم العالم المتمدن فكانت الحقل القديم لنشاط كبار الهدامين الذين عرفهم العالم ، كان أساس الأخلاق متزعزعاً مضطرباً منذ عهد عريق في القدم .
تقديس الأكاسرة : وكانت الأكاسرة ملوك فارس يدَّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي .
التفاوت بين الطبقات : وكذلك اعتقادهم في البيوتات الروحية والأشراف من قومهم ، فيرونهم فوق العامة في طينتهم وفوق مستوى الناس في عقولهم ونفوسهم .
تمجيد القومية الفارسية : يرون أن لها فضلاً على سائر الأجناس والأمم.
عبادة النار وتأثيرها في الحياة : كانوا في الزمن القديم يعبدون الله ويسجدون له ، ثم جعلوا يمجدون الشمس والقمر وأجرام السماء ، ثم تدرج الناس إلى عبادة النار.
وهكذا حُرِمت الأمة الفارسية في حياتها ديناً عميقاً يكون تربية للنفس ، وتهذيباً للخلق، وقامعاً للشهوات ، وأصبح المجوس لا فرق بينهم وبين اللادينيين في الأخلاق والأعمال .
الصين ديانات :
وكانت تسود الصين في هذا القرن ثلاث ديانات . ديانة ” لا وتسو” وديانة “كونفوشيوس” والبوذية ، أما الأولى فقد كان أتباعها متقشفين زاهدين ، لا يتزوجون ، أما “كونفوشيوس” فقد كان يعني بالعمليات أكثر من النظريات ، ولكن انحصرت تعاليمه في شؤون هذه الدنيا.
البوذية-تطوراتها وانحطاطها : فقدت البوذية بساطتها وحماستها ، وابتلعتها البرهمية الثائرة الموتورة فتحولت وثنية تحمل معها الأصنام حيث سارت. وتنصب تماثيل بوذا حيث حلت .
إذن فلم تكن عند الصينيين رسالة دينية للعالم يحلون بها مشاكله ، وكانوا في أقصى شرق العالم المتمدن محتفظين بتراثهم الديني والعلمي، لا يزيدون في ثروتهم ولا في ثروة غيرهم.
أمم آسيا الوسطى :
أما الأمم الأخرى في آسيا الوسطى وفي الشرق ، كالمغول والترك واليابانيين ، فقد كانت بين بوذية فاسدة ، ووثنية همجية .
الهند : ديانة ، واجتماعاً ، وأخلاقاً .
أما الهند فقد اتفق على أن أحط أدوارها ديانة وخلقاً واجتماعاً ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي ، وامتازت عن جاراتها في ظواهر وخلال يمكن أن نلخصها في ثلاث: (1)كثرة المعبودات والآلهة كثرة فاحشة. (2) الشهوة الجنسية الجامحة . (3) التفاوت الطبقي والمجحف والامتياز الاجتماعي الجائر .
مركز المرأة في المجتمع الهندي : وقد نزلت النساء في هذا المجتمع منزلة الإماء(65) ، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار ، وكان في بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج(66).
العرب : خصائصهم ومواهبهم :
أما العرب فقد امتازوا بين أمم العالم وشعوبه في العصر الجاهلي بأخلاق ومواهب تفردوا بها . ولكن ابتلوا بانحطاط ديني ووثنية سخيفة وأدواء خلقية واجتماعية جعلت منهم أمة منحطة الأخلاق فاسدة المجتمع حاوية لأسوأ خصائص الحياة الجاهلية وبعيدة عن محاسن الأديان .
وثنية الجاهلية : كان الشرك هو دين العرب العام والعقيدة السائدة ، ومع أنهم كانوا يؤمنون بوجود الله إلا أن عقولهم لم تسع فكرة الوحدانية ، فبحثوا لهم عن وسطاء توسلوا بهم إلى الله وأشركوهم في الدعاء . ثم ترقوا في الشرك فاتخذوا من دون الله آلهة .
أصنام العرب في الجاهلية : وهكذا انغمست الأمة في الوثنية بأبشع أشكالها ، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص ، بل كان لكل بيت صنم خصوصي .
الآلهة عند العرب : وكان للعرب آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب .
اليهودية والنصرانية في بلاد العرب : وانتشرت اليهودية والنصرانية في بلاد العرب ، ولم تستفد منها العرب كثيراً من المعاني الدينية ، وكانتا نسختين منهما في الشام وبلاد الروم.
الرسالة والإيمان بالبعث : تصور العرب للنبي صورة خيالية ، وتمثلوه في ذات قدسية .
الأدواء الخلقية والاجتماعية : كانت فيهم أدواء وأمراض متأصلة ، وأسبابها فاشية ، فكان شرب الخمر واسع الشيوع . وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهلية . وانتشر الربا والزنى .
المرأة في المجتمع الجاهلي : كانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن ، تؤكل حقوقها وتُبْتز أموالها وتُحرم إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه(88) وتورث كما يورث المتاع أو الدابة(89). وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد .
العصبية القبلية والدموية في العرب : كانت العصبية القبلية والدموية شديدة ، وكان أساسها جاهلياً تمثله الجملة المأثورة عن العرب : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً )) فكانوا يتناصرون ظالمين أو مظلومين . وكانت في المجتمع العربي طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها ، وكان الحرب والغزو مما طبعت عليه طبيعتهم العربية ، وألهمتهم إياه معيشتهم البدوية .
ظهر الفساد في البر والبحر : وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج ، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء .
لمعات في الظلام: كان النور الضعيف الذي يتراءى في هذا الظلام من بعض الأديرة والكنائس أشبه بالحباحب الذي يضيء في ليلة شديدة الظلام فلا يخترق الظلام ، ولا ينير السبيل .

الفصل الثاني

النظام السياسي والمالي في العصر الجاهلي

الملكية المطلقة : كان العصر الجاهلي مسرحاً للحكم الجائر المستبد والملكية المطلقة .
الحكم الروماني في مصر والشام : كانت الولايات الرومية والفارسية غير مرتاحة في حكم الأجانب، وكانت الأحوال السياسية والاقتصادية مضطربة حتى في مراكز الدولة وعواصمها .
نظام الجباية والخراج في إيران : لم يكن النظام المالي والسياسة المالية في إيران عادلة مستقرة بل كانت جائرة مضطربة في كثير من الأحوال .
كنوز الملوك ومدخراتهم : ولم يكن ما ينفق على أهل البلاد في إيران من مالية الدولة شيئاً كثيراً . وقد اعتاد ملوك إيران أن يكتنزوا النقود ويدخروا الطرف والأشياء الغالية(112) .
الفصل الشاسع بين طبقات المجتمع : كان الغنى لأفراد معدودين والفقر لمعظم الأهلين .
الفلاحون في إيران : أثقلت الضرائب المتنوعة المتجددة كاهل الجمهور حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم أو دخلوا الأديرة فراراً من الضرائب والخدمة العسكرية لأمة لا يحبونها أو لغرض لا يتحمسون له وفشت في الناس البطالة والجنايات وطرق غير شرعية للكسب .
الاضطهاد والاستبداد : واضطهد اليوم في الشام والعراق واليعقوبيون في مصر اضطهاداً كبيراً واستبد الحكام استبداداً شديداً وعاثوا في البلاد والدماء والأموال والأعراض .
المدنية المصطنعة والحياة المترفة : استحوذت على الناس في الدولتين- الفارسية والرومية- حياة الترف والبذخ وطغى عليهم بحر المدينة المصطنعة والحياة المزورة وغرقوا فيه إلى أذقانهم . وكان الأمراء والأغنياء وأفراد الطبقة الوسطى على آثار الملوك يحاولون أن يقلدوهم ، وارتفع مستوى الحياة وتعقدت المدنية وصار الواحد ينفق على نفسه ما يشبع قرية أو يكسو قبيلة .
الزيادة الباهظة في الضرائب : كانت نتيجة هذا البذخ والترف الطبيعية الزيادة الباهظة في الضرائب وسن القوانين الجديدة لابتزاز الأموال من طبقات الفلاحين والصناع والتجار وأهل الحرف حتى وصلت إلى حد الإرهاق وأثقلت كاهل الأهلين وانقضت ظهرهم .
شقاء الجمهور : وهكذا أصبح أهل البلاد في كلتا المملكتين طبقتين متميزتين تمام التمييز : طبقة الملوك والأمراء وطبقة الفلاحين والصناع .
بين غنى مطغ وفقر منس : وهكذا ضاعت رسالة الأنبياء ، والأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية في العالم المتمدن المعمور بين غنى مطغ وفقر منس ، وأصبح الغني في شغل بنعيمه وترفه ، وأصبح الفلاح في شغل كذلك لهمومه وأحزانه وتكاليف حياته .

******************************

الباب الثاني
من الجاهلية إلى الإسلام
الفصل الأول
منهج الأنبياء في الإصلاح والتغيير

العالم الذي واجهه محمد صلى الله عليه وسلم : بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والعالم بناء أصيب بزلزال شديد. نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم.
نواحي الحياة الفاسدة : إن نفسية الإنسان إذا زاغت لا يؤثر فيها إصلاح عيب من عيوبها حتى يغير اتجاهها من الشر إلى الخير وإذا أراد أي رجل من عامة رجال الإصلاح معالجة عيب واحد لظل طول عمره يعالجه، لذلك لا بد من اقتلاع جرثومة الفساد من النفس البشرية.
لم يكن الرسول رجلاً إقليمياً أو زعيماً وطنياً : وكان مجال العمل في بلاد العرب فسيحاً إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم رجلاً إقليمياً وسار في قومه سيرة القادة والزعماء الوطنيين.
لم يبعث لينسخ باطلا بباطل : ولكنّ محمداً صلى الله عليه وسلم لم يبعث لينسخ باطلاً بباطل ، وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً .
قفل الطبيعة البشرية ومفتاحها : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت الدعوة والإصلاح من بابه ، ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه .

الفصل الثاني
رحلة المسلم من الجاهلية إلى الإسلام

دفاع الجاهلية عن نفسها : أدرك المجتمع الجاهلي عندما قرع أسماعهم صوت النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوته سهم مسدَّد إلى كبد الجاهلية ونعي لها ، فقامت قيامة الجاهلية .
في سبيل الدين الجديد : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة حجة يدعو إلى الله وحده والإيمان برسالته واليوم الآخر في كل صراحة، لا يكنى ولا يلين، فتقدم فتية من قريش همهم الآخرة وبغيتهم الجنة، فكانت رحلة طويلة شاقة، وما كان من قريش إلا ما توقعوه، فما زادهم كل هذا إلا ثقة وتجلداً .
التربية الدينية : هذا والرسول صلى الله عليه وسلم يغذِّي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب. و الرسول يقول لهم : { كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } فانقهروا لأمره وكفوا أيديهم ، حتى إذا تعدت قريش في الطغيان أذن الله لرسوله ولأصحابه بالهجرة .
في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم : والتقى أهل مكة بأهل يثرب ، لا يجمع بينهم إلا الدين الجديد ، فكانت هذه الجماعة الوليدة نواة للأمة الإسلامية التي أخرجت للناس .
انحلت العقدة الكبرى : ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم يربيهم تربية دقيقة عميقة وانحلت العقدة الكبرى- عقدة الشرك والكفر- فانحلت العقد كلها . واستخلفهم الرسول صلى الله عليه وسلم في عمله ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته .
أغرب انقلاب وقع في تاريخ البشر : كان هذا الانقلاب أغرب ما في تاريخ البشر ، فقد كان غريباً في سرعته و عمقه وسعته وشموله . وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم .
تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول : كان الناس يعيشون حياة جاهلية، لا يثيب الطائع بجائزة ولا يعذب العاصي بعقوبة . كان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية . فانتقل الذين أسلموا إلى معرفة عميقة واضحة ذات سلطان وسيطرة، فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلاباً عجيباً .
وخز الضمير : وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس ومحاسبتها والإنصاف منها .
الثبات أمام المطامع والشهوات : وكان الإيمان حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته ، يملك نفسه أمام المطامع والشهوات .
الأنفة وكبر النفس و الاستهانة بالزخارف والمظاهر الجوفاء : كما أنه رفع رأسهم عالياً وأقام صفحة عنقهم فلن تُحنى لغير الله. وهانت وجوه الخلق وزخارف الدنيا ومظاهر العظمة.
الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة : ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة وحنيناً غريباً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة .
من الأنانية إلى العبودية : وكانوا قبل الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك فأصبحوا الآن وقد تنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم .
المحكمات والبينات في الإلهيات : وقد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا الناس عن ذات الله وعن بداية هذا العالم ومصيره ، وكذلك منحوهم مبادئ ثابتة ولكن الناس لم يستجيبوا.

الفصل الثالث
المجتمع الإسلامي

طاقة زهر : إن هذا الإيمان أقام عوج الحياة، ورد كل فرد في المجتمع البشري إلى موضعه ، لا يقصر عنه ولا يتعداه وأصبحت الهيئة البشرية طاقة زهر لا شوك فيها .
ليس منا من دعا إلى عصبية :واقتلع صلى الله عليه وسلم جذور الجاهلية وجراثيمها:(ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية(151)).
كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته :أصبحت الطبقات والأجناس في المجتمع الإسلامي متعاونة لا يبغى بعضها على بعض ، وأصبح كل واحد في المجتمع راعياً ومسئولاً عن رعيته .
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق : وأصبح المسلمون أعواناً على الحق ، أمرهم شورى بينهم ، يطيعون الخليفة ما أطاع الله فيهم .
حلول الرسول محل الروح والنفس من المجتمع : وكان المجتمع البشري قد فقد نشاطه في الحياة فانطفأت جمرة القلوب وبردت العواطف وكانت العاطفة القوية تلك التي يسميها الناس (الحب) تائهة. في هذا المجتمع قام محمد صلى الله عليه وسلم فحل عقاله وفك إساره ثم حل منه محل الروح والنفس وشغل منه مكان القلب والعين . ووقع من خوارق الحب والتفاني في سبيل طاعته وإيثاره على النفس والأهل والمال والولد ما لم يحدث قبله ولن يحدث بعده .
نوادر الحب والتفاني وعجائب الانقياد والطاعة : ولم يزل الحب والتفاني والانقياد والطاعة من جنود ” الحب ” المتطوعة ، فلما أحبه القوم بكل قلوبهم أطاعوه بكل قواهم .

الفصل الرابع
كيف حول الرسول خامات الجاهلية إلى عجائب الإنسانية

بهذا الإيمان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة . عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة ، ثم وضع كل واحد في محله فكأنما خلق له .
كتلة بشرية متزنة : ثم لا يلبث العالم المتمدن أن يرى من هذه المواد الخام المبعثرة كتلة لم يشاهد التاريخ البشري أحسن منها اتزاناً ، كتلة فيها الكفاية في كل ناحية من نواحي الإنسانية ، كتلة هي في غنى عن العالم ، وليس العالم في غنى عنها ، وضعت مدنيتها وأسست حكومتها وليس لها عهد بها ، وكانت بفضل التربية الدينية والدعوة الإسلامية مادة لا تنقطع ومعيناً لا ينضب .

*************************************

الباب الثالث
العصر الإسلامي

الفصل الأول
عهد القيادة الإسلامية

الأئمة المسلمون وخصائصهم : ظهر المسلمون وتزعموا العالم وعزلوا الأمم المريضة ، وساروا بالإنسانية سيراً حثيثاً متزناً عادلاً ، وقد توفرت فيهم الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم .
1ً: أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم.
2ً: أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس .
3ً: أنهم لم يكونوا خدمة جنس ، ورسل شعب أو وطن ، يسعون لرفاهيته وحده.
4ً: أن الإنسان جسم وروح،وهو قلب وعقل وعواطف وجوارح،لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رُقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بيد الذين يؤمنون بالروح والمادة و يمتاز أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة
دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة : وكذلك كان ، فلم نعرف دوراً من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور ، دور الخلافة الراشدة.
تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة : إن هذا الرعيل من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كان خليقاً بأن يسعد النوع الإنساني في ظله وتحت حكمه ، فإنهم كانوا خير القائمين على مصالحها حارسين لها.ويعيدون هذا العالم مملكة لله استحلفهم فيها .
المدنية الإسلامية وتأثيرها في الاتجاه البشري : كان ظهور المدنية الإسلامية بروحها ومظاهرها وقيام الدولة الإسلامية بشكلها ونظامها في القرن الأول لهجرة محمد صلى الله عليه وسلم فصلاً جديداً في تاريخ الأديان والأخلاق ، وظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع ، انقلب به تيار المدنية ، واتجهت به الدنيا اتجاهاً جديداً ، لم تعهده من قبل ، عهدها به دعوة دينية روحية فإذا هو يصبح نجاة وسعادة وروحاً ومادة وحياة وقوة ومدنية واجتماعاً وحكومة وسياسة . فأصبح الناس لا يجدون عائقاً عن الإسلام ، وكان تأثير هذا الانقلاب عظيماً جليلاً ، فكان الطريق إلى الله من قبل شاقاً عسيراً محفوفاً بالأخطار ، فأصبح الآن سهلاً يسيراً ، وكان يصعب على الإنسان أن يطيع الله ، فصعب عليه في الوسط الإسلامي أن يعصي الله . جاء الإسلام بالتوحيد ونعى على الوثنية والشرك ، فهان الشرك منذ ذلك اليوم في عيون أهله وصغر ، وصار أهله يخجلون منه ويتبرؤون منه ولا يقرون به . وترى كذلك تأثير للعقلية الإسلامية والشريعة الإسلامية في أخلاق الأمم اجتماعها وتشريعها .
ولا يستطيع دين من الأديان ومدنية من المدنيات تعيش في العالم المتمدن المعمور أن تدعي أنها لم تتأثر بالإسلام والمسلمين في قليل ولا كثير .
فلو جرت الأمور هكذا لكان للعالم الإنساني تاريخ غير التاريخ الذي نقرؤه حافلاً بالزلازل والنكبات ناطقاً بطول بلاء الإنسانية ومحنها ، لكان له تاريخ مجيد جميل يغتبط به كل إنسان ويقر عيناً ، ولكن جرت الأقدار بغير ذلك ، وبدأ الانحطاط في المسلمين أنفسهم .

الفصل الثاني
الانحطاط في الحياة الإسلامية

الحد الفاصل بين العصرين : هو الخط التاريخي الفاصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية .
نظرة في أسباب نهضة الإسلام : كان زمام القيادة بيد الرجال الذين يمثلون الإسلام بحق ، فكانوا أئمة يصلّون بالناس ، وقضاة يفصلون قضاياهم ، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم، وأمنةً لأموال المسلمين وخزنتهم .
شروط الزعامة الإسلامية :
1- الجهاد : أما الجهاد فهو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب .
2- الاجتهاد :من يرأس المسلمين قادراً على القضاء الصحيح في النوازل التي تعرض في حياة المسلمين وفي العالم وفي الأمم التي يحكمها .
انتقال الإمامة من الأكفاء إلى غير الأكفاء : تولى هذا المنصب رجال لم يكونوا له أكفاء .
تحريفات الحياة الإسلامية : 1- فصل الدين عن السياسة : أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي ، وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف .
2- النزعات الجاهلية في رجال الحكومة .
3- سوء تمثيلهم للإسلام .
4- قلة الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة : إن العلماء المفكرين منهم لم يعتنوا بالعلوم الطبيعية والعلوم العملية المثمرة اعتناءهم بعلوم ما بعد الطبيعة والفلسفة الإلهية التي تلقوها من اليونان .
5- الضلالات والبدع .
6- إنكار الدين على المسلمين وإهابته بهم : ولا يغربن عن البال أن الدين لم يزل طول هذه المدة حياً محفوظاً من التحريف والتبديل ، مهيباً بالمسلمين ناعياً عليهم انحرافهم عن طريقه .
حسن بلاء العالم الإسلامي في القرن السادس : في القرن السادس الهجري بدأت الغزوات الصليبي تتحدى الإسلام والمسلمين كلهم ، فمنَّ الله على العالم الإسلامي بقادة كبار حفظ الله بهم شرف الإسلام وعزته وهم عماد الدين أتابك زنكي (م 541هـ) وولده العظيم الملك العادل نور الدين محمود زنكي (م 569هـ) والملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر ، الذين هزموا الصليبيين وأجلوهم عن القدس والشام[*].
فقر القيادة في العالم الإسلامي بعد صلاح الدين : مات صلاح الدين بعدما قضى مهمته ، وتراجع سيل الصليبيين ، رجعوا ليستعدوا للصليبية الجديدة في القرن التاسع عشر المسيحي ، ولم يرزق العالم الإسلامي بعد ذلك قائداً مخلصاً للإسلام مثل صلاح الدين، وعم الانحطاط في العالم الإسلامي واستفحل مع الأيام .
نتائج القرون المنحلة : وظلت خلية الإسلام تعمل في أدوار الانحطاط أيضاً ، وكان المسلمون- رغم انحرافهم عن سيرتهم الأولى- أقرب إلى طريق الأنبياء وأطوع لله من الأمم الجاهلية المعاصرة لهم .
انهيار صرح القوة الإسلامية : ولم تزل تضعف هذه القوة وتهن بدون أن يشعر بذلك الأجانب حتى إذا خضِّدت شوكة المسلمين في القرن السابع زال ذلك الشبح المخيف وسقط المجدار(192) ، فعاثت الطيور والوحش في الحقل ، وتجاسر الناس على المسلمين وبلادهم .

الفصل الثالث
دور القيادة العثمانية

العثمانيون على مسرح التاريخ : ظهر الترك العثمانيون على مسرح التاريخ ، وفتح محمد الثاني القسطنطينية فتجدد رجاء الإسلام وانبعث الأمل في نفوس المسلمين .
مزايا الشعب التركي :
1ً- شعب ناهض متحمس فيه روح الجهاد ، وكان سليماً من الأدواء .
2ً- توفر القوة الحربية التي يقدر بها على بسط سيطرة الإسلام المادية والروحية .
3ً- كانوا في أحسن مركز للقيادة العالمية .
انحطاط الأتراك في الأخلاق وجمودهم في العلم وصناعة الحرب : أخذ الترك في الانحطاط ودب إليهم داء الأمم من قبلهم فوقف الترك وتقدم الزمان .
الجمود العلمي:لم يعنوا باكتساب العلوم الحديثة بل منعوا الأفكار الجديدة أن تدخل منطقتهم
الانحطاط الفكري والعلمي العام: كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصاباً بالجدب العلمي ، وشبه شلل فكري .
معاصرو العثمانيين في الشرق : عاصرت الدولة العثمانية الدولة المغولية والدولة الصفوية ، وكانت راقية متحضرة ولكنها شغلت بنزعتها الشيعية وبالهجوم على الدولة العثمانية مرة والدفاع عن نفسها مرة أخرى .
نهضة أوربا الجاهلية وسيرها الحثيث في علوم الطبيعة والصناعات: استيقظت أوربا في القرن السادس عشر من هجعتها وهبت تتدارك زمان الغفلة وتعدو إلى غايتها عدواً .
تخلف المسلمين في مرافق الحياة وصناعة الحرب: لم يضيع المسلمون ساعات وأياماً بل ضيعوا أحقاباً وأجيالاً انتهزت فيها الشعوب الأوربية كل دقيقة وثانية ، وسارت سيراً حثيثاً في كل ميدان من ميادين الحياة وقطعت في أعوام مسافة قرون .

*************************************

الباب الرابع
العصر الأوربي

الفصل الأول
أوربا المادية

طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها : الحضارة الغربية ليست حديثة بل هي سليلة الحضارة اليونانية و الرومية ، إذاً يحسن بنا أن نتعرف بهما ، لنكون على بصيرة في انتقاد الحضارة الغربية والحكم عليها في القرن العشرين.
خصائص الحضارة الإغريقية : اليونان أمة موهوبة ، من أنجب أمم العالم ، فإذا نظرنا فيها نظرة تحليل وانتقاد وبحثنا عن طبيعتها وجدنا من المزايا التي تمتاز بها عن المدنيات الأخرى :
(1) الإيمان بالمحسوس وقلة التقدير لما لا يقع تحت الحس .
(2) قلة الدين والخشوع .
(3) شدة الاعتداد بالحياة والاهتمام الزائد بمنافعها ولذائذها .
(4) النزعة الوطنية .
ويمكن أن نحصر هذه المظاهر المتشتتة في كلمة مفردة هي (( المادية )) فكانت الحضارة اليونانية شعارها (( المادية )) .
خصائص الحضارة الرومية و الانحطاط الخلقي في الجمهورية الرومية : خلف اليونان الروم وفاقوهم في القوة والتنظيم ولكن لم يلحقوا بهم في العلم والفلسفة وانتقلت النفسية اليونانية إلى الروم ، وسال بالروم سيل الانحطاط الخلقي .
تنصر الروم : كان ذلك بجلوس قسطنطين الذي اعتنق النصرانية على سرير الأباطرة سنة 305م فانتصرت فيه النصرانية على الوثنية ونالت فجأة ما لم تكن تحلم به .
خسارة النصرانية في دولتها : ولكن انتصر النصارى في ساحة القتال وانهزموا في معترك الأديان ، ربحوا ملكاً عظيماً وخسروا ديناً جليلاً، لأن الوثنية الرومية مسخت دين المسيح ومسخه أهله .
الرهبانية العاتية و عجائب الرهبان : ابتدعت هذه النصرانية رهبانية لعلها كانت شراً على الإنسانية والمدنية من بهيمية رومة الوثنية . ظل تعذيب الجسم مثلاً كاملاً في الدين والأخلاق إلى قرنين ، وكان الرهبان يتجولون في البلاد ويختطفون الأطفال ويهربونهم إلى الأديار .
تأثير الرهبانية في أخلاق الأوربيين و عجزها عن تعديل المادية الجامحة :
كان نتيجة ذلك أن خلال الفتوة والمروءة التي كانت تعد فضائل،استحالت عيوباً ورذائل ولا يتوهم أحد أن هذه الرهبانية الغالية قد عدلت من شره المادية الرومية ، فإن الذي يوجد الاعتدال ويخفض المادية هو النظام الروحي الديني الذي يوافق الفطرة الإنسانية الصحيحة .
الفساد في المراكز الدينية و تنافس البابوية والإمبراطورية :
تسرب الضعف والانحراف في المراكز الدينية حتى صارت تزاحم المراكز الدنيوية وربما تسبقها في فساد الأخلاق والدعارة والفجور . وبدأ النزاع والمنافسة بين البابوية والإمبراطورية في القرن الحادي عشر . واستغل رجال الدين السلطان الذي يملكونه لأنفسهم .
جناية رجال الدين على الكتب الدينية و اضطهاد الكنيسة للعلم : من أعظم أخطاء رجال الدين في أوربا أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة ، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس . وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوربا ، فخرج العلماء بنظرياتهم التي تنافي ما ورد في الكتب الدينية ، فقامت قيامة الكنيسة
ثورة رجال التجديد : هنالك ثار المجددون المتنورون وعيل صبرهم ، وأصبحوا حرباً لرجال الدين وممثلي الكنيسة والمحافظين على القديم .
تقصير الثائرين وعدم تثبتهم : لم يكن عند الثائرين من الصبر ما يميزون به بين الدين ورجاله المحتكرين لزعامته ولم يكن عندهم من صدق الطلب ما يحملهم على النظر في الدين الإسلامي الذي يخلصهم من هذه الأزمة بسبب السدود التي أقامتها الحروب الصليبية .
اتجاه الغرب إلى المادية و افتضاحها في الدور الأخير : انصرف اتجاه الغرب تدريجياً إلى المادية بكل معانيها . ولكن رجال النهضة الأوربية ظلوا قروناً يجمعون بين النظر المادي الجاحد ، والطقوس الدينية المسيحية ، حتى افتضحوا في الأخير وصعب الجمع بينهما بسرعة سير الحضارة المادية ، وتخلف الدين والتقاليد .
جنود المادية ودعاتها : ونهض الكتاب والمؤلفون والأدباء والمعلمون والاجتماعيون والسياسيون في كل ناحية من نواحي أوربا ينفخون صور المادية ، وينفثون بأقلامهم سمومها في عقل الجمهور وقلبه .
نسخة صادقة من الحضارة اليونانية : أصبحت الحياة في أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين نسخة من الحياة في يونان وروما . فمما لاشك فيه أن دين أوربا اليوم هو المادية لا النصرانية . وإن هؤلاء – بإمعانهم في المادية والتمسك بالأسباب الظاهرة والتعلل بها واستغنائهم عن الله – قد وصلوا من القسوة والغفلة فلا تكاد تشعر في خطب الزعماء والوزراء في أوربا برقة قلب وانكساره وإخبات إلى الله في أدهى ساعات الحرب وأمرِّها .
الغايات المادية للحركات الروحية العلمية :
إن الحركة الروحية التي شغلت الناس كثيراً في أوربا في الزمن الأخير إنما روحها المادية ،
التصوف المادي الغربي ووحدة الوجود الاقتصادي : وقد بلغ النظر المادي والفكر المادي في أوربا درجة الاستغراق فيه والفناء ونسيان ما سوى القيم المادية .[†]
نظرية دارون وتأثيرها في الأفكار والحضارة : ساعدهم في وجهة نظرهم هذه النظرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر عن ارتقاء الإنسان ، وكانت هذه النظرية اتجاهاً جديداً لم يسبق في المسائل البشرية وما يتعلق بها ، تجعل الإنسان يعتقد أن هذا الكون سائر بغير عناية إلهية[‡] ، وبغير أن تتداخل فيه قوة غير الطبيعة ، كان هذا ديناً جديداً يهدم الدين القديم من الأساس ويحل محله . ولكن جمهور الناس تلقوا هذه النظرية بالقبول – رغم ما فيها من ضعف ونقص من الوجهة العلمية – وكأن الأذهان كانت متهيئة لمثل هذه النظرية ، وكأن الناس وجدوا فيها منافساً للدين ورجاله . وكان تأثير هذه النظرية بعيداً عميقاً في الأفكار والحضارة والأدب والسياسة تراه وتلمسه في أخلاق الناس ، وفي نزعات الرجوع إلى الفطرة وإلى العهد الذي كان الإنسان يعيش فيه على الفطرة عارياً حراً .
من جنايات المادية : وكان من نتائج هذه المادية الجارفة ، والتربية اللادينية أن أصحاب المراكز الكبيرة ، ورجال السياسة والمسئولية يرتكبون في بعض الأحيان جنايات لا يتنـزل إليها أكبر الآثمين . وذلك لمصلحة سياسية وهمية لبلادهم وأمتهم أو لجاه شخصي أو ربح مالي

الفصل الثاني
الجنسية والوطنية في أوربا

انكسار الكنيسة اللاتينية سبب قوة العصبية والقومية والوطنية :
الوطنية والقومية من خصائص الطبع الأوربي ، ولكن النصرانية قهرت هذه الطبيعة ، لأنها لا يزال عليها مسحة من تعليم المسيح ، فجمعت الأمم الأوربية تحت لواء الدين وجعلت من العالم النصراني عشيرة واحدةِ ، ولكن لما قام لوثر بحركته الدينية الإصلاحية الشهيرة ضد الكنيسة اللاتينية ، انهزمت الكنيسة اللاتينية،وكان نتيجة ذلك رجحان كفة الوطنية والجنسية.
طوائف العصبية الجنسية في أوربا : كان نتيجة انحلال النظام الديني وانتعاش النعرة القومية أن أصبحت أوربا معسكراً واحداً ضد الشرق كله ، وخطت خطّاً فاصلا بين الغرب والشرق والجنس الآري وبين ما عداه من أجناس البشر وأن الأول خلق ليسود ويحكم ، والثاني ليخضع ويدين . وكان نتيجة هذه النفسية الجنسية والعصبية ضد كل ما جاء من الخارج ، أن صار بعض الشعوب الأوروبية ينظر إلى الدين المسيحي وإلى المسيح كطارئ ونزيل .
عدوى الجنسية في الأقطار الإسلامية : هذه العدوى الجنسية سرت إلى بعض الأقطار الإسلامية التي كان يجب أن تكون زعيمة لدعوة الإسلام العالمية ، فترى في الترك النزعة الطورانية فاعتقد بعض المفكرين في تركيا الفتاة أن الإسلام دين طارئ غريب لا يصلح للترك. ومما لا شك فيه أن هذه النزعة قد وجدت في الترك وكذلك في الإيرانيين في الزمن الأخير.
الديانة القومية الأوربية وأركانها : ثم أصبحت الشعوب والدول في أوربا ، عوالم مستقلة لا ترى العالم خارج الخطوط التي خطتها الطبيعة أو خطتها بيدها ، ولا تختلف شعوب أوربا الحاضرة ودولها في هذه الديانة القومية إلا في الصراحة والنفاق .
الحل الإسلامي لمعضلة الحرب والمناقشات الشعوبية :
إن هذا الحل الذي قدمه الأستاذ (( جود )) لمشكلة الأمم حل عادل وتوجيه معقول ، فلا تنصرف عداوة الشعوب والأمم بعضها لبعض حتى يكون لها عدو من غيرها تشترك في عداوته وتتعاون في الحرب معه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وقد قسم الإسلام العالم البشري إلى قسمين ، أولياء الله وأولياء الشيطان ، ولم يشرع حرباً ولا جهاداً إلا ضد أنصار الباطل وأولياء الشيطان أينما كانوا ومن كانوا .
مطامح الدول الكبيرة :
أما الدولة الكبيرة فترى من واجب قوميتها أن تبسط سيطرتها على أكبر رقعة من الأرض وليس لها غاية أخلاقية وتمرة أدبية غير ما تسميه (( المجد القومي والشرف القومي )) .
منافسة الشعوب في المستعمرات والأسواق :
وقد سبقت إلى هذا الاستعمار والامتلاك أمم وتخلفت أخرى ، ثم نهضت الأخيرة تنافسها وتطالب بأسهامها وتبحث لها عن مستعمرات وغالباً ما تنشب بينهما الحروب لذلك.

الفصل الثالث
أوربا إلى الانتحار

عصر الاكتشاف والاختراع :
مهما بالغ المبالغون في إطراء الصناعات والمخترعات في أوربا ، وبرغم إعجابنا بها ، ينبغي ألا ننسى أن هذه المخترعات ليست غايات في نفسها ، بل هي وسائط ووسائل لغاية أخرى .
الغاية من الصناعات والمخترعات ، وموقف الإسلام منها : الغاية هي التغلب على العقبات في سير الحياة والانتفاع بقوى الطبيعة المودعة في هذا الكون واستخدامها لمقاصد صحيحة من غير علو في الأرض ولا فساد . إن موقف الإسلام في ذلك بيِّن واضح ، فالإنسان خليفة الله في الأرض قد سخر الله العالم لأغراضه الصحيحة فالمسلم ينتفع بكل ما خلق الله من قوة في الجهاد في سبيل الله ، ونشر دينه ، وفيما أباح الله ورغبة فيه من تجارة مشروعة وكسب حلال ، فالمصنوعات الجمادية خاضعة لإرادة الإنسان فهو الذي يجعلها باستعماله لها خيراً أو شراً .
عدم تعادل القوة والأخلاق في أوربا : إن الأوربيين قد فقدوا تعادل القوة والأخلاق والتوازن بين العلم والدين منذ قرون ، فلم تزل القوة والعلم في أوربا بعد النهضة الجديدة ينموان على حساب الدين والأخلاق .
قوة الآلهة ، وعقل الأطفال : يقول الأستاذ (( جود )) الإنجليزي : (( إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش(232) )) .
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم : أصبحت هذه المخترعات وضررها أكبر من نفعها .
أوربا في الانتحار : والحاصل أن الغربيين لما فقدوا الرغبة في الخير والصلاح ، لم تزدهم العلوم والمخترعات إلا ضرراً .
القنبلة الذرية وفظائعها: أذاع رئيس بلدة (هيروشيما) في 1949م أن الذين هلكوا في السادس من آب 1945م من اليابانيين يقارب عددهم مائتي ألف وأربعين ألفاً .
والذي خبث لا يخرج إلا نكدا :
وقد تضعضع أساس المدنية الأوربية ، كما ذكرنا بتفصيل ، ولم يزل بناؤه متزعزعاً ، ولم تزده الأيام ولم يزده الارتفاع إلا زيغاً واختلالاً، وفسدت بذرتها ، فلم تصلح شجرتها ولم تطلب ثمرتها {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً }.

الفصل الرابع
رزايا الإنسانية المعنوية
في عهد الاستعمار الأوربي

إن الذي يهمنا رزيئة العالم الإنساني وخطب المجتمع البشري في الروح والأخلاق والنفس في عهد النفوذ الأوربي العام .
بطلان الحاسة الدينية : ورث الشرقي أبًا عن جد أسئلة تدور حول غاية هذا العالم وهل بعده حياة ، وشغلت خاطره طيلة قرون . ولم يزل في الناس عدا حواسهم الخمس حاسة سادسة نسميها بالحاسة الدينية ، وإن أشد العقبات التي واجهها الأنبياء والدعاة ، هم أولئك الذين حرموا الحاسة الدينية . ولاشك أن هذه الأسئلة كانت موضوع دراسة العلماء والمفكرين في فجر النهضة الأوربية الجديدة ، ولكن كلما قطعت المدنية الأوربية شوطًا تخلفت هذه المباحث والأسئلة شوطًا ، ولم يكن ذلك عن إيمان واقتناع بحل صحيح . كلا ! لم يكن ذلك إلا لأن هذه الأسئلة قد فقدت أهميتها وأخلت مكانها لأسئلة مادية أهم في أعين أبناء القرنين التاسع عشر والعشرين منها .
إن داء هذا العصر الذي لا ينجح فيه الدواء ولا يؤثر فيه العلاج هو الاستغناء التام عن الدين.
زوال العاطفة الدينية : لما طغى بحر المادية في العالم الإسلامي في العهد الأخير ، كون رجال الدين جزراً صغيرة في بحر المادية المحيط ، يلجأ إليها الفارون إلى الله والمتبرمون من الحياة المادية ، وكنت ترى في العالم الإسلامي حركة مستمرة إلى هذه الجزر .واستمر هذا الإقبال على الدين إلى أول عهد الاستعمار الأوربي . ثم سرى الشك في الأوساط الدينية بتأثير المحيط والتعاليم الإفرنجية وضعفت الثقة بالله ، فأصبح الآباء يضنون بأولادهم على الدين ، وهكذا انقرض هذا الجيل ، ولفظ هذا العهد الروحي نفسهُ الأخير ، وتلاه عهد المادة .
طغيان المادية والمعدة : تضخمت معدة الحرص في الإنسان حتى صارت لا يشبعها مقدار من المال ، وأصبح الإنسان نهما يلتهم الدنيا التهاماً ، ويستنزف موارده حلالاً وحراماً . وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف تتغير ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحول ومطالبه تتنوع ، حتى يضيق الإنسان بها ذرعاً ويلجأ إلى طرق غير شريفة لتحصيل المال وإلى كدح وكد في الحياة .
ارتفعت قيمة المال في عيون الناس ارتفاعاً لم تبلغه في الزمن السابق ، وبلغ من الأهمية والمكانة مبلغاً لم يبلغه – على ما نعرفه – في دور من أدوار التاريخ المدون .
التدهور في الأخلاق والمجتمع : احتل الأجانب الشرق الإسلامي وقد أصاب المجتمع الشرقي الإسلامي انحطاط في الأخلاق والاجتماع ، وسبقت إليه أدواء خلقية واجتماعية كانت أهم أسباب انهيار الدول الإسلامية وانهزام الأمم الشرقية . ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الشرقي الإسلامي – على علاته – محتفظاً ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم ، وقد نضج واكتمل فن الأخلاق عند الشرقيين ووصل من الدقة والتفصيل ذروة لا يصل إليها ذهن العصر ، ولا يتصورها الغربي إلا في الشعر والأدب . ولكن مع مرور الزمن بدأ كل ذلك بالتدهور وأخذ الانحطاط مجراه وتسرب إلى المجتمع الشرقي فكر المصلحة والمادية الغربية. فالذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة ، وأصبح العقل الأوربي محامياً عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية ، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة ، ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول . ولا يهم المجتمع الآن كيف يعامل الولد والده أو الزوجة زوجها إذا كان هؤلاء الأفراد لا يزالون في الدائرة المدنية وما دام لا يحدث هذا اضطراباً في المجتمع فلا بأس إذا كان هنالك عقوق من ولد أو دعارة من امرأة أو فسق من رجل أو خيانة من زوجة .

*************************************

الباب الخامس
قيادة الإسلام للعالم

الفصل الأول
نهضة العالم الإسلامي

 اتجاه العالم بأسره إلى الجاهلية : لأسباب تاريخية عقلية ، طبيعية قاسرة ، تحولت أوربا النصرانية جاهلية مادية ، وأصبحت لا تؤمن في الحياة الشخصية إلا باللذة والمنفعة المادية ، وفي الحياة السياسية إلا بالقوة والغلبة ، وفي الحياة الاجتماعية إلا بالوطنية المعتدية والجنسية الغاشمة

استيلاء الفلسفة الأوربية على العالم : ليس على وجه الأرض اليوم أمة أو جماعة تخالف الأمم الغربية في عقائدها ونظرياتها .
الشعوب والدول الآسيوية : أما الشعوب والدول الآسيوية فهي في طريقها إلى الغاية التي وصلت إليها شعوب أوربا ، إلا أنها لا ترضى أن يتولى أمرها النزلاء الأجانب . وكلما سنحت لهذه الأمم فرصة الاستقلال تجلت أخلاقها ومبادئها وظهرت سيرتها الجاهلية في صورتها الطبيعية الحقيقية . ثم إن هذه الأمم أفلست إفلاساً شائناً في الدين والأخلاق ، وقد أشربت في قلوبها حب المال والمادة .
الحل الوحيد للأزمة العالمية : والحل الوحيد هو تحول القيادة العالمية وانتقال دفة الحياة من اليد الأثيمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يد أخرى بريئة حاذقة .
العالم الإسلامي على أثر أوربا : من الغريب أن المسلمين قد أصبحوا حلفاء للجاهلية الأوربية وجنوداً متطوعين لها . فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها .
المسلمون على علاتهم موئل الإنسانية وأمة المستقبل :
ولكن المسلمون هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض ، التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم ، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ، وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى ، وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة ، وتحول بينها وبين جهنم بما استطاعت من القوة ، والتي يحرّم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحول أمة جاهلية . هذه هي الأمة التي يكن أن تعود في حين من الأحيان خطراً على النظام الجاهلي الذي بسطته أوروبا في الشرق والغرب وأن تحبط مساعيها
رسالة العالم الإسلامي : لا ينهض العالم الإسلامي إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسه صلى الله عليه وسلم والإيمان بها والاستماتة في سبيلها ، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة ، لم يعرف العالم رسالة أعدل منها . وهي الرسالة نفسها التي حملها المسلمون في فتوحهم الأولى . وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر ، فقد افتضحت الجاهلية وبدت سوآتها للناس واشتد تذمر الناس منها .
الاستعداد الروحي : ولكن العالم الإسلامي لا يؤدي رسالته بالمظاهر التي جادت بها أوربا على العالم ، إنما يؤدي رسالته بالروح والقوة المعنوية التي تزداد أوربا كل يوم إفلاساً فيها . فالمهم غرس الإيمان في قلوب المسلمين وإشعال العاطفة الدينية ، ونشر الدعوة إلى الله ورسوله
الاستعداد الصناعي والحربي : ولكن مهمة العالم الإسلامي لا تنتهي هنا ، فعليه بالمقدرة ، والاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة وفن الحرب ، وأن يستغني عن الغرب في كل مرفق من مرافق الحياة ، أما ما دام العالم الإسلامي خاضعاً للغرب فلا يستطيع أبداً أن يواجه الغرب فضلاً عن أن يناهضه.
تبوء الزعامة في العالم والتحقيق : وقد تنازل العالم الإسلامي – بما فيه العالم العربي – منذ زمن طويل عن مكانته في القيادة العلمية والتوجيه ، والاستقلال الفكري ، وأصبح عيالاً على الغرب متطفلاً على مائدته .
التنظيم العلمي الجديد : ولابد للعالم الإسلامي من تنظيم العلم الجديد بما يوافق روحه ورسالته . فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته ، وإذا كان يطمح إلى القيادة ، فلا بد إذن من الاستقلال التعليمي ، بل لابد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين .
بالاستعداد الروحي والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي ، ويؤدي رسالته وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده .

الفصل الثاني
زعامة العالم العربي

أهمية العالم العربي : إن العالم العربي له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية . وهذا جعل العالم العربي محط أنظار الغربيين ، وكان رد فعله أن نشأ فيه شعور عميق بالقومية العربية .
محمد رسول الله روح العالم العربي : المسلم ينظر إلى العالم العربي بغير العين التي ينظر بها الأوربي والوطني العربي ، إنه ينظر إليه كمعهد الإسلام ومشرق نوره ومعقل الإنسانية ، وموضع القيادة العالمية ، ويرى أن العالم العربي استمد أهميته من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه روحه ، فإذا انفصل عن هذا زالت أهميته. فالإيمان هو قوة العالم العربي.
تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية : بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية ، وكانت قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون لا يتعرضون لخطر ولا لخسارة ولا محنة ، إنما تحتاج هذه القضية إلى أناس يضحون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبل خدمة الإنسانية وأداء رسالتهم المقدسة ، إنه لا بقاء للإنسانية ولا قيام لدعوة كريمة بغير هؤلاء المجاهدين ، وبشقائهم في الدنيا – كما يعتقد كثير من معاصريهم – تنعم الإنسانية وتسعد الأمم . لذلك اختار الله العرب لأنهم كانوا الوحيدين المستعدين للتضحية عند البعثة.
وهكذا كان شأن العرب والذين احتضنوا هذه الدعوة منهم فقد كان نصيبهم من متاعب الجهاد وخسائر النفوس والأموال أعظم من نصيب أي أمة في العالم لأن سعادة البشرية إنما كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية وما يتحملون من خسائر ونكبات.
وقد وقف العالم في القرن السادس المسيحي على مفترق الطرق إما أن يتقدم العرب ويعرضوا كل ما يعز عليهم للخطر فيسعد العالم وتستقيم البشرية ، وإما أن يؤثروا شهواتهم فيبقى العالم في حمأ الضلالة والشقاء ، وقد أراد الله بالإنسانية خيراً وتشجع العرب – بما نفخ فيهم محمد صلى الله عليه وسلم من روح الإيمان – فقدموا أنفسهم فداء للإنسانية .
وقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الرسول ووقف العالم على مفترق الطرق مرة ثانية إما أن يتقدم العرب – وهم أمة الرسول وعشيرته – إلى الميدان ويغامروا بنفوسهم ويخاطروا فيما هم فيه فينهض العالم من غثاره وتتبدل الأرض غير الأرض وإما أن يستمروا فيما هم فيه من طمع وطموح ، فيبقى العالم في هذا المستنقع الذي يتردى فيه منذ قرون . إنه لثمن قليل جداً لسلعة غالية جداً .
العناية بالفروسية والحياة العسكرية : من الحقائق المؤلمة أن الشعوب العربية فقدت كثيراً من خصائصها العسكرية ، فالمهم لرجال التعليم وقادة الشعوب العربية أن يربوا الشبيبة العربية على الفروسية والحياة العسكرية ، وعلى البساطة في المعيشة وخشونة العيش والجلادة وتحمل المشاق والمتاعب ، والصبر على المكروه !. وأن يحاربوا بكل قوتهم ما يضعف روح الرجولة .
محاربة التبذير والفرق الهائل بين الغني والصعلوك :
وقد اعتاد العرب حياة الترف والإسراف . وبجانب هذا الترف جوع وفقر فاضح ، يراه الناظر في عواصم البلاد العربية فتدمع العين ويحزن القلب ، وما دامت التخمة والجوع يزخران في مدينة واحدة ، فالباب مفتوح على مصراعيه للشيوعية والثورات والاضطراب .
التخلص من أنواع الأثرة :أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد ، هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة ، وكانت الأمة كلها تعيش عيش الصعاليك .
إن هذا العهد غير قابل للبقاء ، إنه لا مجال في الإسلام لأي نوع من أنواع الأثرة ، لأنها يجمع أنواعها ستنتهي وإن الإنسانية ستثور عليها وتنتقم منها انتقاماً شديداً .
إيجاد الوعي في الأمة : إن أخوف ما يخاف على أمة ويعرضها لخطر هو فقدان الوعي في هذه الأمة ، إن الشعوب الإسلامية والبلاد العربية ضعيفة الوعي أو فاقدة الوعي وإن الأمم الأوربية – برغم عيوبها الكثيرة – قوية الوعي ، فمن أعظم ما تخدم به الأمة هو إيجاد الوعي في طبقاتها
استقلال البلاد العربية في تجارتها وماليتها :
وكذلك لابد للعالم العربي – كالعالم الإسلامي – من الاستقلال في تجارته وماليته وصناعته وتعليمه ، إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الغرب وهو مدين له في ماله .
تقدم مصر في ميدان التجارة والصناعة والعلم :
ولابد هنا من الاعتراف بأن مصر قد أثبتت كفايتها واستعدادها الكبير في ميدان العلم والصناعة ، وتربية الرجال ، ونشر الثقافة ، ونقل العلوم العصرية إلى اللغة العربية .
رجاء العالم الإسلامي من العالم العربي : والعالم العربي بمواهبه وخصائصه وحسن موقعه وأهميته السياسية يحسن الاضطلاع برسالة الإسلام ، ويستطع أن يتقلد زعامة العالم الإسلامي
إلى قمة القبلة العلمية :
ما أعظم التطور الذي حدث في تاريخ العرب على إثر بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما أعظم النعمة التي أسبغها الله على العرب . نقلهم من جزيرتهم التي يتناحرون فيها إلى العالم الفسيح الذي يقودونه بناصيته . لقد قام العالم الكبيرة على أساس العقيدة الواحدة ، والإيمان العميق والصلة الروحية القوية ، هذه هي القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية ، وهي القيادة التي يجب أن يحرص عليها العرب أشد الحرص ، إن الطريق إلى هذه القيادة ممهدة ميسورة للعرب ، وهي الطريق التي جربوها في عهدهم الأول (( الإخلاص للدعوة الإسلامية واحتضانها والتفاني في سبيلها وتفضيل منهج الحياة الإسلامي على جميع مناهج الحياة )) .

**************************************

 (13) Encyclopeadia Britanica .See Justin

(65) اقرأ استهلال قصة مها بهارات ( الملحمة الهندية الكبرى ) .
(66) R . C . Dutt 331 .
(88) سورة البقرة ، آية 232 .
(89) النساء آية 19 .
(112) إيران في عهد الساسانيين ص 162.
(151) رواه أبو داود .
[*] لمعلومات مفصلة حول هذه المرحلة وكيفية نهضة ذلك الجيل انظر كتاب: هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس. د. ماجد عرسان الكيلاني.
(192) المجدار : ما ينصب في الزرع لطرد الطير والوحش .
[†] للاستفاضة في موضوع الفلسفة الماركسية ووحدة الوجود الاقتصادي انظر كتاب الفردوس المستعار للطبيب المفكر الأستاذ أحمد خيري العمري.
[‡] هذا هو السبب الأساسي لمعارضة النظرية الدارونية لمقتضى الدين لأنها تنفي وجود خالق مسيِّر لهذا الكون.
(232) Guide to Modern Wickedness . p . 261.

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ مغلقة

تفعيل مقاصد الشريعة في العمل الدعوي (الشيخ الدكتور أحمد السعدي)

إنني أظن أنَّ أهمَّ موضوعٍ ينبغي أن يتصدَّى له علماء الدعوة اليوم هو علاقة مقاصد الشريعة بالدعوة إلى الله عزَّ وجل
ذلك أنَّ علم المقاصد ـ إن صحَّ جعله علماً مستقلاً ـ تطوَّر على أيدي علماء كبار من محققي الأصوليين كالعز بن عبد السلام والقرافي وابن رجب والشاطبي إلى ابن عاشور وعلال الفاسي . . . وقد بقي هذا العلم ـ أو الاتجاه العلمي ـ ينحو منحى التعميم حيث حُصِرَت المقاصدُ في الغايات الكبرى للرسالات السماوية جمعاء بحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال ، مرتبةً على ثلاث مراتب هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات ، وقد تحصَّل من جهود المتقدمين سلَّم للأولويات يتألف من خمس عشرة درجة هي الغايات الخمس مضروبةً بمراتبها، فيقدَّم مثلاً ما كان ضرورياً للدين على ما كان حاجياً ، ويقدم ما يكون حاجياً للدين على ما يكون كذلك للنفس وهكذا . . .
غير أنَّ هذا التنظير العام بقي محلِّقاً في العموميات ، وهذا بدهي حسب نظرة المتقدِّمين ؛ لأنَّ مرادهم بالمقاصد الغايات الكبرى . على أنَّ الذي يريده المسلم العادي ، والذي يتوجه إليه الدعاة والعلماء في وعظهم وخطبهم بل وبيانهم لمعالم الحلال والحرام هو المستوى الأخص ـ إن صحَّ التعبير ـ . وقد تنبه العلماء المعاصرون لهذا [1] ، ومن ثمَّ حاولوا أن ينظروا للمقاصد من جهة علاقتها بالجزئيات وذلك سعياً منهم لتفعيل هذه المقاصد في حياة الناس ، فصاروا يتحدثون عن مقاصد العبادات ومقاصد المعاملات ، ومقاصد العقوبات . . . بل راحوا يتحدثون عن مقاصد الطهارة ومقاصد الزكاة ومقاصد حد السرقة . . . ، أي أنَّهم عادوا بعلم المقاصد إلى جزئيَّات الأحكام ، والغاية من ذلك ربْطُ الأحكام بعللها والتشريعات بحكمها والفتاوى بأسبابها ومؤيداتها من العقل والنقل من جانب ، وتفويت الفرصة على مَنْ يريد العبث والإفساد مستغلَّاً عموم المقاصد ، من جانب آخر ، وتحويلُ المقاصد عبر ربط الجزئيات بها إلى مناهج مؤثِّرة في سلوك الناس.
ولو أنَّا نظرنا في هذه الغايات الثلاث لوجدنا أنَّ عمل الدعاة أحوجُ ما يكون للضبط بمقاصده الشرعية ؛ لأنَّ الدعوة هي التي تصوغ المسلم في شخصيته وسلوكه ، والعامة تَبَعٌ للعلماء ، لذا فتقويم عمل الدعاة سبيل لتقويم سلوك الأمة جمعاء من كان منهم من المسلمين أو من دخل في دين الإسلام حديثاً ، وأبسط مثال على ذلك أنَّ كثيراً ممن يسلم على أيدي الدعاة يصطبغ بصبغتهم الفكرية والسلوكية صوفيين أو سلفيين أو غير ذلك … ، و من ثَمَّ فعمل الداعية ( لا سيما في عصرنا الذي تأكَّد فيه وجوب الدعوة وجوباً عاماً من ناحية ، وصار للدعاة فيه مكانة حرَّكت في الشارع الإسلامي التعلُّقَ بالدعاة حتى في لباسهم ربما من ناحية أخرى ) أحوجُ ما يكون للضبط بالمقاصد الشرعية المقصودة منه . وإنني أعتقد أنه بردِّ مناهج الدعوة إلى بيانٍ وتفصيلٍ مقاصدي تتَّضِح معالم الطريق الدعوي و تتضاءل مساحات الخلاف و تتخلَّص الدعوة من بعض شوائبها وسلبياتها .
ولست أريد في مقال صغير أن أتحدَّث بتفصيلٍ وافٍ عن كيفية تفعيل مقاصد الشرع في جهود الدعاة ؛ لأنني أظنُّ أن ذلك يحتاج إلى مقامٍ آخر ، وحسبي أن أنبِّه على عملٍ يحرك همَّة أولي الأمر للنظر فيه ، ويثير بعض النقاط التي تحتاج إلى جهود مخلصة لفصل الخلاف فيها .
وبناءً على ما تقدَّم فإني أودُّ الحديث عن بعض القضايا المهمَّة في هذا الباب ، موجزاً لأهم ما أراه واجبَ البيان هنا ، مشيراً لبعض مناحي الاختلاف في هذه النقاط ، تاركاً التفاصيل وما يكون من قبيل إتمام صورة البحثِ وتكامل أركانه إلى بحث أو كتاب ، أو باحث وكاتب يجلو الصورة بكمالها .غير أني سأقدِّم مسألة مهمَّة جدَّاً لبيان أنَّ الفصل في هذه القضايا ليس بالأمر السهل ؛ لأنَّه يحتاج لاجتهاد علميٍّ رصين ، عمدته فهم مقاصد الشرع العامَّة و معرفة كيفيَّة تنزيلها على الحوادث و الجزئيَّات الخاصَّة .

العلم بالمقاصد شرط في المجتهد :

إنَّ النظر في الكلِّيَّات ، وربطَ ذلك بالجزئيَّات مهمَّة اجتهاديَّة ، أي أنَّها تحتاج إلى ملكات و أدوات لا يحصِّلها إلا نخبة من الناس ، وعلى رأس هذه الأدوات العلم بالمقاصد كما يرى الإمام الشاطبي رحمه الله حيث يقول : ” الاجتهاد إن تعلَّق بالاستنباط من النصوص فلا بد من اشتراط العلم بالعربية ، وإن تعلَّق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردةً عن اقتضاء النصوص لها، أو مسلمة من صاحب الاجتهاد في النصوص ، فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية ، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلاً خاصة “([2]) ، و يقول في موضع آخر : ” إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين، أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. أما الأول: فقد مرَّ في كتاب المقاصد أنَّ الشريعة مبنية على اعتبار المصالح ، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك ، لا من حيث إدراك المكلف… واستقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب، فإذا بلغ الإنسان مبلغاً فَهِمَ عن الشارع فيه قصدَه في كل مسألة من مسائل الشريعة ، وفي كل باب من أبوابها ، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزُّلِهِ منزلةَ الخليفةِ للنبي صلى الله عليه وسلَّم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله . وأما الثاني: فهو كالخادم للأول، فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً ومن هنا كان خادماً للأول ، وفي استنباط الأحكام ثانياً…” ([3]) ، فكأنه يجعل القدرة على الاستنباط فرع فهم المقاصد وبالتالي فلا شرط سوى معرفة المقاصد ، أمَّا القدرة على الاستنباط فهو وسيلة ولكن ” لا تظهر ثمرة الفهم إلا في الاستنباط ، فلذلك جعل شرطاً ثانياً ” . ([4])
ثُمَّ إنَّ النظر المقاصديَّ في اعتقادي ليس أمراً يتعلَّق بطبيعة الإنسان و تفكيره وأسلوب تربيته ، بحيث يمكن أن نجد عالماً لا يعتبر المقاصد ألبتة ، و آخر يعتبرها أبداً ، بل لا يكون العالم عالماً ما لم يكن له نظرٌ مقاصدي ، وهذا معنى اشتراطه في كلِّ مجتهد ، لكنَّ أسلوب التفكير مع البيئة و التربية ، كلُّ ذلك يساهم في تحديد مدى إعمال المقاصد والاعتماد عليها في النَّظر العلمي ، ولا بأس أن أناقش سريعاً ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أنَّ شرطَ العلم بالمقاصد شرط صحة لا شرط ملكة([5]) ، أي أنه يمكن أن يكون العالم مجتهداً وإن لم يعرف المقاصد أو لم يعترف بها، حيث استدل على ما ذهب إليه بدليلين:
الدليل الأول : الحديث المشهور الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه يقول: ” قال النبي صلى الله عليه و سلَّم لنا لما رجع من الأحزاب : ( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يُرِدْ منَّا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلَّم فلم يعنف واحداً منهم “([6]) .
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لم يَلُم أولئك الذي خالفوا ما يقتضيه ظاهر اللفظ دون إعمال المقصد ، فالذين لم يصلوا فاتتهم صلاة العصر، ومع ذلك لم يستجيبوا لما يظهر أنه المقصد من توجيهه صلى الله عليه و سلَّم وهو الإسراع دون تفويت الصلاة .
الدليل الثاني: أنَّ الظاهرية وبعض الشيعة والمعتزلة ينكرون تعليل الأحكام والقياس، وهم مع هذا مجتهدون على الصحيح ، وهذا دليل على أنَّ الإنسان يمكن أن يبلغ مرتبة الاجتهاد وإن لم يراع المقاصد ، لكن اجتهاده يغلب عليه الخطأ وإن كان صاحبه معذوراً بل مأجوراً.
وليس هذان الدليلان بِرادَّيْنِ ما تقدَّم من رأي الشاطبي الذي تعضده النصوص واالأصول والمؤيدات الشرعيَّة المختلفة ، كما أنَّ دلالتهما على قبول اجتهاد من لم يفهم المقاصد لا تسلَّم ، وذلك للأمور التالية:
1- إذا نفينا العلم بمقاصد الشريعة عن أصحاب رسول الله وهم الذين شاهدوا التنزيل وعاينوا أحواله وأقواله صلى الله عليه و سلَّم ، وتميَّزوا بفطرة سليمة ، وفهمٍ عميق ناجم عن طبيعة البيئة والمكان ، فمن يمكن أن نصفه بمعرفة المقاصد؟‍ وهل استدللنا على وجوب العلم بالأصول بغير مسلكهم في تعاملهم مع النصوص؟ لو كان صحيحاً أن في مجتهدي الصحابة من لا يعرف المقاصد ولا يراعي العلل والحكم لمَا كان معنى لاشتراط العلم بها لا لصحة الاجتهاد ولا لإيقاعه أو ملكته.
2- أساس الخلاف بين الصحابة في الصلاة في الطريق ناجم عن تعارض دليلين: الأول : أمر الله ورسوله بمراعاة وقت الصلاة، والثاني أمره صلى الله عليه وسلَّم بالصلاة في بني قريظة، ولكلٍّ وجهة نظرٍ في الترجيح ، وكلاهما مطبِّق لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في عموم أو خصوص.
3- إذا سلمنا أن مقصده صلى الله عليه و سلَّم من الأمر بالصلاة في بني قريظة هو الإسراع إليهم ، فلماذا نحكم بتحقيق هذا المقصد من الذين لم يسرعوا ، وبعدم تحقيقه من الذين أجَّلوا الصلاة لأجل الإسراع ؟ أمَّا إذا كان المقصد الحثُّ على الإسراع ، فهذا تختلف الأنظار في فهمه وتوجيهه ، والتزام النصوص عند الاحتمال أسلم إذا وجد الشك ، فإذا انتفى الشكُّ جاز العمل بمقتضى المقصد. وغاية ما في الحديث أنَّ من التزموا أمرَ رسول الله صلى الله عليه و سلَّم بالصلاة في بني قريظة شكُّوا في أن يكون مقصده هو الحث ، وهذا الشكُّ هو الذي دفعهم للأخذ بالأمر على ظاهره ، إلا أنهم لم يفهموا مقاصد الشرع ولم يعرفوا أهدافه العامة.
4- معرفة علَّة حكمٍ ما تتعلَّق بالقياس ، و إنَّما الحديث في وجوب معرفة مقصد كل مسألة عن طريق ربط ذلك بالمقاصد العامة ، وليس في الحديث أنَّ الصحابة الذين لم يصلُّوا في الطريق لم يفهموا المقاصد العامة للشرع ، فالدليل في غير موضع النزاع .
5- أما من لا يرى التعليل للنصوص فليس حجة في أنَّ المجتهد لا يشترط فيه علم المقاصد ، ذلك أنَّ نفاة القياس لا يجهلون مقاصد الشرع العامَّة ، فابن حزم مثلاً لم ينكر القياس إلا بعد معرفته ، والناظر في فتاوى ابن حزم رحمه الله يراه عالماً بمقاصد الشرع فاهماً لأهدافه العامة ، فإذا لم يطبق ذلك في مسائل فهذا خطأ الاجتهاد لا اختلال الشرط ، ونفيه رحمه الله للتعليل أوقعه كما قال العلماء في طامات ، ولكن تطبيقاته دالة على أنَّه إن لم يقل بالقياس في الجزئيات فهو معتبر لها من حيث جملة الشريعة ، ولهذا تفصيل ليس هذا مكان الإسهاب فيه، غير أنه وبالنتيجة كما أن ابن حزم رحمه الله ومن وافقه لا يصدُّون عن اشتراط العلم بالقياس فكذا الأمر هنا ، بل ههنا آكد .

النقطة الأولى ـ الدعوة إلى الله مقصد أم وسيلة :

هناك طرق وضعها الأصوليون لتحديد المقاصد ، ومع هذا التحديد لم يخلُ الأمر من اختلاف في التطبيق ، ولذا يبقى تحديد المقصد أمراً يحتمل البحث والتردد ، إلا أنَّ المهم هنا التنبيه على ضرورة حسم هذه المسألة ، ذلك أنَّ المقصد أهم من الوسيلة ، ولا يعني هذا أنَّ الغاية تسوِّغ الوسيلة ، لكن يعني أنَّه عند الترجيح للتعارض يقدَّم المقصد ، وعلى سبيل المثال : لو شعر داعية أن خلوته بامرأة يدعوها إلى الله ضرورية ( ضمن ضوابط وتحرير نية بلا شك ) فهل الدعوة كونها مقصداً يتعلَّق بالدين مقدَّمة على منع الخلوة كونها وسيلة قد تفضي لخرم مقصد يتعلَّق بالعرض ، والأمثلة على هذا كثيرة يمكن أن تخرَّج على أساس تحديد مكانة الدعوة في المقاصد الشرعية .
ولا شكَّ أنَّ الأمر قد يكون مقصداً لما هودونه في المرتبة ، ووسيلة لما هو فوقه ، أي أنَّ كون الشيء وسيلة لا يناقض كونه مقصداً من جانب آخر ، بالإضافة لذلك قد يكتسي الأمر ثوب المقصد للاهتمام الشديد من الشارع به ، و إن كان في الأصل وسيلة ، ويمكن أن تكون الدعوة من هذا ، أو ذاك ، أو من كليهما .

النقطة الثانية ـ هل الهداية مقصد شرعي ؟

يمكن أن يتعجَّل كلُّ فريقٍ الإجابةَ ، ذلك أنَّ الهداية بمعنى إيصال المدعو إلى طريق الحقِّ أمرٌ جعله الله عزَّ وجل بيده ، قال تعالى : { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } [ البقرة : 272] ، وقال سبحانه : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }[ القصص : 56] ، والآيات في هذا كثيرة معروفة . وللفريق الآخر أن يقول : إن لم تكن الهداية غايةً فلِمَ البيان ؟ هل يعمل المسلم في الدعوة لتوسيع علاقاته الاجتماعية ؟ ! !
ظاهر أنَّ المقصود من الدعوة هداية الناس ، لكن مَنْ أعرض فعليه وزره ، أما أنَّ الهداية بيد الله فهذا شأن كل حركة أو سكون في هذا الكون ، إنَّ مقصِدَ من يفتح متجره في الصباح إنَّما هو الرزق ، وكل مسلم يعتقد أنَّ رزقه بيد الله ، وبالتالي فالهداية مقصد الداعية في دعوته ، والسعي لتحقيقها بين الناس مقصد شرعيٌّ مقدَّم على الجهاد الذي هو سنام الإسلام ، بل إنَّ الجهاد ماشُرِع إلا ليكون وسيلة من وسائل الهداية ، وهو وسيلة دون الدعوة بلا شك ، وانظر إلى قول الخطيب الشربيني من كبار علماء الشافعيَّة ، في كتاب هو عمدة في المذهب ، وفي عبارة تزن الكتاب من الذهب ، : ” وجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد ، إذ المقصود بالقتال إنما هو الهداية ، وما سواها من الشهادة ، و أمَّا قتل الكفار فليس بمقصود ، حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد “[7] .
وبناء على الاختلاف بين الرأيين تبرز عدة مسائل كثيراً ما يتداول الدعاة بحثها ، فالفريق الأول يرى أنَّنا لسنا معنيين بهداية الآخرين ، و إنما واجبنا بيان الدين لهم عبر دعوة تقدِّم الإسلام تامَّاً غير منقوص ، أعجب الأمرُ المدعوِّين أم لم يعجبهم ، في حين يردد الفريق الآخر مع ابن تيميَّة : ” التائب من الذنوب و المتعلِّم و المسترشد ، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ، و يذكر له جميع العلم ، فإنَّه لا يطيق ذلك ، و إذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال ، و إذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم أو الأمير أن يوجبه جميعه ابتداء ، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان ، كما عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عما عفا عنه إلى وقت بيانه ، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات ؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل ، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط ” [8].
وثَمَّ مواقفُ من السيرة النبوية قد يستدلُّ كلُّ فريق لموقفه بها ، وعلى العالم أن يحرِّر محلَّ النزاع ويربط ذلك بالمقاصد ليتبين الحقَّ في المسألة . فمن هذه المواقف ما ذكره ابن إسحاق في السيرة من أنَّه لما قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا عنده طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم اللات ثلاث سنوات لا يهدمها فأبى ، فما زالوا يسألونه سنة سنة حتى سألوه شهراً واحداً فأبى أن يدعها إلى أي أجل ، وإنما كانوا يخافون ثورة الناس والسفهاء والذراري عند هدمها قبل أن يستقر الإسلام في نفوسهم ، غير أنَّ سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الدعوية أبت الإمهال مهما كانت العواقب[9] .
وعلى الجانب الآخر لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يعود بالكعبة إلى ما كانت عليه زمن إبراهيم عليه السلام ـ كما في البخاري وغيره ـ امتنع ممَّا أراد فعله خشيةَ افتتان قومه وقال لعائشة رضي الله عنها : ” لولا أنَّ قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها … “[10] . ويظهر فريق ثالث يستدل بموقف آخر ليوفق بين الأدلة فيذهب إلى أنَّ أحكام الإسلام على نوعين : نوع لا يكون الإسلام دونه كالصلاة ، وفي خبر وفد ثقيف المتقدِّم ، قال صلى الله عليه وسلم : ” لا خير في دين لا صلاة فيه ” ، ونوع من الفروع التي يمكن للداعية والأمير أن يؤخرها لأنها ليست جوهرية في الدين ، وفي حديث أبي داوود عن وهب قال : سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت ، قال : اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد ، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ) [11].
النقطة الثالثة ـ المداهنة والمجاملة وسيلةً لاستمالة الناس :

أنكر سبحانه على الدعاة مداهنة المدعوين ، بل أنكر كل الإنكار الإعراضَ عن الضعفة رجاء إيمان العظماء ، أوالانشغال بالعمل الدعوي الخارجي ـ كما يمكن أن يفسر ذلك بعض الناس ـ عن بيان الشرع وتثبيت المؤمنين ، كما يفعله كثير من الدعاة اليوم ، قال تعالى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا {28} وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } الآية [ الكهف : 28 ـ 29 ] ، وقال جل من قائل : { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }[ القلم : 9] ، فالمداهنة مرفوضة ، والإعراض عن طالبي الحق لهداية أقوامٍ يُظنُّ أنَّ لهم أثراً أكبر في حياة الناس مسألة قد يخالطها قصد الدنيا ” تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ” . وقد سافرت إلى الصين مرة ووقفت على حاجة الناس هناك للدعوة والإرشاد والنصح والبيان ، بل ما أسماه بعض الفضلاء إحياء أمة من أمم الإسلام ، ودخلت مسجداً أحاطني القائمون عليه بكثير من الاهتمام ، ولما سألت عن السرِّ قالوا : ” لا يزور هذا المسجد إلا غير المسلمين ” ، قلت في نفسي ـ وظني في الناس الإخلاص والصدق ـ لِمَ يُيَمِّم كثيرٌ من الدعاة شطر الغرب تاركين الشرق وهو بهم أحق . ولقائل أن يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرم العظماء وربما جامل بعضهم ليثبِّته على الإسلام ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها : ” أنَّ رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه و سلَّم فلما رآه قال بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة ، فلمَّا جلس تطلَّق النبي صلى الله عليه و سلَّم في وجهه و انبسط إليه “[12] .
ولا شكَّ أنَّ التقريق بين مدعوٍّ و آخر ، وبين المداهنة الممنوعة و المجاملة المحمودة ، تفريقٌ يحتاج إلى دقَّة و تروٍّ ، و إن كان الأول قريب ممَّا يسميه الأصوليون تحقيق المناط ـ وهو ليس خاصاً بالمجتهدين ـ ، في حين أنَّ الثاني من قبيل ما يسمُّونه تنقيح المناط[13] .
وتحرير المسألة لا يكفي فيه توجيه عارض ، بل لابدَّ من النظر في مقاصد الشرع ، وأساليب تعامله مع الخلق زمن النبوة ، ليوضع بذلك منهج يسير عليه الدعاة ، يكون مرجعاً في الخلاف ونبراساً يضيء طريق الدعوة إلى الله .

النقطة الرابعة ـ الدعوة والفتوى :

الناس في هذا فريقان أيضاً ، وهروباً من الخلاف جنح بعض الدعاة إلى التخلي عن وظيفة الإفتاء قائلين إنَّ منهجنا دعوي فلا نتعرض لفتيا ولا نخاصم في الفروع . وهذا ـ في اعتقادي ـ لا يتفق ومقاصد الشرع ، فالله عزَّ وجل يقول : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [التوبة : 122] فجعل الله الفقه والإنذار مقصدين بدليلٍ من أقوى أدلة التعليل ( اللام ) ، وقرنَهما في بيان الوظيفة التي أوجبها الله على الدعاة مجيزاً بل موجباً تخلفهم عن الجهاد لأجلها ، ذلك أنَّ الهداية مقصدٌ مقدَّم على الجهاد القتالي كما تقدَّم بيانه .
ثمَّ إنَّ العلماء يقولون إنَّ موضوع الدعوة هو دين الإسلام ، و ما دين الإسلام إلا مجموعة من الأحكام ، تلك الأحكام التي تترجمها الفتيا .
وأما الفريقان فقائل يقول يؤخَّر البيان عند الحاجة ، وقائل يرى وجوب بيان الحكم عند السؤال عنه ولو شعر أنَّ المدعوَّ قد ينفر منه . و ينبني على ذلك موضوع لطالما كان مجالاً لنقاشٍ طويل بين الدعاة ، هل تختلف وظيفة المفتي عن وظيفة الداعية ، و كيف ؟ وما حدود ذلك ؟ أسئلة تنتظر إجاباتها ، وبيان الصواب يرجع إلى ربطٍ محكم ودراسةٍ مؤصَّلة ، تربط أحكام الدعوة بمقاصد الشريعة ، لتفعِّل هذه المقاصد في المجال الدعوي ، وهي دراسة واجبة اليوم أكثر من أي وقت مضى ، والله الميسر وهو يهدي السبيل .
أحمد محمد سعيد السعدي
7 / 5 / 2007 م

[1] هذا لا يعني أنَّ المتقدِّمين لم يعيروا ذلك أيَّ اهتمام ؛ فالحكيم الترمذي ألَّف في المقاصد الشرعيَّة الجزئيَّة ـ وهو أقدم من الجويني و تلميذه الغزالي فضلاً عن الشاطبي ومن بعده ـ ، غير أنَّ ما كتبه المتقدِّمون كان أقرب إلى الحِكَمِ العامَّة منه إلى المقاصد المنضبطة .
([2])- الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة الخامسة، المجلد الثاني 4/117.
([3])- الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة الثانية، 4/76-77.
([4])- الاعتصام للشاطبي، الباب العاشر، النوع الثاني 2/339.
([5])- الاجتهاد، د. القرضاوي، ص 46.
([6])- رواه البخاري في صلاة الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماء، رقم 904, ونحوه عند مسلم في الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو…، رقم 1770.
[7] مغني المحتاج للخطيب الشربيني ، كتاب السير ، 4 / 277 ( طبعة دار المعرفة ) .
[8] ينظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ت عبد الرحمن بن محمد ، 20 / 60 .
[9] ينظر : فقه السيرة ، د. البوطي ، ص 460 ( الطبعة العاشرة ) .
[10] لفظه عند البخاري : لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر … ، كتاب العلم ، باب من ترك بعض الاختيار …. ، 126 ، واللفظ المثبت لمسلم في الحج ، باب نقض الكعبة و بناؤها ، 1333 .
[11] رواه أبو داود ، الخراج و الإمارة والفيء ، ما جاء في خبر الطائف ، 3025 .
[12] البخاري ، الأدب ، لم يكن النبي فاحشاً و لا متفحِّشاً ، 5685 .
[13] يقصد بتحقيق المناط : النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور الفرعيَّة التي يراد قياسها على الأصل ، ينظر : الوجيز ، الزحيلي ، ص 82 ، و ظاهر أنَّ النظر في مناسبة المدعو أو قابليَّته للاستفادة من الدعوة من هذا القبيل ، و هذا النوع يعتمد على الذكاء و الفطرة المناسبة عند الداعي ، و لا علاقة مباشرة بينه و بين ملكة الاجتهاد . أمَّا تنقيح المناط فهو تعيين العلة من بين الأوصاف التي ربطها الشارع بالحكم ، ينظر : المرجع السابق ، و تحديد المداهنة يعتمد على تحديد علة النهي عنها ، وهو بلا شك من طريق تنقيح المناط ، وهذا يعتمد على ملكة الاجتهاد .

ملاحظة من إدارة الموقع: نبارك لأخينا الفاضل حصوله على شهادة الدكتوراة في الشريعة الإسلامية (وهو أكبر منها بحمد الله) ونسأل الله أن يجعله مفتاحاً لكل خير وينفع به.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على تفعيل مقاصد الشريعة في العمل الدعوي (الشيخ الدكتور أحمد السعدي) مغلقة

اكتشاف جمالية الإسلام – 2007-05-02

“لايمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لابد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره، وأعماله، ومساعيه … فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعاً نحو الإحسان في العمل، وتوخياً للكريم من العادات”[1].
عندما يُغَيَّب الهدى عن عباد الله ، وتصبح حتى رفرفات الأرواح التواقة إلى السداد والهدى أسيرة الظُلمة، فإن كل أثر صالح سوف يحيي موات أمة ويبعث العزائم بعد طول ضياع وسُبات.
ومن ألزم اللوازم إعادة إحياء العناصر الجمالية في تفكير المسلمين، فأكثرهم يستهلك وبسرعة مذهلة، معظم الرصيد الجمالي للأمة عبر نزوع بعضهم إلى الفكر الدموي، أو الخشبي، أو النفاقي، أو الرضى بالذوبان، وبعضهم يعيش الإسلام شكلاً سلوكياً متوحشاً لم ينزع منه حس الجمال فقط، بل نزعت منه كل وشائج الرحمة والإنسانية.
حُدثت عن داعية! قدم ديارنا من بلاد بعيدة، لكنه بري الطباع همجي التفكير كان يبحث عن طبيب مسلم لعلاج زوجته المريضة، فلما أخبره بعض الإخوة بوجود طبيبة حاذقة، رفض الذهاب إليها، وأصر على أن عمل المرأة حرام، ولن يعين هو على معصية!.
ومنتسب آخر إلى الدعوة يحس الإنسان من كلامه ومنطقه أنه يحمل فكراً أقرب إلى التوحش منه إلى المدنية، تزوج من فتاة صالحة فكان يصفعها على خدها فتنقلب من يمين الغرفة إلى يسراها، لعنف اللطمة التي تلقتها.
وآخرون يحملون فكراً تكفيرياً مغرقاً في البدائية (يزعمون الانتساب إلى أهل السنة والجماعة) ذبحوا من الجماعات السنية في العراق مالم يقتله الشيعة ولا الأميركان، وقتلوا بفتاوى أئمة لا تزيد أعمارهم عن العشرين خيرة الدعاة بل والمجاهدين، وانطبق عليهم حقاً ماقاله أحد العلماء يوماً من أن البعض يلتحق بعصابة إسلامية لأنه لم يجد عصابة قطاع طرق يلتحق بها.
وهناك أصحاب عمائم لم يؤثر عنهم ذكر الحق مرة، وكأنهم عاهدوا الشيطان أن يكونوا لكل طاغوت سدنة ولكل فرعون أعوان، فما تسمع منهم إلا الثناء الممجوج والمديح المقزز، والتبرير المتهالك لكل ما يقوم به أولياء نعمتهم من الظالمين!
وقد شاهدت مسجداً جميلاً أبدعته يد مهندسين مهرة، ثم شوهته منارتان بدائيتان خرجتا به عن كل وقار معماري، وعاتبت مسؤولاً يعمل في الآثار، على ذلك القبح الذي أفسد جمال لا المسجد فقط! بل جمال المدينة كلها، وأهدر كل ذوق! فهز رأسه بأسى، وقال: إن الشيخ الذي يتحكم في المسجد رأى أن هاتين المنارتين وبهذا التصميم البدائي المتنافر هو أنسب مايمكن، ووضع كل ثقله في الموضوع فما استطاعت المحافظة ولا الأوقاف والآثار أن تتدخل في الموضوع!
وبحثت مرة عن كتيب لتعليم الأطفال الصلاة فوجدت كتيباً بطباعة رديئة، وصور الطفل وهو يتوضأ في مكان أشبه بمخيم للاجئين، وقد سترت بعض الحاجات بقطعة قماش لم تقدر على إخفاء كل عيوب المكان ففرت بعض الأغراض مطلة برأسها من جهة اليمين واليسار! معلنة أن انعدام الإحساس بالجمال هو الرائد والموجه.
أحب أن أقف قليلاً عند مهرجان للنشيد الإسلامي عقد في دمشق، لم يذكر فيه المقدم كلمة الإسلام ولا مرة واحدة مستخدماً كلمة (الإنشاد الديني) ولعل هناك حكمة رآها الأخ المقدم وخفيت على كل عباد الله، ثم افتتح المهرجان وكان أول المنشدين الأستاذ منذر السرميني (أبو الجود) فأبدع فيما أنشد، وحلق ثم حلق فنقل الحضور إلى عالم أخاذ ومزج الفكر بالعاطفة ومد جسر السلوك لينهل من صفاء الإيمان، وأنطق قلوبنا بالاعتذار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما ذكره من رفيع شمائله ثم عظيم تقصيرنا في حقه عليه الصلاة والسلام… فجزاه الله كل خير ..
ثم … بدأ الديسكو الإسلامي! (وأستغفر الله) .. ورأيت وسمعت مالم أره وأسمعه قط .. وقلت لعالم جالس بجانبي .. إنني ممن يتبع رأي العلامة القرضاوي والغزالي المعاصر والقديم وابن حزم في إباحة أنواع من الموسيقا … (وخصوصاً إذا كانت لغايات نبيلة ونظيفة) .. ولكن هذا الديسكو شيء لا أعتقد أنه مقبول في أي مذهب، ثم تركت الحفل وخرجت .. (وقيل لي أنه بعد عدة فقرات من الديسكو رجع الأمر إلى نصابه …).
عدت إلى منزلي وسألت نفسي: لماذا ينشغل أساتذتنا وعلماؤنا في المساجد والمعاهد الشرعية بتحريم أو تأكيد الكراهة الشديدة للموسيقا، ثم نرى أنفسنا حضوراً في ديسكو كامل تهون معه كثير من (الفيديو كليبات الفضائية) … وقد داعبت (وكلي حزن) أحد العلماء الحاضرين، وقلت له: هذه فتوى قاطعة في جواز حضور الديسكو .. وانظر إلى العمائم الموجودة! (من باب الأمانة فقد ذكر لي أن العديد منهم قد انسحب لاحقاً).
لم يكن الأمر موضوعاً فقهياً فقط، بل الأمر أخطر بكثير.. فهو ذوبان للهوية، واستدراج للنشوز في الفكر والتصور والأداء، واستنساخ مشوه لقيم فنية غريبة .. وأعلم أن عند البعض ملاحظات على أعمال الفنان المسلم الموهوب سامي يوسف، ولكنه باختصار استخدم الموسيقا ليوصل رسالة إسلامية، وأعتقد انه قد نجح في هذا نجاحاً لا يخفى، ولكن الديسكو (الإسلامي) المعاصر جعل الهمجية والتوحش الفني يركبان عنق الإسلام، ثم الهدف البعيد هو محو الجمالية الخاصة بكل حضارة وثقافة، وطمس خصوصية الفن، لتعميم النموذج الغربي المشوه، وللعلم فإن الطبقات المثقفة والمحبة للجمال لا تذهب إلى الديسكو في المجتمعات حتى الغربية، بل تتمع بالأعمال ذات البعد الجمالي الفلسفي .. من بحيرة البجع وحتى عزف البيانو ووصولاً إلى العزف المنفرد وموسيقا الحجرة.
استمع إلى الموسيقا الهندية فترى أن عليها بصمة وروح الثقافة الهندية مهما غرقت في الموسيقا الغربية، واستمع إلى نشيد (Si Ji) البوسني (وقد وضعناه في قسم دوحة النشيد في الموقع كنموذج فني للإطلاع)، والذي تنشده فرقة أوركسترا كاملة ستحس بالفرق بين من يوظف الموسيقا لخدمة الثقافة والهوية، وبين من يتاجر بكل شيء، وتغيب عنه آفاق الذوبان ومكر الزحف الثقافي الغريب.
الأمر أكبر من حكم فقهي محدود، بل هو جزء من محاكمات حضارية .. وأبعاد جمالية، وطريقة تفكير وانتماء.
عندما يحرم المسلم من الحس الجمالي فلا بد أنه قد ارتكب خطأ شنيعاً بحق الإسلام، ولا يعني الإحساس الجمالي الذوبان بكل مايطرح باسم الفن أو الجمال، وعلى المسلم أن يكون ذا إدراك وتذوق بحيث يقرأ الجمال في كل صعيد، وفي نفس الوقت ذا حس نقدي، يجعله يدرك المفارقات والتباينات والوظائف والخلفية لكل عمل، فيقبله أو يرفضه لا ليبوسة في طباعة أو جهل منه بالمدارس الجمالية، بل لوضوح الوظيفة الجمالية وخصوصيتها الإسلامية والشرعية، والتي لا يمنع من أن تتلاقى أو تفترق مع الأنماط المطروحة، ولكن تبقى لها رسالتها ودورها الخاص والمتميز.
“هناك على الخصوص صلة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال ، تكون في الواقع علاقة عضوية ذات أهمية اجتماعية كبيرة، إذ أنها تحدد طابع الثقافة كله، واتجاه الحضارة حينما تضع هذا الطابع الخاص على أسلوب الحياة في المجتمع، وعلى سلوك الأفراد فيه”[2] .
وقد كان أحد كبار الدعاة يصر على أن تزين كل اجتماع باقة من الورود تعيد التذكير بضرورة العنصر الجمالي، وأن ينعكس الإحساس به في كل موقف وقرار.
ويذكر عن إقبال أنه قال: “إن طريق معرفة الحق في المذاهب والفلسفات والأديان والثقافات والحضارات هو أن تنظر إلى نموذج الإنسان الذي أنتجه هذا الدين أو الثقافة”.
وبالتالي فإن كل تصرف يقوم به الفرد إنما يَثبُتُ به حق أو يرتفع به باطل … تماماً مثل المشاركة في الانتخابات فإن صوتاً واحداً قد يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً .. وقد يعين على طاعة أو معصية! وحقيقة الجمال أن تعرف متى تضع صوتك ومتى تحجبه ..
صعوبة إدراك الجمال أنه قيمة مطلقة ونسبية في نفس الوقت، وإدراك معادلاته لايأتي إلا من خلال علم ومشاهدة ومجاهدة وتذوق، وقد يهيم الخيال برجل فلا يتذوق موقف سعيد بن جبير رحمه الله في وجه الحجاج، مع أنه ذروة مشهودة من ذرى الجمال الإيماني البديع والأخاذ.
وقد تغيب عن العجول الأعماق الجمالية في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يقول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً … أو منهجيته العظيمة: رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي .. وقد يخطر ببال الجبان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحتى الجهاد في سبيل الله شيء لاينبغي أن يقوم به المعاصرون، ويطوي بذلك جمالية عظيمة حُفت بهذا الدين لا تظهر إلا على أيدي نبلاء الأمة، ومازال كثيرون يقرؤون حرفية الخطاب والموقف .. دون تمعن في مايحفه من جمالية ويقترن به من وظائف! وقد سمعت من المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري أنه كان عنده رجلان من الدعاة، وكانوا يستمعون إلى الأخبار ثم خرج برنامج للمصارعة الحرة، فقال المسيري لهما: هل تظنان أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كان سيسر بذلك؟ فقالا: لا! فقال: ولم؟ فقالا: لأنهما يلبسان سراويل قصيرة!!
إن كل التوحش الذي تنطوي عليه تلك الرياضة العنيفة لم يستدع منهما النظر إلى الموضوع كمنكر إنساني وحضاري وأخلاقي، ونظرا إلى أصغر جزئية في الموضوع …
ومصطفى العقاد ذلك المخرج الفذ لم يدرك الإسلاميون ماذا كان يصنع للأمة! بل أجهزوا عليه في انفجار أرعن … ولم يدركوا أنه بعمليه الرائعين: الرسالة (والذي لايزال غير مفهوم سبب منعه في بعض الدول العربية التي تزعم العلمانية!) وعمله الفذ الآخر:عمر المختار، قد مد بساط الإسلام إلى نفوس الملايين، وقد قرأت عن أخت بريطانية أسلمت والتزمت بالإسلام بعد رؤيتها لعرض الرسالة! [بالمناسبة النسخة العربية أضعف فنياً بكثير من النسخة الإنكليزية! فهل هناك تعاهد على أن يبقى كل شيء يصدر من قبل العرب محفوفاً بقلة الإتقان].
لقد بسط العقاد جمالية الإسلام وعناصر الثبات والقوة والسمو فيه بشكل مازال أغلبنا لايدرك عميق آثاره، وأظن أن المال الذي أنفق على بعض العمليات الرعناء، وفي التفجيرات التي آذت المسلمين في الأرض أكثر مما آذت غيرهم، لو أنفق ذلك المال على مثل مايفعل العقاد لأثمرت مداً للإسلام لا يمكن حسره عن نفوس البشر.
كل البؤس الذي تعيشه الأمة وكل المكر الذي يحيط بنا ليس سبباً بحال لأن ندمر حس الجمال فينا، ونحن عندما نتحرك في الأرض فإننا نزرع الجمال في كل مفصل ونهز بإيماننا أقسى القلوب، أما كان واحد الصحابة يستقبل الموت بركعتين، ولا يمنعه القدوم على الموت من أن يعلن عظمة الإيمان الذي يحمله، وسموه فوق الطغيان والأوثان والفراعين.
وذلك الداعية الذي حكم عليه بالإعدام، ولف حبل المشنقة على عنقه، فكان الحبل مهترئاً فلم يقو على حمل الداعية وانقطع، فابتسم الداعية للموت القادم وقال لجلاديه: ما أردأ الحبال التي تشنقوننا فيها، إنكم لا تتقنون شيئاً في الحياة، حتى في لف الحبال حول أعناقنا.
لقد أبى إحساسه بجمالية الإتقان أن يغادر الدنيا دون أن يسطر فيها فضيحة للظالمين، تري الناس كلهم هبوط أذواقهم وقلة إتقانهم وحرمانهم من نعمة الذوق والجمال.
إن حب الجمال في الحياة يفترض أن يعانق كل ذرة فينا، وعلينا أن نأخذ منه بالحظ الأوفى؛ فالمُشاهد أن أغلب الانحرافات تأتي ممن حرم نعمة تذوقه ، فهو قمة التناغم والتوافق والتألق والعطاء، و”إن الله جميل يحب الجمال”[3]، وعلى هذا فالإيمان هو ذروة الجمال، والكفر هو غاية القبح، وتذوق الجمال الإيماني مدعاة لكل بر ومعروف، وفي ديننا يعلمنا الرسول r أن “كل معروف صدقة”[4]، وهذا يمتد فيشمل حتى الحيوان البهيم فـ”بينما كلب يطيف بركية ، كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ؛ فنزعت موقها فسقته ، فغُفِر لها به”[5].
يشير قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[6] إلى منهجية دعوية لابد من اعتمادها لصيانة البلاغ المبين وتقوم على تعليم المدعو القراءة من آيات الآفاق والأنفس ، وتذوق جمالية الخلق، وهو ماسوف يعطيه توازناً بين المناهج الثلاثة العقلية والعاطفية والحسية، ويؤدي إلى تواجد رصيد إيماني يمنع من الذوبان والتآكل.
“إن المعرفة تأتي من التفكير (ومن أدام الفكرة كان له بكل شيء عبرة) ، وحولنا الكثير من الآيات والنعم التي يجب أن نتدبرها ، فلنفكر بها ولنترك أرواحنا تنال حظها من غذائها ؛ وقد كنت يوماً مع بعض الإخوة في الغابة ، وكانت زقزقات الطيور ساحرة، وفجأة قال أحد الإخوة: إن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)[7] ؛ وإذا تابعنا الكلام فلن نستطيع سماع وفهم تسبيح باقي الكائنات! وبدأنا نصغي باهتمام ؛ لقد كان أمراً أخَّاذاً وبدأت أرواحنا تصغي وتتفاعل مع تلك اللغات العلوية المذهلة.
إنه ليس ضرورياً الذهاب إلى مكان بعيد من أجل التفكر والتعلم ؛ فإن الله تعالى يقول: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[8].
الآيات من حولنا كثيرة جداً ، يمكن أن نسمعها ونحسها ونراها؛ في ماء الجدول الرقراق، وفي تسبيحات الطيور؛ وفي ابتسامات الأطفال الرائعة؛ وعناق الأشجار الملتفة؛ في أجنحة الفراشات المرفرفة، وفي أعماق نفوسنا ؛ سنحس بعظمة الله ، وتشهد كل ذرة من كياننا أنه لا إله إلا الله.
إن ذلك التفكر سوف يؤدي إلى زيادة الإيمان، ولنقرأ معاً هذه الآيات التي حملت من الإيمانيات مالا تحيط بجميعه المعاني البشرية المحدودة: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(64))[9] .
من التفكر العميق والإيمان الصافي ستنبعث العبادة الصادقة ، والتي ستمد الإنسان بالمزيد من التفكر والإيمان”[10].
من جمال المنهج إدراك اختلاف طبائع المجتمعات البشرية وثقافاتها وعاداتها، والمنهج الجامع في العلاقة معها هو قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[11]، وفي كل مجتمع روابط ثقافية واجتماعية، يحافظ الأفراد والجماعات من خلالها على هوية خاصة .
ويلاحظ أنه “لم يأخذ أكثر فقهائنا عالمية الإسلام بعين الاعتبار -محددا منهاجياً- في تنظيرهم الفقهي لعلاقة المسلمين بغيرهم ، بل عبروا عن نوع من الانطواء على الذات لايتناسب مع خصائص الرسالة الخاتمة والأمة المخرجة الشاهدة، كما حدث نوع من التركيز على المحيط الجغرافي والاجتماعي بدرجة قد توحي إلى البعض بارتباط الإسلام بذلك المحيط الذي بلغه في فترة انتشاره الأولى”[12]. وفي بعض الأحيان تتصادم بعض تلك العادات والأبنية الثقافية والإجتماعية مع السلوكيات والتعاليم الشرعية ، والمشكلة أن الحلول المطروحة بعضها صدامي لدرجة أنه كفيل بإغلاق الأبواب في وجه الإسلام، ويحسن التعامل مع تلك الأوضاع الثقافية بالصبر والاستيعاب ماأمكن، مع غض النظر مؤقتاً عن بعضها، ريثما تستدرك اختلالات أعظم، ببنائها يصبح من الميسور تغيير سلبيات كثيرة.
يقول المفكر الأستاذ عبد الكريم بكار: “وحدثني أحد الدعاة في ماليزية ؛ أنه قرأ نحواً من مئتي كتاب حول الثقافة الصينية حتى يُكَوِّن خلفية تمكنه من دعوة الصينيين إلى الإسلام بنجاح”[13]، فكلما اتسعت المعرفة بني جمال المنهج والطريق بشكل أشد إحكاماً، والأمة التي يقول لها نبيها r : “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”[14] عندما ضاع التذوق الجمالي عند بعض أبنائها خرج منها في الولايات المتحدة الأميركية طالب مسلم “هدد أنه إذا وجد امرأة في المسجد فسوف يلقيها في الشارع ، وأما هؤلاء النسوة الجدد فقد سئمن المحاولة للصلاة في المركز [الإسلامي] بعد أن سببت محاولتهن تلك نقاشاً وجدالاً عنيفين، وهكذا فقد امتنعن عن أداء الصلوات في المساجد ، وسرعان ماعادت الجالية إلى طبيعتها ، ولكن حسب علمي لم تبق ولا واحدة من أولئك النسوة على إسلامها اليوم”[15]!
إن بعض الدعاة لايفهمون ثقافة الأمم التي يريدون الدعوة فيها ولذلك يخفقون ، ويكفي توجيهاً في هذا المقام قوله r : “ياعائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أُخرج منه وألزقته بالأرض”[16].
في مقابل ذلك المثال النافر عن جماليات الدعوة وآفاقها نجد المثال التالي: ذكر الإمام عبد القادر القرشي في كتاب الجواهر المضية في تراجم الحنفية ؛ في ترجمة فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندية، بنت الإمام السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء، وزوجة الإمام علاء الدين الكاساني صاحب بدائع الصنائع، أنها تفقهت بأبيها، “وأن الفتوى كانت تخرج من البيت وعليها خطها وخط أبيها ، ولما تزوجت بالكاساني صارت الفتوى تخرج من بيتها وعليها خطها وخط أبيها ، وخط زوجها ، وأن زوجها ربما كان يَهِمُ فترده إلى الصواب ، وتعرفه وجه الخطأ ، فيرجع إلى قولها.
وقال [القرشي] أيضاً : وقد بلغنا عن بلاد ماوراء النهر [شمال إيران الحالية، والتي كانت كلها على مذهب أهل السنة والجماعة] أنه في الغالب لاتخرج فتوى من بيت [عالم ] إلا وعليها خط صاحب البيت وابنته أو امرأته أو أخته”[17].
ولا يخفى التدهور الحاصل بين الفهم الشرعي الواسع، والفهم المعاصر الضيق الذي يكاد يستل من الإسلام عافيته بتخشبه وبدائيته وحرفيته.
من تأمل كلام الإمام الغزالي علم إلى أي حد وصل التعصب الذي غطى جمال الإسلام على كل صعيد، بحيث دعا رجلاً مثل الغزالي (وهو من أئمة الأشاعرة) إلى أن ينعى على كل متعصب طريقه: “فإن زعم [صاحبك] أن حد الكفر مايخالف مذهب الأشعري أومذهب المعتزلي أو مذهب الحنبلي ، أو غيرهم ؛ فاعلم أنه غِرٌ بليد ، قد قيده التقليد ، فهو أعمى من العميان ، فلا تضيع بإصلاحه الزمان …. ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه ، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب ، أما الكفر فلأنه نزَّلَه منزلة المعصوم من الزلل الذي لايثبت الإيمان إلا بموافقته ، ولا يلزم الكفر إلا بمخالفته …. “[18].
لعل من أكبر الأزمات غياب البعد الأخلاقي والذي هو ثمرة لضعف الإحساس بجمال الإسلام بمعناه الواسع، فتؤدي آفات القلوب إلى نتائج لا تخطر على بال، فإن المتصدي لهداية الخلق ربما نسي نفسه ، وصار يظن أنه يداويهم وهو عليل ، وقد تتعسر الأمور فينسب تعسرها إلى فساد الناس ، وينسى أن يفتش عما في قلبه ، وربما ظن لآفات فيه أنه من أهل الطريق، وماشم بعدُ رائحتها، ومن أعظم العيوب أولئك الدعاة الذين تخلو حياتهم من الذكر والاستغفار والابتهال والتضرع والافتقار، فلا تحس معهم إلا بأنك تخاطب جذوع أشجار قد جف فيها ماء الحياة. وإن “العلم كالغيث ينزل من السماء ، حلوا صافيا ، فتشربه الأشجار بعروقها ، فتحوله على قدر طعومها، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة”[19].
ومن أعظم الآفات التكبر، وقد قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[20] ، والتكبر ينقسم إلى باطن وظاهر: ” فالباطن هو خلق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح … وآفته عظيمة، وغائلته هائلة، وفيه يهلك الخواص من الخلق)[21]، “ومن اعتقد جزما ، أنه فوق أحد من عباد الله فقد أحبط بجهله جميع عمله”[22].
وقال تعالى في كتابه العظيم: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)[23]، قال “الحسن وقتادة: نيته”[24] ، ويؤكد الإمام الجيلاني على الإصلاح القلبي: “اشتغل بطهارة قلبك أولاً فإنه فريضة ثم تعرض للمعرفة . إذا ضيعت الأصل لايقبل منك الإشتغال بالفرع ؛ لاتنفع طهارة الجوارح مع نجاسة القلب. طهر جوارحك بالسنة وقلبك بالعمل بالقرآن؛ احفظ قلبك حتى تنحفظ جوارحك. كل إناء ينضح بما فيه”[25].
ومن لم يعلم أثر التكبر في الدعوة فلدينا مثال صريح ذكره الإمام السبكي: “فمن القبائح أن بلادنا ملأى من علماء الإسلام، ولا نرى فيها ذمياً دعاه إلى الإسلام مناظرة عالم من علمائنا، بل إنما يسلم من يسلم إما لأمر من الله تعالى، لامدخل لأحد فيه، أو لغرض دنيوي، ثم ليت من يسلم من هؤلاء يرى فقيهاً يمسكه ويحدثه ويعرفه دين الإسلام، لينشرح صدره لما دخل فيه؛ بل –والله- يتركونه هَمَلاً لايُدرى ماباطنه: هل هو كما يُظهر من الإسلام، أو كما كان عليه من الكفر؟ لأنهم لم يُروه من الآيات والبراهين مايشرح صدره”[26].
وقطع الإمام الغزالي شوطاً أوسع في تقدير الظرف الذي تعيشه الأمم من خلال غيابنا عن الساحة فقال: “وأنا أقول: إن الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة ، وإن كان أكثرهم يعرضون على النار، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو ساعة، وإما في مدة حتى يطلق عليهم بعث النار، بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى؛ أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة …. “[27]، وكثير من أهل الأرض الآن لا يقلون جهلاً عن أسلافهم، بل إن الإعلام المعاصر زاد جهلهم بالإسلام، ومايقترفه المسلمون بحق دينهم من الإساءات والتقصير يزيد الأمم بعداً وضلالاً، بل كما يذكر الغزالي المعاصر أن عديدين منا أصبحوا وثائق إدانة للإسلام.
وللإمام ابن تيمية نص ذهبي يجب تدارسه بعمق من قبل الدعاة، وهو نص يحيط بمسألة التعليم والدعوة والهداية من جوانب عديدة تظهر جماليات الفقه، وسعة الشريعة، وسبيل الداعية والعالم حيث يقول رحمه الله: “التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد ، لايمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم ، فإنه لايطيق ذلك ، وإذا لم يُطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال ، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم أو الأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً ، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لايمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان ، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه ، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات ، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل ، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط ، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع. ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل ؛ لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أوالتحريم ، فإن العجز مسقط للأمروالنهي وإن كان واجباً في الأصل ، والله أعلم”[28].
كل عمل نقوم به يثبت جمال الإيمان ويبعث الاعتقاد الحق، أو ينأى بالبشرية كلها عن الطريق، وصياغة بديع الزمان لذلك المفهوم جد صريحة: “إن سيئة واحدة إذا ألقاها واحد منا في ساحة هذا الوجود، يوشك أن تصبح بعد سنوات من الزمن جريمة لاتنسب إلى فرد معين ولاتنحصر في شخص، بل تنصبغ بها ملايين من النفوس الإسلامية، وستكشف لكم الأيام والأعوام القادمة عن أمثلة كثيرة لصدق هذه الحقيقة )[29]، والأصل في كل ذلك (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرو شراً يره)[30]. وليس لنا طريق سوى المنهج الذي أمر به الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[31]، وبه وحده نكمل نقص أهل الأرض من إيماننا ، ونهديهم الصراط المستقيم.

[1] – مالك بن نبي، شروط النهضة (مشكلات الحضارة)، ترجمة عمر كامل مسقاوي/عبد الصبور شاهين، دمشق، دار الفكر، 1399هـ/1979م، 91.
[2] – مالك بن نبي، شروط النهضة، مرجع سابق، 100-101.
[3] – يحيى بن شرف النووي ، شرح صحيح مسلم ، مرجع سابق ،كتاب الإيمان ، باب تحريم الكبر ، 172.
[4] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب الأدب (78) ، باب كل معروف صدقة (33) ، الحديث (6021) ، 10 ، 462.
[5]- ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، المرجع نفسه ، كتاب أحاديث الأنبياء (60) ، باب (54) ، الحديث (3467) ، 6، 591.
[6] – فصلت ، 53.
[7] – الإسراء ، 44.
[8] – الذاريات ، 21.
[9] – النمل ، 60-64.
[10] – بتصرف من محاضرة حول: كيف يعيش المسلم في مجتمع غير مسلم ؛ ألقاها الكاتب في جامعة مدينة نايميخن Nijmegen الهولاندية بدعوة من إتحاد الطلبة المسلمين ؛ بتاريخ الخميس 21 نيسان 2005م.
[11] – الحجرات ، 13.
[12] – طه جابر العلواني ، المجلة العلمية للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ، العددان الرابع والخامس ، حزيران 2004م/ربيع الثاني 1425هـ ، دبلن ، إيرلندا ، 56.
[13] – عبد الكريم بكار ، مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي (الجزء الثالث من سلسلة المسلمون بين التحدي والمواجهة) ، دمشق-بيروت/دار القلم- الدار الشامية ، 1420هـ/1999م ، 55.
[14] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب الجمعة (11)، باب (13) ، الحديث (900) ، 2 ،444.
[15] – جيفري لانغ ، حتى الملائكة تسأل ، المرجع نفسه ، ص 299.
[16] – ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، كتاب الحج (25)، باب فضل مكة وبنيانها (42) ، (1586) ،3، 514.
[17] – صالح يوسف معتوق ، جهود المرأة في رواية الحديث (القرن الثامن الهجري) ، بيروت ، دار البشائر الإسلامية ، 1418هـ/1997م ، 10.
[18] – محمدالغزالي (أبو حامد) ، (505هـ/1111م) ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، حققه : محمود بيجو ، دمشق ، 1413هـ/ 1993م ، ص 19-23.
[19] – صالح أحمد الشامي ، المهذب من إحياء علوم الدين ، دمشق ، دار القلم / بيروت ، الدار الشامية ، 1413هـ/1993م ،2 ، 205.
[20] – الأعراف ، 146.
[21] – صالح أحمد الشامي ، المهذب من إحياء علوم الدين ، المرجع نفسه ، 202 ، 205- 206.
[22] – صالح أحمد الشامي ، المهذب من إحياء علوم الدين ، المرجع نفسه ، 2 ، 206.
[23] – الإسراء ، 84.
[24] – محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ط2 ، القاهرة ، دار الكتب المصرية ، 1359هـ/1940م، 10 ، 322.
[25] – عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ، مرجع سابق ، 207.
[26] – عبد الوهاب ، تاج الدين السبكي (771هـ) ، معيد النعم ومبيد النقم ، حققه وضبطه : محمد علي النجار ، أبو زيد شلبي ، محمد أبو العيون ، القاهرة ، الناشر: جماعة الأزهر للنشر والتأليف ، دار الكتاب العربي ، (1367هـ/1948م) ، ص 76.
[27] – محمد الغزالي ، أبي حامد ، فيصل التفرقة ، مرجع سابق ، 84.
[28] – أحمد بن تيمية ، مجموع الفتاوى ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، الرباط ، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب ، دت ، 20 ، 60.
[29] – سعيد النورسي (بديع الزمان) ، الخطبة الشامية (سلسلة رسائل النور) ، ترجمة محمد سعيد رمضان البوطي ، دم ، دن ،
دت، 21. [وقد ألقى النورسي خطبته الشهيرة أثناء زيارته لدمشق عام 1911م]
[30] – الزلزلة ، 7-8.
[31] – سورة الأنبياء ، 107.

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على اكتشاف جمالية الإسلام – 2007-05-02 مغلقة