انهيار مراكز الدراسات والأبحاث (بين رفرفات بوعزيزي .. وتحليق القرضاوي) ..

إهداء : إلى الرجل العظيم (سرهندي سورية، وغاندي الشرق الأوسط، ومانديلا العرب …)

والذي كلما غاب يوماً آخر ، كلما حُفرت في قلوبنا أخاديد أعمق …

إلى الذي علمنا أن الدين الحق وعمل الأنبياء هو حب وتسامح، وغيرة ووطنية، وعدل وحرية وكرامة، ودفاع عن المستضعفين في الأرض …

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على انهيار مراكز الدراسات والأبحاث (بين رفرفات بوعزيزي .. وتحليق القرضاوي) .. مغلقة

بيان الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين – العلامة الإمام يوسف القرضاوي

بيان
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بشأن الانتفاضة المباركة في مصر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه.
(وبعد)
يتابع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بكلِّ اهتمام، وبقلق بالغ: الانتفاضة المباركة التي تجري في أرض مصر العزيزة على كلِّ عربي، وكلِّ مسلم، مصر بلد الأزهر، وقبلة الثقافة الإسلامية للأمة الإسلامية في كلِّ مكان. هذه الانتفاضة المصرية الخالصة الحرَّة المستقلَّة، التي يقودها أبناء الطبقة المتوسطة، الجامعيون المتعلِّمون، الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، بعد أن غرز فيهم وحش غلاء الأسعار أسنانه، وبعد أن طحنتهم مطالب الحياة التي لا ترحم، فالبطون الجائعة لا بدَّ لها من خبز، والأجسام العليلة لا بدَّ لها من دواء، والأسر المشرَّدة لا بدَّ لها من شقق تسكنها، والخريجون لا بدَّ لهم من عمل يعيشون منه.
ناهيك بما يشكو منه وطنهم العريق في حضارته وتاريخه من وهن وتأخُّر في التعليم والصحة والاقتصاد والقوَّة العسكرية، والانسحاب من دوره التاريخي في القضية العربية مع الدولة الصهيونية … فكادت إسرائيل كيدها لتخرجها من معركة فلسطين أو معركة الأمة العربية والإسلامية، وأصبحت مصر وسيطة بين الطرفين لا شريكا في الكفاح، وتخبطت مصر محليًّا، وضعفت مصر عربيًّا، ووهنت مصر إسلاميًّا، وتأخَّرت مصر دوليًّا، كانت ديون مصر أول ما تسلم مبارك الحكم (12) مليارا فأمست ديونها (880) مليارا، وغدا (40%) أربعون في المائة من أبناء مصر تحت خط الفقر، وكلُّ ذلك تراه أجيالها الجديدة، وتنكره بقلبها، صابرة على البلاء، مصابرة على البأساء والضرَّاء، وفي كلِّ يوم يزداد فقر الفقراء، ويتضاعف غنى الأغنياء، وفي كلِّ يوم يمرُّ، والمرجل يغلى، والنار تشتعل تحته، حتى أوشك للمرجل أن يتفجَّر أو يتكسَّر.
كان النظام المصري يسمع شكاوى الناس من كلِّ الطبقات، ولا سيما الطبقات الفقيرة والوسطى، ولكنه سدَّ أذنا من طين، وأذنا من عجين، وتعاون الثالوث المعروف: فرعون وقارون وهامان، فرعون المستكبر بسلطانه، المستخف بقومه، وقارون المغرور بكنوزه ومكاسبه، وهامان الواسطة بينهما، تعاون هذا الثالوث غير المقدَّس على نهب ثروات مصر، والعلو على شعب مصر، لحساب فئة قليلة، ظلَّت تسمن وأبناء مصر يهزلون، وتزداد تخمة وأهل مصر جائعون، ويطلبون الأطعمة لولائمهم وأعراسهم من باريس، وكثير من شعب مصر يئنون من الجوع أنين الملسوع.
كان الشعب يعيش في سجن كبير يحكمه قانون الطوارئ منذ عشرات السنين، لا يملك حرية سياسية حقيقية، فليس له حق تكوين الأحزاب، ولا حق الاعتراض على تصرفات الدولة، وإلا فالمحاكم العسكرية بالمرصاد، وحتى الحرية الدينية مفقودة، فالدولة تسيطر على المساجد والمنابر وخطب الجمعة، ويجب أن تُغلق المساجد بعد الصلاة.
والانتخابات تزوَّر علانية، جهارا نهارا، كما تجلَّى ذلك في انتخابات مجلس الشعب والشورى الأخيرة، التي بلغ فيها التزوير المكشوف أعلى المستويات، بعد أن أبعد القضاء المصري المحترم عن الإشراف على الانتخابات، وبعد التدخُّلات المستمرَّة في قهر القضاء ليخرج عن استقلاله، ويمسي تابعا للحزب الحاكم.
لقد عمَّ البلاء، وضجَّ الناس بالشكوى، وأضحى الأمر كما قال الشاعر:
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة

ولكن تفيض الكأس عند امتلائها!
وأخيرا: وبعد صبر طويل من الشعب المصري العريق، على المظالم والفقر والجوع، خرج شباب مصر الأحرار المتعلِّمون، بعد أن رأَوا أرض مصر تُنهب، وثرواتها تُسرق، ومؤسَّساتها تُباع بأرخص الأثمان، يتمُّ ذلك لحساب طواغيت الحكم المصري، وفراعنة الحزب الحاكم، من رجال الأعمال، الذين أُعطوا من الامتيازات والاحتكارات الكبرى، ما يميِّزهم وأقاربهم وأصهارهم عن سائر المصريين، الذين يعانون البؤس والحرمان.
والجيل الجديد من المصريين من الرجال والنساء، هو جيل من الطبقة المتوسطة من المتعلِّمين، نشأ في عهد الرئيس مبارك، ولم يعرف رئيسا غيره، اتَّفق بعضه مع بعض عن طريق الإنترنت، والفيسبوك والمحمول وغيرها من وسائل التواصل العصرية، على أن ينزلوا إلى الشارع، معبِّرين عن ذواتهم، ثائرين على أوضاعهم، مطالبين بحقوقهم، من خبز لكلِّ جائع، وعمل لكلِّ عاطل، ومسكن لكلِّ مشرَّد، كما ينشد حقَّه في الحرية والكرامة والعدل، وحقَّ وطنه في التقدُّم والرقي، لم يكن هذا التحرك تابعا لأيِّ حزب أو هيئة، ولم يحرِّكه أيُّ تنظيم سياسي تقليدي في مصر، ومن هنا لا يعرف لهذه الانتفاضة، بل الثورة قيادة معيِّنة، بل هي تقود نفسها بنفسها.
ولكن مما يُؤسف له: أن النظام المصري لم يدرك حجم التغيير، الذي حدث لهذا الشعب، كيف تغيَّر فكره، وكيف تغيَّر وجدانه، وكيف تغيَّرت عزيمته، فكلُّ ما قابل به التظاهر السلمي: المقابلة الأمنية التي تدرَّجت من عنف خفيف، إلى عنف ثقيل حتى إنه في يوم جمعة الغضب، سقط فيه مائة وخمسون شهيدًا من المتظاهرين، برصاص رجال الأمن، وحوالي أربعة آلاف جريح!
إن بعض الأنظمة للأسف لا تستفيد من الدروس من حولها، فهي عمياء لا ترى، صمَّاء لا تسمع، غبيَّة لا تفهم، وقد قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37]، وهؤلاء لا قلب لهم، ولا سمع ولا شهود.
إن الحكومة يجب أن تكون في خدمة الشعب، فهي وكيلة عنه، أو أجيرة له، وليست سيدة له، أو مستكبرة عليه، ورحم الله أبا العلاء المعرِّي حين قال:
مُلّ المقام فكم أعــاشر أمة

أمَرتْ بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية استباحوا كيدها

وعَدَوْا مصالحها ، وهم أجراؤها!
إن مشكلة الحكم في مصر، أنه حكم شعبا لم يعرف حقيقته، وظنَّ أن هذا الشعب سيظلُّ أبد الدهر مستكينا صبورا حليما، ونسَوا أن الحليم قد يغضب، وأن الصبور قد يثور، وقد استثاروا الشعب وأوقدوا شعلة غضبه، حين رأوا أن الذين ولَّاهم الله مسؤولية رعاية الناس، خانوهم وأضاعوهم وأكلوا حقوقهم، وأصبح المثل السائر على كلِّ لسان: حاميها حراميها. وتمثَّل الجميع بقول الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها

فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!
لقد ضجَّ المجتمع المصري من الفساد الذي انتشر انتشار النار في الهشيم، وانتهب هؤلاء الفسدة المفسدون المسنودون أراضي الدولة، وسرقوا ثروات الأمة، ولم يستطع أحد أن يحاسبهم، أو حتى يسائلهم، والمصريون يقولون: هل يستطيع أحد أن يقول للغولة: عينك حمراء؟!
وأخيرا طفق هؤلاء يهربون بطائراتهم الخاصة، محملة بالصناديق المملوءة بما خفَّ حمله وغلا ثمنه، من الذهب وغيره، حملتها (19) طائرة خاصة، تحمل رجال الحزب الوطني وسراق مال الشعب!! هربوا بأموالهم بأموالهم، وهي أموال الشعب، وتركوا البلد يخرب ولم يبالوا.
مَن المسؤول عن دماء هؤلاء الشهداء، الذين لم يقترفوا جُرما، ولم ينتهكوا حُرمة، ولم يرتكبوا منكرًا؟ المسؤول عن هذا هو النظام الظالم، ممثلاً في وزير الداخلية ورجاله، ومباحث أمن الدولة، وقبل هؤلاء جميعا، نقول: إن المسؤول الأول هو رئيس الدولة السيد حسني مبارك، فهو الراعي المسؤول عن رعيته.
ونحن نقف مع الشعب المظلوم ضدَّ ظالمة، وقد شرع القرآن للمظلوم: أن يجهر بالسوء من القول ضد ظالمة، كما قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]
ونحن نؤيِّد شعب مصر، الذي قدَّم تضحيات كبيرة من قتلى وجرحى في سبيل إصراره على تحقيق مطالبه في الحرية والكرامة والعزَّة، وقد حدَّدها الشعب المصري الكريم في جملة واحدة: أن يرحل مبارك، ونظامه ورجاله، ويترك الشعب المصري يختار لنفسه مَن يراه.
وليس المراد أن يزول شخص مبارك ويأتي مكانه شخص آخر من جنسه، ولكن المراد أن يزول هذا النظام بكلِّ رؤوسه ورموزه، وجذوره وفلسفته، ليقوم نظام آخر، له فلسفتة أخرى، يضع دستوره مجلس تأسيسي أو جمعية تأسيسية منتخبة، وقد يُضمُّ إليها مجموعة من حكماء مصر، الذين يأتمنهم الشعب على مستقبل الوطن.
وأن يقوم انتخاب لرئيس الجمهورية، انتخابا نزيها شفافا يشرف عليه القضاء إشرافًا كاملاً، ويكون الباب مفتوحا لكلِّ مصري مستوفٍ للشروط.
وكذلك ينتخب مجلس للشعب ومجلس للشورى.
وتبدأ مصر مرحلة جديدة من البناء وإقامة العدالة الاجتماعية، وحشد قوى الشعب في النهوض بهذا البلد العريق، وتجتمع كلُّ إمكانياته وفاعلياته للخروج من سجن التخلف، إلى باحة التقدم والترقي.
لقد رفض الشعب المصري المجالس النيابية التي تضم رجالا من تجار المخدرات، وتجار الأغذية الملوثة بالإشعاع، وسرَّاق الأراضي.
إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء: أن يبيِّنوا الحقَّ للناس ولا يكتموه، ووصف الله العلماء المرضيين عنده بقوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب:39]، وهذا هو شعار الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
وقد أمر الله المؤمنين، أن يتواصوا بالحقِّ والصبر، وأن يتعاونوا على البرِّ والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وأن ينصر كلُّ منهم أخاه ظالما أو مظلوما، ومعنى “أن ينصره ظالما”: أن يأخذ فوق يديه، يحجزه عن الظلم فذلك نصره، فـ”المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه”. أي لا يتخلَّى عنه.
ومن هنا ننصح للرئيس حسني مبارك – “والدين النصيحة” – أن يتَّقي الله في دماء المصريين، ولا ضرورة للمزيد من سفكها، وفي اقتصاد مصر، وقد خسر عشرات المليارات، بل مئاتها، وكلُّ يوم تزداد الخسائر وتتضاعف! حسبك ثلاثون سنة أيها الرئيس، فارحل ودَع الشعب يصرِّف أموره بنفسه، ينشئ حكومة إنقاذ مؤقتة، تشرف على انتخاب جمعية تأسيسية جديدة، تضع دستورا جديدا، يتضمن كل ما يصبو إليه الشعب من مبادئ وقيم، بعد تجربته الطويلة منذ سنة 1952م.
وعلى أساس هذا الدستور، تجري انتخابات رئاسية وتشريعية، لكلِّ من مجلسي الشعب والشورى.
على أن تقام محاكم مدنية تشكَّل من قضاة عادلين معروفين بنزاهتهم، لمحاكمة كلِّ مَن أجرم في حقِّ الشعب، وخصوصا في أيام الانتفاضة، ولا سيما من رجال الأمن، الذين قتلوا الناس الآمنين، ونهبوا البيوت والمحلات، وأحرقوا السيارات، مع أنهم المسؤولون عن أمن الناس. ومن حقِّ كلِّ مَن لديه مظلمة أن يتقدَّم إلى هذه المحاكم.
كما يجب أن يعوَّض كلُّ مَن ظلم، أو اتُّهم ظلما، أو أُسيء إليه بأيِّ طريقة من الطرق، ومَن لقي ربَّه، يُعوَّض أهله وذريته.
وما عند الله أوفى، وهو الذي يوفِّى كلَّ نفس بما كسبت، ولا يضيع عنده مثقال ذرة، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42].
ويبين الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هنا: أن المائة وخمسين قتيلا، الذين سقطوا برصاص رجال الأمن أو من يعمل لحسابهم من البلطجية والمجرمين، إنما هم هم شهداء عند الله؛ لأنهم خرجوا من جوامعهم في صلاة الجمعة، متوضئة أيديهم، طاهرة قلوبهم، محتسبين عند الله ما يصيبهم من أذى، يطلبون حقوقهم وحقوق أمتهم، غير باغين ولا عادين، لا يحملون سلاحا، ولا ينوون ظلما لأحد، فبغي عليهم بغير حق، ووجه الرصاص الحي إلى صدورهم، من أناس يفترض أن يحموهم.
فهؤلاء القتلى شهداء، لأنهم مقتولون ظلما وعدوانا، ولأنهم خرجوا من بيوتهم بنية الجهاد، وهم يدخلون في مضمون الحديث الشريف: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله”.
وفي الحديث الآخر: “مَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قتل دون دمه فهو شهيد، ومَن قتل دون أهله فهو شهيد، ومَن قتل دون ماله فهو شهيد”.
أما قاتلوهم، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وننذرهم بقول الله سبحانه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93]، وبخاصة أن القائل هو المسؤول عن حماية أرواح الناس وأموالهم، فكيف يصبح حارس الإنسان قاتله، وحاميه سارقه؟
وآمروهم الكبار شركاؤهم في الإثم، بل هم أكبر جرما، وأعظم إثما، وسينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:277].
وإني لأحيي الجيش المصري، الذي هو درع الوطن، والذي تعامل مع المتظاهرين في ميدان التحرير بروح الوطنية الحقَّة، والأخوَّة الخالصة، كما أن الشعب قابل الجيش بالترحيب والتصفيق والمصافحة لجنود الجيش، وإني لأناشد الجيش وضباطه الوطنيين المخلصين أن يتولَّوا هم حماية الشعب ومطالب ثورته، التي قدَّمت مائة وخمسين شهيدا وأربعة آلاف جريح، والجيش أهل لأن يتحمَّل مسؤولية الحماية المؤقَّتة، حتى يسلِّم الأمانة إلى نظام جديد، ورئاسة جديدة، تأتي نتيجة انتخابات حرَّة نزيهة، بناء على دستور جديد، تضعه جمعية تأسيسية منتخبة.
يا أبناء مصر الأحرار، لقد كانت هذه الانتفاضة الميمونة انتفاضة الشباب، أو الأبناء، وقد قاموا بالعبء الأكبر فيها، والآن أناشد جيل الآباء والشيوخ أن ينضمُّوا إلى أبنائهم، ويقفوا بجوارهم، ليشدُّوا أزرهم، ويسندوا ظهرهم، ويسدِّدوا خطاهم، ويتَّفقوا على المطالب الوطنية العليا، التي لا يختلف فيها اثنان، وهي رحيل هذا النظام الذي فقد شرعيته، ومبرر وجوده.
أدعو الأحزاب والقوى السياسية على اختلاف ألوانها واتجاهاتها، وأدعو النخب الفكرية والثقافية على تنوُّع فلسفاتها، وأدعو النقابات المهنية على اختلاف تخصُّصاتها، أدعو علماء الأزهر حيثما كانوا، في الجامعة أو المعاهد أو المساجد والأوقاف، أو التربية والتعليم، وأدعو المفكرين ورجال الجامعات والأكاديميين، وأدعو رجال القضاء والنيابة، وأدعو المحامين على اختلاف درجاتهم، وأدعو الصحفيين والإعلاميين، وأدعو الأطباء والمهندسين، وأدعو المعلِّمين والموجِّهين، وأدعو كلَّ النخب والمثقِّفين، وسائر النقابات، إلى أن يَدَعوا شواغلهم الخاصَّة، وينضمُّوا إلى هؤلاء الشباب الأطهار من أبنائهم، ولتتخلَّ كلُّ فئة منهم عن طلباتها الخاصة، وأهدافها الخاصة، وتركِّز على طلب واحد، هو الذي يردده شبابهم وأبناؤهم، والمعبِّرون عنهم: أن يذهب النظام ويحل محله نظام جديد، لم تلوث يده بدمهم، ولم يفرض نفسه عليهم، ليبدأ الشعب صفحة جديدة، وحياة جديدة.
إن شعب مصر يكتب تاريخا جديدا، بل هو يصنع تاريخا جديدا، فلنشاركه صنع هذا التاريخ، فهذا يوم له ما بعده، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
أدعوكم جميعا يا رجال مصر، أن تقفوا يدا واحدة، وجبهة واحدة، حتى تحققوا أمل الشعب، فإن الاتحاد قوة، ويد الله مع الجماعة، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:160].

يوسف القرضاوي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

كُتب في المناهج | التعليقات على بيان الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين – العلامة الإمام يوسف القرضاوي مغلقة

مخاطر غربة أجيالنا عن لغتهم الأم … للأستاذ علي الرشيد

رابط المقال: http://www.al-sharq.com/articles/more.php?id=224469

غربة أجيالنا عن لغتهم الأم.. مخاطر وتحديات

كيف نريد ألا تنحسر اللغة العربية عن حياة أجيالنا الصاعدة، بينما كل الأجواء المحيطة بهم تهوّن من شأنها، أو تدفعهم دفعا للهيام بغيرها، بقصد أو من دون قصد.
كان العرب يرسلون أبناءهم منذ نعومة أظفارهم إلى البادية لتعلم الفصاحة والبلاغة وسماع اللغة العربية الصافية وحفظ أشعارها، فتنشأ لديهم السليقة، بينما نفخر بإرسال أبنائنا إلى المدارس الأجنبية في سنّ الروضة.
وفي مدارس التعليم الأساسي والثانوي ببلادنا العربية يفسح المجال للغات الإفرنجية (الإنجليزية والفرنسية) لتكون لسان التعليم على حساب العربية التي أصبحت غريبة الوجه واللسان في أرضها وبين أهلها، وتستمر الحال على هذا المنوال إلى الجامعة التي أصبح الدخول إلى الكثير منها من دون “توفل” متعذرا.
إن تعلم وإتقان اللغات الأجنبية مطلوب وضروري، خصوصا في ظل تخلف أمتنا عن الركب الحضاري، شريطة ألا يكون ذلك على حساب لغتنا الأم.
ويتسع نطاق غربة أجيالنا المعاصرة عن لغتهم الأم في إحدى تجلياتها، باعتماد “خلطة” غريبة تجمع بين العربية والإنجليزية بآن معا، في حديثهم المتداول فيما بينهم، أو عند تعرضهم لذلك في حياتهم العامة أو عبر ما تنقله وسائل الإعلام إليهم والتي أطلق عليها مجازا ” العربيزي”.
ويرتبط استخدام هذه الخلطة العجيبة في ذهن المتحدثين بها بالعصرنة والمباهاة والتعالي عمّن حولهم، زعما منهم بأن اللغة الأجنبية هي لغة الحداثة والرقي والعلم، فيما حال العربية بات قاصراً عن مواكبة تطورات الحياة ومستجداتها.
ويستمر زحف ” العربيزية” أو “الفرانكو عربية” الخطير على حاضر ومستقبل لغة أجيالنا بانتقالها من المنطوق إلى المكتوب، ارتباطا بظهور الكمبيوتر والبرمجيات، ثم الإنترنت والتواصل الإلكتروني الكتابي عبر المنتديات وغرف الدردشة وشبكات التواصل الاجتماعي و” الماسنجر” ورسائل الهواتف المحمولة خصوصا أن أكثر المستخدمين لذلك هم شريحة الشباب، حيث يكتبون العربية بالطريقة ” العربيزية”.
و” العربيزية” المكتوبة باختصار هي كتابة الكلمات العربية باستخدام الأرقام والحروف الإنجليزية، حيث تستخدم الأرقام من 1-9 للتعبير عن بعض الأحرف العربية التي لا وجود لها في الإنجليزية، كـحرف الخاء الذي يستخدم عوضا عنه الرقم 5، ورقم 6 للتعبير عن حرف الطاء، و7 عن الحاء وهكذا، أي أننا لو أردنا أن نكتب كلمة (عرب) بـ ” العربيزية ” مثلا فستكون: (rb3).
ومع التنامي المخيف لهذه اللغة الهجينة ثمة قلق جدي لدى الحادبين على لغة العروبة والقرآن من أن تجد نفسها أمام أجيال تجد صعوبة بالغة في التعاطي مع لغتها الأم شفاهة وإملاء، فضلا عن التذوق والتدبر.
ويدخل على خط غربة الأجيال عن لغتهم العربية ما يتصل بطريقة التفاهم والحديث مع العمالة الآسيوية، والتي صار لها قوالبها وتراكيبها العجيبة، وتحديدا مع الخدم والسائقين الذين تتعامل معهم الأسر بكل مكوناتها بمن في ذلك الأطفال والناشئة بشكل مباشر ومكثف.
إن هذه اللغة ـ إذا جازت تسميتها كذلك ـ هي الأخرى “مكسّرة” تشوبها مفردات غير عربية، وتراكيب غير منسجمة تسيء إلى جمال لغتنا العربية النقية الصافية، والحجة التي تساق لتبرير هذه الإساءة ـ وإن كانت غير متعمدة أو مقصودة ـ تسهيل إيصال رسائلنا الشفوية إلى هذه العمالة، رغم أن الحديث بلسان عربي قويم لا يمكن أن يكون عائقا دون فهم متلقٍ يفترض أنه يتعلم لغة جديدة عليه أو يصعِّب من عملية التواصل معه.
ولا يتوقف الخطر عند هذا الحد، فثمة ما يزيد من غربة أجيالنا الصاعدة عن لغتهم، لغة الضاد ويفاقمها، بسبب تفشي استخدام المحكية (العامية) باعتبارها اللغة الرئيسية لتواصلهم اليومي، والمعتمدة لديهم في جميع مناحي الحياة على حساب العربية الفصحى ـ كحال كبارهم ـ حيث لا تستخدم الأخيرة إلا في مجالات ضيقة.
وتبعا لذلك تبدو الفصحى لدى الأطفال والناشئة نغما نشازا عندما يسمعونها أو يريدون التحدث أو التواصل أو التدوين بها، طالما أنهم منذ أن فتحوا عيونهم على الدنيا يسمعون المحكية في المحيط الذي يعيشون به: الأسرة ورياض الأطفال والمدرسة، ووسائل الإعلام التي يتسمرون أمام المرئية والإلكترونية منها لساعات طويلة، فيما ينحصر تعاطيهم مع الفصحى في تواصلهم المحدود مع معلميهم ومع القليل مما يتابعونه من برامج إعلامية.
ومن الصور المؤلمة المترتبة على هذا الواقع المحزن أن الجيل الشاب الذي يلجأ إلى العربية في كتابته عبر الهاتف الخلوي أو الإنترنت ـ وليس اللغة الأجنبية أو العربيزية أو الفرانكو عربية ـ يدوّنها بالمحكية وليس بالفصحى، مع ما يترتب على ذلك من ضحالة المفردات اللغوية وضعف المهارات الإملائية، وتردي الملكات التعبيرية لديه.
ورغم ذلك فثمة مبادرات تستحق الإشادة والتقريظ كونها تصب في خانة إعادة الاعتبار للغة العربية الفصحى والغيرة عليها، موجهة للأطفال والناشئة والشباب، أو نابعة منهم، رفضا لسيادة ما سواها “عامية” أو أجنبية، إلا أن هذه النماذج وغيرها ـ وهي قليلة ـ لا تتناسب مع حجم اغتراب أجيالنا عن لغتهم الأم الذي وصل حدّ تهديد الهوية، وحجم التحديات الكبيرة التي ينتظر أن تواجههم على هذه الطريق خصوصا مع التطور المتسارع لوسائل الاتصال.
تحتاج الأمة إلى أكثر من ذلك.. إلى حملات وطنية على مستوى الأقطار العربية تشترك فيها الأسرة والجهات التربوية والإعلامية والدينية والشبابية في إطار تكاملي لإحياء العربية الفصحى في واقع الأطفال والناشئة والشبيبة وتحبيبهم باستخدامها والتواصل بها، وتذوقها، وتبصيرهم بقيمتها ومكانتها، باعتبارها هوية الأمة وأعظم مقومات وجودها، وحاضنة تراثها وثقافتها، والابتعاد عن فرضها عليهم، بقرارات فوقية، ومعالجات حماسية غير واقعية أو عملية.
الحديث عن المبادرات والحملات والتي تحتاج إلى أنشطة عملية وفعاليات تطبيقية قريبة إلى قلوب ووجدان الأطفال والناشئة والشباب، هي بيت القصيد، وهي تحتاج إلى مقال آخر، بل إلى مقالات أخرى نأمل أن نقوم بتناولها قريبا بإذن الله

كُتب في المناهج | التعليقات على مخاطر غربة أجيالنا عن لغتهم الأم … للأستاذ علي الرشيد مغلقة

بادرات رد الاعتبار للعربية الفصحى لدى الأطفال والشباب .. للأستاذ علي الرشيد

نظرا لما تعانيه لغة الضاد من ظلم وتهميش في الفضاء العربي، ولمواجهة غربة أجيالنا عن لغتهم الأم، ينبغي التحرك في كافة الاتجاهات ضمن منظومة شاملة على مستويات التعليم والإعلام والعلاقات الأسرية والاجتماعية لتبصير الناشئة والشباب بقيمتها، باعتبارها هوية الأمة، وحاضنة تراثها وثقافتها، ولتمكينهم من مهاراتها المختلفة: قراءة نصوصها والكتابة بحروفها، وفهم ما يسمعونه منها، والحديث بلسانها الفصيح، لتنشأ لديهم السليقة منذ نعومة أظفارهم، وصولا بهم إلى تذوق جمالياتها، إضافة إلى تقديم معالجات لبعض الظواهر التي طبعت كثيرا من الممارسات في تعاملهم اليومي مع محيطهم بالتوازي مع تطور تقنيات الاتصال.

ولعل من أهم الإشكالات التي ترتبط بها الواقع المرير التي جعل لغتنا العربية الشريفة غريبة في أوطانها وبين أهليها تتمثل في:
ـ إعلاء شأن بعض اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية على حسابها، حتى صار الكثير من أبنائنا أكثر إجادة لها، وتمكنا منها، واستقر في عقولهم أنها لغة العصر والتقدم والتحضر، وما ذلك إلا بسبب جعل هذه اللغات الإفرنجية لغة التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات، وأداة التواصل والتخاطب الشفهي والكتابي في الدوائر والأعمال الوظيفية في القطاعين العام والخاص.
ـ إشكالية الازدواجية بين الفصحى واللغات المحكية المختلفة، وتنتصب هذه المشكلة أمام تلاميذنا العرب الذين يدرسون بالعربية عند دخولهم المدرسة،لأنهم يكتشفون بأنهم يتعلّمون المعرفةَ بلغة (فصحى) لم يُتقنوها ولا يُمارسونها إلا في أثناء القراءة والكتابة، ففي بيئاتهم الأسرية لا يتكلمون إلا العامية، والأعجب منها أن تكون لغة الخطاب السائدة في مدارسنا هي العامية، ولغة الكتاب والدراسة هي الفصحى.
ـ الهجائن اللغوية التي تجمع بين العربية والإنجليزية أو بين العربية والفرنسية أو بين العربية واللغات الآسيوية على مستوى التخاطب، أو بين كتابة الكلمات والمعاني العربية بالحروف اللاتينية على مستوى التواصل الإملائي خصوصا عبر وسائط الاتصال الحديثة كالهاتف الجوال وشبكات الحاسوب والإنترنت وما يلوذ بها.
وإزاء هذا الواقع المعقد، وبحثا عن مقاربات علاجية شاملة له، أكدتُ في مقال لي الأسبوع الماضي على ضرورة تنظيم حملات وطنية على مستوى الأقطار العربية تشترك فيها الأسرة والجهات التربوية والإعلامية والدينية والشبابية معا في إطار تكاملي لإحياء العربية الفصحى في واقع الأطفال والناشئة والشباب، ونظرا لتعذر ذلك ـ حتى الآن على الأقل ـ بسبب عدم تبنيه من قبل الجهات الحكومية العربية فعليا فإن أي مبادرة تصب في هذا الاتجاه ستكون ذات نفع كبير، وهي تستحق كل التقدير.
ومن هذه المبادرات ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ ما انطلق من أوساط الشباب كجمعية “حماة الضاد” بلبنان والتي تسعى لإحياء التخاطب بها وإعادة الحرف العربي ليتبوأ مكانه في الرسائل النصية وغرف المحادثة على الإنترنت ولوحات الإعلانات، ومجموعة “اكتب عربي” على شبكة التواصل الإلكتروني: “فيسبوك” والتي تضم آلاف الشباب الذين يرفضون استخدام الأحرف الأجنبية في كتابة العربية على الإنترنت، و “جمعية الدفاع عن اللغة العربية” في المغرب والتي تكافح ضد استعمال كلمات أجنبية في حياتهم اليومية خصوصا الفرنسية، وتعتبر ذلك تلوثا.
ومن المبادرات التي تستحق الاهتمام والتعميم في مجال التعليم: مشروع “تعليم العربية الفصحى بالفطرة والممارسة” الموجَّه لرياض الأطفال والمرحلة الأولى من المرحلة الابتدائية، والذي كان الفضل في تأسيسه ونشر فكرته في غير ما بلد عربي للدكتور عبدالله الدنان، وتتبنى المشروع داخل دولة قطر جمعية قطر الخيرية، حيث استفاد منه ـ عبرها ـ حتى الآن عشرة آلاف طالب في المدارس الخاصة والمستقلة.
ويعتمد مشروع الدنان على ما كشفه العلماء واللغويون النفسيون مثل (تشومسكي 1959م)، في طَريقة تحصيل اللغات، وتتمثل في قدرة الأطفال من الولادة وحتى سن السادسة على اكتساب اللغات فطريا، لأنهم يولدون وفي أدمغتهم قدرات هائلة على بلوغ ذلك، مما يمكّنهم من إتقان لغتين أو ثلاث في آن واحد، وبحيث لا يحتاجون إلى إعطائهم قواعد اللغات، بعكس الطريقة المكتسبة للغات والتي تكون بعد السادسة.
وفي مجال الإعلام المرئي فإن لقناة ” براعم” التابعة لقناة “الجزيرة للأطفال” الدور الأكبر والأبرز في تمكين الأطفال بين 3 ـ 6 سنوات من التعود على العربية الفصحى، ومثل ذلك ينطبق على قناة “سنا” السعودية التي تقتصر أناشيدها الموجهة للأطفال على الفصحى فقط.
وما زلنا بحاجة إلى المزيد من المشاريع والأنشطة والفعاليات التطبيقية الجذّابة لنشر الفصحى بحيث تبدأ من ألعاب الأطفال، ولا تنتهي بالإنتاج الفني التلفزيوني والإلكتروني وشبكات التواصل عبر الإنترنت، وإنشاء المواقع الإلكترونية، أو تخصيص الجوائز التشجيعية، والاستفادة من كل جديد في عالم التقنيات الإلكترونية والرقمية وصناعة الترفيه لإدخالها في تفاصيله.
ALIRASHID3@HOTMAIL.com.

كُتب في المناهج | التعليقات على بادرات رد الاعتبار للعربية الفصحى لدى الأطفال والشباب .. للأستاذ علي الرشيد مغلقة

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (1)

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم

الداعية المفكر أبو جرة سلطاني

التربية بالصحبة

لتصحيح مسارات البناء الاجتماعي وتصويب المراحل الانتقالية ورسم “الصورة النهائية” للمجتمع الإسلامي النموذجي فيكمل بذلك الدين وتتم النعمة ويأخد المجتمع الإسلامي صورته الكاملة (النموذجية) ويستقر التشريع على الأحكام النهائية باستكمال أدوات بناء المجتمع النموذجي في أبهى صوَّره وفي أرقى علاقاته بعد سلسلة من المراحل الإنتقالية كانت تعمل في واقع اجتماعي متحرك تم خلالها – في 23 عاما من الدعوةوالتربية- إفراغ القلوب من الشهوات وتفريغ العقول من الشبهات وفك ارتباط الإنسان النموذج بكل ما له صلة بعبادة العباد ليتم الربط المحكم والفاصل بعبادة رب العباد، كما عبر عن ذلك ربعي بن عامر (رضي الله عنه) سفيرالإسلام إلى قصر الإمبراطورية الفارسية في أوج قوتها وقمة سلطانها.
1-لماذا تبوك :تعمدت تسليط الأضواء التربوية والدعوية والفكرية والسياسية..على غزوة تبوك دون سواها من الغزوات، لسبعة (07) أسباب جوهرية لها علاقة مباشرة بموضوع هذه السلسلة من الأحاديث، التي تحاول أن تأخذ بيدك بأدب وثقة وتقودك برفق وسلاسة وسلامة إلى التأمل المبصر في تركيبة اجتماعية نادرة تهفو إليها أنفسناجميعا، ولكن الشقة بعيدة والعقبة كؤود إلاّ على من عقد العزم على العودة الجادة إلىالنبع الصافي (كتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

ويمكن حصر هذه الأسباب السبعة في العناوين الكبرىالتالية :

– أحداث هذه الغزوة تعكس صورة المجتمع الإسلامي في أدق تفاصيله.

– أنها تناولت موضوع العلاقات في أوسع معانيها

– أنها كشفت خبايا النفس البشرية وأطماعها ومكوناتها وتعاطيها مع الواقع الجديد..

– أنها وضعت الأحكام النهائية لعلاقة المسلم بالله وبالناس وبالمحيط العام

– أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صحح خلاها كل ماكان سائدا بين الناس من أعراف

– أن خصوم الإسلام وأعداء الحق قد كشفوا عن جميع مخططاتهم وما كانوا يضمرون ففضح القرآن نواياهم ورسم مسارات التعامل مع جميع الأصناف البشرية.

– أنها الغزوة الوحيدة التي حملت إسم العسرة و”الفاضحة” لأن كل ما كان مخبوءا تم كشفه وفضحه..وكل ما كان مستورا تمت تعريته، والذين كانوا”يخادعون الله والذين آمنوا”اكتشفوا حقيقة تلاعبهم ومصير تآمرهم وذاقوا وبال أمرهم..”وما يخادعون إلاّ أنفسهم ومايشعرون”

هذه أسباب مباشرة، وهناك أسباب غير مباشرة مازالت حية في نفوسنا، وكأننا معنيون اليوم بكل ما حدث في هذه الغزوة وكأن أحداثها الحية المتحركة لها صلة بواقعنا اليوم وأننا نحتاج أن نلتقطها بالعدسة التربوية المقربة ( زوم) ليدرك أبناء الإسلام أن الأمر جد، وأن المتراخين والمترهلين والمستلقين في ظلال دعوة..، والقائلين لإخوانهم “ذرونا نقعد مع القاعدين” لا يليق أن يأخذ عنهم الناس الإسلام الحق الذي أخذه الصحابة (رضوان الله عليهم) بالتضحية والصحبة والمكابدة وركوب الصعب في ساعة العسرة، ونقلوه إلينا صافيا عذبا زلالا كما تلقوه عن الله ورسوله، فقام اليوم من يطمع في أن يدخل الجنة بسقايه الحاج وعمارة المسجد، كما يطمع أن يعيد بناء المجتمع المسلم بإفشاء السلام، وكثرة الكلام ،وحضور مؤائد الطعام..إلخ، وينسى هؤلاء المسترخون في ظلال الخوالف أن الله تعالى جعل سلعته غالية، وجعل الطريق إليها محفوفة بالمكاره، وخاطب كل طامع في الوصول بغير زاد بقوله تبارك وتعالى : “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟”

ولأن نصر الله قريب، فإني أبادر بالقول :

لست مثاليا ولا ميئسًا ولا متشائمًا ولا متشددا في سوْق هذه المعاني، وإنما طبيعة محاولة”إعادة البناء”هي محاولة جادة وتحتاج إلى ثلاث مراحل كل مرحلة مترابطة هي أصعب من أختها :

– مرحلةهدم ما هو فاسد ومنحرف وضال..وتسمى مرحلة التخلية

– ومرحلة فرز ما اختلط وما اندس ومن اخترق الصفوف..وتسمى مرحلة التصفية

– ومرحلة إعادة ترتيب كل شيء في مكانه بمنهج واضح وخطة مدروسة ورؤية شديدةالوضوح..وتسمى مرحلة التحلية.

 

وهو نفس المنهج الذي صاغه الصحابي الجليل بقوله : “كان رسول الله يفرغنا ثم يملؤنا”، وعملية الإفراغ والملء ليست عملية “ميكانيكية جا”فة، لأنها متعلقة بالإنسان، وبناء الإنسان، وعواطف الإنسان ومشاعرالإنسان..وعندما نقول”الإنسان”فإننا نعني كل ما يمور في نفسه من مشاعر وعواطف وأحاسيس.. وما يدور في عقله من أفكار وتصورات ورؤى.. وما يتراكم في التركيبة البشرية من ثقافات، وما يختلج فيها من متناقضات وما يترسب في ماضيها من ذكريات وما يتشابك في لا شعورها من “عقد” ومخاوف ومجازفات..

 

كل هذه المعاني عرضتها أحداث غزوة تبوك وتناولتها بالدرس والتوجيه، وبالأمر والتصويب، وبالنهي والتحذير.. فأبرزتها من “الأعماق” إلى السطوح وتولى القرآن الكريم إعادة صياغتها وترتيبها وتبويبها وإصدار الأحكام النهائية بحقها، ثم تولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إضفاء المسح النبوية اللازمة لإدراجها في سياقات تربوية نحن أحوج ما نكون إليها اليوم لتصحيح تصوراتنا وتسديد خطواتنا ورسم معالم السير نحو إعادة بناء المجتمع المسلم.
-2 تبوك تحت المجهر :في السنة الثامنة (08) للهجرة (يوم 20 رمضان المعظم) فُتحت مكة المكرمة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكان بعض من دخلوا في هذا الدين “أفواجا” قد التحقوا بالمجتمع الإسلامي”مستسلمين”للأمر الواقع الذي فرضته طبيعة الفتح حيث بسطت فيه العقيدة الإسلامية سلطانها على النفوس والعقول، وعلى الواقع، ووجد كثير من ضعاف النفوس ومن الذين في قلوبهم مرض مصالحهم مهددة أمام زحف الإسلام على آخر قلاع الشرك، في مكة وما حولها، فكان إسلامهم ضربا من التسليم بانتظار أن تسنح الفرصة لينقضوا على الإسلام ودعوته، وقد حاولت قبيلتا هوازن وثقيف ومن معهما – كأكبر تجمع شركي بقي بعد فتح مكة – أن توقعا بالمسلمين يوم حنين ولكن الخطة سرعان ما كُشفت وبسط الإسلام نفوذه الكامل على كل ما يتحرك فوق تراب شبه الجزيرة العربية، وبدأ الإسلام يتطلع إلى خارج حدود شبه جزيرة العرب، على ضفتي فارس والروم، مرورا بإمارتي الغساسنة والمناذرة العربيتين المواليتين للإمبراطوريتين الفارسية والرومانية.

ولأن المعركة بين الإسلام والشرك لم تكن معركة توسع جغرافي بل هي معركة إعادة بناء الإنسان من داخله بإعادة صياغة نفسه وتشكيل عقله وتصحيح تصورّه تجاه خالقه وتجاه نفسه والكون والحياة..فقد اقتضى المنهج التربوي “تحرير” الإنسان أولا، ليس بنقله مكرها من ظاهر الشرك إلى “قشور الإسلام” وإنما من عبادة أرباب متفرقين إلى عقيدة التوحيد : “اعبدوا الله ما لكم إله غيره”. وعلى هذا المحور دارت كلمعارك الإسلام وفتوحاته.

ومع أن فتح مكة سمي “فتحا” إلاّ أن طبيعة بعض من تحولوا فجأة من الشرك إلى الإسلام كان بحاجة إلى غربلة وفرز، إذ لم يكن دخول الناس”في دين الله أفواجا”خيرا كله،فقد حملت موجهة التدين الجماعي فضلا عظيما وخيرا عميما.. ولكنها حملت معها كذلك بعض “ملامح” التسيب والتخلخل والانتهازية والإرجاف..وقد أثر ذلك في بناء المجتمع الإسلامي فكان لابد من “هزة” عنيفة تسقط كل الأوراق الصفراء الملتصقة بشجرة الإسلام الخضراء الوارفة.

لقد أسلم – خلال يوم الفتح وبعيده – أزيد من ألفين من قريش كان أكثرهم قد “رمى المنشفة” وسلّم بقوة زحف الإسلام رغم اعتقاده أن هذه الطريق كانت لا تزال بها كثير من العقبات ما دامت هوازن وثقيف لم تنصاعا بعد لحكم الإسلام ومازالتا تترصدان المسلمين عند كل منعرج، وكلتاهما تعلم أن بعض الذين أسلموا يوم الفتح مازالت نفوسهم تهفوا إلى الشرك، وقد تأكد ذلك يوم خروج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع جيش عرمرم (قومه إثنا عشر ألفا) إلى حنين، كيف أن الصف لم يكن مستويا، وأن بعض النفوس مازال بها دخن، وأن مفهوم الدينونة لله لم يترسخ بعد.. يقول أبو واقد : “خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية فسرنا معه إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، فرأينا – ونحن نسير مع رسول الله – سدرة خضراء عظيمة فنادينا من جنات الطريق : يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال (صلى الله عليه وسلم) : “الله أكبر..الله أكبر..الله أكبر..، قلتم،والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى : “إجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون” إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة”.

ولعل هذا المثال كاف لمعرفة مستوى الإيمان الذي كان عليه القوم ودرجة اليقين التي ظلت مهتزة – في نفوس كثير من الطلقاء- طيلة المدة الزمنية الفاصلة بين يوم حنين ويوم تبوك، والتي ظل عليها مجموع من كان أسلم حديثا من الذين تم طبخ إيمانهم على نار متوهجة يوم الفتح، فلم يتم إنضاج هذا الإيمان بالقدر الكافي على نار هادئة، وتحولت النظرة الإيمانية إلى غرور وإعجاب بالكثرة ،وتحول الإيمان من النوع إلى الكم ومن القدوة إلى الأعداد الهائلة حتى قال قائلهم : “لن نُغلب اليوم من قلة” فكانت النتيجة مباغته، واضطرابا، وخلخلة صفوف، وهروبا من ساحة المعركة وبداية هزيمة ماحقه.. لولا لطف الله تعالى الذي ذكرهم بمعايير الإيمان وأسباب النصر، وأن الله هو الناصر والمعين،”لقد نصركم الله في مواطن كثيرة. ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلمتغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين”.
بهذه النفسيات المضطربة المتناقضة، وبهذه المستويات المهزوزة من الإيمان المتردد السطحي.. واجه المجتمع الإسلامي، في أخريات تشكيله، أوامر القرآن الكريم وتوجيهات الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يحضر النفوس لآخر جولة من جولات البناء من الداخل، ويكشف له الله تعالى عن دقائق خبايا النفس البشرية ويعري نوايا الذين يتحركون من داخل الصفوف ويتوغلون في النسيج الاجتماعي الإسلامي ويصلون خلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتوزع عليهم الغنائم..إلخ، ومع ذلك ما تزال قلوبهم تحدثهم بالوقيعة بالمسلمين إذا حانت الفرص.

(يتبع)

كُتب في المناهج | التعليقات على محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (1) مغلقة

أسئلة الفاجعة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 29 المحرم 1432 – 4 يناير 2011

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_5733.html

تستدعي فاجعة الإسكندرية عدداً من الأسئلة التي ينبغي أن نفكر في الإجابة عليها، لكي نواجه عواقب ما جرى فضلاً عن أن نفهمه.

لكن قبل أي كلام في الموضوع لابد أن نقرر أنه أياً كانت الخلفيات والذرائع. فإن رفض الحدث الإجرامي واستهجانه يظل فرض عين على كل مواطن في مصر، بل على كل عربي خصوصاً إذا كان مسلماً.

(1)

أدري أن التطرق الى الموضوع قبل اتضاح معالمه لا يخلو من مغامرة. على الأقل بالنسبة لي. لأن هذا المقال يسلم مساء الأحد أو صباح الاثنين على أبعد الفروض، ولأنني أكتب هذه السطور يوم الأحد، فلم يكن معروفاً على وجه الدقة من هم الفاعلون، ولا ما اذا كانت الجريمة قد ارتكبت بواسطة سيارة مفخخة كما تقول بعض المصادر، أو عن طريق حزام ناسف تمنطق به انتحاري كما ذكرت بعض المصادر الأمنية.
مع ذلك فالذي لاشك فيه أن هذا الأسلوب في ارتكاب الجرائم جديد على مصر بصورة نسبية. أعني أنه اذا كانت قد جرت في السابق (عام 1993) محاولة اغتيال بواسطة سيارة ملغومة لرئيس الوزراء الأسبق الدكتور عاطف صدقي، فإن تلك المحاولة لم تنجح إلا في قتل طفلة صغيرة (شيماء)،

لكن الأمر اختلف تماماً هذه المرة. فترتيب الجريمة بدا محكماً، وضحاياها كثر، أما مقاصدها فالشر فيها مضاعف. ذلك أن محاولة اغتيال رئيس الوزراء اذا كانت قد استهدفت تصفية بعض الحسابات مع النظام، فإن الجريمة الأخيرة تصب في وعاء شق الوطن.
في هذا الصدد ثمة تشابه يخطر على البال، اذا صح أن وراء جريمة الإسكندرية عناصر تنتمي الى تنظيم القاعدة أو تستخدم أساليبها. ذلك أن محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقي التسعينيات اتهم فيها تنظيم «طلائع الفتح»، الذي يتبنى فكراً أقرب ما يكون الى فكر القاعدة، الذي يخاصم الجميع ويعلن الحرب عليهم.
ذلك لا ينفي أن الحادث الذي وقع في مصر جديد واستثنائي، فيه أصداء لما يحدث في العراق بين الفئات المتصارعة، أو ما يحدث في باكستان بين متطرفي الشيعة والسنّة،

أعني أنه يعبر عن استهانة شديدة بحياة البشر، بقدر ما يعبر عن نزوع إجرامي ليس مألوفاً عندنا،

واذا فهمنا ان حادثة الأقصر التي وقعت في عام 1997 وقتل الإرهابيون فيها 59 سائحاً أريد بها ضرب السياحة في البلد، إلا أن ما جرى في الإسكندرية بدا أبعد أثراً، من حيث انه يفتح الباب واسعاً لإشعال حريق في الوطن، اذا تكررت أمثال تلك الحوادث لا قدر الله.

(2)
ثمة محاذير يتعين الانتباه إليها في تناول الموضوع كي لا نقع في الغلط. فنخطئ في تقييم الفاجعة، بما يجعلنا نعالج المنكر فنتورط فيما هو أشد إنكاراً. من تلك المحاذير ما يلي:
< اننا ينبغي أن نضع الوطن نصب أعيننا، بحيث لا نتعامل مع ما جرى من منظور طائفي. فاستهداف الأقباط هو بالدرجة الأولى عدوان على الوطن ينبغي أن يرد بمنتهى الحزم والشدة، ذلك أن كل إنسان في هذا البلد له حقوقه وكرامته التي تعد صيانتها من أوجب الواجبات. ليس لأنه قبطي أو مسلم، ولكن لأنه مواطن يتساوى مع غيره من المواطنين في الحقوق والواجبات.
< اننا ينبغي أن نقاوم بكل قوة قسمة البلد الى مسلمين وأقباط، بحيث تكون ملة المرء أمامه وليست في قلبه. وهو المحظور الذي أصاب العراق فقسمه بين الشيعة والسنّة، وضرب لبنان يوما ما حين اقتتل المسلمون والموارنة في الثمانينيات، ثم أطلت الفتنة المذهبية برأسها هناك حتى نجح الدساسون في غرس بذور الشقاق بين السنة والشيعة.

ولئن ظللنا نقول ان مصر بلد مختلف في تاريخه وجغرافيته الأمر الذي صهر المصريين وذوب تبايناتهم في مجرى النيل ودلتاه، فإن الحفاظ على النسيج الواحد ينبغي أن يصبح الشغل الشاغل لكل من يهمه أمر الواطن.
< اننا ينبغي أن نعطي الجريمة حجمها الحقيقي. فهي ليست عدوانا من المسلمين على الأقباط، ولكنها جريمة اتهم فيها نفر من المسلمين. والذين يوجهون الاتهام الى عموم المسلمين بسبب ما جرى في الاسكندرية، يغذون الفتنة ويؤججون نارها.

وهم لا يختلفون كثيراً عن الإدارة الأمريكية التي وضعت كل المسلمين في قفص الاتهام بعد أحداث 11 سبتمبر، وكانت النتيجة كما نرى. اذ أعلنت الحرب على الإرهاب فجرى تعميم الإرهاب وانتشرت منظماته. وهو ما يسوغ لنا ان نعمم الإدانة والاستنكار على أولئك النفر من الغاضبين الأقباط، الذين انفعلوا بما جرى فرشقوا مسجداً قريباً وخرجوا في مظاهرات ضد المسلمين في الإسكندرية.
< اننا ينبغي ألا نستدرج للوقوع في فخ الكارهين والمتعصبين، الذين ينتهزون كل فرصة للتنديد بالمسلمين والتحريض على الإسلام. وهم الذين سبق أن استثمروا أجواء ما سمي بـ«الحملة ضد الإرهاب» لتحقيق مرادهم ومطاردة التدين في كافة مظاهره ومظانه.

ولست أشك في أن الذين ارتكبوا جريمة الاسكندرية وفروا لهؤلاء ذريعة قوية للاستمرار في مسعاهم. وهو الجهد الذي اثبتت التجربة انه يشوه صورة الإسلام حقاً، لكنه يستفز جماهير المتدينين، ويغذي تيارات المتطرفين بما يجعلهم أكثر نقمة على المجتمع وأشد خصومة له.
< ان الغمز في تنامي الظاهرة الدينية بين المسلمين، وتحميلها المسؤولية عن وقوع أمثال الفاجعة التي نحن بصددها، يعد نوعاً من الابتزاز الخبيث الذي يدعوهم الى التخلي عن عقائدهم، وهو ما شهدناه أخيراً في تنديد آخرين بمظاهر التدين المنتشرة، وفي الإلحاح على تقديم فكرة الدولة المدنية، بحسبانها نقيضا للتدين ودعوة الى الخلاص من تبعاته والتحلل من التزاماته.

ذلك ان معالجة الانحراف بالتدين أو إساءة استخدام الدين، لا تكون بالانتقاص من التدين أو الطعن في التعاليم، فالانحراف وارد بكل قيمه، واذا سرنا وراء منطق هؤلاء فسوف ننتهي الى انهيار منظومة القيم كلها، بما يقودنا الى جحيم لا قبل لنا به.
(3)

الأسئلة التي تستدعيها الفاجعة بعضها يتعلق بوقائع وتفاصيل الحدث، والبعض الآخر ينصب على المناخ العام الذي وقع فيه الحدث.
في الشق الأول نلاحظ أن البيانات الرسمية تحدثت عن دور للخارج في ارتكاب الجريمة، وذلك استنتاج مفهوم نظراً لطبيعتها الاستثنائية ولتشابهها مع نمط من الجرائم يرتكب في العراق بوجه أخص، لكنه يثير ثلاثة أسئلة

أحدها يتعلق بحجم الدور الذي أسهم به الخارج فيما جرى، وهل هو في حدود استلهام الأفكار أم التمويل والتدريب والتنظيم.

الثاني يتعلق بقابلية الداخل للاختراق والتجاوب مع مخططات الخارج،

أما السؤال الثالث فهو حقيقة الجهة الخارجية التي أسهمت في المشهد، وما إذا كان لتلك الجهة أو الجهات أذرع أو أصابع في مصر.

وهل تلك الأصابع مقصورة على الإسكندرية وحدها، أم أنها واصلة الى مناطق أخرى في داخل البلد؟
ثم إننا ينبغي أن نعطي لدور الجهات الخارجية حجمه الحقيقي، ونفرق بين مخططات الاختراق التي تدبر في الخارج، ومدى قابلية الداخل للاختراق، والخارج بعيد عنا وليس في متناول أيدينا فضلاً عن أن سعي البعض لإثارة الفتنة في مصر أمر مفهوم،

لكن الذي ينبغي أن نعنى به هو توفير الحصانات الممكنة للداخل لكي يستعصي على الاختراق، وهو ما يثير أسئلة أخرى عديدة حول الجهد الذي يبذل لتوفير تلك الحصانات، وحول هوية الفاعلين، وكيف تشكل إدراكهم وأين؟

وهل أتحنا لهم خيارات وفرصاً أفضل، فاختاروا الأسوأ والأتعس؟،

أم أننا أوصدنا الأبواب في وجوههم فانزلقت أقدامهم في ذلك الخيار الأتعس؟
من ناحية أخرى، فإن ما جرى في الاسكندرية يذكرنا برسالة الكترونية وجهها الى مصر في مستهل شهر نوفمبر الماضي، من يسمون أنفسهم دولة العراق الإسلامية، ودعت الرسالة الى إطلاق سراح سيدتين مصريتين تردد انهما تحولتا الى الإسلام ثم احتجزتهما الكنيسة في أحد الأديرة ولم يظهر لهما أثر بعد ذلك.

وهددت الرسالة باستهداف المسيحيين في مصر وفي دول أخرى في المنطقة، اذا لم يستجب للطلب خلال ٤٨ ساعة، كانت الرسالة مفاجئة خصوصاً انها الأولى من نوعها، وأعلن في مصر أن الأجهزة الأمنية المعنية سوف تضعها في الاعتبار.

ورغم أن الاحتياطات الأمنية لا تحول بالضرورة دون ارتكاب الجرائم أو القيام بعمليات إرهابية، إلا أن ثمة تساؤلاً عن مدى توفر تلك الاحتياطات في احتفالات عيد الميلاد بوجه أخص،
وهذا التساؤل يثيره مفصل نشرته جريدة «الشروق» في عدد أول يناير تحدث عن «استعدادات مكثفة لتأمين احتفالات عيد الميلاد». وفي الخبر تفاصيل عن قيام الأجهزة الأمنية بتكثيف استعداداتها في منطقتين أساسيتين هما محافظات الصعيد التي تعاني من التوتر بين الأقباط والمسلمين، والمناطق السياحية في جنوب سيناء.

ولا ذكر لأي استعدادات مماثلة في الاسكندرية، التي لها تاريخ في التوتر الطائفي، ثم انها تعد أحد معاقل الحركة السلفية في مصر. ناهيك عن انها ظلت تشهد خلال الأسابيع الأخيرة مظاهرات بعد صلاة الجمعة رفعت خلالها شعارات ونداءات بخصوص السيدتين المذكورتين.
إذا صح خبر جريدة «الشروق» فهو يعني أن ثغرة أمنية تخللت ترتيبات تأمين احتفالات عيد الميلاد في الاسكندرية، الأمر الذي يثير السؤال التالي:

هل كان يمكن أن يختلف الأمر لو تم تداركها؟

لقد قرأت أن عشرة آلاف جندي استنفروا لتأمين احتفال اليهود الإسرائيليين بما يعتبرونه مولد «أبوحصيرة» في محافظة البحيرة بدلتا مصر، الأمر الذي يستدعي السؤال ذاته مجدداً.
(4)
ما الذي سلح أولئك القتلة بالجرأة التي جعلتهم يقدمون على جريمتهم البشعة في مصر؟

يلح عليّ هذا السؤال طول الوقت، ضمن اسئلة «المناخ» الذي وقعت فيه الواقعة.

هل كان يمكن ان يفعلوها لو أنهم وجدوا المجتمع المصري عفياً ومتماسكاً ومستنفراً طاقاته وقواه لبناء حاضره ومستقبله.

أم أنهم رأوه مفككاً ومغيباً وفاقداً الأمل في الحاضر والمستقبل؟
طوال الأشهر الماضية كان بوسع الراصد أن يرى كيف كان الوطن مغيباً في ادراك النخبة، في حين ظل المجتمع مغيباً عن الوطن.
كان همُّ القائمين على الأمر منصبا على كيفية الاستئثار بالسلطة وإقصاء الناقدين والمعارضين، والانتصار عليهم في حرب أهلية عبثية كان الوطن هو المهزوم الأول فيها.

نجح الحزب الوطني في إقصاء الآخر من مجلسي الشعب والشورى، ونجحت السلطة في تأديب الإعلاميين وتخويف المراسلين وغواية وتدجين المثقفين،

ونجحت الشرطة في قمع المعارضة وملاحقة المدونين.

وفقد الناس ما تبقى لهم من ثقة في الأحزاب التي عانى بعضها من الاحتراب الداخلي، كما حدث مع التجمع والناصري وأصاب رذاذه الوفد والإخوان المسلمين. ولم تسلم من الداء الحركة الوطنية للتغيير.

(أضف الى ذلك عوامل أخرى مثل العبث بالدستور وإهدار قيمة القانون، وتبني السلطة للتزوير وتحول البلطجة الى قيمة اجتماعية معترف بها عملياً، ثم الجرأة على الدولة من جانب بعض الرموز الى حد الجهر بتحديها وابتزازها).

وحين يعاني البلد من الفراغ السياسي الذي يصادر مشاركة المواطن في المجال العام. كما يعاني من فراغ فكري وثقافي تهان في ظله الثوابت الوطنية والدينية،

وحين تتقطع القواسم المشتركة بين الناس بحيث يضيق صدر الوطن بأهله. الذين يفتقدون الأمل في إصلاح الحاضر ولا يرون فيما بينهم حلماً مشتركاً يتطلعون اليه.
حين يحدث ذلك كله فهل يمكن اعتباره مناخاً جاذباً ومغرياً للمغامرين من دعاة الفتنة وأمراء الدم؟

لست ضد التعبير عن مشاعر الحزن والتضامن والمواساة، لكن ينبغي أن يكون واضحاً في أذهان الجميع أن الجرح أكبر من الجريح، وأن الذي يحتاج الى حماية وإنقاذ حقاً هو الوطن الذي أصابه الوهن، بعدما انفرط عقده وفقد عافيته. ففقد معها حلمه ودوره.

كُتب في المناهج | التعليقات على أسئلة الفاجعة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي مغلقة

ماضي المسلم الجديد … للدكتور عبد الله اللحيدان

عندما يَدخُل المسلم الجديد في الإسلام يُخلِّف وراءَه آثامَه وأوزارَه، ويَدخُل في رِحاب قول الله – تعالى -: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38]، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [المائدة: 65]، وفضل الله – تعالى – عظيمٌ، ومغفرته وإحسانه يَعُمَّان كلَّ ذنبٍ وخطيئة يقتَرِفها المرء ثم يتوب منها: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110]، وإذا هدم المسلم الجديد صُروح الشِّرك في قلبه وأسلَمَ وجهَه لله، عاد نقيًّا سالِمًا من شِركه، وقد أخبر النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّ الإسلام يَهدِم ما كان قبله؛ ففي حديث عمرو بن العاص – رضِي الله عنْه – قال: فلمَّا جعَل الله الإسلام في قلبي، أتيتُ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسَط يمينه، قال: فقبضتُ يدي، فقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما لك يا عمرو؟))، قال: قلت: أردتُ أن أشتَرِط، قال: ((تشترط ماذا؟))، قلت: أن يُغفَر لي، قال: ((أمَا علمتَ أنَّ الإسلام يَهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يَهدِم ما كان قبله…))؛ رواه مسلم، تلك طبيعة الإسلام، وسرُّ عظمته وخلوده.

وعندما بعَث الله – عزَّ وجلَّ – محمَّدًا – صلَّى الله عليه وسلَّم – في قريشٍ، كانوا في جاهليَّةٍ جهلاء من آراءٍ وأقوال يَظُنُّونها عِلْمًا وهي جهلٌ، وأعمال يحسبونها صَلاحًا وهي فَساد، ومع ذلك فالإسلام دين العدل، فما كان فيهم من الخِصال المحمودة أقرَّها الإسلام؛ كما قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنما بُعِثت لأُتَمِّم مكارم الأخلاق))، فإنَّ الله فطَر عِبادَه على الحقِّ، والرُّسُل – كما قال شيخ الإسلام – بُعِثوا بتَكمِيل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها، وفي كلِّ أمَّةٍ من الأُمَم جملةٌ من الخِصال المحمودة، وتَتفاوَتُ الأُمَم في ذلك؛ ولذلك فإنَّ من الخطأ أن يُظَنَّ بالمسلم الجديد خلوَّه من صفةٍ حميدةٍ قبلَ إسلامه؛ بل ينبَغِي على القائمين بدعوته ومَن يُخالِطونه أن يستدعوا تلك الصِّفات المحمودة له قبلَ إسلامِه، وأنْ يسعوا إلى تَرغِيبه في الاستِمرار عليها؛ فإنَّ ممَّا يُحمَدُ للمسلم الجديد أن يستمرَّ في فعل الخير الذي كان يقوم به قبلَ إسلامه؛ ففي “صحيح البخاري” أنَّ عمر بن الخطاب – رضِي الله عنْه – سأل النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقال: كنتُ نذرتُ في الجاهليَّة أنْ أعتَكِف ليلةً في المسجد الحرام، فقال له – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أَوفِ بنذرك))، قال بعض العُلَماء: وفي هذه دلالةٌ على أنَّ الكافر يُستَحبُّ له أن يَتدارَك القُرَب التي لو فعَلَها في حال كفره لم تصحَّ منه، ولو كان مسلمًا لزمَتْه.

وروى مسلم – رحمه الله – عن حكيم بن حزام – رضِي الله عنْه – قال: قلت: يا رسول الله، أشياء كنت أفعلها في الجاهليَّة – يعني: أتبرَّر بها – فقال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ من الخير))، قلت: فوالله لا أدع شيئًا صنعتُه في الجاهليَّة إلاَّ فعلتُ مثله في الإسلام. قال السيوطي – رحمه الله -: “هذا الحديث يُؤخَذ منه بدلالة الإشارة استِدراكُ ما فات في الجاهليَّة؛ فإنه لما صدَر منه ما صدَر من القربات في الجاهليَّة، كأنَّه لم يرَها تامَّةً؛ لفَقْدِ وصْف الإسلام، فأعاد فعلَها في الإسلام؛ استِدراكًا لما فات من وصف التَّمام”.

إنَّ ممَّا يُؤسَف له أنَّ هناك مَن يَتعامَل مع ماضي المسلم الجديد بنَقِيض ذلك؛ فبدلاً من أن يستَدعِي أعمالَه المحمودة قبلَ إسلامه، يعمد بعض الناس إلى إحراج المسلم الجديد بأسئلةٍ تَدعُوه إلى تذكُّر بعض ما سلَف من ذنوبه ممَّا كان يفعَلُه قبلَ إسلامِه، لا سيَّما الأفعال التي هي مَظِنَّة شهوةٍ، قد يكون تذكُّره لها سببًا في رجوعه إليها، أو سببًا في نقص أجرِه وتوبته من ذنوبه، قال ابن القيِّم – رحمه الله -: “بعض التائبين لا يَسلَم من الالتِفات بقلبه إلى الذنب بين الفينة والأخرى، وربما تَذكَّر حلاوة مُواقَعته، فتنفَّس وربما هاج، وهذا ينقص توبته”. والأصل في المسلم الجديد أن يتوب من ذنوبه عند إسلامه توبةً صادقة، ويُقبِل على الله بعدَها بالأعمال الصالحة؛ يَتدارَك بها ما فاتَه في أيَّام التفريط.

http://www.alukah.net/Sharia/0/28291/

كُتب في المناهج | التعليقات على ماضي المسلم الجديد … للدكتور عبد الله اللحيدان مغلقة

ثقافة الأقوياء.. حتى في تحديد النسل..

نداء للأتراك: تناسلوا تصحوا – الأستاذ فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_18.html

لم يعد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي يفوِّت فرصة اجتماعية دون أن يدعو الأتراك إلى زيادة نسلهم، مشددا على أن كل أسرة لا ينبغي أن تنجب أقل من ثلاثة مواليد (مثله)، وحبذا لو كانوا أكثر من ذلك. بل إنه أصبح يمازح الأتراك قائلا: إن ذلك هو شرطه لحضور أي مناسبة لعقد قران.

ولأنه كرر الدعوة عدة مرات، فإن ذلك أثار حماس رئيس بلدية مدينة «بايداغ» التي تبعد ثلاثين كيلومترا عن العاصمة أنقرة، فأعلن على الملأ أن كل أسرة تثبت أن الزوجة أصبحت حاملا، ستعفى من دفع قيمة استهلاك المياه لمدة سنتين.
هذا الكلام لا ينطلق من فراغ، وإنما تكمن في خلفيته رؤية مميزة وحسابات تتطلع إلى المستقبل البعيد. ذلك أن قيادة حزب العدالة والتنمية تعتبر البشر ثروة ينبغي تنميتها واستثمارها على أفضل وجه ممكن.

خصوصا إذا تحولوا إلى طاقات إنتاجية تسهم في نهضة البلد وتقدمه. وهو الحاصل الآن في تركيا، التي لم تبلغ ما بلغته من نمو وعلو إلا لأن المجتمع تحول إلى آلة إنتاجية ضخمة تتحرك بهمة في مختلف المجالات.

ولأنهم يتطلعون لأن تصبح تركيا عام 2020 في المرتبة العاشرة بين الدول الصناعية في العالم (ترتيبها الآن 16 عالميا وفي المرتبة السادسة أوروبيا) فهم لا يزالون بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة لن تتوافر إلا بزيادة معدلات الإنجاب.
من ناحية ثانية فإن الجهات المعنية لاحظت أن تأثر المجتمع التركي بالثقافة الغربية المنحازة إلى الأسر الصغيرة بدا واضحا، إذ تراجعت معدلات الإنجاب في المدن حتى أصبحت الأسرة تكتفي بطفل أو اثنين،

كما أن منطقة الأناضول التي كان متوسط عدد الأبناء والبنات يتراوح بين 5 أو 6 لكل أسرة، لكن أهالي المنطقة لحقوا بأقرانهم في الحضر وأصبحوا يكتفون بطفلين أو ثلاثة كحد أقصى.

وخلصت تلك الجهات المعنية إلى أنه بعد 30 سنة ستكون نسبة الشيوخ في تركيا 70% من مجموع السكان، الأمر الذي يؤثر سلبا على عافية المجتمع وقدرته على النهوض والتقدم.
صحيح أن الخبراء لا يرون قلقا أو خطرا في الوضع الراهن، فعدد سكان تركيا حسب آخر إحصاء 73 مليونا و650 ألفا، ونسبة الشبان في حدود 60%، إلا أن المؤشرات التي تتعلق بالمستقبل هي التي دفعتهم إلى تنبيه رئيس الحكومة إلى ما ترتبه من نتائج، الأمر الذي دعاه إلى الخروج على الملأ بالدعوة إلى زيادة النسل.
الصورة في مصر معكوسة تماما كما تعلم، فتقليل النسل أحد أهداف الحكومة والمؤسسات الرسمية، بل هي الوظيفة الرئيسة لوزارة الأسرة، التي لا تكف عن الإلحاح عليها في كل مناسبة خصوصا عبر التلفزيون الذي باتت إعلاناته اليومية تعطي السيدات دروسا يومية في كيفية قطع الخلفة، مع تزيين فكرة تقليل الإنجاب التي تسهم فيها الملصقات المنتشرة في مختلف المدن والأماكن العامة.
ليس ذلك فحسب، وإنما أصبحت كثرة المواليد هي المشجب الأول الذي تعلق عليه الحكومة أسباب تعثر مشروعات التنمية أو فشلها.

وأصبح المسؤولون في السلطة ينددون بزيادة السكان في كل مناسبة، ويقرعون الناس ويتهمونهم بأن زيادة أعدادهم هي السبب في كل المشاكل التي تواجه المجتمع وتحول دون تقدمه. حتى إن أحد كبار المسؤولين بلغ به ضيق الصدر درجة جعلته يتساءل ذات مرة ضاحكا، هل سنضطر يوما ما لأن نوقف شرطيا عند كل سرير في البلد؟!?

المقارنة تستدعى السؤال التالي:

لماذا يشجعون زيادة النسل في تركيا في حين تحارب الفكرة في مصر وتستهجن؟

ربما قال قائل إن ثمة مشكلة يتحسبون لها في تركيا بزيادة النسل، لكن الموقف في مصر مختلف، باعتبار أن ما يقلقهم هناك ليس واردا عندنا، لأن المصريين يقومون بالواجب، ويتناسلون بمعدلات تبدد أي مخاوف بالنسبة لوفرة الأيدي العاملة في المستقبل، ثم إن تأثير الثقافة الغربية على أوضاعنا الاجتماعية ليس بالقوة التي تشهدها تركيا. قد لا تخلو هذه الحجة من بعض الوجاهة، لكنني أزعم أنها غير مقنعة، وفي أحسن أحوالها فإنها تصلح عنصرا ثانويا وليس رئيسا، ذلك أننا إذا أردنا أن نتصارح فلا مفر من أن نعترف بأن الفرق بيننا وبينهم هو الفرق

بين الذين يعملون ويحاسبون والذين لا يعملون ولا يحاسبون

بين من شغلهم طموح التنمية والتفوق وبين من شغلهم الاستمرار واحتكار السلطة.

وهو ما دفع الأولين لاعتبار الطاقات البشرية ثروة وسلاحا فعالا في سباق التفوق،

في حين أن الآخرين اعتبروها عبئا وسببا للإزعاج ومصدرا للمشاكل

والله أعلم.

كُتب في المناهج | التعليقات على ثقافة الأقوياء.. حتى في تحديد النسل.. مغلقة

إلى الذي يستنسخون دون معرفة!!

مقال لحسين الشبكشي

الشرق الأوسط 20/12/2010 م

http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&issueno=11710&article=600249&search=حسين

الحركات الحركية السياسية الملتحفة بالدين الإسلامي في المنطقة لا تكل ولا تمل عن الاستمرار بالإشادة بنجاح التجربة الإسلامية في تركيا والمتمثلة في رجب أردوغان وعبد الله غل،

ومحالة إفهام الناس أن التجربة التركية هي تماما ما سيقدمونه هم.

وحقيقة هذه الفرضية لا يملك العاقل أمامها سوى الابتسام والضحك؛ لأن النجاح الحاصل (وهو نجاح مهم وباهر) لرجب أردوغان وعبد الله غل في تركيا لم يكن ليتحقق إلا لوجود مناخ علماني وقانوني صريح يمنع الاستبداد والقهر والإقصاء وسلب الحقوق عبر قرارات «شخصية» متعصبة، سواء أكانت باسم الانتماء العرقي أو الطائفي أو المذهبي. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تكون واضحة.

 

المنظومة الحاكمة الناجحة جدا في تركيا اليوم نجحت لأنها راعت وبحس تنموي متطور مفهوم الاقتصاد الليبرالي المعتمد على تسهيل قواعد وقوانين الاستثمار وكسر الاحتكار ومحاربة الفساد وتحسين معدلات الشفافية والمساءلة والمحاسبة ورفع المعايير والمواصفات للحكم الرشيد في كافة المجالات، سواء أكانت السياسية منها أو الاقتصادية أو القانونية، وهو الذي استشعرته شرائح كبيرة من الناس في تركيا، وبالتالي رفع الإحساس بالاعتزاز والمفاخرة بالهوية المرتبطة بالإنجاز (فالإحساس الحقيقي بالانتماء يتعزز بالأرقام وتحسن مستويات المعيشة، وليس بالشعارات والأغاني الوطنية).

وهذا طبعا انعكس على الدول المجاورة لتركيا، وولّد الإعجاب بالتجربة التركية والغبطة بما حصل فيها.

بل إن التجربة التركية الحالية (وهي الأنضج والأعقل منذ الحركة الأتاتوركية التي أطلقها كما أتاتورك) حسنت من الحال الحقوقي لشرائح كبيرة من المجتمع التركي، مثل الأرمن والأكراد والعلويين مثلا، وكذلك الاحترام للحجاب بعد أن كانت تعامل مرتديته بالتفرقة والظلم الواضحين. حتما التجربة التركية، حتى بنكهتها الإسلامية، هي نتاج «انفتاح» فكري كبير، لا يمكن إغفاله، هذا الانفتاح الذي كان خلاصة الانصهار التركي الفريد كدولة، وهي نتيجة وجود وتوالد حضاراتي وأممي، سواء بموقعها الخاص بين أوروبا وآسيا، أو بعلاقاتها المترابطة بين الشرق والغرب والعرب والعجم، مما ولّد فقها وفكرا سمحا ووسطيا بحق، بحيث لم يعد هناك وجود للبغض والكره ونبذ الآخر من منظور ديني (وإن كانت هناك مواقف تركية ضد الأرمن والعرب في بدايات القرن الماضي نتاج ظروف سياسية معينة وليس نتاج مفهوم فقهي وديني مبني على تكريس وتأصيل إقصاء الآخر المخالف).

 

وهذا هو صميم الاختلاف بين التجربة التركية والحركات الحركية الإسلاموية بكافة أشكالها وأسمائها، فهي مغرقة في التشدد والانغلاق وحصر الآراء من منبع واحد والاستبداد ورفض التوسع على الآخرين والبعد عن مفهوم التسامح بمعناه الإنساني الكبير.

نجاح التجربة التركية الباهر، وبشكل استثنائي، هو القشة التي يتعلق بها كل منتم للحراك السياسي الإسلاموي، ولكن المسألتين لا علاقة لهما ببعض، لأن الفكرة الأولى ناجحة لقيامها على أسس واضحة وصريحة لم يدخل فيها الدين لا كشعار ولا كأسلوب ولا كأداة، وبالتالي لم يكن هناك مزايدة ولا ادعاء بأفضلية فريق على آخر وترويجه لفكرة أنه الأقرب إلى الله وبالتالي جدارته للوصول للحكم ليكون نائبا عنه في الأرض.

 

التجربة التركية هي تجربة مدنية بامتياز وهي نجاح فريد لشخصيتين ملتزمتين بأخلاق ونهج إداري مميز وفعال، وعلاقتهما برب العالمين لا يطلع عليها إلا رب العالمين

hussein@asharqalawsat.com

كُتب في المناهج | التعليقات على إلى الذي يستنسخون دون معرفة!! مغلقة

أيها المسلم.. ارفع رأسك.. هذه هي أمتك

حدث في ” سمرقند “

د. أشرف نجم anigm@yahoo.com

أعلم أنكم لن تصدقوني … لكن أقسم لكم بالله أن هذا قد حدث، وفي “سمرقند” .. ذكره المؤرخون من غير المسلمين قبل أن يذكره ابن كثير وغيره من مؤرخي المسلمين العظام … القصة تشبه الخيال، تماماً كقصص “ألف ليلة وليلة” .. ولكنها الحقيقة.

وقف “قتيبة بن مسلم” القائد المسلم الفذ، الذي فتح الله على يديه بلاد ما وراء النهر في أقصى شرق دولة الإسلام … وقف هذه المرة حائراً لا يدري ما يفعل .. فهو على أبواب بلاد “سمرقند”، البلاد العظيمة ذات المراعي الخضر، والجبال الشاهقة، والثروات الوافرة .. نعم هي بلاد تعبد الأوثان ولكن لها جيشاً قوياً يحميها، وتاريخها مع الغزاة حافل بالانتصارات، وقتيبة يعلم ذلك … لقد استعصت على الغزاة من قبله، وها هي تقف عقبة في طريق فتوحاته نحو الصين.

غير أن قائداً فذاً كقتيبة ما كانت لتعييه الحيل، درس الموقع من حوله، ثم أمر جيوشه أن تتفرق وتتجه نحو الجبال الشاهقة المحيطة بالمدينة، وكـَمـِنَ المسلمون في الجبال مختفين عن أعين أعدائهم .. وفي الصباح، فتحت سمرقند أبوابها وبدأ الفلاحون والتجار في الخروج لحقولهم وتجارتهم .. فما راعهم إلا وجيوش المسلمين تنحدر عليهم من الجبال كالسيل الهادر، تجرف في طريقها كل شيء، وتلتقي في وسط المدينة في ساعات، دون أن تـُراقَ قطرة دم واحدة.

لم يكن بوسع سمرقند إلا الاستسلام … فـرَّ قادتها وحكامها وكهنتها إلى الجبال، ودخل الناس بيوتهم مذعورين من “الغزاة”، وقد ألجمتهم المفاجأة إلجاماً … وسيطرت جيوش المسلمين على المدينة كلها دون أي مقاومة.

شيئاً فشيئاً بدأ أهل سمرقند يخرجون من بيوتهم، ويتعاملون مع الغزاة الجدد في حذر وترقب .. وما هي إلا أيام حتى أدركوا أن المسلمين لا يريدون بهم الشر، بل هم “غزاة من نوع جديد” .. يرحمون الصغير، ويساعدون الضعيف، ويدعون لعبادة إله واحد … لا يسرقون، ولا ينهبون، ولا يقتلون، بل يحمون الأمن وينشرون السلام … عاملوهم في التجارة فوجدوهم أمناء، لا غش ولا كذب، لا ظلم ولا خداع .. ألم أقل لكم “أنهم غزاة من نوع جديد .. ونادر”.

وفي السوق قامت مشاجرة عاصفة، بين شاب من أهل سمرقند، وجندي من المسلمين “الغزاة” … وتجمع الناس في خوف وترقب، فلا شك عندهم أن جنود المسلمين سيتجمعون من كل صوب ليلقنوا الشاب من أهل سمرقند درساً لا ينساه، ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه أن يعتدي على جندي من “الغزاة” .. وتجمع الجند، وأحاطوا بالمشاجرة .. ووسط دهشة الجميع، اقتادوا المتخاصمين والشهود إلى القاضي.

لم يتوقع أحد ممن حضر المحاكمة شيئاً مما حدث، أوقف القاضي المسلم الجندي المسلم بجوار الشاب الوثني، وحقق الأمر بكل نزاهة … ثم أصدر حكمه على الجندي المسلم !!

هل هذه هي القصة العجيبة ؟ … كلا .. إنها فقط .. البداية ..

انتشر الخبر في طول المدينة وعرضها .. إن لهؤلاء “الغزاة” قضاءً عادلاً …. وهناك .. في الجبال البعيدة، وقف الشاب السمرقندي أمام كبير الكهان يقص عليه القصة التي أثارت استعجاب الجميع، وحين تأكد الكهان مما حدث اتخذوا قراراً بدا “مجنوناً” لم يسبقهم إليه أحد .. لقد قرر الكهان أن يرسلوا بشكواهم ضد “قتيبة بن مسلم” .. إلى أمير المؤمنين.

انطلق الجواد الأصيل يطير بأحد شباب الكهان إلى “دمشق” عاصمة الخلافة الإسلامية، كانت أحلام النجاح في مهمته “شبه المستحيلة” تساور الكاهن الشاب، وأخذ يعد العدة لما قد يلاقيه من مصاعب، إذ كيف له أن يدخل على “أمير المؤمنين” الذي يحكم دولة لم يسمع التاريخ عن مثلها، تمتد من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً … كيف سيتحدث إلى هذا الملك العظيم، الذي فاق في ملكه كسرى وقيصر؟ … ماذا سيقول له وهو يشتكي إليه أعظم قواده؟ .. وأخيراً .. ماذا عساه أن يفعل به وهو من أعدائه وخصوم دولته؟

لم يكن الكاهن الشاب يعلم أن “أمير المؤمنين” هو خامس الخلفاء الراشدين، حفيد الفاروق رضي الله عنه الذي ملأ الدنيا عدلاً .. لم يكن يعلم أنه “عمر بن عبد العزيز” الزاهد العابد، التقي الورع، الذي سارت الركبان بقصص عدله وحكمته، وفاضت بركات الله في عهده على أمته، حتى ما غدا بها جائع ولا مسكين، وحتى أُخرجت الصدقات فلم تجد من يأخذها.

انتهت رحلة الكاهن الشاب عند بيت قديم من طين، في حي متواضع من أحياء “دمشق” … هاهنا قالوا له أنه سيجد “أمير المؤمنين”، لكنه لا يكاد يصدق ذلك، إذ كيف لمن يملك الدنيا أن يكون بيته في مثل هذا المكان؟ … اقترب الكاهن الشاب من البيت فإذا رجل يصلح جداراً بالطين، وقد غطى الطين ثوبه ويديه، وكلما مر عليه أحد قال: “السلام على أمير المؤمنين” .. صعق الشاب مما رأى، أهذا هو ملك الدنيا الذي خضعت له الرقاب ؟! .. إن هذا لشيء عجاب.

وبينما هو مندهش يتأمل … إذ جاءت امرأة مع ابن لها تطلب من أمير المؤمنين أن يزيد عطائها من بيت مال المسلمين … ومال ابنها على لعبة في يد ابن أمير المؤمنين فخطفها منه، ولما حاول ابن الخليفة استرداد لعبته، لطمه ابن المرأة السائلة فسال الدم من وجهه … وكأي أم هرعت زوجة أمير المؤمنين إلى ابنها فضمته، وضمدته، وانفجرت صارخة في المرأة وطفلها.

هل تدرون من هي زوجة الخليفة هذه ؟ … إنها “فاطمة بنت عبد الملك” .. ربيبة القصور والملك، التي كان أبوها وزوجها وإخوانها جميعاً من أعظم خلفاء المسلمين … فماذا فعل “أمير المؤمنين” عمر بن عبد العزيز ؟

نظر عمر إلى وجه المرأة وابنها وقد علاه الرعب، فهدأ من روعها، وأخذ اللعبة من ابنه وأعطاها للصغير الفقير، وأمر لها بزيادة العطاء .. وأخذ ابنه فقبله وهدأه .. ثم التفت لزوجته التقية وقال: “حنانيك .. لقد روعتها وابنها … وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من روع مسلماً روعه الله يوم القيامة” … ثم أكمل إصلاح الجدار.

أحس الكاهن الشاب أنه في حلم … ولكنه تجرأ واقترب من أمير المؤمنين … ولما سأله عن شأنه قال: ” سيدي .. إني صاحب مظلمة لأهل سمرقند .. جئت أشكي إليك قتيبة بن مسلم … وقد علمنا عدلكم فطمعنا أن تنصفنا .. إن قتيبة أخذنا على غـِرَّة، وقد علمنا أنه من عاداتكم أن تنذروا القوم ثلاثة أيام تخيرونهم فيها بين الإسلام أو الجزية أو القتال” … قال عمر: “إنها ليست عاداتنا .. إنه أمر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم” .. قال الشاب: “فإن قتيبة لم يفعل ذلك” .. فأطرق عمر قليلاً ثم أمر الكاتب فكتب رسالة وختمها بختمه ودفعها للشاب .. وقال: “أعط هذه لوالي سمرقند يرفع عنكم الظلم بإذن الله” .. ومرة أخرى .. عاد يكمل إصلاح الجدار.

فض والي سمرقند رسالة أمير المؤمنين .. وقرأها .. ثم قال للكاهن الشاب: “سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين .. لقد أمرني أن أعين قاضياً يقضي في مظلمتكم .. وسأفعل من فوري .. وموعدنا بعد يومين .. فاذهب يا بني فات بالكهنة والقادة من قومك، ولهم منا الأمان” .. ثم أرسل في طلب “قتيبة بن مسلم”.

اجتمع الناس في المسجد حيث تعقد المحاكمة، وجاء القاضي المسلم .. ونادى الحاجب على كبير الكهان فتقدم، ثم نادى على قتيبة بن مسلم فأوقفه القاضي بجوار خصمه .. ثم أمر القاضي الكاهن أن يعرض مظلمته فقال: “هذا قائدكم قتيبة بن مسلم دخل بلادنا بدون إنذار .. كل البلاد أعطاها خيارات ثلاث الإسلام أو الجزية أو الحرب … أما نحن فأخذنا بالخديعة”.

التفت القاضي إلى قتيبة وقال: “ما تقول في هذه الشكوى ؟” … قال قتيبة: “أصلح الله القاضي .. الحرب خدعة …وهذا بلد شديد البأس، قد كان عقبة أمام الفتح .. وقد علمتُ أننا إن اقتتلنا سالت دماء الفريقين كالأنهر … فهداني الله إلى هذه الخطة … وبهذه المفاجأة حمينا المسلمين من أذى عظيم وحقنا دماء أعدائنا … نعم لقد فاجأناهم .. ولكن أنقذناهم وعرفناهم الإسلام”.

قال القاضي: “يا قتيبة! هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟؟” .. قال قتيبة: “لا لم نفعل … فاجأناهم لما حدثتك به من خطرهم” … فقال القاضي: “يا قتيبة لقد أقررت .. وإذا أقر المدعي عليه انتهت المحاكمة … يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين …ومن أعظم الدين اجتناب الغدر وإقامة العدل .. والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهاداً في سبيل الله … ما خرجنا لنملك الأرض ونحتل البلاد ونعلو فيها بغير حق”.

ثم أصدر القاضي أعجب حكم صدر في تاريخ البشرية … قال: “حكمت أن تخرج جيوش المسلمين جميعاً من سمرقند – خفافاً كما دخلوها – خلال ثلاثة أيام .. ويردوا البلد إلى أهله .. ويعطونهم الفرصة ليستعدوا للقتال .. ثم ينذرونهم ويخيرونهم بين الإسلام أو الجزية أو الحرب .. فإن اختاروا الحرب كان القتال .. وذلك تطبيقا لشرع الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم”.

ألم أقل لكم أنكم لن تصدقوني .. إن الدهشة التي تملكتكم الآن هي ذاتها التي تملكت أهل سمرقند وهم يسمعون ذلك الحكم التاريخي الخالد .. جيش غاز ملك البلاد واستتب له الأمر، ثم يأمرهم قاضيهم أن يرحلوا عنها لأنهم لم يطبقوا شرع الله !! .. عجيب أمر هؤلاء القوم جـِدُّ عجيب.

ثم أخذت الدهشة بمجامع أهل سمرقند جميعاً وهم يرون المسلمين يرحلون خفافاً مسرعين، فما انقضت الأيام الثلاثة إلا والمدينة خالية من أي مسلم … اجتمع أهل سمرقند وقادتهم وكهانهم في وسط المدينة وهم لا يصدقون ما حدث .. ثم تداولوا بينهم .. إن قوماً هذا خلقهم لهم خير بني البشر، وإن قضاءً هذا فعله لهو العدل المطلق، وإن ديناً يأمر أتباعه بمثل هذا لهو الدين الحق .. ولم يطل الأمر حتى أسلمت “سمرقند” عن بكرة أبيها.

إنه الإسلام .. دين الله الخالد .. وهذا تاريخنا الذي سطرناه بالنور .. يوم كنا خير أمة.

كُتب في المناهج | التعليقات على أيها المسلم.. ارفع رأسك.. هذه هي أمتك مغلقة