القرضاوي… ومسؤولية العلماء.. للأستاذ عبد الباري عطوان

أن تمنع دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي من دخول أراضيها، الى جانب علماء آخرين، للمشاركة في الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فهذا قرار سيادي من حقها ان تقدم عليه، ولكن مصدر الغرابة أن أيا من العلماء المائتين المشاركين في هذه الدورة، ويعتبرون من ابرز قيادات الفكر الإسلامي في العالم بأسره، لم ينسحب احتجاجاً على هذا المنع، بل إن الجميع تعامل مع أمر المنع بشكل طبيعي وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق.

الأغرب من ذلك أن الشيخ يوسف القرضاوي نفسه، وقد تصفحت موقعه على الانترنت، لم يحتج مطلقاً على قرار منعه، بإصدار بيان يوضح موقفه، حتى تأكيد المنع جاء غامضاً، ولا اعرف ما هو السبب. وربما يفيد التذكير بأن الحكومة البريطانية عندما أصدرت قراراً بمنع الدكتور القرضاوي من دخول بريطانيا، استجابة لضغوط جماعات إسرائيلية، بدعوة تأييده للعمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة، قامت منظمات حقوق الإنسان في بريطانيا بحملات شرسة ضد هذا القرار قادها كين ليفنغستون عمدة لندن السابق شخصياً، وكانت من أسباب خسارته لموقعه في الانتخابات الأخيرة. صمت العلماء المسلمين على إجراءات تمسهم شخصياً، ناهيك عن أبناء الأمة الإسلامية، أمر محير للغاية لا نجد له أي تفسير غير الرضوخ لعقلية ‘الكفيل’، والتقاعس عن واجبات دينية وأخلاقية لا يجب التراجع عنها. فعندما احتجزت الحكومة السعودية الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي المعارض، في مطار جدة الذي وصله بتأشيرة صالحة من اجل أداء فريضة الحج، وإعادته على أول طائرة تركية إلى لندن عبر استانبول، لم ينطق الشيخ راشد بكلمة احتجاج واحدة، على أمل أن تثمر اتصالاته في حل المشكلة، ولكنها لم تحل في حينها، واستمر صمته لعله يتمكن من أداء الفريضة في العام الذي يليه، بعد أن تلقى تطمينات في هذا الخصوص، ولكن صمته وعدم احتجاجه لم يغفرا له، ومُنع الموسم الماضي من أداء الفريضة مرة أخرى. واستمر الصمت.

الحكومة المصرية تعتقل، وبصفة يومية، أعضاء من حركة الإخوان المسلمين، وباتت أنباء منع الدكتور عصام العريان من السفر، أو إعادة اعتقاله من الأمور العادية التي لا تثير اهتمام محرري الصحف من كثرة تكرارها، ومع ذلك لا تنقطع زيارات العلماء المسلمين للقاهرة، وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي نفسه. نطالب فقط بالاحتجاج والرفض وممارسة ضغوط على الأنظمة من قبل العلماء الذين من المفترض أن يصححوا الأخطاء، ويرفعوا الظلم، وينحازوا إلى الحق، ويكونوا رأس حربة في عملية التغيير واحترام حقوق الإنسان. اصدار بيانات يوقع عليها مئات العلماء تندد بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، او جنوب لبنان، امر جميل، ولكن المطلوب أيضا وقفة أو وقفات شجاعة لإصلاح البيت العربي من الداخل، وتقويم ما فيه من اعوجاج، وما أكثره. نعود إلى قضية منع الدكتور القرضاوي من الدخول إلى الإمارات للمشاركة في أعمال مؤتمر هو احد ابرز مؤسسي المنظمة التي دعت إلى انعقاده، ونسأل عن الأسباب التي دعت إلى ذلك، ونأمل أن لا تكون مثل تلك التي تذرعت بها بريطانيا، أي مساندته للعمليات الاستشهادية. فالشيخ القرضاوي تعرض لحملة شرسة من إيران بسبب معارضته لعمليات التشييع في أوساط الطائفة السنية، ومطالبته بوقف سب صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. ودفعت هذه المواقف وكالة أنباء ‘مهر’ الإيرانية الرسمية إلى اتهامه بالعمالة للموساد الإسرائيلي.

والأكثر من ذلك انه كان على رأس فريق العلماء الذي ذهب إلى أفغانستان لمطالبة حركة طالبان بعدم هدم تماثيل بوذا استجابة لنداءات غربية باعتبارها من الآثار التاريخية، واصدر تنظيم ‘القاعدة’ بياناً شديد اللهجة ضده بسبب إقدامه على هذه الخطوة. ما نريد ان نقوله ان الرجل في قمة الاعتدال ويمثل الوسطية الإسلامية في انصع وجوهها، ويعارض التطرف والمغالاة، وهو مع الإسلام الذي يضع تطورات العصر في قمة حساباته دون التخلي مطلقاً عن الثوابت الأساسية، فلماذا يتعرض للمنع بينما يتم فرش السجاد الأحمر لآخرين لا نريد ان نذكر فئاتهم او أسماءهم او جنسياتهم تأدباً. ومن المفارقة ان المشاركين في المؤتمر المذكور قدموا أكثر من مائتي بحث ‘علمي قيّم’ تتعلق بقضايا عديدة من بينها حرية التعبير عن الرأي، واحترام حرية الإنسان في الإسلام، والأكثر من ذلك ان الشيخ محمد بن خالد القاسمي أمين عام الامانة العامة للاوقاف في امارة الشارقة التي تستضيف المؤتمر القى كلمة مؤثرة لفت نظرنا فيها قوله ‘ان تقليل الخلاف، وتضييق دائرته امر مطلوب في عصرنا، حيث اصبح من اهم الواجبات العمل بجهد على تآلف الامة، وجمع كلمتها ومعالجة الخلاف بين ابنائها، بالاحتكام الى جهات إسلامية من الأفراد والهيئات على ضوء كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لحل مشكلات المسلمين ومعالجة ما جدّ في حياتهم من قضايا’.

كيف يمكن معالجة الخلافات الإسلامية، واحترام حريات التعبير في ظل سياسات المنع والإقصاء، وعدم تضامن علماء اجلاء مع زملاء اجلاء لهم لم يتم السماح لهم بالمشاركة؟ أحوالنا تتراجع، وتندفع بسرعة نحو الحضيض، ليس فقط بسبب الحكام الذين نلومهم دائما ونحملهم مسؤولية كل ما يلحق بنا من هزائم واحباطات، وإنما أيضا بسبب النخب الإسلامية منها او الليبرالية. فعندما توجد في هذه الأمة قيادات إسلامية لا تخشى في الحق لومة لائم، وتتصدى للباطل، وتنتصر لقضايا حقوق الإنسان والمساواة والعدالة، ستخرج هذه الأمة من عثراتها، ومن المؤسف ان الهم الشاغل للكثير من علمائنا الأفاضل، ولا نعمم هنا، هو الظهور على الفضائيات وإصدار الفتاوى حول قضايا ثانوية، والابتعاد عن القضايا الأساسية المحورية، ولهذا تتغول الأنظمة الحاكمة، وتتراجع الحريات، وتتكاثر الهزائم.

– نقلا عن القدس العربي بتاريخ 29 أفريل 2009 نقلاً عن :www.ghannoushi.net

تعليق من إدارة الموقع : من الغريب أن يسلم الأستاذ عبد الباري عطوان بحدود بلاد الإسلام التي لا يجهل أحد أن الدول الاستعمارية قد وضعتها ، فصارت تلك الحدود تنتج قرارات سيادية!! كل ديك فيها أمير ، وليس عجيباً ان يسكت الجميع لأن ما ربيت الأمة عليه خلال قرون من الضعف سيكون أول ضحاياه أولئك العلماء، أو ليست حقوق الإنسان بدعة ، والحرية كفر وفساد عريض ، والاحتجاج فتنة ، بل يلهي عن ذكر الله كما أفاد أحد المحلقين وراء الزمان والمكان .. إن تلك الحوادث وأمثالها تؤكد ضرورة استقلال قرار العلماء التام عن كل الحكام ، وأن الالتصاق بهم هو عين الفساد.

كُتب في المناهج | التعليقات على القرضاوي… ومسؤولية العلماء.. للأستاذ عبد الباري عطوان مغلقة

بمناسبة يوم العمال العالمي : من الضمانات التي قدمها الإسلام

يحتفل العمال في العالم بالأول من آيار يوماً خاصاً بهم ، ولا مانع شرعي من المشاركة في ذلك ، فإن تذكير الناس بجهود العمال الصامتة هو من المعروف والخير ، وخصوصاً أن أكثر شعوب العالم قد صارت عاملة تحت أيد ظالمة بل مستعبدة لقوى احتكارية تصادر القرار ، وتمتص أعمار العمال والأمم والشعوب من أجل حفنة مترفة قارونية الاعتقاد.

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على بمناسبة يوم العمال العالمي : من الضمانات التي قدمها الإسلام مغلقة

شيخ أزهري: أرفض حجـاب ابنتي! [في مثل هذا السن]

….. الأستاذ عصام تليمة……

ربما كان عنوان مقالي مستفزا، وبخاصة عندما يصدر من شيخ أزهري معمم، لا يزايد أحد على حبه لدينه، وحرصه على التمسك به، ودعوة الناس إليه، ولا أحب أن يزايد أحد على هذا الحب والتمسك بديني، وأقدم بهذه التقدمة لأمهد لما أود قوله.

أحرص -وتحرص أكثر مني زوجتي- على قراءة أطفالي القرآن وحفظه، ومما يحمد لدولة قطر ووزارة التربية والتعليم جزاهم الله خير الجزاء وجعله في موازين حسناتهم: حرصهم الشديد على إقامة مسابقة القرآن للمدارس والروضات في كل عام، وبما أن طفلتي الكبرى في مرحلة التمهيدي، وهي ذات السنوات الست إلا بضعة أشهر، ستشترك في هذه المسابقة، فوجئت برسالة مع الطفلة قبل يوم المسابقة بعدة أيام، وأخذت أقرأ ما في الرسالة فكان كالتالي:

على الطفلة الحضور في الساعة كذا، مرتدية العباءة والحجاب!! وطبعا لا يوجد لدى طفلتي لا عباءة ولا حجاب، ليس إهمالا مني ولا تقصيرا، بل لأن هذه الطفلة ليست في سن ارتداء حجاب، ووقعت في حيرة من أمري، وعبثا حاولت أبحث في ملابس البنت عن حجاب، أو في ملابس أمها عن حجاب يناسبها، وطبعا هذا البحث نتج عن إلغائي لعقلي وفهمي لديني في هذه اللحظة، ثم فكرت برهة وقلت لزوجتي: فلتذهب بدون عباءة وحجاب، وليكن ما يكون، إن هذا الأمر ليس دينا أتعبد به، وليس فقها صحيحا ألتزم به.

الدين والحياة

هل أضع الحجاب على رأس ابنتي وأغرس فيها دون أن أدري العلمانية التي تنادي بفصل الدين عن الحياة، وأغرس فيها أن الحجاب موضعه فقط عندما تذهب لتلاوة القرآن، بينما في الروضة التي تتلقى فيها تعليمها لا مانع من خلعه، وعدم ارتدائه أساسا؟!

ثم رحت أبحث فيما درست وقرأت في الشرع الإسلامي الحنيف، فلم أجد رأيا واحدا يحكم على طفلة في السادسة من عمرها أن شعرها عورة، ولا أنها ينبغي عليها ارتداء حجاب أصلا في هذا السن، ولا هي في سن تقترب فيه من البلوغ حتى تتمرن وتتدرب على ارتداء الحجاب، وإن كان الأفضل أن نشرح لمن تقترب من سن البلوغ لماذا العفة؟ ولماذا الحجاب؟ حتى يصل الأمر إلى قناعة شخصية داخلية، لا إلى قرار يفرض، وأن نغرس ذلك بالتربية القوية؛ حتى يكون فعلا مأجورا على أدائه.

ثم ما الحكمة الدينية والتربوية في أن أحرم الطفلة من أن تعيش طفولتها بما فيها من براءة؟ وقد كنت طفلا مثلها وحكم علي وعلى معظم الأطفال الذين يحفظون القرآن صغارا بأن يكبروا قبل سنهم، ويعاملوا معاملة الكبار، والسبب في ذلك: أنهم حفظة لكتاب الله.. شيخونا صغارا فحرمونا من طفولتنا البريئة، وكأن حفظ القرآن كان عقابا لا تكريما، دون أن يدري المجتمع للأسف، فأنت حافظ للقرآن وسنك لم يتعد الرابعة عشرة أو أقل أو أكثر قليلا.. من الآن ممنوع اللعب.. ممنوع الضحك.. ممنوع كذا وكذا، وقائمة من الممنوعات لا تتناسب مع سن الطفل، بدعوى أنه صار شيخا، وقد وعى بين صدره كتاب الله القرآن العظيم، ونمضي في ممارسة أفعال من أكبر الأخطاء التربوية في حياة الأطفال، وإليك نماذج أخرى منها:

يحفظ الولد القرآن، أو يتفوق في دراسته فتفاجأ بأن المكافأة التي نكافئه بها: عمرة إلى بيت الله الحرام، وهذا أمر جميل جدا ورائع، إن كان باختيار الطفل ذاته، ولكن ما المانع أن يكون تكريم الطفل حافظ القرآن برحلة سياحية يجمع فيها بين المشاعر المقدسة، وتراث الإنسانية الرحب الذي يتعلم منه.

خطأ تربوي

إننا نخطئ عندما نريد أن نغرس القيم الإسلامية في نفوس أطفالنا عن طريق الدرس الديني فقط، وهذا ضرب من الخطأ التربوي والديني، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بالساعات يلقي محاضرات ليغرس في نفوس أصحابه القيم، بل كان يجعلها تأتي عرضا عن طريق مواقف الحياة المختلفة، فعندما يذهب للسوق ويشتري يجد رجلا قد أصاب تمره بلل، فيقول: «ما هذا يا صاحب التمر؟» فيقول: أصابه بلل السماء، فيقول: «هلا أخبرتنا؟ من غشنا فليس منا».

إنه درس في الأمانة لم يكن على منبر، ولا في حلقة درس علم.

وعندما كان في زيارة لبيت أحد الصحابة، وقد اغتنمت زوجة الرجل فرصة وجود النبي صلى الله عليه وسلم لتتعلم، فكان لها طفل صغير يلهو، ويشغلها بلعبه عن متابعة الحديث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت، وقد أغلقت يدها: يا عبد الله، تعال أعطيك، فقال صلى الله عليه وسلم: «وماذا ستعطينه؟» ففتحت يدها، وقالت: أعطيه تمرات في يدي، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما إنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة». وهناك مواقف كثيرة في التربية النبوية.

نستطيع أن نعلم الأطفال عن طريق اللعب، وعن طريق الترفيه، وبذلك نحقق لهم الجمع بين المتعة الشخصية والتربية السوية كما أمرنا بها ديننا، فليلعب دون أن يؤذي الطفل الآخر عند اللعب، وأعلمه كيف يحترم ممتلكات الطفل الآخر، ولا يفسد ما يلعب به، وهي تربية، وأعلمه أن القرآن وحفظه وتأمله لا يجعل حافظه مخاصما للحياة، ولا كارها لها، ولا مدبرا عنها منزويا، بل القرآن يغرس في نفس حافظه وقارئه حب الكون والحياة، والتربية الفاضلة القويمة.

ملحوظة: ذهبت طفلتي للمسابقة دون حجاب ولا عباءة، ولم يردها أحد، وحصلت على مركز متقدم والحمد لله، ولكن الموقف جعل هذه الخواطر تجيش في خاطري.

 

نقلاً عن موقع : إسلام أون لاين

عضو جبهة علماء الأزهر الشريف – باحث شرعي بجمعية قطر الخيرية.

كُتب في المناهج | التعليقات على شيخ أزهري: أرفض حجـاب ابنتي! [في مثل هذا السن] مغلقة

لماذا تسيست الدعوة الإسلامية

لماذا تتجه الحركات الإسلامية إلى السياسة ؟ يجيب الداعية والمفكر الإسلامي الأستاذ راشد الغنوشي عن الموضوع بشكل دقيق من خلال وضع الحركة الإسلامية في تونس نموذجاً ، وهو منقول عن موقع الجزيرة.

لماذا تسيست الدعوة الإسلامية؟
بقلم: راشد الغنوشي

لئن اشتركت الحركات الإسلامية في مرجعية الإسلام كتابا وسنة وإجماعا، فهي تختلف في الصبغة العامة التي تصطبغ بها كل واحدة منها باختلاف الملابسات التي حفت بظهورها.

ففي بلد خاضع للاحتلال الأجنبي المرجح أن تكون هموم التحرير هي الغالبة عليها، بينما في بلد يعاني من تأثيرات الغزو الثقافي والعلمنة الطاغية على هوية البلاد الإسلامية المنتظر أن يكون الهمّ الأعظم للحركة الإسلامية الدفاع عن مقومات الشخصية الإسلامية ومواجهة ضروب العلمنة السائدة مواجهة فكرية عقدية وتربوية، وهو ما كان عليه الأمر في تونس نهايات الستينيات من القرن العشرين المنصرم، وكان يمكن أن تستمر حركة دعوية فكرية دون انخراط كلي في السياسة، فلم لم يحدث ذلك؟

1- لم يمر على “الاستقلال” (1956) عقد ونصف حتى أخذت بذور التحديث البورقيبي تثمر محاصيلها، من طريق الاستخدام المفرط لمؤسسات دولة حديثة شديدة التمركز لتفكيك الإسلام عقائد وشعائر وقيما ومؤسسات، باعتبارها عوائق في طريق الإستراتيجية العليا للدولة التي يلخصها شعار بورقيبة الأثير “اللحاق بركب الأمم المتحضرة”.

فكان طليعة قرارات الاستقلال الأولى: تفكيك المؤسسة الزيتونية، الحارس لمقومات الشخصية العربية الإسلامية لتونس وأعظم قلعة لحضارة الإسلام في أفريقيا، وكان يومئذ يزاول التعليم فيها بمختلف مراحله 27 ألف طالب، وكانت قد قطعت شوطا بعيدا في طريق الإصلاح، استيعابا للعلوم الحديثة في إطار الإسلام ولغته العربية، فكان قرار شطبها بمثابة التقويض لأسس البناء وزلزالا لهوية البلاد واستهدافا للغة وللدين وللأخلاق.

وتلاحقت الضربات على البناء فكان إلغاء المحاكم الشرعية ومصادرة الأوقاف التي كانت تتصرف في حوالي ثلث الملكية الزراعية، مكرسة لخدمة مؤسسات المجتمع الأهلي كالتعليم. وحتى شعائر الدين لم تسلم من الاستهداف فكانت الدعوة الرسمية لانتهاك حرمة رمضان من قبل رئيس الدولة نفسه في غرة شهر رمضان 1961 حيث احتسى عند الظهيرة كوب عصير على ملأ من شعبه، مفتيا إياه بحالة الجهاد ضد التخلف!!

وحتى عقائد الإسلام الكبرى كالألوهية والنبوة والجنة والنار ومعجزات الأنبياء والقرآن نفسه لم تسلم، فقد تعرضت في خطب الرئيس للقصف، الأمر الذي دفع أئمة كبارا في العالم الإسلامي لاستتابته. وباسم تحرير المرأة تبنت دولة الاستقلال إستراتيجية شاملة منها تحديد النسل والإجهاض.. وإباحة الزنا –بشرط التراضي- وحظر الحجاب.. أفضت خلال أربعين سنة إلى تصحّر للنسل وإلى تفكيك شامل للأسرة وتعريض جملة البناء المجتمعي للتحلل ووضعه على طريق الانكماش والشيخوخة والفناء، في سابقة فريدة في عالم الإسلام والعالم الثالث الذي يشكو وفرة النسل، بما جعل حاجة البلاد ليست لفتح المزيد من المدارس بل للشروع في إيصاد أبواب المئات منها لنضوب المنابع.

ومن ذلك فإن المتقدمين لشهادة الباكالوريا لسنة 2009 قد انحدر عددهم بأكثر من 17 ألفا عن السنة الماضية، فضلا عن تراجع نسب الزواج وارتفاع نسب الطلاق والعنوسة والإجرام.. وكلها ثمار لنظام فاشي علماني متطرف، أرساه بقوة الدولة عهد “الاستقلال” وسوّقه باسم تحديث مغشوش.

2- ولدت الحركة الإسلامية بدايات السبعينيات، دعوة تجديدية لأصول الإسلام وللالتزام بشعائره، صلتها بالسياسة اليومية رقيقة، ولدت كأحد أهم دفاعات المجتمع التونسي عن مقومات شخصيته ووجوده واستمراره عربيا مسلما وامتدادا للأمة، وليس تابعا صغيرا لأمم الغرب.

ولأن الطلب كان قويا على مقومات هذه الهوية بسبب تفاقم الشعور بالخطر فقد نمت بسرعة، فأعادت بفضل الله الحياة للمساجد وللمصاحف وللشعائر ولقيم الإسلام، تجسّر العلاقة بينها وبين عالم الحداثة في معاهد التعليم والجامعة والإدارة، وتمتدّ بها تباعا إلى كل مؤسسات المجتمع النقابية والثقافية والسياسية انطلاقا من منظور الإسلام التوحيدي الشامل الذي يدعو المؤمنين ليعبدوا الله الواحد الأحد بكل نفوسهم وفكرهم وجوارحهم مخلصين له الدين في كل مسالكهم ومناشطهم، وإلا فهو الشرك الظاهر أو الخفي.

3- يمكن للمواطن في ظل نظام ديمقراطي تعلوه سلطة القانون أن يختار لنفسه نوع النشاط الذي ينسجم معه فينضوي في جمعية متفرغة لذلك المنشط، قد تكون سياسية وقد لا تكون لها علاقة بالسياسة، فيحقق أعلى درجات فعاليته دون أن يصطدم بالسياسة ولا هي تصطدم به، ولا ينشغل بها أصلا، ولكن في نظام شمولي فردي مركزي ستجد السياسة تلاحقك وتحيط بك حيثما اتجهت، إلا إذا آثرت حياة الخمول والدعة.

وتمثّل صور الرئيس المنبثة في كل مكان رمزا للسلطة المهيمنة على كل شيء والحاضرة في كل مكان والمهددة لكل من تحدثه نفسه بانتهاج سبيل غير سبيله، في محاولة للحلول محل الله في مخيال الناس. ومن ذلك اعتقال عدد من الشبان اعتادوا ممارسة لعبة الكرة إثر صلاة الفجر، والتهمة أنهم لم يحصلوا على ترخيص مسبق. ودوهمت من طرف الشرطة حفلات عرس اختار أصحابها إحياءها بموشحات وأناشيد دينية، بديلا عن الفنون الهابطة وأم المعاصي، باعتبارها مناشط أصولية، فانقلب العرس مأتما.

4- في ظل نظام من هذا القبيل ما كان يمكن تخيل أن تترك دعوة إسلامية تقوم على منظور إسلامي شامل لتنمو بشكل طبيعي، حتى ولو كانت في صيغة “جماعة التبليغ” البعيدة عن السياسة فقد تعرضت للاعتقال، فكان أول الاصطدام في المسجد الذي تعتبره السلطة ملكا لها تعيّن أئمته من قبل أعضاء الحزب الحاكم بل في كثير من الأحيان من الشرطة المتقاعدين، بينما يعتبره أهل الدعوة -كما كان الأمر في تاريخ حضارة الإسلام- ملكا لله، يديره المجتمع الأهلي عبر علمائه وجمعياته ومذاهبه وطرقه.. وامتد الصدام إلى المعاهد والجامعات.. لينتهي إلى الشارع، وفي حالات إلى الجبال.. ليس لك من خيار في مجتمع استبدادي، زبانية القمع في كل مكان يسدون كل طريق إلا أن تصطدم بهم، وتخوض غمار السياسة، فتواجه الاستبداد من أجل تفكيك مؤسساته بدءا بقوانينه وانتهاء باستبعاد القائمين عليه أو خضوعهم لحكم القانون وإرادة الناس.

ولذلك رغم أن الحركة الإسلامية في كل مكان نشأت حركة دعوية ثقافية فإنها ما إن حققت قدرا من النمو حتى تنبهت دولة الاستبداد لها فاستدارت لها لتوجه لها مدافعها، ولا تزال تفعل ذلك معها ومع غيرها ممن رفض أن يكون معارضة مؤنّسة مدجنة.

ليس في مثل هذا النوع مناص من ممارسة السياسة المفضية حتما إلى المواجهة مع الاستبداد، وليس المعارضة المعترف بها في الأنظمة الديمقراطية وبحقها في منافسة السلطة وحتى الحلول محلها، فهذه لا مكان لها حيث يسود الاستبداد، المواجهة لوضع أشد من الاحتلال بل هو نائب عنه، وهو ما يجعل الحديث عن مجتمع مدني في ظل الاستبداد حديثا حالما أو مخادعا يشبه الحديث عن مصالحة مع الاحتلال.

5- وكان حتما لازبا على نظام شمولي حداثوي فردي شديد التمركز أن يدخل في حلقات لا تنتهي من القمع لمعارضيه بكل اتجاهاتهم سواء أكانوا من داخل حزبه الأوحد (جماعة ابن يوسف، المستيري، ابن صالح..) أم كانوا من خارجه (يساريين، شيوعيين، نقابيين، ليبراليين، عروبيين، إسلاميين، حقوقيين..). لم يكن منتظرا من نظام من هذا الصنف أن يترك مجالا لأي منشط ثقافي أو سياسي وحتى رياضي أن ينشأ خارجه ويترك له فرصا للنمو المستقل عنه، فكل ما هو خارجه هو في صراع وجودي محتم معه حتى ينهيه أو يحتوي، ولذلك يمكن اعتبار تاريخ دولة الاستقلال ليس هو بحال تاريخ تداول السلطة بين التيارات السياسية بل هو تاريخ تداولها القمع والسجون والسلخ والتعذيب والتهجير.

لم تعرف السجون لحظة لالتقاط الأنفاس، فحلّ فيها اليساريون محل اليوسفيين وحل النقابيون محل اليسار وحل الإسلاميون منذ سنة 1981محل أولئك فسجن منهم يومئذ 500 وفي سنة 1987 سجن منهم عشرة آلاف وفي 1992 سجن منهم ثلاثون ألفا، أطلقت آخر دفعة منهم الآونة الأخيرة منهم الرئيس السابق للحركة أستاذ كلية الطب صادق شورو بعد أن أمضى 18 سنة معظمها في سجن انفرادي، سيم فيه أشد النكال.

ولأنه تجرأ على التصريح لبعض وسائل الإعلام بأنه لا يزال معتزا بانتمائه للنهضة، وطالب بالسماح لها بالنشاط القانوني، فقد أعيد اعتقاله ولمّا يستكمل استقبال المهنئين، ليحكم عليه مجددا بسنة سجنا. لم يغفر له أنه قاد حركته إلى نصر ساحق في انتخابات 1989، قرروا تزييفها ومعاقبة الفائزين بالاستئصال.

6- أما من الناحية النظرية التأسيسية فإن السياسة ليست شيئا ملحقا بالإسلام طارئا عليه وإنما هي من أصوله، وذلك إذا فهم كل من الإسلام والسياسة على حقيقته، على اعتبار السياسة فن رعاية شؤون الناس بما يحقق العدل فيهم والتعايش بينهم والسعادة لهم ووزع بعضهم عن بعض، وهل جاءت النبوات لغير تعريف الناس بربهم وبالغرض من وجودهم وبالقيم وبالموازين وبالشرائع الكفيلة بما يحقق مصالحهم وسعادتهم في الآجل والعاجل؟ وهو ما يجعل الإسلام مسيسا بطبعه، رافضا من منطلق قاعدة التوحيد أساس كل بنيانه أي صورة من صور الشرك، إن في مستوى الاعتقاد أو في مستوى السلوك الفردي أو الاجتماعي، خضوعا لأي مصدر آخر من مصادر الإلزام والتشريع ليس مستمدا من شرائع الله “وهو في السماء إله وفي الأرض إله”. وفي مجتمع مسلم تمثل آليات الحكم الديمقراطي أفضل سبيل لهذا الاستمداد.

7- وتاريخيا, منذ العهد المكي -رغم أن الفئة المؤمنة كانت تعيش مضطهدة في ظل أعراف وأحكام قبلية جاهلية- بدأت تهيئتها لأحكام الإسلام، فاقترن مثلا الحديث عن الصلاة بالحديث عن الزكاة، وظل صاحب الدعوة عليه السلام يبحث جاهدا عن أرض تؤوي دعوته بعد أن رفضها كبراء مكة والمتحكمون في ضعفائها، حتى إذ ظفر بها في خيبر بدأت الشرائع المفصلة تتنزل تباعا حسب الحاجة، وتأسس على ذلك النموذج واقتداء به وقياسا عليه واستمدادا من مقاصده فيض من الفقه، ما احتاج المسلمون على امتداد تاريخهم وحضارتهم لاستمداد تشريع من خارجه لتنظيم حياتهم في كل المجالات.

واستمر الأمر على ذلك حتى نكبت الأمة بالاحتلال الغربي، فما تلبّث بأنموذج الحياة الإسلامية وما قام عليه من شرائع وقيم حتى أخذ في إزاحته وإحلال تشريعاته العلمانية محله مبشرا بمنظورات فكرية وقيمية وفلسفية تقصي الإسلام عن شؤون الحياة والحكم وتعزله في أضيق نطاق تمهيدا لطرده جملة.

8- ومع أن الحركة الإسلامية في تونس قد واجهت التطرف العلماني السائد الذي تولى كبر قيادته وفرضه بأدوات الدولة الزعيم بورقيبة وواصله بأفدح خلفاؤه، ولم يكن أمامها غير تفنيده انتصارا لرؤية الإسلام التوحيدية، إلا أنها هنا لم تطرح في الساحة التونسية شعارات معتادة لدى حركات الإسلام مثل شعار الدولة الإسلامية، معتبرة أن المشكل اليوم ليس استبدال قانون شرعي بقانون وضعي -رغم أهمية ذلك- وإنما المشكل هو غياب فكرة القانون ودولة القانون وسيادته في ظل النظام القائم، ولك أن تقول غياب قيمة الحرية وسلطة الشعب لصالح سلطة الدكتاتور وتسلط الدولة على كل شؤون المجتمع بما فرض على الحركة الإسلامية أن تعتبر المحور الرئيسي لعملها هو محور الهوية والحرية والعدالة، وليس محور الشريعة، مع أنها كلها من مقاصدها، وهو ما عبرت عنه جميع وثائقها بدءا من وثيقة البيان التأسيسي إلى ميثاق حركة النهضة وسائر أدبياتها وبالخصوص إنتاج رموزها الذين يعتبر إسهامهم مهمّا في تطوير خطاب الحركة الإسلامية وبالخصوص في المغرب العربي صوب تبني النموذج الديمقراطي في الحكم والمعارضة والتأسيس له وتأصيله وتخريجه على أصول الإسلام باعتباره أفضل ما توصلت له الخبرة البشرية تطبيق الشورى ومقاومة أصل الشرور: الاستبداد، ليست هي بالتأكيد بالمثالية، ولكنها أفضل الموجود وقابلة للتطوير عبر النظر والتطبيق، حتى إن خير ما مدحت به الديمقراطية أنها أقل الأنظمة سوء.

والحق أن أهمية الديمقراطية إنما تتأكد إذ تقارن بالبدائل عنها، وهو ما يجعل العاقل يبرأ بنفسه أن يؤول نقده للديمقراطية إلى ما آل له النقد الماركسي، الذي أرسى أشد الأنظمة فردية وتوحشا.

9- وعلى نفس المنوال ينبغي أن يظل الحذر من تيارات إسلامية جعلت ديدنها تكفير الديمقراطية من دون وعي وانتباه إلى أنها ضحية لغياب الديمقراطية وأنها دون وعي تسوق المياه إلى مجاري الدكتاتورية تطيل ليلها، إلا أن الثابت أن هذه الجماعات ليست مندرجة ضمن التيار الوسطي العريض الكادح مع كل الكادحين من أجل مقاومة الاستبداد بأي برقع تبرقع، وأخطرها ما تبرقع بالإسلام، وذلك حتى لا نفاجأ بسجون ومهاجر تزدحم بالمعارضين تطاردهم أنظمة ترفع شعارات الإسلام والعياذ بالله من كل استبداد وبالخصوص ما رفع سيف الإسلام على معارضيه.

10- ثم إنه في الأخير، لطالما عيب على المسلمين بأثر عصور الانحطاط انصرافهم عن الدنيا وشؤونها إلى عوالم الروح واليوم الآخر، حتى جعل المصلحون هدفا أساسيا من أهدافهم استعادة الوعي بالدنيا وتأصيل الاهتمام بها والتأكيد المتكرر أن عمارتها مقصد للدين وطريق إلى الآخرة، فكان زعماء حركة التحرير يتصدون للطرق الصوفية ويتهمونها بتزييف وعي الناس، محرضين على الثورة، داعين المسلم إلى الكفاح والجهاد والكدح، إلا أنهم ما إن قضوا وطرهم، حتى أخذوا يبذلون أقصى الوسع في دفع الناس مجددا إلى حياة يغيب فيها الوعي السياسي، فطاردوا التسيّس على كل صعيد وخصوصا في الجامعات، التسيس الذي صنع قيادات هذا الجيل، دافعين الناس إلى الانغمار في خصوصيات أغراضهم ومطامحهم الشخصية الصغيرة، مشجعين طرقا وزوايا وضروبا من الشطح والدروشة طالما قاوموها زمن الحاجة إلى التسيس، شاهرين سيوفهم في وجه الإسلاميين بتهمة تسييس الدين.

وهم من دفعهم إلى التسيس وحتى إلى الإرهاب، ولم تسلم من قمعهم حتى جماعة بعيدة عن السياسة مثل جماعة التبليغ. وليست كل السياسة في الإسلام -عند التحقيق في خطابهم ومسالكهم- مذمومة، فما هم بعلمانيين أصلاء، يتركون الدين للمجتمع الأهلي، كلا بل هم الأحرص على تسييسه ولكن في اتجاه واحد يخدم سلطانهم، لتلهج المنابر بمآثرهم، نقيضا لمقاصد الدين: أن يكون الدين كله له، مخدوما لا خادما، وأن يكون الله وحده معبودا، لا الملك. قال تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” الذاريات.

11- ولأن الله قد كتب لهذا الدين البقاء، ولأن الحاجة إليه تزيد والطلب عليه يشتد، فقد فشلت كل مخططات تهميشه أو استحواذ السلطان عليه، فهو يتحرر من قبضته يوما بعد يوم وينقلب على ظلمه وفساده، لا سيما أمام الفشل المتفاقم للمشاريع التي تقدمت بدائل عنه في تنمية الأمة والدفاع عنها. ومسار القضية الفلسطينية يؤكد هذه الحقيقة التي عبر عنها الشاعر:
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم ** وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

نقلاً عن موقع الجزيرة

كُتب في المناهج | التعليقات على لماذا تسيست الدعوة الإسلامية مغلقة

الشبهة بين العقيدة والشريعة والأخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقال للأستاذ الدكتور أحمد السعدي حفظه الله

الشبهة بين العقيدة والشريعة والأخلاق

من أحاديث الأربعين ، والتي اختارها الإمام النووي رحمه الله ، راسمة لمعالم الإسلام العامة ، مما قال عنه العلماء إنه يشكل المرجعية التي يدور حولها التشريع _مدار الإسلام_ ، حديثُ الشيخين المشهور ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما : الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات .

وأهمية الحديث عن هذا الحديث الجامع ، من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي عليها مدار الإسلام ، تكمن في إحياء أثره مرَّة أخرى في حياة المسلمين ، بعد أن اعتبره بعض المسلمين حديثاً ضعُفَ أثره في الواقع من جانب ، وفي الخطاب الإسلامي المعاصر من جانب آخر ، بحجَّة تقصير المسلمين في معالم الحلال والحرام البيِّنة ، بل تخلخل معاقد الإيمان في قلوبهم ، فما الحديث عن الشبهات أمام هذا الواقع ، وأين مكانه في خطابٍ يتناسب معه؟!!

والحقيقة أنَّ الحديث مازال ذا تأثير في الصورة العامة التي ينبغي أن يرسمها المسلم لدينه ، ومنهجِهِ في الحياة بناء عليه ، فإذا فُقِدَ هذا التأثير في الواقع ، فوجوده في الصورة المرسومة دليل على وجوب إحيائه في الحياة ، قبل زواله من الصورة النفسية ، وبالتالي تعطيل جانب مهمٍّ من جوانب الشرع ، ممَّا عليه يُدار ، وهذا في اعتقادي هو تجديد الدين ، وهو إحياء سنّةٍ أماتها الناس . فتجديد الدين إنما هو إحياؤه في الواقع قبل أن يذبل في النفوس ، وهو إعادة المسلمين إلى دينهم ، وإعادة دينهم إليهم ، عبر إيقاظ صوره النائمة في نفوسهم لتنعكس حياة في واقعهم .

وقد أوقع الفهم القاصر للحديث ، كثيراً من الناس في التقليل من أهميته في واقعنا ، حين ظنوا أنَّ الحلال والحرام ينحصر في الأبواب الفقهية بين صلاة وزكاة وحجاب وإرث ، ونسوا أن الفقه ليس كلَّ الدين ، بل هو الجانب العملي من الشريعة وفق اجتهاد الفقهاء وجهود البشر في فهمهم لحقيقة دينهم . والصواب أنَّ الحلال والحرام واقع في معالم الدين عقيدة وشريعة وأخلاقاً ، ولذا تدخل الشبه في هذه المعالم على اختلافها ، والنهي عن الوقوع في الشبهات نهي عن الجرأة عليها في الاعتقاد والسلوك بل والنية . فالإيمان بِعِظَمِ الله واجب ، والقول بِعَجْزِهِ مُنْكَر ، وهذا وذاك من الظهور والوضوح بحيث لا يجهله مسلم ، لكنَّ الخوض في آلية كلامه سبحانه هو بمنزلة الوسط المشكل بين وضوح الطرفين ، وما أحرانا اليوم أن ندعو المسلمين للاهتمام بالبيِّن ، والحذر من المشبَّهات . وفي الشريعة : الكلُّ يعلم أنَّ سفورَ النساء معصية وسَتْرَهُنَّ واجب ، وثَمَّ خلاف في التفاصيل ، وحين تجد المرأة نفسها اليوم ، أمام ريبةٍ فيمن حولها ، يجب عليها أن تختار مما يطمئن إليه قلبها من الواجِبِ السِّتْرَ ، اتقاء للشبهة . وهذا الأمر يرى الناس اليوم نتيجة الاستمرار في العمل بالرخص فيما يتعلق به ، مع الإعراض عن التوصية باتقاء الشبهات .

أما في الجانب الأخلاقي ، وفي العلاقات الاجتماعية ، فإحياء هذا الحديث اليوم ، هو أعظم ما يتقرب به الواعظ إلى ربه فيما أتصور . تحكيم قانون هذا الحديث في التطبيقات الأخلاقية وفي تعاملات الناس ، والاستفادة من إشاراته الواضحة في تفصيلاتها ، تحيي في الأمّة ، جانباً افتقدت كثيراً من آثاره في حياتها ، حتى غدت المحاكم الإسلامية تزدحم ازدحاماً يعجز القضاة معه عن البت في مشكلاتها لعدة سنوات ؛ لأنَّ المسلمين افتقدوا ميزان مراعاة الوسط الغامض ، إن صح التعبير .

إذا كان بناء الإسلام هو الأخلاق ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، والصلاة والزكاة….. أركان وأسس يرتفع عليها البناء ، فلا يقوم البناء دون أساساته ، لكنه شيء آخر غير أساساته ، إنه الأخلاق ، فإذا كانت رسالة الإسلام هي الأخلاق ، كان الحلال في الأخلاق ، والحرام فيها ، هي معالم الإسلام على الحقيقة ، إقداماً وإحجاماً ، وكان الوسط الغامض فيها ، هو أوسع تطبيق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “وبينهما مشبَّهات”، وإذا حاول الدعاة من جديد ، إحياء ميزان هذا الحديث ، في الوسط المشكل من الأخلاق ، أعاد للأمة تاريخها المضيء الذي ننشده ونتغنى به ليل نهار .

يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم مرة باجتهاد يخالف اجتهاد الخليفة الصديق ، فجاء رجل ممن يريد الاصطياد في الماء العكر ، وقال للصديق ، من الخليفة ؟ أنت أم عمر ؟ فأجابه الصديق : هو إن أراد . لقد فهم الصديق مقصد هذا الرجل ، واجتنب الشبهة التي أراد إثارتها . وأنهى مشكلة كان يبغيها ويتوخاها .

الرجل يعلم وجوب النفقة عليه ، والمرأة تعلم وجوب حفظ الرجل في ماله وبيته ، وبين ما يعلم كلا الزوجين حِلَّه أو تحريمه ، مشكلات ، يرتاب منها قلب كلٍّ منهما ، فبدل أن تكون الجسارة في هذا الموطن ، وتسبِّب هذه الجسارة في الأعم الأغلب خلافات ، قد يكون أقلَّ خسارةٍ فيها انحلالُ عقد الأسرة المسلمة ، ليكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حَكَماً ، فمن رعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، وفي الحديث الآخر : ” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ” .

وكسْرُ لَبِناتٍ من حائط مشترك بين جارين ، حرام بيِّن ، وحديث الرجل بصوت منخفض مع أهله دون إزعاج جاره حلال بيِّن ، وبين هذا الحلال البيِّن ، وذاك الحرام البيِّن تصرفات للجيران تشكُّ قلوبهم في نتائجها على العلاقة الجوارية ، التي قال فيها الحبيب الأعظم في حديث متواترٍ نصَّ الذهبيُّ وغيرُهُ على تواتره : ” مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنَّه سيورثه ” . ولو أنهم اجتنبوا هذه التصرفات ، اتقاء للشبهات ، لبقيت العلاقة الجوارية كما أرادها الإسلام .

وما أحوجنا اليوم لأن نحييَ في الناس اتقاء الشبهات في العقيدة والشريعة والأخلاق ، وأن نستدرك أنفسنا من خطر قادم ، فمعظم النار من مستصغر الشرر ، وللحديث تفصيل ليس هذا مكانه ، والمتكلمون فيه كثر . والله أعلم .

أحمد السعدي

دمشق 9/ 4 / 2009

كُتب في المناهج | التعليقات على الشبهة بين العقيدة والشريعة والأخلاق مغلقة

لماذا تستخدم المصارف الإسلامية أسعار الفائدة كمعيار للحساب والتقدير؟ما البديل؟

مقالة للإقتصادي الدكتور : أسامة القاضي

دأبت الكثير من المصارف الإسلامية على إنشاء كثير من عقود البيع الآجل وعقود البيع للآمر بالشراء وعقود البيع بالتقسيط للعقارات والسيارات معتمدة بذلك على أسعار الفائدة المتداولة في البنوك التقليدية دون أية مساءلة من الهيئة الشرعية متعللةً بأن المصارف الإسلامية محكومة بأسعار الفائدة في البنوك التقليدية التي اعتاد الناس على سماعها تباعاً في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، هذا طبعاً فضلاً عن استخدام البنوك المركزية في العالم الإسلامي بحجة أن أسعار الفائدة كأدوات اقتصادية من أجل الوصول إلى مرحلة التشغيل الكامل واستثمار الموارد الاقتصادية والمالية والفائدة بالنسبة للصيرفة العالمية على أنها تمثل الفرصة البديلة لتشغيل الأموال، فالمصرف التقليدي بحسب تلك الحجة يجب أن يحصل من أي عملية تمويل على عائد أعلى من سعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية لتكون عملية التمويل مربحة.

عادةً مايقع العاملون في المصارف الإسلامية بحرج عندما يجلسون إلى العملاء الذين يريدون شراء حافلة أو عقار مثلاً فيسأل عن الربح الذي سيتقاضاه المصرف لقاء الاستدانة فيسارع الموظف بقوله المعدل 6 بالمائة مثلاً، ويحار في الإجابة عندما يسأله العميل وماهي هذه ال 6 بالمائة هل هي معدل الفائدة أو معدل الربح؟ على اعتبار أن المصارف التقليدية تتخذ نفس سعر الفائدة الذي هو معروف لدى العامة ولدى العميل لأنه بالتأكيد قد ذهب واستفسر عن حاجته لدى كل المصارف الإسلامية والتقليدية على السواء.

إن عدم استخدام مؤشرات شرعية كمعيار للحساب والاستثمار والربح يُضرّ للأسف بسمعة المصارف الإسلامية لدى العامة، خاصة لأنها تُتَهم للأسف بأنها نسخة طبق الأصل من المصارف التقليدية، وتستخدم نفس الأدوات “اللاإسلامية” من مثل معدلات فائدة “ليبور سعر الفائدة السائد بين البنوك في سوق لندن ” أو “البرايم ريت” ومعدلات الفائدة العالمية والمحلية في صعودها وهبوطها بحجة أن هذه مجرد أسعار استرشادية وأنهم مضطرون للأخذ بسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية عند تحديد هامش الربح في صيغ التمويل القائمة على البيوع الآجلة كعقد المرابحة وعقد التأجير، كي ينافسوا المصارف التقليدية، والتخريجة الأصولية هي “عموم البلوى”.

إن مسألة “عموم البلوى” على اعتبارها شيوع البلاء أو عسر الاحتراز أو صعوبة التخلص أو عسر الاستغناء أو صعوبة الابتعاد وتعذره (كما جاء في دراسة عموم البلوى-دراسة نظرية وتطبيقية لمسلم الدوسيري) لايمكن الأخذ بها في مسألة المصارف الإسلامية إلا على أنها نوع من التكليف كي تستحث المصارف الإسلامية للوصول لحالة من “الاستغناء” عن البدائل غير الشرعية، لا أن تستكين المصارف الإسلامية بعد ربع قرن من العمل إلى واقع الحال بل لابد أن تُعلن الهيئات الشرعية مجتمعة عن تحديد فترة زمنية لانتهاء فترة “الصعوبة” في الاحتراز من الأخذ بأسعار الفائدة كمرجعية، كأن تخرج فتوى بإمهال المصارف الإسلامية مجتمعة مدة سنتين للإنتهاء من هذه الاستعانة ريثما يتم لها استحداث مؤشراتها الخاصة بها.

البديل الذي ربما يكون أقرب لطبيعة الصيرفة الإسلامية هو أن تقوم البنوك الإسلامية مجتمعة بتخصيص جزء من ميزانيتها للبحث الاقتصادي والصيرفي العلمي لاستحداث مؤشرات للأرباح ولمخاطر الاستثمار في المصارف الإسلامية وكذلك مؤشرات اقتصادية في كل الدول التي لديها مصارف إسلامية وفي شتى ميادين العمل الاستثماري ومتابعته بشكل يومي وتوزيعه ونشره في الإعلام المقروء والمكتوب بحيث يكون هناك مثلاً معدل للأرباح العقارية والصناعية والتجارية آخذاً بعين الاعتبار التضخم ومستوى معيشة المواطنين في ذلك البلد الإسلامي وربما بهذا سيكون أكثر إقناعاً لعميل المصرف الإسلامي من مرجعية أسعار الفائدة هذا من جهة، وسيكون أقرب للعدل في تحديد الربحية المصرفية والذي تقوم على أساسه الصيرفة الإسلامية في عقود المرابحة، والبيوع الآجلة، والمضاربة، و عقود التأجير المنتهية بالتمليك وغيرها.

إن استخدام أسعار الفائدة مع استبدال المصطلح فقط هو نوع من الحيل “الشرعية” التي هي في حقيقتها غير شرعية لأن “العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني” كما يقول الأصوليون وإن استبدال المفردة اللغوية فقط لا يقنع العامة عندما يرون المصرف الإسلامي يقوم بتغيير عائد الاستثمار مع تغير أسعار الفائدة العالمية وبنفس المقدار حرصاً منه عدم تفويت فرص الربح.

هذا المطلب ليس جديداً فالدكتور نجاة الله صديقي طرحه في كتابه “استعراض للفكر الاقتصادي الإسلامي” 1987 بقوله: “لماذا لا يستخدم المعدل الجاري لنصيب رب المال في أرباح المضاربات التي تتولاها البنوك اللاربوية كأساس لتقويم ومقارنة الاستثمارات؟”

إن هناك إشكالية نأمل من الأخوة القائمين على الصيرفة الإسلامية التوجه لتداركها في المستقبل وهي أننا نطالب بأسلمة البنوك بينما سلوك البنوك الإسلامية –عموماً- يؤكد لعملاء المصارف الإسلامية أن استخدم أدوات المصارف التقليدية هي أكثر جدوى في الوصول للكفاءة الاقتصادية والمالية!

أعتقد أنه من الناحية الشرعية يجب أن نتأكد أن العملية المصرفية كلها من مبدأها إلى منتهاها ذات “نكهة شرعية” دون ترقيع “شرعي” وأن يكون عقد التمويل والبيع مكتمل الأركان وتام الشروط الشرعية بما فيها هامش الربح (سواء دُفع منجّماً( أي على أقساط) أو دُفع مرة واحدة) والحقيقة أنه لا ينبغي أن يُحَدد حسب لوائح أسعار الفائدة ، فضلاً عن تغير مبلغ القسط مع الزمن بتغير أسعار الفائدة وهذا تقليد تام لما يحصل في الصيرفة التقليدية عندما يكون سعر الفائدة على العقار مثلاً “معدل متحول” مؤلف من سعر الفائدة الأساسي (البرايم ريت) إضافة لهامش ربح (مثال برايم ريت 3% + 2% معدل ربح إضافي = 5% وفي حال قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة إلى 5% فيصبح معدل الفائدة المفروض على العقار 5+2= 7%).

أدعو في هذه العجالة المصارف الإسلامية لإنشاء صندوق لتأسيس مؤسسة تعنى بـ”نَحت” واستحداث مؤشرات تسترشد بها المصارف الإسلامية على أن يدفع كل مصرف 0.5 بالمائة من مبلغ التأسيس (مرة كل عشر سنوات) على ألا يتجاوز المليون دولار (لوكان مبلغ التأسيس 100 مليون دولار فقط فالمبلغ المخصص لهذا الغرض سيكون نصف مليون دولار) فلو تصورنا أن ال300 مصرف إسلامي في أعلى تقدير قد ساهمت في هذا الصندوق فنحن لدينا حوالي 150-300 مليون دولار تكفي لهذا الغرض بشكل تقديري مبدئيا من أجل استحداث مؤسسة مالية متخصصة في استحداث المؤشرات المالية والتجارية بعد دراسة الأرباح والمخاطر في التمويل المصرفي الإسلامي خلال السنوات العشرين الماضية سيكون هذا عمل مبارك وطيب تستفيد منه الأمة وتعزز الصيرفة الإسلامية مكانتها كلاعب جاد في عالم المال والبنوك، وعندها فقط يمكننا أن نقدم للمصارف التقليدية خدمة الإستعانة بمؤشرات أقرب للعدالة، ونتمتع معاً بمصارف ذات “نكهة إسلامية خالصة” بدون “ترقيعات شرعية” والتعلل بمبدأ “عموم البلوى”، ولو خرجت الهيئات الشرعية بفتوى إمهال المصارف سنتين لاستحداث المؤشرات الشرعية المرجعية في الأرباح سيتذوق العامة والخاصة في عام2011 بـ”المذاق الشرعي الخالص” للمصارف الإسلامية.
http://www.almultaka.net/index.php

كُتب في المناهج | التعليقات على لماذا تستخدم المصارف الإسلامية أسعار الفائدة كمعيار للحساب والتقدير؟ما البديل؟ مغلقة

جريمة اختفاء الدكتورة (ن) للأستاذة الدكتورة هبة رؤوف عزة

عنوان المقال الأصلي : هو البحث عن الدكتورة “ن” ، ولكننا فضلنا تسميته : “جريمة اختفاء الدكتورة “ن” فليست الحكومات الظالمة هي الجهات الوحيدة التي يختفي المواطنون في سجونها ، بل هناك آخرون يدمرون من الحياة ما عجزت عنه الأنظمة الاستبدادية.
من أين تنبت العدالة في مصر إذا لم نروها في البيوت؟ وكيف نتطلع للتغيير الحقيقي ونحن أول أعدائه، وكيف نطالب بتطبيق الشرع والدين ونحن أول مخالفيه، وكيف نشكو من تراجع الأخلاق ونحن نتواطأ علي هدر كل قيمة نبيلة بصمت غريب وتخاذل عجيب غير مبرر ولا مفهوم.. ونخشي الناس ولا نخشي الله.. وكيف وكيف وكيف؟
ما زالت ضحكتها في أذني، هذا الصوت القوي وتلك الشخصية المرحة وهذا العقل الراجح.
تعارفنا منذ قرابة عام، وتقاربنا رغم أنها تقيم في الصعيد وأنا من أهل القاهرة. اتصلت بي لتكتب في تقرير دوري جزءاً عن الحالة الصحية..وبدأ التعاون.

مع الأيام تطورت الصداقة وعلمت أنها تتعرض للضرب والإهانة من زوجها منذ سنوات، وآلمني أنه من أصحاب الخطاب الديني الذين يتحركون في المجال العام بشكل منظم. الإهانات المتكررة تتعرض لها أمام أبناء تتراوح أعمارهم بين طلبة الجامعة وطلبة الابتدائي..بل ويتم التعدي عليها بالقول في مكان العمل أحياناً أمام الزملاء، رغم أنها تحترم زوجها بل تأخرت عمداً في الحصول علي الدكتوراه كي لا تتخطاه..لأنهما في التخصص نفسه.

حدثتني عن الأحلام البريئة حين قبلته زوجاً، عن مشاعر الحب التي ملأت قلبها نحوه، والآمال الكبري عن إصلاح المجتمع وتأسيس أسرة تنهض بالأمة، وكيف ذهبت هذه كلها مع الريح. ما أسهل أن نتحدث عن نهضة الأمة دون أن نغير طباعنا، وأن نرفع شعارات الحل لإقامة دولة لكن إقامة العدل والإحسان في داخل بيوتنا أصعب، حدثتني عن التفاصيل البسيطة..وما الحياة الزوجية إلا مجموعة من التفاصيل البسيطة.

شكت لي كثيراً وأنا أنصت حزينة علي حال مجتمع يشكو ظلم حكامه ونخبته وهو أكثر ظلماً لنفسه وسكوتاً عن الحقوق، تشكو في مرارة وأنا أنصحها بالمصارحة والكلام، فالكلام لا بديل له سوي صمت قاتل.. أو عنف بالغ، ثم كان نصحي مع تطور الأحداث بتدخل الأهل للإصلاح.

لكن العمر يمضي، والكيل يفيض، والزوج لا يقيم وزناً لمكانتها الإنسانية والزوجية والعلمية بل والاجتماعية، فهي ليست ابنة بيئة اعتاد أهلها علي تلك الخشونة فوالدها طبيب وكذلك والدتها، ومكانتهما الاجتماعية معلومة، والأولاد تكبر، وآثار الضرب علي وجهها تظهر فتبررها كل مرة أمام الصديقات والزملاء في الجامعة بأنها اصطدمت بالباب(!).

الدكتورة «ن» اعترضت وطلبت الانفصال ..لكنه تمادي، التمست النصرة من الأهل فنصحوها بالاستمرار حتي لا تهدم البيت،..ونظرت لأبنائها فوجدت كل واحد منهم مشغولاً بصورته أمام دائرة أصدقائه و«سمعته» لو صارت أمه «مطلقة» وطالبوها -كلهم- بالصبر، واستغاثت بمن يرفعون الشعارات الكبري من أصدقاء وزملاء زوجها الأكبر سناً والأعلي مقاماً منها فتحدثوا عن أولوية استقرار البيت، وهي تكرر بإصرار طلبها المشروع والشرعي: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»..لكن التفاوض الودي لم يثمر إلا المزيد من الإهانة فالتمست المشورة القانونية وبدأت- وحدها- تتصل بالمحامين في مدينتها وفي القاهرة. تعثر التفاوض مع الزوج وأهله، وخذلها الأبناء، وتراجع أهلها، وهي تتألم، لكن لا تتخلف عن أداء مسئولياتها ولا عن القيام بعملها بل وتتابع وتتحرك وتنشط في حملات العمل الاجتماعي لخدمة الفقراء من المرضي وتوعية النساء.. رغم أعبائها وأزمتها.

كانت الدكتورة «ن» في آخر مكالمة معي قد شكت لي أن زوجها الآن يتحدث عنها أمام الناس باعتبارها «أصابها مس من الشيطان أو حالة نفسية»، وأشعرني هذا بالخطر المقبل، فما أسهل أن يتم تشويه سمعة امرأة حين يكون من يفعل ذلك هو الزوج.. رافعاً شعار حرصه -هو- علي الحفاظ علي البيت.

وفجأة..

اختفت الدكتورة «ن»!

لا ترد علي الهاتف، ولا تتصل.

ثم وصلت رسائل للمحيطين بها تطلب منهم عدم الاتصال بها «حتي لا يحل عليهم غضب الله والناس»، ثم أصبح الهاتف مغلقاً.

سأل من يعرفونها من المحيطين عنها فجاءت الإجابات متضاربة، قالت الأم هي في زيارة لخالتها في محافظة أخري، وقال الابن لبعض الناس إنها تعاني من أعراض أشبه بالتوحد فتم عزلها عن الناس -وهي التي لم تكف عن الكلام والتواصل والحركة منذ عرفتها-، وبادر الزوج بالاتصال بآخرين قائلاً بحزم: «زوجتي حالتها النفسية متوترة فلا تحاولوا الاتصال بها..وإلا!».

سأل بعض معارفها الذين بدأوا يشعرون بمسئوليتهم أمام الله خبراء من أهل القانون فقالوا لا يمكن تحريك أي بلاغ إلا «من ذي صفة»، وهي لا يوجد حولها من أهل الصفة من يريد أن ينصرها، وحيدة هي الدكتورة «ن» تطلب العدالة، فكان جزاؤها أن تتهم بأنها «ليست في حالة طبيعية»..أما كل هؤلاء فأصحاء..لأن هدفهم الأسمي أن يحافظوا علي الأسرة….بهذا الثمن..لا بإمساك بمعروف..ولا بتسريح بإحسان..بل بهذا الذي يجري..ويبدو أن الأمر صار أكبر من حالة الدكتورة«ن»، صار مبدأ..ومذهباً..و«سمعة جماعة».

بلغني الخبر من عشرات المكالمات والرسائل، الكل يسأل ويتعجب، بل بدأ البعض في الإعداد لحملة علي الإنترنت للبحث عن الدكتورة «ن»..تدعو أن يشارك أي أحد يعرف معلومة منها أو عنها بما يعرف.

أنا لا أعلم أين هي الآن الدكتورة «ن» ..وخشيت أن أسأل فأنا «غير ذي صفة»، و«أصحاب الصفات» الحقيقيون يديرون الآن حياة امرأة تجاوزت الأربعين عاقلة طبيبة ملتزمة ناشطة.. ويهددون من يحاول الاقتراب منها أو السؤال عنها، أما هي فغائبة..لا يدري أحد خارج أسرتها أين مكانها ولا يعرف كيف يصل إليها.

كل ما أملكه وفاء لصداقتنا هو أن أكتب قصتها..قصة تلك المرأة الرائعة التي كانت تملأ الدنيا بزخم مشاعرها وحركتها وتمنح أبناءها ومرضاها ومن حولها وكل من عرفوها الطاقة والقوة والقدوة والعون..وناصرت أهل الحاجة والكرب لكن أحداً لم يناصرها حين طالبت أن يكون لها في بيتها قليل من الكرامة..أو حياة أكثر عدالة.

لا أحد!

ادعوا معي للدكتورة «ن» أن تعود من.. «مخبئها»، ادعو الله لها أن يفرج كربها..الذي هو كرب مصر.

http://dostor.org/ar/content/view/19143/31/
05/04/2009
*الأستاذة الدكتورة هبة رؤوف عزة ، مفكرة إسلامية ورائدة من رائدات الحركة الإسلامية النسائية ، وأستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة.

كُتب في المناهج | التعليقات على جريمة اختفاء الدكتورة (ن) للأستاذة الدكتورة هبة رؤوف عزة مغلقة

تايتانيك 3 …..

في كل بلاد الدنيا تحصل حوادث مؤسفة يذهب ضحيتها أشخاص أبرياء[1] وتذوي حياة أفراد مثل الورود ، ممن كانت أوطانهم تنتظرهم من أجل أن يدفعوها إلى النهضة والنماء.

لكن ما حصل في بحيرة زرزر من غرق بناتنا نتيجة ركوبهن في زورق متآكل هو مؤشر مخيف بحق ، ولم يكن أمراً طبيعياً بحال ، وهو قمة لجبل جليدي قاعه مرعب، ومن أجله كان هذا المقال.

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على تايتانيك 3 ….. مغلقة

انسحاب الإخوان المسلمين السورية من جبهة الخلاص

مقدمة من إدارة الموقع:

عندما عقد تحالف بين جماعة الإخوان المسلمين والأستاذ عبد الحليم خدام ، كان الأمر مأساوياً حقيقة لأن ماضي الأستاذ خدام وحاضره معروف بشكل غير مسبوق ، ويكفي فيه ما كتبه الحقوقي الكبير الأستاذ هيثم المالح الذي يعرفه منذ الخمسينيات ، ومن المدهش أنه يندر أن يُجمع شعب بكافة طوائفه وفئاته السياسية على النفور وعدم الثقة بشخص ما مثل نظرتهم إلى أبي جمال ، الذي لم يكفه ماضيه وأفعاله ، بل حاول جر جماعة إسلامية كبرى إلى صفه ، والذي معناه الأوحد هو إعطاء المخابرات الغربية أوربية كانت أو أميركية القياد والطاعة ، والتي لا تهمها معارضة شريفة ، بل عملها الأوحد هو الاستثمار الرخيص لكل فئة معارضة لاستيعابها ، وتخريب بلادها من ورائها.
رغم عدم وجود أي علاقة لنا مع الإخوان المسلمين كتيار سياسي ، ونرى أن الإسلام أوسع مما يطرحون بكثير ، وأنهم وقعوا في العديد من الأخطاء إلا أننا نعتبر أن خروجهم من تحت مظلة تضمهم مع الأستاذ خدام هو عين الصواب ، ويقدم سابقة مشرفة في الحرص على الوطن بمعناه الشرعي والقومي ، ويفوت الفرصة على أي جهة تحاول أن تتسلل وتعمق الشروخ ، كما يؤسس لرؤية أفضل في العلاقة مع النظام ، والتي نأمل أن يتجاوب معها ، ليس لمصلحة الإخوان المسلمين كمعارضة وطنية فقط ، بل تجاه الشعب السوري كله ، وإدراك حاجته الشديدة إلى الحرية .. التي نأمل أن لا تضيق يوماً بعد يوم … بل تتسع من أجل المصلحة العليا للجميع .. فالحرية فرض على كل أمة وعليها أن تعمل لأجلها مهما طال الطريق.

ننقل الخبر التالي عن موقع هيئة الإذاعة البريطانية:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7983000/7983070.stm
أعلنت جماعة الإخوان المسلمين المعارضة السورية السبت انسحابها من جبهة الخلاص الوطني التي كانت من ابرز مكوناتها الى جانب نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام.
وذكرت الجماعة في بيان أرسل إلى وكالة فرانس برس أنها قررت بعد التداول والتشاور الانسحاب من جبهة الخلاص الوطني.
وأرجع البيان هذا الانسحاب الى “انفرط عقد الجبهة عمليا وأصبحت بوضعها الحالي عاجزة عن النهوض بمتطلبات المشروع الوطني والوفاء بمستلزماتها”.
وذكرت الجماعة ان قرارها المعلن في بداية العام بتعليق أنشطتها المعارضة للنظام السوري بسبب الهجوم التي شنته إسرائيل على قطاع غزة أدى إلى تباين في وجهات النظر داخل جبهة الخلاص.
وقالت بعض الأطراف المشاركة في جبهة الخلاص، إن مواقف الإخوان المسلمين تتعارض مع ميثاق جبهة الخلاص.
وكانت جبهة الخلاص الوطني تأسست في 2006 بعد انشقاق عبد الحليم خدام في عام 2005 وانتقاده السياسة الخارجية السورية لاسيما لبنان.
وأعلنت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في يناير/كانون الثاني الماضي تعليق أنشطتها المعارضة للنظام السوري توفيرا لكل الجهود لما أسمتها بالمعركة الأساسية في قطاع غزة التي تسيطر عليه حركة حماس المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين.

كُتب في المناهج | التعليقات على انسحاب الإخوان المسلمين السورية من جبهة الخلاص مغلقة

منظمة المؤتمر الإسلامي .. ونفسية العبيد .. مقال للأستاذ أسامة القاضي

يَصعبُ على العقل في عصر الجنون البشري، والوحشية اللامعقولة لبني البشر أن يعي أو يعقل أو يفكر بهدوء، ولكن رغم كل التشويش الإجرامي سأتطرق لما أراه المشكلة والحل معاً وهي “الحرية” في بلاد العالم العربي و الإسلامي، فأرجو من القارئ الكريم أن يصبر معي حتى نستوضح حقيقة واقع الأمة والذي اختصره معظم المفكرين بسؤال “لماذا تقدّم العالم وتخلّف المسلمون؟”

تخلف أية أمة يعني أن تكون الأمة مجردة من كل القوى الأرضية المادية الاقتصادية والسياسية والعلمية على الإجمال، ومن المنطقي أن الأمة المتخلفة بالضرورة بلا هيبة، وتقوم الأمم بالتكالب عليها “كما تداعى الأكلةُ على قصعتها” قال عليه الصلاة والسلام ” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم…” سنن أبي داود4297 إذاً بالضرورة أن الأمة التي ترضى التخلف، وترضى الظلم داخل الوطن، وترضى بالذلّ على يد الحاكم “الوطني” فسترضاه على يد غيره لأنها وبالتدريج تلبّست أبنائها “نفسية العبيد” وهي ستحرم من ميزة أصحاب الرسالات السماوية الأحرار فلن تُنصر بالرعب مسيرة شهر كما جاء على لسان المصطفى “أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرتُ بالرعب مسيرة شهر….”البخاري

وردت مفردة “عَبد” بكل تصريفاتها في القرآن الكريم 140 مرة، كُلُها تعني أن يخصّ الإنسان الخالق الواحد بالعبادة دون شريك في العبادة، وتأمر الناس كما جاء على لسان الصحابي الجليل ربعي بن عامر وبعبقرية بلاغيّة”إخراج العباد من عبادة العباد لعبادة ربّ العباد”، ولما بدأت الدعوة الإسلامية لم يقبل الرعيل الأول من الصحابة أن يضموا إليهم بلال رضي الله عنه إلا بعد تحريره، لأن التحرير والنهوض بالدعوة لايتم إلا على يد الأحرار، ولكن عبر التاريخ تجرأ أشخاص بكل وقاحة وحماقة على “مزاحمة” الخالق في مسألة العبودية، وهم من “المدرسة الفرعونية” التي لاتُريد أن يرى شعبها إلا ماترى بدعوى الإلهام والرشاد “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرشاد” غافر 29

وعلى اعتبار أن هؤلاء الأرباب حسِبوا أن الشعوب عبيدٌ لهم، ويملكون رقَبتَهم، تمثّلوا قول فرعون “أنا ربكمُ الأعلى”النازعات 24 بمعنى أن الحاكم هو الذي يتفضل على الشعب “العبيد” فيرزقهم فيعطيهم حصة من خيرات الوطن، ويمنحهم بركة التقرب منه للأكثر “تعبداً” له، ويعطي الأمن لمن يطيعه، ويؤدِّب ويسحق ويُبدد ويبيد أي حرٍّ يعتبر أن من حقّه أن يعبّر عن رأيه، أو يعتقد أن القصاص من الظالم أمرٌ مشروع مهما كانت مرتبة ذلك الظالم “العسكرية” أو “الحكومية”، والويل لمن يطرح السؤال الرهيب على “المنعِم المتفضِل” : ماهي أحقية هذا الحاكم في الحكم؟ أو لماذا لايحكم فُضلاء القوم الأحرار؟ ولماذا يجب أن يستجيب شعب “العبيد” لحكم الطاغية؟ ولماذا يطيعونه أصلاً إذا كان قد وصل إلى الحُكم بالحديد والنار ولايمثل إرادة الأحرار؟ ولماذا يقبلوا أن يموت فيهم الأحرار يوماً بعد يوم حتى يموت فيهم معنى “الحرية”؟ ولماذا عليهم أن يكونوا عبيداً وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارً؟ ولماذا هذا “الطاغية” “لايُسأل عما يفعل وهم يسألون”الأنبياء 23؟

أسئلة كثيرة لايسألها سوى عشاق الحرية من أتباع الأنبياء، وقد ذكّر عيسى عليه السلام شعبه بعبوديتهم وناداهم ليتحرروا لأن فرعون يسومهم سوء العذاب كالعبيد “وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ” سورة إبراهيم 6 فعجينة الطغاة “الفراعنة” واحدة في اعتبار “حِلّية” دماء النساء وتشريد وقتل الأبناء.

الحل إذن يبدأ أولاً بنيل الشعب حريته داخل وطنه، ولايقبل بأقل من أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، ولايرضى الذل من “الحاكم بأمره” وينبذ “الوصوليين” الذين يريقوا شرفهم وحريتهم أمام “الطاغية” للوصول إلى مكاسب “تافهة”.

الحلّ إذن أن نحرر أنفسنا من “العبودية” وكل ماعلقَ بنا من “نفسية العبيد” وأن نتخلص من مرض الخوف من الطغاة “قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا” طه 72، وقبل أن يطلب الشعب العربي والمسلم الحرية لأخوته خارج وطنه عليه أن يتمتع بها داخل بلده، لأن الحرّ لايرضى سوى الحرية لغيره من بني البشر.

مهمة الشعب من وجهة نظر الحاكم “الطاغية” هي عبادة شخصه، ولو كلفّه أن يحرق “الوطن” بأبنائه وأن ينهب ثرواته، وهذا لايتم إلا بترويض الأحرار وإعادتهم لاسطبلات “العبودية” كما تُروّض الخيول الحرة الأصيلة في الإسطبلات، حتى يُصبح الشعب مجموعة عبيد.

السؤال إذاً لماذا يعشق “الطاغية” نفسية العبيد؟ لأنها ببساطة:

1- مِطواعة 2- تفعل ماتُؤمر دون سؤال عن أحقية الأفعال السياسية والاقتصادية والدينية للحاكم

3- تهاب سطوة الحاكم 4- مكسورة من الداخل 5- تُقدّس صاحبها 6- تأتمر بأمره

7- تكون أداة في يد صاحبها يُسلّطها كيف يشاء ولو كان قتل الشعب نفسه وتجويعهم وجعلهم يسكنون المقابر ويشحذون رغيف الخبز 8- ليس لها مستقبل ولاتطلعات لاشخصية ولا “وطنية” ولا “أممية” وآخر مايفكرون به هو مقارنة دولهم المتخلفة بماتنعم به الدول المتقدمة من حرية ومساواة في توزيع الثروات لأنهم مجرد 9 – لاتريد أن تضع سياسات “الوطن” وليس لهم ممثلين يعبروا عن تطلعاتهم في الحرية لأنهم مجرد “عبيد” 10 – يرضون بسجن أخوتهم وتعذيبهم بل وقتلهم وقتل الأحرار…..وبالتالي قتل روح “الحرية” لدى الأحرار…..

هناك دروس مستفادة من بشاعة الظلم وتصرفات أهله الحمقاء، والتاريخ يسعفنا بنماذج من الإذلال والتنكيل بهذه الأمة مايعجز عنه الوصف فضلاً عن التصديق ولكن التاريخ يُخبرنا أيضاً أن الأحرار في تاريخنا هم الذين يقع على عاتقهم تحرير “العبيد”، والتخلص من “نفسية العبيد”، أو تحرير “المستعبدين” أو “المُبعدين” أو الذين استمرؤوا نفسية “العبيد” فلا يأتمرون إلا بالعصا والقوة، وأبو الطيب المتنبي عبّر عن هذا:

لاتشتري العبد إلا والعصا معه إن العبيد أنجاسٌ مناكيدُ

هؤلاء العبيد يُقادوا بأجهزة أمنية جهنمية لاعلاقة لها بإنسانية الإنسان، ولاحتى وحشية الحيوان لأن الحيوان المفترس لايتسلى بتعذيب فريسته ولكنه ينقضّ بسبب الدافع الغريزي للغذاء ولا يهجم على غزال مثلاً فيعذبه سنوات ثم يأكله ثم يقتل كل أهله ثم يشردهم، ثم يدمر منزلهم ومنزل كل مؤيديهم….لقد تجاوزت وحشية القوات الأمنية في البلدان العربية والإسلامية حدود المعقول وحتى “اللامعقول” في ترويض الأحرار، فلا عجب أن يعاملنا الأعداء أننا مجموعة قطيع وبمثل الأدوات التي يُعاملنا بها أسيادنا، كل مافي الأمر أن سلطان العدو هو الذي يذبح أبنائنا وليس من يملك رقبتنا!!

الطريف في الأمر أن منظمة المؤتمر الإسلامي المؤلفة من سبع وخمسين دولة إسلامية أُسّست في يوم 25 سبتمبر عام 1969 وذلك عقب أكثر من شهر من حريق الأقصى 21 أغسطس من نفس العام بهدف واحد هو…………..تحرير القدس!!! واختيرت جدّة مقر للمنظمة كمقر مؤقت بانتظار تحرير القدس حيث سيكون المقر الدائم!!!!!طبعاً لازالوا في المقر المؤقت منذ أربعين سنة يستعدّون للانتقال للمقر الدائم في القدس!!

الجدير بالذكر أن هذه المنظمة مؤلفة من ثلاث أجسام رئيسية: 1- مؤتمر الملوك والرؤساء 2- مؤتمر وزراء الخارجية 3- السكرتارية العامة!!!! أليس من المنطقي أن يكون هناك مؤتمر لوزراء الدفاع كي تُدافع عن الدول السبع والخمسون ومن أجل حراسة وحماية “الأحرار” في تلك الدول على طريقة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي أسس 1949 في واشنطن؟

المستغرب أن تكون هناك تركيا التي هي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي – والدكتور أكمل أوغلي التركي الأصل أمينها العام – هي عضو في حلف الناتو، ولم يخطر ببالها أن تؤسس الحلف العسكري المشابه لمنظمة المؤتمر الإسلامي..؟؟ بل وهناك حلفاء رئيسيين خارج الناتو (مايجور نون ناتو ألّاي) وهو تعيين يقدمه حلف الناتو أو الحكومة الأمريكية للدول الذين لهم علاقات قوية لكنهم ليسوا أعضاء في هذا الحلف ومنهم: مصر والأردن والكويت والبحرين والمغرب وباكستان من الدول الإسلامية….ألم يخطر في بال “زعامات” تلك الدول العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي أن تؤسس لحلف عسكري مشابه بدل الالتحاق بتحالف ملحق وغير أصيل مع حلف الناتو؟ أليست منظمة المؤتمر الإسلامي أولى؟……فقط لإحتمال أن يأتي يوم ويحتاج العالم الإسلامي لتلك الجيوش لردّ عدوان عن كرامة الأمة وهيبتها.؟؟؟

ألم يطرح أحد من أعضاء “لجنة القدس” التابعة للمنظمة فكرة أن يُضاف اجتماع لوزراء الدفاع في العالم الإسلامي من أجل صيانة هيبة الأمة؟ الجواب للأسف بالنفي ولسبب بسيط هو أنه لاتوجد في العالم الإسلامي الذين تجاوز تعداد سكانهم مليار وثلاثمائة مليون -حسب المؤشرات الدولية للحرية- سوى خمس دول إسلامية تتمتع بالحرية (وليس من بينها دولة عربية واحدة!) ونادر مايعبّر هؤلاء عن آمال وطموحات شعوبهم، ويحتل هذا “الغثاء” المُروّض –اللهم إلا بعض الأحرار في السجون وخارج الوطن أو قيد الملاحقة – من عبيد “الحاكم بأمره” ربع مساحة الكرة الأرضية.

لم تستطع الجحافل البشرية في العالم الإسلامي بكل أسلحتها وجيوشها وعتادها الذي دُفع من عرق الشعوب الإسلامية وثرواتها أن تُناصر الجزء الأهم من جسدهم “الأممي” حسب المفهوم “الإسلامي” للمسلمين الأحرار “كالجسد الواحد” فلم يستطع بعض “العبيد” في الدول الإسلامية حتى التعبير عن رأيهم فيما يحدث في أولى القبلتين وثاني الحرمين، وقد أتاهم “البيان الفرعوني” بالسماح بالندب واللطم الفردي فقط ولأنها تؤذي مشاعر الحضرة “العَليِّة” وقد تزعزع “العرش” فيما بعد، وهذا أمر حقيقي لأن الشعب متى ذاق معنى “الحرية” مرة فستكون دونها روحَه ولن يسمح لأحد بأخذه لإسطبلات العبيد مرة أخرى وسيصعب بعدها ترويضه.

الأنكى من ذلك أن يقوم البعض من البطانة “المعممة” لتقول لنا باسم “الله” أطيعوا “ولي الأمر” دون أن يذكّرونا بوقوف فقهاء الأمة من الأحرار بوجه “أولياء الأمور الطغاة” بكل إباء من أجل أن يقولوا الحق في وجه السلطان الجائر، وهذا طبعاً تطوع منهم لترويض الأحرار، وخشية “الفتنة” !!وكأن هناك فتنة أكبر من ضياع ثروات الأمة وتشريد وقتل أهلها وتكميم أفواه العقلاء منهم، ويتناسون أن الرجل يكون في ظل الرحمن يوم لاظلّ إلا ظله لو أنه تبوّحَ ب”كلمة حقّ عند سلطان جائر”.

المستغرب مثلاً أن الإنفاق العسكري لدولة مثل مصر رغم توقيعها معاهدة “السلام” ازداد –حسب معهد الأبحاث الدولي السلام في استوكهلم- من 4 مليارات جنيه عام 1988 إلى 18 مليار جنيه عام 2007، فلماذا هذه الزيادة؟ ومن هو “العدو” الذي تُعدّ له أرض الكنانة العدة لمواجهته؟ ومتى؟

الأسئلة لماذا؟ ومتى؟ وأين؟ ستتكرر بالنسبة لكل الأنظمة في العالم العربي والإسلامي المخصصة لا لتحرير الأوطان بل لترويض وترويع الأحرار من أجل تمتين دعائم الحكم “العضوض”؟

إذن بيد من مقاليد هذا الشعب الذي كان “لايأبى الضيم” كالأحرار؟كم حاكم في الدول العربية والإسلامية انتخبه شعبه “الحرّ” ويعبر حقاً عن مطالب الشعب في السياسة والاقتصاد والدين ويحترم حريتهم؟ ليس من المستغرب إذاً أن تكون اجتماعات القمة العربية هي بمثابة اجتماع “للقمم” السياسية فقط لاعلاقة للشعب بها لأن رأس السلطة مفصولٌ عن جسدها فمحنة هذه الأمة هي أن “الدولة ضد الأمة” كما لخّصها الدكتور برهان غليون.

إن صوت عبد الرحمن الكواكبي في “طبائع الإستبداد” منذ أكثر من قرن لازال يُدّوي حتى يستعيد الأحرار حريتهم….وحاشى أن يكون الحُرّ كالعبد، ف”الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد” كما ورد في الخطاب القرآني.

أسمح لنفسي بالطلب من كل الأحرار الذين يعبّرون عن رأيهم في العالم الإسلامي والعربي أن يطالبوا منظمة المؤتمر الإسلامي بتأسيس حلف عسكري ليحميهم من “الهمج” القادمين من الخارج، ولاينسوا أن يطلبوا الحرية في بلادهم في الداخل ضمن المسيرات الغاضبة تعاطفاً مع فلذات أكبادنا في فلسطين رافعين شعار: نريد وطناً يحترمُ الأحرار…ويُحكَمُ بالأخيار.

مقالة للأستاذ أسامة القاضي ، نقلاً عن :

http://almultaka.net/ShowMaqal.php?module=6800a6662d770a58f055f319bcd8e3d5&cat=9&id=

636&m=24946c712c12c38508eabd0f66f2d064

كُتب في المناهج | التعليقات على منظمة المؤتمر الإسلامي .. ونفسية العبيد .. مقال للأستاذ أسامة القاضي مغلقة