أيها المسلم.. ارفع رأسك.. هذه هي أمتك

حدث في ” سمرقند “

د. أشرف نجم anigm@yahoo.com

أعلم أنكم لن تصدقوني … لكن أقسم لكم بالله أن هذا قد حدث، وفي “سمرقند” .. ذكره المؤرخون من غير المسلمين قبل أن يذكره ابن كثير وغيره من مؤرخي المسلمين العظام … القصة تشبه الخيال، تماماً كقصص “ألف ليلة وليلة” .. ولكنها الحقيقة.

وقف “قتيبة بن مسلم” القائد المسلم الفذ، الذي فتح الله على يديه بلاد ما وراء النهر في أقصى شرق دولة الإسلام … وقف هذه المرة حائراً لا يدري ما يفعل .. فهو على أبواب بلاد “سمرقند”، البلاد العظيمة ذات المراعي الخضر، والجبال الشاهقة، والثروات الوافرة .. نعم هي بلاد تعبد الأوثان ولكن لها جيشاً قوياً يحميها، وتاريخها مع الغزاة حافل بالانتصارات، وقتيبة يعلم ذلك … لقد استعصت على الغزاة من قبله، وها هي تقف عقبة في طريق فتوحاته نحو الصين.

غير أن قائداً فذاً كقتيبة ما كانت لتعييه الحيل، درس الموقع من حوله، ثم أمر جيوشه أن تتفرق وتتجه نحو الجبال الشاهقة المحيطة بالمدينة، وكـَمـِنَ المسلمون في الجبال مختفين عن أعين أعدائهم .. وفي الصباح، فتحت سمرقند أبوابها وبدأ الفلاحون والتجار في الخروج لحقولهم وتجارتهم .. فما راعهم إلا وجيوش المسلمين تنحدر عليهم من الجبال كالسيل الهادر، تجرف في طريقها كل شيء، وتلتقي في وسط المدينة في ساعات، دون أن تـُراقَ قطرة دم واحدة.

لم يكن بوسع سمرقند إلا الاستسلام … فـرَّ قادتها وحكامها وكهنتها إلى الجبال، ودخل الناس بيوتهم مذعورين من “الغزاة”، وقد ألجمتهم المفاجأة إلجاماً … وسيطرت جيوش المسلمين على المدينة كلها دون أي مقاومة.

شيئاً فشيئاً بدأ أهل سمرقند يخرجون من بيوتهم، ويتعاملون مع الغزاة الجدد في حذر وترقب .. وما هي إلا أيام حتى أدركوا أن المسلمين لا يريدون بهم الشر، بل هم “غزاة من نوع جديد” .. يرحمون الصغير، ويساعدون الضعيف، ويدعون لعبادة إله واحد … لا يسرقون، ولا ينهبون، ولا يقتلون، بل يحمون الأمن وينشرون السلام … عاملوهم في التجارة فوجدوهم أمناء، لا غش ولا كذب، لا ظلم ولا خداع .. ألم أقل لكم “أنهم غزاة من نوع جديد .. ونادر”.

وفي السوق قامت مشاجرة عاصفة، بين شاب من أهل سمرقند، وجندي من المسلمين “الغزاة” … وتجمع الناس في خوف وترقب، فلا شك عندهم أن جنود المسلمين سيتجمعون من كل صوب ليلقنوا الشاب من أهل سمرقند درساً لا ينساه، ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه أن يعتدي على جندي من “الغزاة” .. وتجمع الجند، وأحاطوا بالمشاجرة .. ووسط دهشة الجميع، اقتادوا المتخاصمين والشهود إلى القاضي.

لم يتوقع أحد ممن حضر المحاكمة شيئاً مما حدث، أوقف القاضي المسلم الجندي المسلم بجوار الشاب الوثني، وحقق الأمر بكل نزاهة … ثم أصدر حكمه على الجندي المسلم !!

هل هذه هي القصة العجيبة ؟ … كلا .. إنها فقط .. البداية ..

انتشر الخبر في طول المدينة وعرضها .. إن لهؤلاء “الغزاة” قضاءً عادلاً …. وهناك .. في الجبال البعيدة، وقف الشاب السمرقندي أمام كبير الكهان يقص عليه القصة التي أثارت استعجاب الجميع، وحين تأكد الكهان مما حدث اتخذوا قراراً بدا “مجنوناً” لم يسبقهم إليه أحد .. لقد قرر الكهان أن يرسلوا بشكواهم ضد “قتيبة بن مسلم” .. إلى أمير المؤمنين.

انطلق الجواد الأصيل يطير بأحد شباب الكهان إلى “دمشق” عاصمة الخلافة الإسلامية، كانت أحلام النجاح في مهمته “شبه المستحيلة” تساور الكاهن الشاب، وأخذ يعد العدة لما قد يلاقيه من مصاعب، إذ كيف له أن يدخل على “أمير المؤمنين” الذي يحكم دولة لم يسمع التاريخ عن مثلها، تمتد من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً … كيف سيتحدث إلى هذا الملك العظيم، الذي فاق في ملكه كسرى وقيصر؟ … ماذا سيقول له وهو يشتكي إليه أعظم قواده؟ .. وأخيراً .. ماذا عساه أن يفعل به وهو من أعدائه وخصوم دولته؟

لم يكن الكاهن الشاب يعلم أن “أمير المؤمنين” هو خامس الخلفاء الراشدين، حفيد الفاروق رضي الله عنه الذي ملأ الدنيا عدلاً .. لم يكن يعلم أنه “عمر بن عبد العزيز” الزاهد العابد، التقي الورع، الذي سارت الركبان بقصص عدله وحكمته، وفاضت بركات الله في عهده على أمته، حتى ما غدا بها جائع ولا مسكين، وحتى أُخرجت الصدقات فلم تجد من يأخذها.

انتهت رحلة الكاهن الشاب عند بيت قديم من طين، في حي متواضع من أحياء “دمشق” … هاهنا قالوا له أنه سيجد “أمير المؤمنين”، لكنه لا يكاد يصدق ذلك، إذ كيف لمن يملك الدنيا أن يكون بيته في مثل هذا المكان؟ … اقترب الكاهن الشاب من البيت فإذا رجل يصلح جداراً بالطين، وقد غطى الطين ثوبه ويديه، وكلما مر عليه أحد قال: “السلام على أمير المؤمنين” .. صعق الشاب مما رأى، أهذا هو ملك الدنيا الذي خضعت له الرقاب ؟! .. إن هذا لشيء عجاب.

وبينما هو مندهش يتأمل … إذ جاءت امرأة مع ابن لها تطلب من أمير المؤمنين أن يزيد عطائها من بيت مال المسلمين … ومال ابنها على لعبة في يد ابن أمير المؤمنين فخطفها منه، ولما حاول ابن الخليفة استرداد لعبته، لطمه ابن المرأة السائلة فسال الدم من وجهه … وكأي أم هرعت زوجة أمير المؤمنين إلى ابنها فضمته، وضمدته، وانفجرت صارخة في المرأة وطفلها.

هل تدرون من هي زوجة الخليفة هذه ؟ … إنها “فاطمة بنت عبد الملك” .. ربيبة القصور والملك، التي كان أبوها وزوجها وإخوانها جميعاً من أعظم خلفاء المسلمين … فماذا فعل “أمير المؤمنين” عمر بن عبد العزيز ؟

نظر عمر إلى وجه المرأة وابنها وقد علاه الرعب، فهدأ من روعها، وأخذ اللعبة من ابنه وأعطاها للصغير الفقير، وأمر لها بزيادة العطاء .. وأخذ ابنه فقبله وهدأه .. ثم التفت لزوجته التقية وقال: “حنانيك .. لقد روعتها وابنها … وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من روع مسلماً روعه الله يوم القيامة” … ثم أكمل إصلاح الجدار.

أحس الكاهن الشاب أنه في حلم … ولكنه تجرأ واقترب من أمير المؤمنين … ولما سأله عن شأنه قال: ” سيدي .. إني صاحب مظلمة لأهل سمرقند .. جئت أشكي إليك قتيبة بن مسلم … وقد علمنا عدلكم فطمعنا أن تنصفنا .. إن قتيبة أخذنا على غـِرَّة، وقد علمنا أنه من عاداتكم أن تنذروا القوم ثلاثة أيام تخيرونهم فيها بين الإسلام أو الجزية أو القتال” … قال عمر: “إنها ليست عاداتنا .. إنه أمر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم” .. قال الشاب: “فإن قتيبة لم يفعل ذلك” .. فأطرق عمر قليلاً ثم أمر الكاتب فكتب رسالة وختمها بختمه ودفعها للشاب .. وقال: “أعط هذه لوالي سمرقند يرفع عنكم الظلم بإذن الله” .. ومرة أخرى .. عاد يكمل إصلاح الجدار.

فض والي سمرقند رسالة أمير المؤمنين .. وقرأها .. ثم قال للكاهن الشاب: “سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين .. لقد أمرني أن أعين قاضياً يقضي في مظلمتكم .. وسأفعل من فوري .. وموعدنا بعد يومين .. فاذهب يا بني فات بالكهنة والقادة من قومك، ولهم منا الأمان” .. ثم أرسل في طلب “قتيبة بن مسلم”.

اجتمع الناس في المسجد حيث تعقد المحاكمة، وجاء القاضي المسلم .. ونادى الحاجب على كبير الكهان فتقدم، ثم نادى على قتيبة بن مسلم فأوقفه القاضي بجوار خصمه .. ثم أمر القاضي الكاهن أن يعرض مظلمته فقال: “هذا قائدكم قتيبة بن مسلم دخل بلادنا بدون إنذار .. كل البلاد أعطاها خيارات ثلاث الإسلام أو الجزية أو الحرب … أما نحن فأخذنا بالخديعة”.

التفت القاضي إلى قتيبة وقال: “ما تقول في هذه الشكوى ؟” … قال قتيبة: “أصلح الله القاضي .. الحرب خدعة …وهذا بلد شديد البأس، قد كان عقبة أمام الفتح .. وقد علمتُ أننا إن اقتتلنا سالت دماء الفريقين كالأنهر … فهداني الله إلى هذه الخطة … وبهذه المفاجأة حمينا المسلمين من أذى عظيم وحقنا دماء أعدائنا … نعم لقد فاجأناهم .. ولكن أنقذناهم وعرفناهم الإسلام”.

قال القاضي: “يا قتيبة! هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟؟” .. قال قتيبة: “لا لم نفعل … فاجأناهم لما حدثتك به من خطرهم” … فقال القاضي: “يا قتيبة لقد أقررت .. وإذا أقر المدعي عليه انتهت المحاكمة … يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين …ومن أعظم الدين اجتناب الغدر وإقامة العدل .. والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهاداً في سبيل الله … ما خرجنا لنملك الأرض ونحتل البلاد ونعلو فيها بغير حق”.

ثم أصدر القاضي أعجب حكم صدر في تاريخ البشرية … قال: “حكمت أن تخرج جيوش المسلمين جميعاً من سمرقند – خفافاً كما دخلوها – خلال ثلاثة أيام .. ويردوا البلد إلى أهله .. ويعطونهم الفرصة ليستعدوا للقتال .. ثم ينذرونهم ويخيرونهم بين الإسلام أو الجزية أو الحرب .. فإن اختاروا الحرب كان القتال .. وذلك تطبيقا لشرع الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم”.

ألم أقل لكم أنكم لن تصدقوني .. إن الدهشة التي تملكتكم الآن هي ذاتها التي تملكت أهل سمرقند وهم يسمعون ذلك الحكم التاريخي الخالد .. جيش غاز ملك البلاد واستتب له الأمر، ثم يأمرهم قاضيهم أن يرحلوا عنها لأنهم لم يطبقوا شرع الله !! .. عجيب أمر هؤلاء القوم جـِدُّ عجيب.

ثم أخذت الدهشة بمجامع أهل سمرقند جميعاً وهم يرون المسلمين يرحلون خفافاً مسرعين، فما انقضت الأيام الثلاثة إلا والمدينة خالية من أي مسلم … اجتمع أهل سمرقند وقادتهم وكهانهم في وسط المدينة وهم لا يصدقون ما حدث .. ثم تداولوا بينهم .. إن قوماً هذا خلقهم لهم خير بني البشر، وإن قضاءً هذا فعله لهو العدل المطلق، وإن ديناً يأمر أتباعه بمثل هذا لهو الدين الحق .. ولم يطل الأمر حتى أسلمت “سمرقند” عن بكرة أبيها.

إنه الإسلام .. دين الله الخالد .. وهذا تاريخنا الذي سطرناه بالنور .. يوم كنا خير أمة.

كُتب في المناهج | التعليقات على أيها المسلم.. ارفع رأسك.. هذه هي أمتك مغلقة

مقال خطير جداً…

قبل ان يسقط المغرب من الذاكرة المشرقية – فهمي هويدي –

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 15 المحرم 1432 – 21 ديسمبر 2010

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_6490.html

كون مشاكلنا في المشرق أكثر من الهم على القلب، لا يغفر لنا ان نسقط المغرب من حسابنا، ونتركه نهبا للطامعين والكائدين والمتفرنسين.

(1)أتحدث عن دول المغرب، وليس المملكة المغربية وحدها التي أمضيت فيها أياما خلال الأسبوع الماضي كانت مليئة بالحوار والدهشة، مما أقنعني بأن المغرب يزداد بعدا وعزلة عن المشرق، وأن ذلك حين يتم تحت أعيننا وبرضا أو عدم اكتراث من جانبنا، فاننا نصبح بغير حاجة الى أعداء يتآمرون لاحداثه.

فتحت جريدة الصباح فوقعت عيناي على العنوان التالي:المغرب والجزائر من يقرع طبول الحرب؟ فتحت صحيفة أخرى فصادفت حوارا لأحد قادة الحزب الاشتراكي الموحد تحدثت عناوينه عن ان الجزائر لن تعرف الاستقرار في حالة الحرب على المغرب،

وفي صحيفة ثالثة قرأت بيانا لحزب الحركة الشعبية دعا الى «استبدال خيار السلم والمهادنة والدبلوماسية مع الجزائر بخيار التصدي، وحتى المواجهة العسكرية اذا لزم الأمر».الى جانب هذه العناوين وجدت في الصحف المغربية أخبارا أخرى عن صفقات سلاح بقيمة تجاوزت الملياري دولار عقدتها الجزائر مع روسيا، وعن صراع في الجزائر بين معسكرين، أحدها يحبذ شراء السلاح الروسي، والثاني منحاز أكثر الى شركات السلاح الفرنسي.

وكان واضحا من الاشارات ان ذلك السلاح يدخل ضمن الاستعدادات للمواجهة العسكرية، التي تتحدث عنها الصحف.
بل قرأت أيضا ان شحنات من ذلك السلاح أرسلت عبر الحدود الى جبهة البوليساريو، التي تساندها الجزائر وتدعمها.

كان ذلك السيل من الأخبار مفاجئا لي مرتين، مرة لأنه حاصل وواصل الى تلك الدرجة المفجعة من الاحتشاد والتأهب.ومرة ثانية لأننا لا نجد له صدى في المشرق، لا في وسائل اعلامنا ولا في دوائر «القمة»، ولا حتى في اطار جامعة الدول العربية التي يفترض ان يسارع أمينها العام الى زيارة البلدين، لاطفاء مقدمات الحريق قبل ان يتفاقم.

وجدت ان مظاهر البؤس السياسي واحدة في المشرق والمغرب.فعندنا تحاصر مصر غزة وتخاصم دمشق، في حين تظل أبواب القاهرة مفتوحة أمام الاسرائيليين.وعندهم تمتد الجسور بين الرباط وتل أبيب ويتدفق السياح الاسرائيليون على المغرب، في حين تغلق الحدود على الجزائر منذ نحو عشر سنوات، ولا يستطيع الشقيق ان يعبر خط الحدود في أي من البلدين ليلتقي شقيقه في البلد الآخر.

سألت، فانتقد الجميع موقف الجزائر من دعم جبهة البوليساريو الداعية الى الانفصال عن التراب المغربي، لكن الآراء اختلفت في تشخيص الأسباب وراء ذلك، فمن قائل ان هناك تطلعات الى ثروات منطقة الصحراء.وقائل ان الجزائر التي تطل على البحر الأبيض تريد منفذا لها الى المحيط الأطلسي، ولا سبيل الى ذلك الا باختراق منطقة الصحراء،

وقائل ان التنازع بين البلدين ليس حول الصحراء فحسب، ولكنه أيضا حول زعامة منطقة المغرب العربي، كما ان الفرنسيين والأمريكيين ليسوا بعيدين عنه.
(2)في حين كانت الصحف تتحدث عن الأزمة مع الجزائر، وجدت البرلمان المغربي هائجا على اسبانيا ومتهما وسائل اعلامها بالتزوير والتدليس، بل وارتفعت فيه أصوات داعية الى قطع العلاقات مع مدريد.كنت أعرف ان هناك مشكلة معلقة بين البلدين لم تجد حلا منذ أكثر من خمسة قرون، أعني بذلك مشكلة سبتة ومليلية اللتين احتلتهما اسبانيا وضمتهما الى ترابها، ولا تزال ترفض الجلاء عنهما على الرغم من تعلق أهلهما المغاربة بوطنهم الأم. وهي مشكلة تكاد تماثل قضية الجزر الثلاث، التي تسيطر عليها ايران.

والفرق ان المشرق بحكوماته ومؤسساته مشغول بالجزر الثلاث طوال الوقت، ولم يأت على ذكر سبتة ومليلية في أي وقت، حتى أصبح المغرب يقف وحيدا أمام اسبانيا، ولم يستطع ان يتوصل الى حل للاشكال حتى الآن. لم تكن مشكلة البلدتين هي موضوع الأزمة، وانما كانتا في خلفيتها ممثلة في حالة التوتر والمرارة وسوء الظن.وفهمت ان الأمر متعلق بموضوع الصحراء، ذلك ان هجوما من بعض الصحراويين الغاضبين وقع على بعض رجال الشرطة المغاربة في منطقة «العيون» أسفر عن مقتل 11 شخصا من عناصر الشرطة.ولكن بعض الصحف الاسبانية قلبت الآية، ونشرت قصة مفبركة عن قمع الشرطة المغربية للصحراويين، واستشهدت في ذلك بصورتين تبرزان قسوة وبشاعة القمع الذي مارسته الشرطة.

وأحدثت التقارير التي نشرت بهذا الخصوص أثرها السريع في أوساط الاعلام الاسباني وفي موقف البرلمان الأوروبي، حيث اتجه الرأي الساند الى ادانة المغرب والتنديد بسلوكه «الوحشي» واضطهاده للصحراويين.وتبين فيما بعد ان الصور مزورة، وأن واحدة منها كانت لجريمة قتل وقعت في الدار البيضاء، والثانية كانت لأطفال من ضحايا الهجوم الاسرائيلي على غزة.ولم يكن لأي منهما صلة بأحداث الصحراء أو ما جرى في العيون.

وحين انفضح الأمر على ذلك النحو ثارت ثائرة المغاربة ونواب البرلمان، واحتجت الحكومة، لأنهم اعتبروا اختيار تلك الصور والتنديد بالمغرب بناء عليها تعبيرا عن سوء النية وتعمد الاساءة والتشهير.

بعد يوم من وصولي الى فاس تابعت على شاشة التلفزيون مظاهرة هائلة خرجت الى شوارع الدار البيضاء، قيل انها ضمت ثلاثة ملايين شخص، وشاركت فيها كل القوى السياسية، وقد رفعت شعارات الاحتجاج والادانة «ضد تعنت الحزب الشعبي الاسباني اليميني، الذي تعمد أسلوب التلفيق والتزوير والكذب ضد أهم القضايا الوطنية في الساحة المغربية»، كما ذكرت صحيفة الشروق المغربية في اشارتها الى قضية الصحراء. كانت المظاهرة حاشدة حقا، وان لم أجد لها ذكرا في الصحف المصرية، لكن نجاحها لم يشف غليل بعض المثقفين، فتعددت كتاباتهم مثيرة أسئلة من قبيل: ماذا بعدها؟ وهل يكفي الغضب لحل مشكلة الصحراء؟ وهل يتطلب الأمر مقاربة من نوع آخر تحل الاشكال مع المغرب والجزائر؟ وحدهم كانوا يتساءلون، ووحدهم كانوا يجيبون. لكن حواراتهم ظلت محكومة بحدود المغرب ولم يكن لها صدى يذكر في فضاء المشرق.

(3) في كل مكان ذهبت اليه كنت أرجو ممن التقيتهم ان يحدثوني باللغة العربية. حدث ذلك في الفندق والمطعم والسوق والتاكسي وصولا الى شرطة المرور والحمالين، الذين يتزاحمون في المطار. ولم يكن ذلك جديدا علي لأن فرنسة اللسان المغاربي كانت أهم انجاز حققه الاحتلال، الذي سحب عساكره وترك لغته لكي تبقي على الاحتلال وتكرسه. وكانت المفارقة ان اللغة الفرنسية منيت بهزيمة نسبية،، وصارت تتراجع في مواطنها (كما تحدثت لوموند دبلوماتيك في عددها الصادر في أول ديسمبر الحالي) الا أنها مازالت ثابتة القدم ومهيمنة في المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا على الأقل، المتغير الذي لاحظته هذه المرة في المغرب تمثل في أمرين،

الأول ان الحديث بالفرنسية صار وباء ولم يعد مجرد مرض عارض، والثاني ان الثقافة الأمازيغية أصبحت تحتل موقعا متقدما في لغة الخطاب العام.
والأمازيغية لهجة البربر التي كانت في الأصل منطوقة ثم تحولت الى مكتوبة، وأصبحت هناك قناة تلفزيونية ونشرات اخبارية ناطقة بها، وتولي رعاية هذا المد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.وهو أمر لا غضاضة فيه طالما ان 30٪ من ذوي الأصول البربرية في الجمهور المغربي لا يتكلمون العربية.
الا ان المشكلة أنه في حين تتقدم الفرنسية والأمازيغية فان التراجع مستمر في حظوظ اللغة العربية حتى ظهرت جماعات دعت الى اعتماد الدارجة المغربية محل العربية الفصحى، واعتبارها لغة وطنية بدلا من الفصحى.
المدافعون عن العربية الفصحى يقاومون ما يسمونه «تسونامي» الفرنسية.وقد نددوا بوزير التعليم حين تحدث في مؤتمر صحافي باللغة الفرنسية. وأثاروا ضجة في وسائل الاعلام حين وجدوا ان الكلمات والخطب، التي ألقيت في عيد الاستقلال كانت كلها بالفرنسية، واعتبروا ان تلك المفارقة دليل على ان استقلال المغرب لايزال منقوصا.وسمعت من بعضهم ان الدوائر الرسمية لا تزال منحازة الى الفرنسية في مكاتباتها، حتى ان نشرات الأخبار والبرامج الحية تقدم باللغة الفرنسية في أوقات الذروة.

أما النشرات والبرامج العربية فيتم بثها في الأوقات، التي يضعف الاقبال فيها على المشاهدة. حين ناقشت الأمر مع من أعرف من المثقفين المغاربة أرتأى أكثرهم ان المغرب العربي كله يواجه أزمة هوية، وأن رياح التغريب والتفتيت تعصف به بقوة.وقالوا ان انصراف المشرق واستغراقه في همومه ومشاكله ترك المجال واسعا لانطلاق كل من يريد ان يعبث بمقدرات المغرب وهويته.

سألت عن المقصود بهؤلاء، فقال أكثر من واحد ان أهم اللاعبين في المغرب العربي الآن هم الأمريكيون والفرنسيون والاسرائيليون، والعرب يأتون كأفراد سائحين للصيد أو المتعة أو الالتقاء بالسحرة وقراء الكف والمشعوذين.
وانتقد بعضهم موقف الاعلام العربي، قائلين ان:الاعلاميين يفضلون الذهاب الى دول الخليج والنفط ولا يجدون في دول المغرب ما يجذبهم أو يغريهم.

وبسبب هذا الغياب فان منطقة المغرب أصبحت في ادراك المشارقة مهرجانات فنية وغنائية وفرقا لكرة القدم، ومشاحنات ومكايدات بين المشجعين لهؤلاء وهؤلاء، أما المجتمعات بتحدياتها ومشاكلها وحراكها.فهي بعيدة عن ادراك المشارقة.

قلت ان تراخي المشارقة في متابعة ما يجري في المغرب قصور لا مفر من الاعتراف به، لكننا يجب ان نقر أيضا بأن ثمة ضيقا في دول المغرب بحرية الاعلام.وهو ما تمثل في اغلاق مكاتب قناة الجزيرة في تونس والمغرب والجزائر.رد واحد قائلا ان منظمات المجتمع المدني احتجت وعارضت اغلاق مكاتب الجزيرة.وهو ما لا ندافع بدورنا عنه.

وما دمت قد ذكرت الجزيرة فقد لاحظنا ان الحوار الأخير، الذي أجرته القناة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل حين تطرق الى أوضاع العالم العربي، فانه لم يشر بكلمة الى بلاد المغرب، حتى المذيع محمد كريشان، وهو تونسي، فاته ان يسأله عنها، الأمر الذي جاء شاهدا على ان المغرب لم يعد حاضرا حتى في بال كبار المثقفين المشارقة.
(4)بقيت عندي كلمتان. الأولى ان للصورة في المغرب وجها آخر لا ينبغي تجاهله.
ذلك ان التحديات التي أشرت اليها اذا كان قد استسلم لها البعض، خصوصا فيما يتعلق بالتغريب والتطبيع، الا ان هناك أيضا من تصدى بشجاعة ونبل مشهودين.ذلك ان في المغرب فئات ومنظمات مازالت قابضة على الجمر، ومستبسلة في الدفاع عن هوية المغرب ورافضة التغريب والتطبيع.

لكن تلك الفئات التي لا تملك الا رفع الصوت والاعراب عن الغضب، تحتاج الى دعم ومساندة نظرائها في المشرق، خصوصا المثقفين المهجوسين بهموم الأمة والحادبين على مصيرها.
الكلمة الثانية تتعلق بالمناسبة التي أتاحت لي هذه الاطلالة على المشهد المغربي.
ذلك أنني ذهبت مدعوا الى المؤتمر السنوي لمنتدى فاس حول حوار الحضارات والتنوع الثقافي، الذي شارك فيه مثقفون وخبراء من العالم العربي وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة.ومما قلته في المناقشات ان ثمة عملا يجب ان ننجزه قبل ان ننخرط في الحوار مع الحضارات الأخرى.
يتعلق بحوارنا الداخلي في الساحتين الوطنية والعربية.
وضربت مثلا بالقطيعة بين المغرب والجزائر.التي لا نستطيع ولا ينبغي ان نتجاهلها وننشغل بالحضارات الأخرى.قلت أيضا ان مشكلة التنوع الثقافي أصبحت مثارة في بعض الدول الأوروبية بأكثر منها عندنا.

ونموذج فرنسا وألمانيا وسويسرا وهولندا دال على ضيق الصدر بالآخر تتسع دوائره في الأوساط الأوروبية، التي دأبت دولها على ان تلقننا دروسا في أهمية القبول بالآخر.
لم يكن ذلك أهم ما قيل في المنتدى بطبيعة الحال، لأنه تطرق الى أمور كثيرة أرجو ان يتاح لي ان أتطرق اليها في مرة لاحقة باذن الله.

فهمي الهويدي

كُتب في المناهج | التعليقات على مقال خطير جداً… مغلقة

وفاة الدكتور الشيخ حسن ضياء الدين عتر

إنا لله وإنا إليه راجعون ..

نعزي علماءنا وبالخصوص الدكتور الشيخ نور الدين عتر أمد الله لنا في عمره بوفاة أخيه الشيخ الدكتور حسن عتر ..

كما نعزي سائر أهله وذويه أخذ ولله ما عطى .. اللهم اجعله مع من أحببت من صالحي عبادك.

انتقل قبيل ظهر السبت 12 محرم 1432 الدكتور الشيخ حسن ضياء الدين بن محمد بن حسن عتر الحلبي ثم المكي فالمدني عن عمر يناهز السبعين عاما . بعد مرض السرطان الذي داهمه منذ سنتين ودخل في غيبوبة في العاشرمن المحرم وأسلم الروح لباريها في المدينة المنورة وصلي عليه يوم الأحد 13 محرم بعد صلاة الفجر في المسجد النبوي ودفن في البقيع

وهو ابن أخت العلامة الرباني الشيخ عبد الله سراج الدين وأخ شقيق للعلامة المحدث نورالدين عتر
تخرج الشيخ حسن في كلية الشريعة بدمشق
ودرس مادة التربية الإسلامية في ثانويات حلب وشارك في كتابة مناهجها الدراسية
وحصل على الماجستير من جامعة الأزهر في موضوع الأحرف السبعة ثم نال درجة الدكتوراة في موضوع ” نبوة محمد صلى عليه وسلم في القرآن وبينات المعحزة الخالدة ”
وانتقل للتدريس في مكة المكرمة في جامعة أم القرى
ودرس مادة علوم القرآن وكان يكرم طلبة العلم ويهتم بشأنهم وأخرج عددا من الأعمال العلمية تأليفا وتحقيقا
ثم انتقل للتدريس في كلية الدراسات الإسلامية ( جمعة الماجد بدبي) لفترة قصيرة
عاد بعدها للتدريس في فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة ( جامعة طيبة حاليا )
واستمر في التدريس والعطاء العلمي حتى تقاعد وآثر الجوار في المدينة المنورة
أمضى الفقيد أكثر عمره بعيدا عن وطنه حاملا لرسالة العلم وناشرا للوعي وداعيا للخير
وتسأل الله عزوجل أن يتغمده بواسع رحمته ويغدق على قبره شآبيب مغفرته
وإنا لله وإنا إليه راجعون
منقول عن رابطة العلماء السوريين

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على وفاة الدكتور الشيخ حسن ضياء الدين عتر مغلقة

في وجه الزحف الثقافي… محاضرة عن أهمية اللغة العربية…

أيها الإخوة الأحبة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه هي المقالة التي ألقاها العلاّمة الدكتور مكِّي الحسني الأمين العام لمجمع اللغة العربية في افتتاح المؤتمر التاسع للمجمع.

قال العلاّمة الونشريسي المالكي رحمه الله : ((إذا فُقد اللسان العربي جملةً فُقِدَت مُتَعَبَّدَاته)) ، قال ذلك محذِّرًا أهل الأندلس المقيمين فيها، مستشهدًا بما آل إليه حال المسلمين في صقيلية بعد سقوطها!

تتعرض اللغة العربية إلى حرب مكشوفة من دعاة التغريب، ومحاولة تقويض واضحة لذا فإن من الأهمية القصوى بذل الجهد في إعادة إحياء لغة القرآن والعض عليها بالنواجذ.

[العنوان اختيار من قبل إدارة الموقع].

وهذا نص المحاضرة:

بسم الله الرحمن الرحيم
– تنص لائحة المجمع الداخلية في مادتها العاشرة على أن أمين المجمع يقدم في حفل افتتاح المؤتمر السنوي، تقريرًا يعرض فيه منجزات المجمع في المدة التي انقضت بعد المؤتمر السابق. كما تنص في المادة الثالثة على أغراض المجمع، وأولها الحفاظُ على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب الآداب والعلوم والفنون، وملائمةً لحاجات الحياة المتطورة.
وثانيها: وضعُ المصطلحات العلمية والفنية والأدبية والحضارية، والسعيُ في توحيدها ونشرها في سورية والوطن العربي. بعد ذلك تأتي بقية أغراض المجمع.
وينص مرسوم المجمع في مادته الرابعة على أن من وسائل تحقيق أغراض المجمع وضعَ معجمات لغوية، ومعجمات للمصطلحات العلمية والتقانية، ذاتِ تعريفات محددة، ونشرَها. وتُعدِّد هذه المادة بعد ذلك بقية الوسائل.
في مجمعنا الآن عدد كبير من اللجان، يسهم كل عضو من أعضائه في ثلاث منها على الأقل، وبعضهم يسهم في خمس لجان. وسأعرض على حضراتكم بعد قليل خلاصة أعمال بعض هذه اللجان. وسوف تلاحظون التركيز على وضع المصطلحات العلمية والتقانية، لأن خصوم تعريب التعليم العالي، في بعض الدول العربية – يدَّعون تَعذُّر التعليم بالعربية، بسبب قلة المصطلحات العلمية.

وقبل أن أعرض منجزات مجمعنا خلال الدورة المجمعية المنصرمة، أرجو أن تسمحوا لي بأن أتوجَّه إلى الذين يغمِزون على المجمع، ويَهْمِزونه ويلْمِزونه، لأنه- في نظرهم- لم يَحُلَّ مشكلة تردّي مستوى التعليم، وتدنّي مستوى الأداء اللغوي لدى المتعلمين، كأن المجمع يملك عصاً سحرية، ولم يستعملْها ليقوِّم بها الاعوجاج ويزيلَ الفساد… مع أن المجمع لا يملك صلاحية إنفاذ قراراته في مؤسسات الدولة! وقد حاول قريبا الحصولَ على هذه الصلاحية لكنه لم يُفلح، وهذا ما يَجْهلُه أويتجاهلُه الغمّازون… فما حقيقة الأمر؟
تعاني لغتنا العربية في الوقت الراهن من مشكلتين:
· الأولى تردي مستوى التعليم والأداء اللغوي؛
· والثانية، وهي أخطر من الأولى وتساهم في تفاقُمها، هي استخفاف المتعلمين – فضلاً عن بقية الناس – بلغتنا الوطنية، وافتقارهم إلى الاعتزاز بها نتيجة شعورهم بالدُّونية، وانبهارِهم وافتتانِهم بحضارة الغرب ولغته، ومأكله وملبسه، وتسريحة شعره وطريقة غِنائه، وكل ما يتعلق بأسلوب حياته!
إن الواحد منهم لا ينظر إلى جهله بلغته على أنه أمر يَعيبه، ويتعمد أن يَرْطُنَ في كلامه ببضع كلمات أجنبية، للتفاخر وإظهار فوقيةٍ ثقافيةٍ أو اجتماعيةٍ مزعومة… مع أنه قد لا يحسِن النطق بتلك الكلمات الأجنبية، وقد لا يعلم معناها…
-قال الفيلسوف الفرنسي باسكال في القرنِ الرابعَ عشر:
«وطني هو اللغة الفرنسية»
-ويقول الأستاذ جاك بارا: «اللغة هي نظام فكري ثقافي، إذا خرج منه الإنسان، سقط في التشوش… اللغة نظام فكري وبنية ويمكن للإنسان أن يتقن نظامين وثلاثةً بتميُّز، لكنه إن لم يبدأ بالنظام الأول الذي يكوِّن روحه الثقافية كإنسان، فإنه لن يغنَمَ من إتقان اللغات الأخرى إلا فقدانَ الهُوية، والاقتلاعَ والضَّياع… أنا فرنسي وأتقن الإنكليزية، وأتقن أيضًا أن أفكر فيها علميًا وبحثيًا، لكنها لا يمكن أن تكون لغةً أُقدِّم نفسي بها، أي لغةَ روحي! لا يمكن لأمّةٍ أن تنهض بلغة أخرى، كما لا يمكن للروح أن تعيش في جسدٍ غير جسدها» اﻫ
– نظم أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة عزّى فيها إمام اليمن بوفاة ابنه جاء فيها:
يُجامِلُك العَرَبُ النازحونْ **** وما العربيَّةُ إلا وَطَنْ
يريد الشاعر: يعزّيك العرب الذين نزحوا من ديارهم، إنهم وإن كانوا خارج الوطن العربي، فهم مقيمون في وطن اللغة التي يمارسونها يوميًا، لأن اللغة العربية هي وطن العرب الحقيقي!
– وقال حديثاً «نديم جورسيل» وهو كاتب تركي مقيم في فرنسا « اللغة التركية هي وطني، فأنا لا أشعر أنني فرنسي، مع أني حصلت على الجنسية».
-نشرت مجلة “المعرفة” التي تصدرها وزارة الثقافة السورية، مقالاً طويلاً للدكتور خير الدين عبد الرحمن، وكان فيما مضى سفيرًا لسورية، جاء فيه أن عميد السلك الدبلوماسي العربي في إحدى العواصم الأجنبية دعا إلى اجتماع السفراء العرب، وأصرَّ على إدارة الجلسة باللغة الإنكليزية! فقال له سفيرنا:
« إنني لن أسمح بجعل الإنكليزية لغة أمرٍ واقع في اجتماعات لجامعة الدول العرببة، ليس لأن أكثر من نصف الحاضرين لا يتقنون الإنكليزية، ومن ثَم لا يتابعون نقاشاتنا، وإنما لأن مبدأ استعمال لغة أجنبية في اجتماعات السفراء العرب فضيحةٌ لنا، وعارٌ علينا جميعاً، ثم غادر سفيرنا الاجتماع احتجاجًا، وامتنع عن حضور الاجتماع اللاحق…
وتابع د.خير الدين كلامه قائلاً: لقد انتُهكت أوطان هذه الأمة وثرواتها وتراثها وكرامتها، وحريتها ووحدتها وجوهر حضارتها، ومع كل ذلك يطفو على السطح سماسرة ولصوص وجهلة، وتغريبيون ومنبهرون بالآخر إلى حدِّ كراهية ذواتهم والتنكر لانتمائهم!
أليس غريبًا جدًا أن يقف مثقف سوري بارز، منحته الأمة كثيرًا من التقدير، في ختام ندوة عامة أقامها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، ليقول: «إن اللغة العربية إلى انقراض! وإنه لا مستقبل للأمة العربية ذاتها فهي مُجْدِبة وسوف تنقرض»
أقول: حتى لو كان هذا المثقف في غاية الإحباط، ولا يرى بصيص أمل، لا يجوز لمثله أن ينطق بمثل هذا الكلام! ثم عاد هذا المثقف في الأسبوع نفسه ضمن برنامج (الباحث المقيم) في مكتبة الإسكندرية إلى القول: «اللغة العربية الفصحى في سبيلها إلى الموت »*

· أما المشكلة الأولى، أعني تردي مستوى التعليم، فله عدة أسباب ليس مكانَ تعدادها هذا التقرير، وسبق أن ذكرتُها بالتفصيل في تقارير رفعتها إلى مسؤولين كبار. وقد نشرت جريدة تشرين في 20/9/2010 مقالاً رائعًا لمسؤولة سورية رفيعة المستوى، انتقدت فيه وزارات التربية العربية بلا استثناء!
وسبق أن قدَّم مجمعنا في ندوة عقدها سنة 2000 خُططًا ومقترحاتٍ ذهبت أدراج الرياح.
-إن “نغمة تيسير النحو” تُسمع منذ نحو مئة عام، وما زلنا نسمعها ونقرأ عنها على صفحات الجرائد. وقد جرت عدة محاولات لتحقيق ذلك وانتهت إلى الإخفاق!
وقد بيَّن حديثًا اللغوي المعروف يوسف الصيداوي رحمه الله علَّة هذا الإخفاق. وكتبتُ مقالاً حول هذا الموضوع (تيسير النحو) الذي يظنه كثيرون مفتاح حلِّ مشكلة تردي مستوى التعليم، وأرسلتُه إلى رئاسة تحرير جريدة تشرين في حزيران الماضي [لأن هذه الجريدة وغيرَها نشرتْ وتنشر مقالات تتعلق باللغة العربية وبضرورة إصلاح مناهج تعليمها وأساليبه، ولأن مجلس مجمعنا أوصى بالتواصل مع الصحافة والإعلام، لكي لا يقال إن المجمع عزل نفسه في برج عاجي] لكن المقال لم يُنشر، ولم تجد الجريدة ضرورة لإعلامي بأنه لن ينشر!! في إشارةٍ إلى أن الجريدة راغبةٌ عن التواصل مع المجمع!
وقد جاء في هذا المقال أبرزُ ما توصل إليه الصيداوي، وهو أن قواعد اللغة العربية شيء، والنحوَ الذي بين أيدينا الآن شيء آخر!، وأن القواعد تُسْتلُّ من كلام العرب، أما النحو فهو جَوَلانٌ فكري في هذه القواعد، وقد أحاط بها على امتداد القرون كالشرنقة!
القواعد يمكن أن تيسَّر بتخليصها مما علق بها من تفريعات وتشعيبات وآراء، وتيسيرُها مفيد بلا ريب، ولكن ضمن حدود!
أما النحو –بتعريفه المذكور- فلا يُيسَّر، ويجب ألا يفكَّر في تيسيره لأنه كنـز وإرثٌ فكري عظيم.
القواعد يمكن أن تيسر، وقد جعل هذا الحُلْمَ حقيقة واقعة الأستاذ الصيداوي، بأن أنفق من عمره نحواً من /25000/ ساعة عمل على امتداد سبع سنوات، عمل خلالها على استخلاص قواعد العربية من شرنقة النحو، وأخرج في نهايتها كتابًا رائعًا سماه بتواضع: «الكفاف: كتاب يعيد صوغ قواعد اللغة العربية»
ومع ذلك أكد الصيداوي أن القواعد لا تعلِّمُ اللغة، وأنه يجب استبعاد مصطلحاتها من كتب المرحلة الابتدائية، ويجب الإكثارُ من إسماع التلاميذ لغة عربية سليمة، وجعلُهم يقرؤون لغة صحيحة. وهذا الكلام ليس جديدًا، فقد قال عبد الرحمن بن خلدون قبل نحو 600 سنة ما معناه: مَلَكَة اللغة تكتسب بالحفظ والسماع أكثرَ مما تكتسب بالضابط والقاعدة!
ومما يؤسف له أشد الأسف أن المسؤولين عن تعليم اللغة العربية لم يأخذوا بالتيسير الكبير الذي صنعه الصيداوي، وحافظوا على ما اعتادوه طَوال عقود مديدة، مع أن نتائج تطبيقه غير مَرْضية البتة كما نرى جميعًا!
إن الأمة العربية هي الآن أمة تسمع ولا تقرأ! فالسبيل إلى التمكين للعربية يكمن في تحقيق التوصية الآتية: اِسمَعْ وأَسمِعْ!
اِسمعْ لغة سليمة تتعلَّمْ، وأسِمع لغة سليمة تُعلِّمْ. معنى هذا أن على وسائل الإعلام المسموعة (الإذاعة والتلفزة) تقع مسؤولية كبيرة وهي إسماع المواطنين أكبر قدرٍ ممكن من الكلام الصحيح الفصيح. كما تقع على المعلمين والمدرسين مسؤولية كبيرة في التحدث إلى التلاميذ والطلاب بلغة سليمة، وفي وضع كتب مدرسية سليمة اللغة.
وما أعظم ما أوصى به الشاعر القروي رشيد سليم الخوري إذ قال:
(( علّموا القرآنَ والحديثَ ونهجَ البلاغة في كل مدارسكم وجامعاتكم!))
– عندما قررت النخبة الحاكمة في كوريا الجنوبية في مطلع الستينيات المنصرمة، العمل على تحقيق التنمية البشرية، اختارت اللغة الفصيحة المشتركة أداةً للتعليم والإعلام والإدارة والحياة العامة. وهكذا نجد في كوريا أكثر من مئة محطة للإذاعة والتلفزة، كلها أهلية خاصة ما عدا واحدة حكومية، ولكنها جميعًا تستعمل اللغة الكورية الفصيحة المشتركة، ولا تستعمل اللهجات الكورية المختلفة؛ ولا ترى في شوارع سيؤول أية لافتة مكتوبة بغير الحرف الكوري!*
أعود الآن لأعرض على حضراتكم خلاصة َ أعمال بعض لجان مجمعنا.
1-: لجنة اللغة العربية وعلومها:
اتخذت (53) قراراً بشأن ألفاظٍ وتراكيب منوَّعة، وأحالتها على مجلس المجمع لإقرارها. وبعد دراسة ملاحظات السادة أعضاء المجلس عليها، واعتماد المقبول منها، رفعتْها إلى مؤتمركم هذا لبيان الرأي النهائي فيها.
وأجابت اللجنة عن مجموعة من الاستفسارات الواردة من جهات حكومية وخاصة، ومن بعض المواطنين أيضاً، بشأن بعض الألفاظ التي يراد إطلاقها على فنادق أو محالَّ تجارية: أعربيةٌ هي أم معرَّبة أم أجنبية؟
2-: لجنة ألفاظ الحضارة:
أنجزت اللجنة إعداد باب المهن والحِرف من معجم ألفاظ الحضارة، وبلغ عدد المصطلحات الإنكليزية التي أقرت مقابلاتها العربية والفرنسية (341). وبعد أن راجعته المراجعة الأخيرة رفعته إلى مجلس المجمع طلباً لملاحظات السادة أعضاء المجلس عليه. ثم درست هذه الملاحظات واعتمدت المقبول منها، ورفعت الباب المذكور إلى مؤتمركم هذا لبيان الرأي النهائي فيه. ووضعت اللجنة (16) مقابلاً عربياً لمجموعة من الكلمات الأجنبية الشائعة في وسائل الإعلام.
وأقرت اللجنة مجموعة من المقابلات الإنكليزية والفرنسية للألفاظ العربية الواردة في ملحق المنزل وعددها (67)، وفي ملحق لوازم المنزل وعددها (54)، وفي ملحق المهن والحرف وعددها(75). ثم رفعت ملاحق الملابس والمنزل ولوازم المنزل والمهن والحرف إلى مجلس المجمع طلباً لملاحظات السادة الأعضاء عليها، وبعد دراسة هذه الملاحظات واعتماد المقبول منها، رفعت الملاحق الثلاثة المذكورة إلى مؤتمركم هذا لبيان الرأي النهائي فيها.
3- لجنة المخطوطات وإحياء التراث:
اطلعت اللجنة على الجزء (12) من كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، تحقيق د. فوزي الهيب، ووافقت على طباعته.
وهي تدرس الآن الجزء (14) من كتاب ابن عساكر بتحقيق أ. حسن مروة.
كما تنظر في قوائم موجودات المجمع من المخطوطات لانتقاء عدد منها تمهيداً لتحقيقها.
4- لجنة المصطلحات الزراعية:
أنجزت اللجنة دراسة (2000) مصطلح فوضعت المقابلات العربية والفرنسية، والأصول اللاتينية لبعضها.
5- لجنة الأحياء الحيوانية:
وضعت اللجنة المقابلات العربية والفرنسية والأصول اللاتينية لـِ (1028) مصطلحاً مبدوءاً بالحرف A ، و (382) مصطلحاً مبدوءاً بالحرف B، ولـِ (1274) مصطلحاً مبدوءاً بالحرف C ولـِ (45) مصطلحاً مبدوءاً بالحرف D.
6- لجنة الجيولوجيا:وضعت اللجنة المقابلات العربية والفرنسية والأصول اللاتينية للمصطلحات المبدوءة بالأحرف من D حتى L وعددها 3000 مصطلح تقريباً.
7- لجنة النشاط الثقافي:
ألقيت في النصف الثاني من هذا العام محاضرة واحدة للدكتور عمر شابسيغ بعنوان: «صمود اللغة العربية عبر العصور ومرونتها في التطور» وذلك يوم الأربعاء في 23/8/2010.
أما المحاضرات الثقافية التي ألقيت عام 2009 فهي الآن في طور الإعداد للطباعة، كما يجري الآن إعداد بحوث مؤتمر المجمع الأول للطباعة.
8- لجنة طب الأسنان:
وضعت اللجنة المقابلات العربية والفرنسية والأصول اللاتينية والتعريفات لـِ (338) مصطلحاً، كما وضعت المقابلات العربية لـِ (207) مصطلحات.
9- لجنة العلوم الرياضية:
وضعت اللجنة المقابلات العربية والتعريفات لمصطلحات الرياضيات المبدوءة بالأحرف A، B، C، D وعددها (1219) مصطلحاً، ورفعت مصطلحات الحرفين AوB إلى مجلس المجمع لبيان الرأي
10- لجنة تنسيق المصطلحات:
اطلعت اللجنة على رأي لجنة مصطلحات الرياضيات في المقابلات العربية لـِ (16) مصطلحاً وارداً من جامعة البعث، وأبدت رأيها فيها وأرسلته في كتاب بذلك إلى الجهة المرسلة، كما اطلعت على رأي لجنة مصطلحات الرياضيات في المقابلات العربية لمصطلحات الإحصاء الواردة من كلية الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق (وعددها 229) وأبدت رأيها فيها وأرسلته بكتاب إلى الجهة المرسلة.
ووضعت اللجنة المقابلات العربية للمصطلحات الواردة من لجنة طب الأسنان وعددها (6)، وانتقت المقابلات العربية المناسبة للمصطلح الطبي (quality) بحسب السياق الذي ترد فيه.
11- لجنة العلوم الكيميائية:
وضعت اللجنة تعاريف للمصطلحات المبدوءة بستة أحرف: من G إلى L وعددها (1001) مصطلح.
12- لجنة العلوم الفيزيائية:
استكملت اللجنة وضع تعريفات للمصطلحات المبدوءة بالحرفين L وM وعددها (680)، وأنجزت مراجعة المقابلات العربية والتعريفات (علمياً ولغوياً) للمصطلحات المبدوءة بـ Aحتى L.
13- لجنة المصطلحات البريدية:
أنجزت اللجنة المكلفة النظرَ في معجم المصطلحات البريدية المتعدد اللغات (ومنها العربية) دراسة المقابلات العربية الواردة في المعجم، فأقرت (458) مصطلحاً من أصل (1190) أي قرابة 38٪، ووضعت (732) مصطلحاً جديداً.
14- لجنة مصطلحات الاستشعار عن بُعد:
أنجزت لجنة الخبراء المكلفة النظرَ في معجم مصطلحات الاستشعار عن بعد، دراسة المقابلات العربية والتعريفات للمصطلحات المبدوءة بالأحرف A و B و C وتقوم الآن لجنة مصطلحات الفيزياء بالتعاون مع لجنة الخبراء بمراجعة المقابلات العربية والتعريفات (علمياً ولغوياً) للمصطلحات. وقد أنجزت مراجعة المصطلحات المبدوءة بالحرف A.
15- لجنة البيئة والمجتمع والمياه:
وضعت اللجنة المقابلات العربية لـِ (183) مصطلحاً.
16- لجنة مؤسسي المجمع:
اقترحت اللجنة إعادة طباعة عدد كبير من مؤلفات مؤسسي المجمع. وقرر مكتب المجمع إعادة طباعة (17) كتاباً، وتصوير الباقي.
أيها الحضور الكرام
أشكر لكم حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

الأستاذ الدكتور مكي الحسني
مؤتمر المجمع التاسع
الأمين العام لمجمع اللغة العربية بدمشق
28-/11-1/12/2010

كُتب في المناهج | التعليقات على في وجه الزحف الثقافي… محاضرة عن أهمية اللغة العربية… مغلقة

من فأر إلى نمر عظيم ..ماذا فعل مهاتير محمد لبلاده……..

« بلد » مساحته «٣٢٠ ألف كيلو متر مربع » … وعدد سكانه ٢٧ مليون نسمة ، أي مثل عدد سكان السعودية ومثل ثلث عدد سكان مصر…
كانوا حتى عام 1981 يعيشون فى الغابات ، ويعملون فى زراعة المطاط ، والموز ، والأناناس ، وصيد الأسماك …
وكان متوسط دخل الفرد أقل من آلف دولار سنوياً … والصراعات الدينية « ١٨ ديانة » هي الحاكم …
حتى أكرمهم الله برجل أسمه «mahadir bin mohamat‏» ، حسب ما هو مكتوب في السجلات الماليزية .. أو « مهاتير محمد » كما نسميه نحن .. فهو الأبن الأصغر لتسعة أشقاء … والدهم مدرس ابتدائي راتبه لا يكفي لتحقيق حلم ابنه « مهاتير » بشراء عجلة يذهب بها إلى المدرسة الثانوية .. فيعمل « مهاتير » بائع « موز » بالشارع حتى حقق حلمه ، ودخل كلية الطب فى سنغافورة المجاورة … ويصبح رئيساً لإتحاد الطلاب المسلمين بالجامعة قبل تخرجه عام 1953 … ليعمل طبيباً فى الحكومة الإنكليزية المحتلة لبلاده حتى استقلت « ماليزيـا » في عام 1957، ويفتح عيادته الخاصة كـ « جراح » ويخصص نصف وقته للكشف المجاني على الفقراء … ويفوز بعضوية مجلس الشعب عام 1964 ، ويخسر مقعده بعد خمس سنوات ، فيتفرغ لتأليف كتاب عن « مستقبل ماليزيا الإقتصادي » في عام 1970 … ويعاد انتخابه «سيناتور» في عام 1974 … ويتم اختياره وزيراً للتعليم في عام 1975 ، ثم مساعداً لرئيس الوزراء في عام 1978 ، ثم رئيساً للوزراء في عام 1981 ، أكرر فى عام 1981 ، لتبدأ النهضة الشاملة التي قال عنها في كلمته بمكتبة الإسكندرية إنه استوحاها من أفكار النهضة المصرية على يد محمد علي ..

فماذا فعل « الجراح الماليزي » ؟

أولاً : رسم خريطة لمستقبل ماليزيا حدد فيها الأولويات والأهداف والنتائج ، التي يجب الوصول إليها خلال ١٠ سنوات .. وبعد ٢٠ سنة .. حتى عام 2020 !!!
ثانياً : قرر أن يكون التعليم والبحث العلمي هما الأولوية الأولى على رأس الأجندة ، وبالتالي خصص أكبر قسم في ميزانية الدولة ليضخ في التدريب والتأهيل للحرفيين .. والتربية والتعليم .. ومحو الأمية .. وتعليم الإنكليزية .. وفي البحوث العلمية .. كما أرسل عشرات الآلاف كبعثات للدراسة في أفضل الجامعات الأجنبية .. فلماذا « الجيش » له الأولوية وهم ليسوا في حالة حرب أو تهديد ؟ ولماذا الإسراف على القصور ودواوين الحكومة والفشخرة والتهاني والتعازي والمجاملات والهدايا ؟

ثالثاً : أعلن للشعب بكل شفافية خطته واستراتيجيته ، وأطلعهم على النظام المحاسبي الذي يحكمه مبدأ الثواب والعقاب للوصول إلى « النهضة الشاملة » ، فصدقه الناس ومشوا خلفه ليبدأوا « بقطاع الزراعة » .. فغرسوا مليون شتلة « نخيل زيت » فى أول عامين لتصبح ماليزيا أولى دول العالم فى إنتاج وتصدير « زيت النخيل » !!!
ففي قطاع السياحة .. قرر أن يكون المستهدف في عشر سنوات هو ٢٠ مليار دولار بدلاً من ٩٠٠ مليون دولار عام 1981 ، لتصل الآن إلى ٣٣ مليار دولار سنوياً .. وليحدث ذلك ، حّول المعسكرات اليابانية التي كانت موجودة من أيام الحرب العالمية الثانية إلى مناطق سياحية تشمل جميع أنواع الأنشطة الترفيهية والمدن الرياضية والمراكز الثقافية والفنية .. لتصبح ماليزيا « مركزاً عالمياً » للسباقات الدولية فى السيارات ، والخيول ، والألعاب المائية ، والعلاج الطبيعي ، و… و… و….

وفي قطاع الصناعة .. حققوا فى عام 1996 طفرة تجاوزت ٤٦٪ عن العام السابق بفضل المنظومة الشاملة والقفزة الهائلة فى الأجهزة الكهربائية ، والحاسبات الإلكترونية.
وفي النشاط المالي .. فتح الباب على مصراعيه بضوابط شفافة أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية لبناء أعلى برجين توأم فى العالم .. بتروناس .. يضمان ٦٥ مركزاً تجارياً فى العاصمة كوالالمبور وحدها .. وأنشأ البورصة التي وصل حجم تعاملها اليومي إلى ألفي مليون دولار يومياً.
وأنشأ أكبر جامعة إسلامية على وجه الأرض ، أصبحت ضمن أهم خمسمائة جامعة فى العالم يقف أمامها شباب الخليج بالطوابير ، كما أنشأ عاصمة إدارية جديدة putrajaya‏ بجانب العاصمة التجارية «كوالالمبور» التي يقطنها الآن أقل من ٢ مليون نسمة ، ولكنهم خططوا أن تستوعب ٧ ملايين عام 2020 ، ولهذا بنوا مطارين وعشرات الطرق السريعة تسهيلاً للسائحين والمقيمين والمستثمرين الذين أتوا من الصين والهند والخليج ومن كل بقاع الأرض ، يبنون آلاف الفنادق بدءًا من الخمس نجوم حتى الموتيلات بعشرين دولار فى الليلة !!!
بإختصار .. إستطاع الحاج «مهاتير» من عام 1981 إلى عام 2003 أن يحلق ببلده من أسفل سافلين لتتربع على قمة الدول الناهضة التي يشار إليها بالبنان ، بعد أن زاد دخل الفرد من ١٠٠٠ دولار سنوياً في عام 1981 عندما تسلم الحكم إلى ١٦ ألف دولار سنوياً .. وأن يصل الإحتياطي النقدي من ٣ مليارات إلى ٩٨ ملياراً ، وأن يصل حجم الصادرات إلى ٢٠٠ مليار دولار ، فلم يتعلل بأنه تسلم الحكم فى بلد به ١٨ ديانة ، ولم يعاير شعبه بأنه عندما تسلم الكرسي فى عام 1981 كان عددهم ١٤ مليوناً والآن أصبحوا ٢٨ مليوناً ، ولم يتمسك بالكرسي حتى آخر نفس أو يطمع فى توريثه لأبنائه …

في عام 2003 وبعد ٢١ سنة ، قرر بإرادته المنفردة أن يترك الجمل بما حمل ، رغم كل المناشدات ، ليستريح تاركاً لمن يخلفه « خريطة طريق » و« خطة عمل » اسمها « عشرين .. عشرين » .. أى شكل ماليزيا عام 2020 والتي ستصبح رابع قوة إقتصادية فى آسيا بعد الصين ، واليابان ، والهند.

لهذا سوف يسجل التأريخ .. « أن هذا المسلم » لم ترهبه إسرائيل التي لم يعترفوا بها حتى اليوم ، كما ظل ينتقد نظام العولمة الغربي بشكله الحالي الظالم للدول النامية ، ولم ينتظر معونات أمريكية أو مساعدات أوروبية ، ولكنه اعتمد على الله ، ثم على إرادته ، وعزيمته ، وصدقه ، وراهن على سواعد شعبه وعقول أبنائه ليضع بلده على « الخريطة العالمية » ، فيحترمه الناس ، ويرفعوا له القبعة !!!
وهكذا تفوق « الطبيب الجراح » بمهارته وحبه الحقيقى لبلده واستطاع أن ينقل ماليزيا التى كانت « فأراً » إلى أن تصبح « نمراً » آسيوياً يعمل لها ألف حساب !!!

كُتب في الأعلام, المعاصرون, منائر | التعليقات على من فأر إلى نمر عظيم ..ماذا فعل مهاتير محمد لبلاده…….. مغلقة

ثقافة المناظرات والمباهلات بين الحقيقة والوهم…

(نشر هذا المقال على حلقات في صفحة منتدى القراء في جريدة الشرق القطرية ، وقد حذفت أجزاء منه لأسباب تتعلق بضيق المساحة، وفيه وجهة نظر هامة إن لم تكن كلها صواباً ففيها من الصواب الكثير)

الحمد لله مُوْلي النعم ودافع النقم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة لجميع الأمم ، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ذوي الفضل والنجابة والكرم ، فقد تابعنا على مدى أسابيع ما أمطرتنا به بعض القنوات الفضائية من مناظرات ومباهلات ، بعد أن قام أحد السفهاء المخبولين بإقامة “احتفال” بذكرى وفاة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها ، تنافس فيه جمع من الأوباش على سب السيدة المطهرة من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم القيامة ، وما كان لهذا الاحتفال أن يذكر بهذا الشكل أو يكون له مثل هذا الحضور ، لولا الدور الذي قامت به تلك القنوات في نشر أخباره على مسمع ومرأى من الملأ ، وشحن الناس لمتابعته .
وسأحاول في هذه المقالة – بإذن الله – أن أحلل ما حدث من وجهة نظري القاصرة ، والتي أرى أنها قد لا تتفق مع وجهة نظر الكثير من الأفاضل الذين تحمسوا وحملوا الأمر على أنه من باب الانتصار لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، لا لأنني أرى أن ما سأكتبه هو القول الفصل في هذا الأمر ، ولكن من باب إعطاء الفرصة للناس للنظر إلى الأمر من زاوية أخرى ، وتحفيزهم على الاستفادة من الآراء المختلفة بذهن مفتوح ، ولنبدأ على بركة الله .
نقطة البداية
لا شك عندي أن إقامة هذا الاحتفال البغيض بذكرى وفاة السيدة عائشة رضوان الله عليها – فوق كونه زندقة – فهو ينم عن تشوه خطير في العقل ، ولكن هذا الحدث وما نجم عنه من ردود أفعال يحتاج إلى أكثر من وقفة لاستخلاص العبر ، بعد أن هدأ الغبار الذي أثارته هذه الضجة ، فأصبح من المتعين على العاقل أن ينظر حوله لمعرفة ما جرى وما يجري على أرض الواقع ليكوِّن فكرة شاملة عن المشهد ، لا أن يقتصر في إصدار حكمه على جزء صغير من الصورة ، وقد أفضى لي كثير من الفضلاء العقلاء بمدى استيائهم من هذه المناظرات منذ بداياتها الأولى وقبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه ، لما رأوه فيها من الإسفاف والاستخفاف بعقول الناس فضلا عن اطِّراحهم لمناهج العلماء التي تضبط إقامة مثل هذه المناظرات ، ولكن التيار جارف ، والناس متلهفون في البحث عن أي شيء يوهمهم بالنصر على عدوٍّ ما ، ولو كان على شاشات التلفاز ، فلعل ما أكتبه هنا يكون محفزا لطائفة من الناس كي يكونوا أكثر حذرا مما ينصب لهم من الفخاخ مستقبلا ، وإن كنت على يقين أن ما سأكتبه سيثير استياء البعض ، لأنهم رأوا فيما حدث انتصارا لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وكل من خالفهم فهو إما أن يكون مع أعدائهم ، أو متخادلا مخذِّلا لأخوانه ، وهؤلاء – وإن كان أكثرهم من الطيبين ذوي النوايا الحسنة – إلا أنني أرجو أن يسمحوا لي بمخالفتهم فيما ذهبوا إليه ، وأن تتسع صدورهم لمن ينظر للأمر من زاوية مختلفة عنهم .
ما هي المباهلة ؟
ترددت هذه الكلمة أخيرا على الأفواه ، ولاكتها الألسن ، وربما لا يعرف كثير من الناس معناها ، وإن استشعروه ، وهي كلمة جديدة على معظمهم ، وربما طرقت أسماعهم لأول مرة بعد هذه الهوجة الهوجاء ، ولنبدأ بتعريفها ، فالمباهلة لغة من بَهَلَهُ بَهْلًا ، أي لَعَنَهُ ، واسم الفاعل بَاهَلَ ، والأنثى بَاهِلَة ، وبها سميت القبيلة ، والاسم البُهْلَة بضم الباء وفتحها، وبَاهَلَهُ مَبَاهَلَةً أي لَعَنَ كل منهما الآخر وجَدَّ في التضرع إلى الله تعالى .
وجاء في الموسوعة الفقهية : بَاهَلَهُ مُبَاهَلَةً ، لعن كل منهما الآخر وابتهل إلى الله : ضرع إليه ، وبَهَلَهُ بَهْلا : لَعَنَهُ ، ومنه قول أبي بكر : من ولي من أمر الناس شيئا فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله ، أي لعنته ، وباهل بعضهم بعضا : اجتمعوا فتداعوا فاستنزلوا لعنة الله على الظالم منهم ، وفي أثر ابن عباس رضي الله عنهما : من شاء باهلته أنه ليس للأَمَةِ ظِهَار .
ومعناها في الاصطلاح غير بعيد من معناها لغة .
وقد جاء ذكر المباهلة في القرآن الكريم في قوله تعالى : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَة اللهِ عَلَى الْكَاذِبِين}[آل عمران:61]
وسبب نزول هذه الآية عندما طلب النبيُّ صلى الله عليه وسلم المباهلةَ مع وفد نصارى نجران في أمر المسيح عليه السلام ، فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أَعْلَمَهُم كبيرُهم أنهم إن باهلوه اضطَرَم عليهم الوادي نارا ، فإن محمدا نبيٌّ مرسل ، ولقد تَعْلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى ، فتركوا المُباهَلَة وانصرفوا إلى بلادهم على أنْ يؤدوا فِي كل عام ألف حُلَّة في صفر ، وألف حلة في رجب ، فصالَحَهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلا من الإسلام . انظر تفسير القرطبي .
لماذا الآن ؟
الأحداث لا تنشأ من فراغ ولا تتمدد في الفراغ ، فلا بد للعاقل أن يفطن لتوقيت الأحداث التي تجري من حوله ، حتى يمكنه أن يفسرها تفسيرا ينفذ به إلى ما دون السطح ، وبالتالي يتمكن من الحكم على الأمور وتقدير العواقب ، وإلا لما كان لبني الإنسان فضل على سائر العجماوات .
وأول سؤال ينبغي أن نسأله لأنفسنا إزاء هذا الحدث هو : لماذا الآن ؟
قد يقول قائل بأن ما حدث ما كان ليحدث لولا قيام ذلك السفيه بقذف السيدة عائشة رضي الله عنها ، فكان من المتعين الدفاع عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذب عن أمنا عائشة رضي الله عنها.
ولكن في المقابل نعلم جميعا بأن هناك طوائف من المنتسبين للإسلام ديدنهم سب الصحابة وأمهات المؤمنين منذ قرون ، بغض النظر عن مبرراتهم التي يسوغون بها هذا الفعل الشنيع ، فما الجديد في الأمر ؟
وما الذي يجعل هذه القنوات تتسابق إلى الإعلان عن هذا الأمر وكأنهم يكتشفونه لأول مرة في التاريخ ؟ وكأنهم ما كانوا ليعلموا به لولا أقدام ذلك السفيه عليه .
دفاع عن السيدة عائشة .. أم دفاع عن النفس ؟
إن ما حدث – في ظني – يكشف حالة الأزمة التي تعيشها بعض التيارات التي تسمي نفسها إسلامية ، فأرادت هذه التيارات أن تظهر نفسها أمام العامة بأنها هي المدافعة عن مقدسات الإسلام ، وهي التي تمثل الإسلام الصحيح النقي ، كما هو معروف في خطابها ، بعد أن لطخوا صورة الإسلام بتعصبهم الأعمى وساعدوا أعداء الإسلام – بجهلهم تارة وعنادهم تارة – على تصوير المسلمين على أنهم من غير جنس البشر ، بل هم للوحوش أقرب ، وما نجم عن أفكارهم في بلاد المسلمين في العراق والصومال واليمن وغيرها ، دليل شاخص على ذلك ، فقتلوا المسلمين بأدنى شبهة ، واستحلوا دماءهم وأموالهم بحجة أنهم مشركون ، وهدموا المساجد ونبشوا القبور بحجة صيانة جناب التوحيد ، ولم يكتف بعضهم حتى تمنى أن يأتي اليوم الذي تهدم فيه القبة الخضراء في المسجد النبوي ، واتهموا كل من خالفهم أدنى مخالفة بالزيغ والضلال ، حتى لو كان منهم ، كل ذلك وأكثر جعل هذا الفكر محاصرا بأفعاله ، ومنقسما على نفسه ، ووضعه في موضع التهمة أمام الناس ، وقد لاحظوا مؤخرا أن الناس بدأوا يتبرمون بأفعالهم ويعرضون عنهم لتشددهم وغلظتهم ، فبدأ بعض دعاتهم مؤخرا يركب موجة التهريج والإسفاف طمعا في أن يستميل قلوب العوام إليه .
ثم لاحت الفرصة أمام أعينهم بهذه المناظرات الهزلية ، واتسعت دائرتها وانخرط فيها جمع كبير منهم ، وبعدها حدث من ذلك السفيه ما حدث ، فوجدوها نُهزة لترويج بضاعتهم الكاسدة وليستعيدوا قواعدهم المفقودة ، وليثبتوا لأتباعهم ومن يجهلون حقيقتهم بأنهم هم المخلصون في الدعوة إلى الإسلام ، وأن من عداهم متقاعسون مداهنون على حساب العقيدة الحق بزعمهم ، حتى رأينا بعضهم في خضم هذه الهوجة يسأل : أين جماعة كذا من الدفاع عن عرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أين فلان وعلان من الذب عن أم المؤمنين ؟؟ وكأنه يريد أن يقول: ليس على الساحة غيرنا ، فانتقلت المعركة من كونها دفاعا عن عرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى أن أصبحت فرصة سانحة لتصفية الحسابات مع المخالفين لهم من التيارات الأخرى ، والربط على قلوب الأتباع وجلب المزيد من المؤيدين لفكرهم ، وهنا تنكشف حقيقة النوايا ، ويظهر المحرك الحقيقي لهذه الغضبة المُضَرية ، فبان أنهم غير معنيين بالدفاع عن السيدة عائشة بقدر ما هم معنيون بالدفاع عن أنفسهم وتلميع صورتهم ولو على حساب الدين .
الدكاكين الفضائية .. والدجاجة التي تبيض ذهبا!
لا يغيب عنا أن الثورة الإعلامية التي يشهدها العالم أفرزت عشرات القنوات – أو الدكاكين – الفضائية ، فانتشرت كالوباء من كل لون ونوع ، وأخذت تعبث بكل شيء تطاله يدها تحت مسمى الحرية الإعلامية والفضاء المفتوح ، وابتكرت أساليب شتى في الاحتيال لأكل أموال الناس ، تخاطب غرائزهم تارة ، وأحلامهم تارة أخرى ، وتلعب على كل الحبال وتعزف على كل الأوتار ، وظهرت بعض القنوات التي صبغت نفسها بصبغة إسلامية ، يديرها خليط غير متجانس من الهواة الذين لا تتخطى معرفة أكثرهم بالإعلام صحفَ الحائط والإذاعةَ المدرسية ، فمنهم من هو محمل بأفكار جاهزة للتفجر في وجه المجتمع ، ومنهم من يحمل بين كتفيه رأسا لا تكاد توجد فيه مسكة من عقل أو حكمة ، ومنهم صاحب أغراض مشبوهة ، ومنهم من لا يهمه سوى رؤية طلعته البهية على الشاشة ، ولكن كل ذلك لا يهم أصحاب تلك الدكاكين ما دامت برامجهم تدر الأموال وتتخم أرصدتهم .
ومما يندى له جبين كل حر عفيف أن ترى بعض هذه القنوات – الدكانية – تبث تلاوات للقرآن الكريم طوال اليوم ، وشريط الإعلانات الذي يلتهم الشاشة مشحون بالدعاية لمستحضرات طبية لعلاج الأمراض التناسلية!!! وفي أحسن الحالات تعلن عن اكتشافات وأدوية لم يسمع بها غيرهم لعلاج “جميع” الأمراض المستعصية !! بداية بتبييض البشرة إلى جميع أنواع السرطان ، فيا لها من استهانة بالقرآن الكريم ؟ .
وعندما وقعت هذه الفتنة وافقت هوى عند بعض أرباب الدكاكين الفضائية ممن امتهنوا الإثارة لاحتلاب الأموال من جيوب مشاهديهم السذج بشتى الطرق ، لكي يتخموا أرصدتهم المتخمة أصلا بالأموال ، وهم يعلمون أن كثيرا من هؤلاء المشاهدين المتحمسين لو سألتهم عن أسماء الخلفاء الراشدين لاحتاروا في الجواب ، والنابه منهم قد يحسب أن صلاح الدين الأيوبي كان من الخلفاء الراشدين ، ولو سألتهم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه لظنوه لاعب كرة قدم ، فمثل هذا الجمهور الذي يجهل دينه هذا الجهل المُردي ، لا بد أن يقع صيدا سهلا ، وفريسة يسيل لها لعاب تجار الدكاكين الفضائية .
كيف وقد جاءتهم هذه الفرصة على طبق من ذهب ، وبمعاونة أناس عرفوا بالنزق وقصر النظر ، واستعدادهم لأن يقولوا أي شيء وكل شيء بدعوى بيان الحق وكشف الزيف بلا مداهنة ، ولسهولة الاحتيال على هذه العقول الساذجة ، أوهموهم بأنهم أوقفوا قنواتهم على الدفاع عن مقدسات الإسلام ، وبأنهم يقفون معهم على خط الدفاع الأول في مواجهة الفرق والطوائف والعقائد المنحرفة والمحرفة ، فنصبت الخيام ، ورفعت الأعلام ، ونودي : هل مِن مبارز ؟؟
وتقاطر جهابذة الفضائيات يستعرضون عضلاتهم في لقلقة اللسان والزهو الزائف ، ووضعوا أمامهم تلالا من الكتب ، ونهشوا أوقات الناس وعقولهم ، يلقون على مسامع العوام قضايا خطيرة ، وتناظروا في مشكلات عويصة في علوم العقائد مما قد تقصر عنه أفهام الخائضين فيها والمستمعين لها على السواء !!
علما بأن بعض من يشاركون في هذه المناظرات ربما رأوا في هذا الفعل مخالفة لمنهج السلف الذي يتشدقون به ، هذا إذا كان من شارك في هذه المناظرات منتميا لتيار مخالف لهم ، أما وقد سنحت الفرصة لهم وأناخت ركابها ببابهم فأنى لهم أن يفلتوها ؟؟ فلا بأس أن يتغافلوا قليلا عما نسبوه إلى منهج السلف في سبيل تبليغ الحق للناس!!! حتى وصل الأمر ببعضهم إلى مداهنة اليهود والنصارى على حساب مخالفيه من المسلمين ، وفي المقابل فإن أصحاب الدكاكين الفضائية لا يلقون بالا لمنهج سلف أو خلف ما دام الأمر يجلب لهم الأموال الطائلة على حساب البُلْه من المشاهدين الذين فغروا أفواههم وجيوبهم ، وسلموهم أسماعهم وعقولهم يعبثون بها بحجة المناظرات العلمية تارة وتصحيح العقيدة أخرى ، ولا يهم بعد ذلك ما يجره هذا الفعل على الأمة من ويلات وفتن .
لقد فتحت هذه القنوات أبوابها مشرعة لكل ناعق من الفريقين ، وأصبح سب الصحابة يطرق الأسماع ليل نهار ، والتشكيك في القرآن الكريم ، وهل هو محرف أو محفوظ ، على كل لسان ، وانطلق كل فريق يدلي بحجته ، ولم يبق جاهل ولا متعالم ولا دَعِيّ إلا أدلى بدلوه ليكون له نصيب في هذه المعركة التاريخية الفاصلة
فَلَم يَبْقَ مِن كَلبٍ عَقُوْرِ وكَلْبَةٍ
في الحَيِّ إِلا جَاءَ بالعَمِّ والخَالِ
وصار كل فريق يدعي أنه الممثل الشرعي للإسلام ، وضاع عامة الناس في خضم هذه الفتنة العمياء .
لقد نقل عن ذلك الأخرق أنه صرح لقناة (بي بي سي) أن هدفه هو تعويد الناس على سماع شتم الصحابة !!
فَيَا لهُ مِن عملٍ صالحٍ
يَرفعُه اللهُ إلى أسفَلِ
فإن كان ما نقل عنه صحيحا فلا شك أنه نجح في هذه المهمة المخزية أيما نجاح ، وشاركه كبر هذا العمل أبطالُ الفضائيات والدكاكين الفضائية ، وتعوَّد المسلمون على سماع هذه البذاءات وانقضى الأمر ، فلو خرج علينا أحدهم غدًا يسب أجلاء الصحابة فلن يكون له نفس التأثير ، لأن النفوس أَلِفَت سماعه ، ومثل هذا حدث في الماضي القريب جدا ، عندما قام أحد المجرمين برسم صور مسيئة للنبي – صلى الله عليه وسلم – فثارت ثائرة المسلمين في الشرق والغرب ، وأحرقت الأعلام وهوجمت السفارات وألقيت الخطب العصماء ودبجت القصائد ، وخفقت رايات الحرب الألكترونية والاقتصادية … ثم ماذا كان ؟
لا شيء ، سوى أن المسلمين بعد أن هدأت سورة الغضب بدأوا يتعودون سماع الإساءة لدينهم ومقدساتهم ، وأصبح كل سفيه يريد أن يجاري الموجة لا يكلفه ذلك سوى أن يرسم رسما ، أو يخرج فيلما ، أو يكتب كتابا ، حتى تنطلق الجموع المنددة تحرق وتكسر ، ويكتفي هو بالفرجة والضحك ، ثم فَتَرَت هذه الحماسة عند المسلمين حتى أصبح مثل هذا الخبر عاديا لا يرف له جفن ، والسبب أن ذلك الغضب كان غضبا أهوج .. كان غضبا لأجل الغضب فقط ، دون أن يكون هناك من يدل هذه الجموع أو يرشدها إلى ما يجب أن يفعلوه لنصرة دينهم بالفعل لا بالقول ، أو يستثمر حماستهم في أمر ينفع الإسلام والمسلمين ، وما كان لله دام واتصل!
وجاءت المباهلة ..
بعد أن اشتبكت الأطراف المتنازعة وخمش كل منها وجه صاحبه ، وسالت الدماء من أنوفهم ومزقوا ثيابهم ، كان لا بد لهذه الدكاكين الفضائية أن تستثمر في بلاهة الزبائن ، فجاءت اللحظة الحاسمة لتفصل في هذه المنازلة .. جاءت المباهلة كحل أخير ونهائي ، فبعد أن أعيتهم الحيل مع بعضهم البعض ، أصبح من المتعين أن تكون هناك ضربة قاضية ، فتنادوا للمباهلة واستمطار اللعنات على الكاذب منهم!
ومرة أخرى يؤذوننا بسماع لعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على لسان ذلك الرقيع وأمثاله ، وكأن كل ما حدث من قبل لم يكفهم .
وبدأ كل فريق يتربص بصاحبه أن يقع عليه العقاب الإلهي الموعود ، وحتى تكتمل الإثارة في المشهد ، ولأن الأعصاب لا تطيق الانتظار كثيرا لأننا في عصر السرعة !! خرج علينا أحدهم يبشرنا بأنه رأى رؤيا تؤيد فريقه ، فتصايحوا مكبرين مهللين متمنين أن تتحقق الرؤيا ، وقام بعض أصحابه بالاتصال به هاتفيا ليتأكد منه شخصيا طلبا لعُلوِّ السند ، وقاموا بتسجيل المكالمة وتواصوا ببثها لكي يسمعها العالم كله!! ويرى عجائب قدرة الخالق عز وجل!! تعالى الله عن عبثهم علوا كبيرا .
ولم ينس صاحب الرؤيا أن يظهر بمظهر المتحقق من الأمر ، فسأل أحد مفسري الأحلام المشهورين ، ليكتمل المشهد ويصل إلى ذورته الدرامية بالتأكيد على أن هذه رؤيا حق وليست حلما شيطانيا أو حديث نفس ، فهي واقعة لا محالة!!
ولم يسأل أي فريق منهما نفسه : ماذا لو هلك صاحبهم ، هل سيرجعون عما هم عليه ويتحولون إلى الطرف الآخر ؟؟
طبعا لا أنتظر الجواب منهم .
هل هناك شيء وراء الأكمة ؟
أشرت في بداية مقالتي إلى ضرورة النظر إلى المشهد كاملا كي نحسن فهم الواقع ، فربط الأمور بظرفيها الزماني والمكاني أمر في غاية الأهمية ، ففي الوقت الذي ينشغل فيه المسلمون – وخصوصا العرب منهم – بمتابعة هذه المناظرات والمباهلات ، نجد أن الكيان الصهيوني يتلذذ بممارسة هوايته في قضم أراضي فلسطين وهويتها ليلا ونهارا ، والمستوطنات تستشري على أرض الضفة بتواطؤ المتواطئين وصمت الصامتين ، والأقصى تنخر عظامه حفريات اليهود وقد ينهار بين فينة أو أخرى ، ولا يبدو على المسلمين أنهم سيكترثون كثيرا لو انهار الأقصى ، لأنهم أصبحوا لا يخشون إلا من انهيار سوق الأوراق المالية ، والمعركة مع الصهاينة مؤجلة لحين انتهاء المناظرات وما تسفر عنه المباهلات ، وبعدها قد ننظر في أمر الأقصى ، هذا إذا بقي الأقصى أصلا ، ثم إذا التفتنا نحو العراق نجده يغرق في مستنقعات الأحزاب السياسية المتناحرة على الفتات ، ويزداد تمزقه يوما بعد يوم ، ويقتتل الناس فيه على الهوية ، فلا يعرف القاتل فيم قَتل ، ولا المقتول فيم قُتِل ، ونرى السودان ينفصم شماله عن جنوبه وتجار الحروب متحفزون لحرب تلوح في الأفق بين شطريه ، أما الصومال المسكين فقد راجت فيه تجارة الحروب والقرصنة منذ سنين ولا يبدو أن أحدا يأبه به ، واليمن ممزق بين الحوثيين والحراك الجنوبي والقاعدة كل منها يفري لحمه ويقطع أوصاله ، ومصر قلب العروبة والإسلام تئن تحت ثقل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والطائفية ، ولبنان يحاول أن يتمسك بأهداب الأمل كي لا تتفلت الأمور من عقالها ويخرج مارد الحرب الأهلية من قمقمه ، ودول الخليج تسير وسط أشواك المشاريع الدولية المختلفة ، الإيرانية والأمريكية والأوروبية ، وتذوي هويتها العربية يوما بعد يوم تحت لهيب التغريب الذي يلفحها بأنفاسه الحارقة ، وبلاد المغرب ليست أفضل حالا من الباقين فلها من كل ما سبق نصيب .
نحن إذن أمام مشهد حالك السواد ، وفتن تدع الحليم حيران ، ثم تأتي هذه الفتنة في هذا الوقت ، وبسبب أمر ليس بجديد ، وعلى يد بعض النكرات ، ونجد المسلمين فجأة نسوا أو تناسوا كل شيء ، ولم يعد يهمهم في هذا العالم إلا متابعة هذه المناظرات والمباهلات وما قد ينجم عنها ، وكأننا انتهينا من مشاكل الحاضر فذهبنا نصفي مشاكل الماضي ، والمحزن في الأمر أن نجد شخصيات كبيرة لها تاريخها في الدعوة والعلم قد استجابت لضغوط هذه الفئة القليلة التي اختطفت الإسلام والمسلمين في هذه الظروف العصيبة وبتحريض من الدكاكين الفضائية ، وفيضان العواطف عند العامة ، لكي تشارك في هذه الزفة ، ولم يسألوا أنفسهم : ما الجديد في الأمر ، وما الذي يمكن أن يترتب عليه ؟
الكل يعلم – لا سيما العلماء – بما بين الفرق المختلفة من الاختلافات في العقائد ، ولو ذهبنا نتباهل على كل ما وقع بيننا وبينهم من اختلاف لما انتهينا إلى يوم الدين ، فكان الأحرى بالعقلاء أن يُعْرضوا عمن يقوم بهذه الأفعال الصبيانية ، ويضربوا على أيدي من يعبثون بعقل الأمة بحجة الدفاع عن المقدسات ، وعيونهم على حطام الدنيا ، وحالهم كما قال القائل :
أظْهَرُوا للنَّاسِ نُسْكًا
وعَلى الدِّينَارِ دَارُوا
فما هي الفائدة التي جنيناها من تهييج الناس وتأليبهم على بعضهم البعض ؟
لا شيء سوى مزيد من التمزق والتفكك ، وإعطاء الفرصة لتغول المشاريع المعادية للأمة وتمددها في طول البلاد وعرضها ، ونحن مشغولون عنهم بمعارك يفتعلها السفهاء وترتهن الأمة لهم ولخطابهم الساذج وعقولهم الضعيفة .
لقد فرح بعض الطيبين بهذه المناظرات ، لأنهم رأوا فيها نصرة للحق كما قلت في بداية كلامي ، مع أنها لا ينطبق عليها وصف المناظرات بالمعنى العلمي ، فالمناظرات علم له أصوله وضوابطه ، وضعت فيه كتب وألفت مؤلفات ، وليس الأمر سبهللا كما تصوره تلك الدكاكين ، أو صراع ديكة لا يخرج منه المتابع بشيء (( كَسَرَابٍ بِقِيْعَة)) .
ثم إن المناظرات لا تجري هكذا على الملأ وعلى أسماع من يفقه ومن لا يفقه بلا ضوابط ، فكيف إذا كانت تناقش قضايا علمية دقيقة تتطلب جوابا علميا منضبطا من كلا الطرفين ، لا ما نراه من مماحكات فارغة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا ، فمن آداب المناظرة كما يقررها أهل العلم أن لا يتكلم فيما لا يعلم ، ولا بموضع يهابه المتكلم ، ولا جماعة تشهد بالزور لخصمه ويردون كلامه ، وتجنب الاضطراب من الجوارح ما عدا اللسان ، والاعتدال في رفع الصوت وخفضه ، وحسن الإصغاء إلى كلام صاحبه ، وأن يجعل الكلام مناوبة لا مناهبة ، والثبات على الدعوى إن كان مجيبًا ، والإصرار على السؤال إن كان سائلاً ، والاحتراز عن التعنت والتعصب والضحك واللجاج .. إلى آخر ذلك.
وقد نظم بعض العلماء أبياتا تحتوي جملة من هذه الآداب فقال :
ويُشْرَعُ الجدال للإظهارِ
للحق أو ردِّ ضلالٍ جاري
بشرط عِلْمِ كلِّ ما في المسألهْ
وضَبْطِ توجيهِ كَمِثْلِ الأسئلهْ
وفي السؤال يُطلب التحسينُ
وفي الجواب الطِّبْق والتبيين
ودَعْ تحرُّكًا كإبراز اليدِ
ورفعِ صوتٍ سِيَّما في المسجد
كذا المغالطةُ والمعاندهْ
أو المشاغبة دون فائدهْ
فانظر أيها القارئ الكريم إلى ما قرره علماؤنا الأعلام وقارن ، هل فيما يقوم به سفهاء الفضائيات شيء من هذا الكلام ؟ أم أن آداب المناظرة التي يذكرها أهل العلم في كتبهم شيء وما يقوم به أولئك المهرجون شيء آخر ؟ فليس فيها إلا صراخ وزعيق ونهيق ومكابرة ومعاندة ، فضلا عن التدليس والغش في النقل وبتر كلام الخصم ليوهم الناس بباطله ، فتكون نتيجة مثل هذا العبث أن تتشوش الأفكار وتتزلزل العقائد وتزيغ القلوب ، وصدق من قال : (( الجدال في الدين مَطْرَدَةٌ لليقين )) وإن نجح كل فريق في اجتذاب أفرادٍ من الطرف الآخر ، فلن يستطيع أن يقضي على المنهج الآخر قضاء لا قيام له بعده ، فالأفكار لا تموت وإن مات أصحابها أو تحولوا عنها ، فسيأتي من يتبناها وينافح عنها ، وهذه سنة جارية في الخلق ، وبعض السذج ظنوا أنهم بمناظرة تلفزيونية هزلية يمكنهم أن يقضوا على مخالفيهم ، فلما أعيتهم الحيلة هبّوا للمباهلة ، ثم تتابعت الأحداث إلى أن منعت كثير من هذه الدكاكين من البث ، وأُخذ الصالح بالطالح ، وأعطوا بسلوكهم الفج ذريعة للمُعادين لكل ما يمت للدين بصلة لكي يتشفوا ويشمتوا بالمسلمين بسبب غباء وجشع هذه القنوات التي اختطفت الإسلام ، فرجعوا يعضون أصابع الندم ، بعد أن توقف ذلك المدد من أموال المشاهدين السذج ، وعادت الحرب التي سعَّروها وبالا عليهم وعلى الأمة ، وصدق عليهم قول الشاعر :
الحربُ أوَّلُ ما تكونُ فَتِيَّةً
تَسْعى بزينتِها لكلِّ جَهُولِ
حتى إذا اشتَعَلتْ وشَبَّ ضِرَامُهَا
وَلَّتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ خَليلِ
شَمطاءَ يُنْكَرُ لونُها وتغيرتْ
مَكروهةً للشَّم والتقبيلِ
فالعاقل لا بد له من النظر في عواقب الأمور والتبصر فيما يمكن تؤول إليه ، حتى لا يقع ما لا تحمد عقباه ، فلا تعود هناك فائدة من الكلام بعد فوات الأوان ، وقد قالت العرب قديما : (شر الرأي الدَّبَرِيّ) وهو الذي يسنح للمرء بعد فوات الأوان ، وقد أخذ الفقهاء قاعدة سد الذرائع الموصلة إلى الفساد من قوله تعالى : ((وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)) وبنوا على هذه القاعدة الكثير من الأحكام الشرعية ، ومَن سعَّروا هذه الحروب الفضائية لم يبالوا بهذه القاعدة ولا اكترثوا لها ، ولم ينظروا إلى ما قد تجره تصرفاتهم على الأمة من الوبال ، ففغروا أفواههم وملأوا أشداقهم بكلام لم يقدِّروا عواقبه ، فأوقعوا الناس في الحرج ، واضطروهم إلى أمور كانوا في غنى عنها ، كما حدث من بعضهم عندما تناولوا بعض مخالفيهم بالسوء ، دون أن يبالوا بما يمكن أن ينتج عن هذا الفعل الأخرق ، فوقعوا ضحية طيشهم ، وسقطوا من أعين العقلاء .
وقد تعود هذه الدكاكين الفضائية للبث مرة أخرى ، ولكنني أكاد أجزم أنها ستعود بغير الوجه الذي غادرتنا به ، ولن تعدم الحجة في تبرير التغير الذي طرأ على سياستها ، وأنها ماضية في أداء رسالتها التنويرية (في جباية أموال المشاهدين) وإن اختلفت الوسائل !! .
فما الحل إذن ؟؟
وبعد كل هذا ، قد يقول قائل : فما الحل إزاء هذه التصرفات ؟
وهو سؤال مشروع بلا ريب ، والمؤمنون حقا يسوؤهم أن يسمعوا بأحد السفهاء وهو يتطاول على القمم السامقة ، أو يشكك في الثوابت ، فهل يُترك وشأنه ويهمل حتى يستفحل الداء ويعز الدواء ، ويعود الأمر الذي كان محصورا في شرذمة قليلة شائعا بين عموم الناس؟
أم نواجهه ونقطع دابره قبل أن يستشري ؟
والجواب عن هذا السؤال طويل ذو شجون ، وقد تختلف فيه أنظار أهل الشأن ، ولا أدعي أنني من أهل الشأن ، ولكن المؤكد – عندي على الأقل – أن معالجة هذه القضايا لا تكون على أيدي سفهاء هذه الفضائيات ، ولا المتاجرين بالدين لأغراضهم الرخيصة ، ولا عشاق الظهور على الفضائيات ، بل يجب أن يعالجها الحكماء والعلماء العقلاء ، الذين يعرفون متى وأين وكيف تقال كلمة الحق ، ويحسنون تقدير العواقب ، أما أن نكون من الجهل بحيث لا نعرف متى نتكلم ومتى نسكت ، فحينها نستحق ما يفعله بنا أعداؤنا .
فعلى الحكماء أن يأخذوا على أيدي السفهاء ويحجزوهم عن سفاهتهم ، وأن لا يتركوهم يعبثون بالأمة ، وإن كانت هناك قضايا خلافية فيجب أن تكون المناقشة حولها في إطار علمي وفي أوساط أهل العلم ، وأن يجنبوا العوام الخوض في المسائل الشائكة، ويقطعوا الطريق على قنوات الفتن ولا يتركوا لها منفذا للتشغيب على العلماء أو تشويش أذهان العوام وشغلهم عن قضايا أمتهم .
وفي الختام ..
هذه كلمة جالت في الخاطر ، وجاشت بها النفس ، حاديها شفقة على هذه الأمة ، وأملٌ أن يبزغ فجر يمحو ظلمتها المدلهمة ، ولا أريد أن يُحمل كلامي على أنني أقصد عموم القنوات الإسلامية ولا كلَّ من شارك في هذه المناظرات ، بل قصدت به فئه معينة ، لعلمي أن هناك من شاركوا بسلامة نية ونقاء طوية ، مدفوعين بعاطفة نبيلة تجاه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها ، فهؤلاء أرجو الله تعالى أن لا يحرمهم أجر ما اجتهدوا فيه ، وأن يوفقنا وإياهم على سلوك نهج الصواب ، حتى لا نقع في حبائل الخبثاء من المدفوعين بشهوة المال أو الشهرة ، وما قلته لا يعدو أن يكون رأيا رأيته ، ولعلي أكون مخطئا فيه فرحم الله من أرشدني إلى الصواب إن كنت مخطئا ، أو دعا لي بالتوفيق إن كنت مصيبا .
((إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب))
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

راشد المهندي
ralmuhanadi@yahoo.com

كُتب في المناهج | التعليقات على ثقافة المناظرات والمباهلات بين الحقيقة والوهم… مغلقة

وانكشفت الأسرار الستة لتركيا

وانكشفت الأسرار الستة لتركيا

ليست هناك أية أسرار خفية للنهوض والنجاح، بل هي إرادة سياسية حقيقية، ورغبة جادة في النهوض

المصريون – د. محمد سعد أبو العزم/ 1 كلنون الثاني 2010

 

بالأمس في لبنان، واليوم في ليبيا، وغدًا في واشنطن.. المتابع للنشاط الخارجي التركي خلال الشهر الجاري، لا بد أن يصاب بالدهشة الشديدة، نتيجة هذه الحركة المحمومة على كافة المستويات لرئيس الوزراء التركي، ووزير خارجيته، وهي التحركات التي يمكن فهمها في إطار الجهود التي تبذلها تركيا لتطوير رؤيتها وسياستها، عن طريق التوظيف الأمثل لموروثاتها التاريخية والجغرافية، ومن خلال الالتزام بستة مبادئ، قدمها لنا وزير الخارجية التركي “أحمد داود أوغلو” في كتابه الذي صدرت ترجمته العربية منذ أيام “العمق الاستراتيجي”، فكانت هي المفتاح السحري لتطبيق سياسة خارجية إيجابية وفعالة، كما أصبحت بمثابة الدليل العملي والمجرب لكل من يريد أن يفهم سر النجاح منقطع النظير للسياسة التركية.

 

المبدأ الأول هو: (التوازن السليم بين الحرية والأمن)، والحقيقة أنه ما لم تحرص دولة من الدول على إقامة ذلك التوازن بين الحرية والأمن بداخلها، فإنها بلا شك ستكون عاجزة عن التأثير في محيطها، كما أن مشروعية النظم السياسية يمكنها أن تتحقق عندما توفر هذه النظم الأمن لشعوبها، مع عدم تقليص حرياتها في مقابل ذلك، وبينما كان العالم يتجه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى تقليص الحريات، فإن نجاح تركيا في تحقيق هذه المعادلة الصعبة بتوسيعها مساحة الحريات، دون أن تغامر بأمنها، أمر جدير بالملاحظة والتقدير، فقد تعرضت تركيا وجهودها من أجل الحفاظ على الحريات لاختبار صعب عام 2007؛ حيث واجهت مخاطر الإرهاب وتهديداته من خلال هجمات حزب العمال الكردستاني، ولكنها تمكنت من اجتياز هذا الاختبار بنجاح، فلم تشهد أي تقليص للحريات بفعل مكافحة الإرهاب، وهو ما يؤكد على أن الديمقراطية هي أفضل قوة ناعمة تمتلكها تركيا.

 

المبدأ الثاني هو: مبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار (أي صفر مشاكل)، وهو مبدأ تتضح نتائجه الإيجابية بجلاء لكل متابع، فعند مقارنة وضع تركيا الآن بما كانت عليه قبل أربعة أو خمسة أعوام، سنجد أن علاقاتها مع كافة الدول المجاورة باتت وطيدة، وأبرز الأمثلة على ذلك علاقاتها مع سوريا، التي وصلت إلى ما يمكن وصفه بالانقلاب في المسار الدبلوماسي، وتوج ذلك بإبرام عدد من اتفاقيات التجارة الحرة بين البلدين، وعلى النحو ذاته طورت تركيا علاقاتها مع “جورجيا” لدرجة أنه أصبح بإمكان تركيا استخدام مطار “باتوم” في “جورجيا” كما لو كانت تستخدم مطارًا من مطاراتها الداخلية، وفي ظل حالة التوتر الدولي تجاه إيران بسبب الملف النووي، حافظت تركيا على علاقاتها معها دون أن يعتريها أي اهتزاز، أما العلاقات مع العراق، التي يستخدم أراضيها حزب العمال الكردستاني في شن هجماته ضد تركيا، فقد تطورت إلى حد كبير، وتم تشكيل مجلس استراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، و يمكن القول إن مبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار قد تجاوز ذاته، إلى مرحلة أرحب تشهد تعاونًا شاملاً مع هذه الدول.

 

أما المبدأ الثالث: فيقوم على (التأثير في الأقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار)، ويمكننا الحديث هنا عن تأثير تركيا في البلقان، والشرق الأوسط، والقوقاز، وآسيا الوسطى، وهو الأمر الذي ظهرت نتائجه بوضوح في كل تلك المناطق، فقادت تركيا مجموعة الدول الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى، وكان لها دور مؤثر وحيوي في الأزمة بين روسيا وجورجيا، كما وطدت علاقاتها مع كل الدول العربية، ووقعت اتفاقيات تجارية، وفتحت الحدود مع الكثير منها، وأصبح ينظر إلى تركيا على أنها اللاعب الإقليمي الأهم، والمنافس الأول لإيران، في التأثير على منطقة الشرق الأوسط.

 

المبدأ الرابع هو: مبدأ (السياسة الخارجية متعددة الأبعاد)، ويرتكز إلى حقيقة أن العلاقات مع اللاعبين الدوليين ليست بديلة عن بعضها البعض، بل هي متكاملة فيما بينها، وهو مبدأ يضع علاقات تركيا الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، في إطار ارتباطها بحلف الناتو، كما يضع جهود تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وسياستها مع روسيا، على ذات الوتيرة من التزامن، باعتبارها علاقات تجري في إطار متكامل، وليست متضادة أو بديلة عن بعضها البعض.

 

والمبدأ الخامس هو: مبدأ (الدبلوماسية المتناغمة)، فعند النظر إلى أداء تركيا الدبلوماسي من زاوية عضويتها في المنظمات الدولية، واستضافتها للمؤتمرات والقمم الدولية، نجد تطورات هامة وجادة إذا ما قورنت بأدائها الدبلوماسي قبل عام 2003، فقد استضافت تركيا قمة الناتو، وقمة منظمة المؤتمر الإسلامي، وأصبحت عضوًا مراقبًا في منظمة الإتحاد الأفريقي، كما تشارك في قمة الاتحاد الأفريقي- الأوروبي، بالإضافة إلى توقيعها على اتفاقية خاصة مع جامعة الدول العربية، لتصبح تركيا لدى الرأي العام العالمي، دولة ذات دور في تأسيس الاستقرار، ليس من أجلها وحسب؛ بل من أجل الدول المحيطة بها أيضًا.

أما المبدأ السادس والأخير فهو: (أسلوب دبلوماسي جديد)، فلفترة طويلة من التاريخ كانت تركيا في نظر العالم دولة جسرية بين الأطراف الأخرى، دون أن تكون فاعلة، فبدت لدى الشرقي دولة غربية، ولدى الغربي دولة شرقية، ولذلك كان من الضروري رسم خريطة جديدة لتركيا تجعلها مرشحة لأداء دور مركزي: “أن تصبح دولة قادرة على إنتاج الأفكار والحلول في محافل الشرق ومنتدياته، رافعة هويتها الشرقية دون امتعاض، ودولة قادرة على مناقشة مستقبل أوروبا داخل محافل أوروبا ومنتدياتها، من خلال نظرتها الأوروبية”، وهذه الرؤية ليست موجهة للدبلوماسيين والسياسيين وحدهم، بل للمثقفين أيضًا، إذ أن الوصول إلى نتائج ايجابية يعد أمرًا مستحيلاً، دون إعادة تهيئة وتطوير نموذج جديد للمواطن التركي، ليصبح الأسلوب الدبلوماسي الجديد أسلوبًا للمجتمع التركي أجمع، ويؤدي ذلك إلى تبلور حالة من التوافق والانسجام بين الإستراتيجية الكبرى للدولة، والاستراتيجيات الصغرى للشركات والأفراد ومؤسسات المجتمع المدني، فبموازاة تبني الدولة سياسات انفتاحية على أفريقيا، قام اتحاد رجال الأعمال الأتراك بعقد قمة لرجال الأعمال الأتراك في أفريقيا، وقامت مؤسسة “الموسياد” التركية بتنظيم اجتماع ضخم لرجال الأعمال في الخليج، كما تقوم نفس المنظمة بأدوار نشطة في الاتحاد الأوروبي، وتشارك هذه الجهود مجتمعة في رسم صورة تركيا الجديدة.

 

إذن.. ليست هناك أية أسرار خفية للنهوض والنجاح، بل هي إرادة سياسية حقيقية، ورغبة جادة في النهوض، والانتقال بتركيا من كونها مجرد دولة جسر صغيرة وعادية، إلى دولة مركز، وهي في طريقها الآن لتصبح قوة عالمية، ولم لا؟ فعندما تتمكن أي دولة من تحقيق المعادلة الصعبة، وتتمكن من الجمع بين الرؤية الواعية للقيادة، مع الإرادة الشعبية، فالنجاح هو النتيجة الحتمية المنتظرة…

كُتب في المناهج | التعليقات على وانكشفت الأسرار الستة لتركيا مغلقة

ماذا نعمل في مواجهة الجراد

ماذا نعمل في مواجهة الجراد
دور “مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا” في

صياغة المشروع الصهيوني لتفتيت الأقطار العربية

إعداد : الدكتور حلمي عبد الكريم الزعبي

تقديم:
أعد هذا البحث مدير عام “الدار العربية للدراسات والنشر” بالقاهرة، الدكتور حلمي عبد الكريم الزعبي، ليكون مرجعاً هاماً لكل من يريد معرفة وإدراك الدور الخطير الذي ينهض به “مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا” في إنجاز عملية الاختراق في الوطن العربي، من خلال قراءة واستقراء خريطة نشاطه وعناوين بحوثه وندواته وورشه البحثية. وتُساعد هذه القراءة، لدور مركز ديان، الباحث أو المسؤول العربي على تلمس سبل معرفة أدوار ومهام هذا المركز وهي تخرج في مضامينها وآفاقها عن العمل الأكاديمي العلمي. حيث يعرض دكتور الزعبي لدور المركز في التنظير لإشاعة ظاهرة التفتيت في العديد من الدول العربية وأنه يضع منطقة المغرب العربي ضمن أولويات نشاطه في المرحلة الحالية والمستقبلية. ثم يعرض بعد ذلك للدور الذي مارسه ويمارسه هذا المركز في شمال العراق وفي جنوب السودان وفي غرب السودان (دارفور)، وكيف أنه وضع معظم الدول العربية على خارطة التفتيت بما فيها مصر، السعودية، سوريا، لبنان، اليمن، الجزائر المغرب الجماهيرية الليبية، ومن ثم كيفية مواجهة الدور الذي يلعبه..
مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية

من بين العناوين الخلاقة لنشاط مركز ديان في الآونة الأخيرة:
1. ندوة حول التركيبة السكانية لدول المغرب العربي وإمكانية اختراقها والعمل على تفكيكها على غرار ما حدث شمال العراق وجنوب السودان.
ومن أجل إعطاء هذه المعالجة “الإسرائيلية” لموضوعة الفرص والإمكانات السانحة لدعم حركات انفصالية تمّت دعوة 18 شخصية أمازيغية مغربية وضمان مشاركتهم في ندوة حول ما سمّي بمشكلة الأمازيغ في دول المغرب وعلى الأخص المغرب والجزائر. ويرى نفر من الباحثين المختصين في الشؤون “الإسرائيلية” أنّ مركز ديان ينطلق في معالجة ما يسمى بمشكلة الأمازيغ في دول المغرب العربي من خلفية نظرية وعملية ساهمت في بدور كبير في تخليق أوضاع في شمال العراق وجنوب السودان وفي الغرب منه (دارفور) تفاقمت وانفجرت على شكل عمليات تمرد قادتها حركات ارتبطت بعلاقات خاصة مع الأجهزة ” الإسرائيلية” وتماس مع مركز ديان.
الصحف المغربية وفي معرض تغطيتها لزيارة الوفد الأمازيغي المغربي لـ”إسرائيل” تحدثت باقتضاب وإيجاز عن التحدي الحقيقي الذي يسهم مركز ديان في تخليقه في منطقة المغرب العربي امتدادا واستكمالا لدور لعبه منذ تأسيسه في المشرق العربي في العراق والسودان وفي لبنان وفي مصر وفي الأردن.
2. ندوة بعنوان “الدولة والمجتمع يتقوضان في العالم العربي”: شارك فيها جمهور واسع من الباحثين “الإسرائيليين” من العاملين في المركز ومن خارجه، هذه الندوة غطت معظم الدول العربية في المشرق مصر والسودان والعراق وسوريا والمملكة السعودية واليمن، وفي منطقة المغرب الجزائر والمغرب والجماهيرية الليبية.
3. ندوة حوا ما سمي حركات التمرد في الدول العربية الحاضنة للجماعات الأثنية والطائفية (الحالتين العراقية والسودانية) وحالات أخرى يمكن أن تنتج وتولّد.
4. ليبيا والمواجهة بين تيارين الأصولية والوطنية وتطورات المستقبل.هل ستواجه ليبيا تحديات التقسيم والتشطير على غرار الحالة السودانية انطلاقا من عوامل مساعدة مفترضة أثنية ومناطقية؟
5. الدول العربية في مواجهة مرحلة الصراعات الداخلية والانزلاق إلى التفتيت السودان العراق اليمن الصومال ولبنان.
وأنجز المركز مئات الأبحاث ومنذ عقد ستينات القرن الماضي التي تمحورت حول ما سمي بالجماعات الأثنية والطائفية في العالم العربي، وعن وجود مجتمعات فسيفسائية يمكن تفكيكها وتقويضها في نطاق نظرية إضعاف العدو وتفتيته مجتمعيا وبشريا يؤدي إلى تعظيم عناصر القوة في الجانب “الإسرائيلي.”
هذه المقولة ظلّ يرددها أول رئيس للحكومة ” الإسرائيلية” هو (دافيد بن جوريون) عندما عرض عليه مشروع تقسيم الأقطار العربية من قبل مهندس التقسيم (أوري لوبراني) الذي كان يشغل منصب مستشاره للشؤون العربية.
عبر دراسة أسلوب تحليل المضمون ومتابعة الندوات والورش والبحوث الصادرة عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط يمكن بسهولة تشخيص الدور الذي يضطلع به هذا المركز والجهات التي تقف خلف نشاطه وعلاقته بالأجهزة الاستخباراتية” الإسرائيلية”.
البنية الفكرية لهذا المركز في المشاريع “الإسرائيلية” تستند على دعامتين:
1. الدعامة الأولى: نظرية إثارة الفتن ودق الأسافين داخل المجتمعات العربية في نطاق إستراتيجية تفتيت المجتمعات والدول وتفكيكها من الداخل عن طريق تأجيج حالات التمرد والصراعات.
2. الدعامة الثانية: التحالف مع ما سمّي بالجماعات الأثنية والطائفية من أجل إسناد ودعم مشاريعها وأجنداتها الانفصالية والتقسيمية.
وقبل الخوض في مفردات وتفصيلات دور مركز ديان في نطاق الإستراتيجية “الإسرائيلية” لا بدّ من العودة إلى خلفية تأسيس هذا المركز، ذلك لأنّ هذه العودة تسهم في إلقاء إضاءات هامة وضرورية لمعرفة المزيد عن نشاط هذا المركز والأدوار التي أداها.
مرحلة التأسيس الأولى: مركز شيلواح للدراسات
في عام 1959 أصدر رئيس المؤسسة المركزية للاستخبارات والمهمات الخاصة (الموساد) (رؤوفين شيلواح) مؤسس الموساد، تعليمات بإنشاء مركز لدراسة الوطن العربي يحمل اسمه لذا فقد سمّي مركز شيلواح وتم ربطه ظاهريا بجمعية الاستشراق “الإسرائيلية”، ثم ربط في عام 1965 بجامعة تل أبيب.
في المرحلة الأولى كان المركز يتكون من عدّة شعب وأقسام مصر والعراق وسوريا وتركزت أبحاثه وأدبياته على إعداد المشاريع البحثية الأساسية غلب عليها الطابع المعلوماتي ثم التحليل لصالح الموساد.
وقد اعتبر المركز حتى حرب حزيران عام 1967 مركز الأبحاث الوحيد في “إسرائيل” لذلك كان التعويل عليه كبيرا وعلى الأخص في صناعة القرار الأمني.
وفي عام 1983 تم تغيير اسمه ليصبح باسم معهد ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا. وعلى إثر ذلك وبشكل تلقائي تمّ توسيع نشاطه وأقسامه البحثية وتطوير بنيته الأرشيفية المعلوماتية.
كان أول مسؤول في إدارة المركز هو البروفيسور (شمعون شامير) الذي كان مسؤولا أيضا عن قسم مصر في المركز، والذي أسندت إليه مهمة تغطية مجمل الأوضاع المصرية العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية قبيل شنّ حرب حزيران (يونيو) 1967.
ويعتبر (شامير) الذي عيّن بعد كامب ديفيد عام 1967 مدير للمركز الأكاديمي في القاهرة ثم سفيرا لإسرائيل في القاهرة واضع سياسة “تحييد دور مصر من ساحة المواجهة” على أساس قراءاته وتحليلاته للاتجاهات والتحولات التي صاحبت تولي أنور السادات الرئاسة في مصر بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عام 1970
المركز في ظلّ التطورات التي شهدها بدأ يضخّ دراساته وتقديرات موقفه وبشكل منظم إلى:
– رئاسة الوزراء/ مكتب رئيس الوزراء
– وزارة الدفاع/ المكتب الخاص.
– وزارة الخارجية /المكتب الخاص.
– الأجهزة الاستخباراتية الثلاثة: الموساد شعبة الاستخبارات العسكرية )أمان) وجهاز الأمن العام (الشافاك) الكنيست.

هذا بالإضافة إلى الأحزاب والمؤسسات الأكاديمية والصحفية مع الإبقاء على الدراسات وتقديرات الموقف والتقارير المعلوماتية المعدة خصيصا للموساد في نطاق محدود وسري للغاية.
دور المركز في التنظير لإشاعة ظاهرة التفتيت في العدد من الدول العربية
كرّس المركز ومنذ بداياته الجهد والوقت من أجل دراسة الأوضاع في عدد من الدول العربية التي تعيش فيها جماعات أثنية وطائفية ومذهبية لتقدّم إلى الموساد مع توصيات بل واستخلاصات تفيد هذا الجهاز في جهوده لإنجاز عمليات اختراق لتلك الجماعات. هذه الدراسات التي تم صوغها من قبل المركز أسهمت أسهاما كبيرا في تمهيد السبيل أمام التحرك الإسرائيلي في شمال العراق نحو الأكراد، وجنوب السودان مع ما كان يسمى الجيش الشعبي.
وللدلالة على ذلك فإنّ قسم العراق الذي تتولاه (عوفرا بانجو) العراقية الأصل وكذلك قسم السودان الذي تتولاه (يهوديت رونين) قد وضعا أهداف تقسيم هذين البلدين وفصل الشمال العراقي والجنوب السوداني في المقام الأول من جهودهما ومحط اهتمام رئيسي.
التحليل العام في عمل هذا المركز والمراجع التي تدعمه وتموله تظهر أنّ المركز وعلى ضوء تشخيصاته الدقيقة للوضع في شمال العراق وجنوب السودان كان دافعا للموساد والأجهزة الإسرائيلية الأخرى للتحرك إلى منطقة كردستان وجنوب السودان ونسج علاقات بحركة التمرد الكردية التي قادها البرزاني الأب ثم الابن وكذلك حركة التمرد في جنوب السودان برئاسة (جون جرانج). المركز شخّص ما وصف بالثغرات هناك التي يمكن النفاذ منها وذلك منذ سبعينات القرن الماضي.
من مراجعة وتقييم دور المركز والإشادة بهذا الدور من قبل القيادتين الأمنية والسياسية “الإسرائيلية” على ضوء ما أنجز في شمال العراق قيام الكيان الكردي وما يوشك أن ينجز في جنوب السودان الانفصال وإقامة دولة الجنوب تبين لنا حجم هذا الدور وفاعليته، وهو ما استحق الإشادة والتثمين والتقدير من قبل عدة مسؤولين في “إسرائيل” نذكر من بينهم على سبيل المثال وزير الخارجية (أفيجدور ليبرمان) و(دان مريدور) وزير الاستخبارات و(مائير دجان) رئيس الموساد وقيادات أخرى.
تعدد مراكز الأبحاث في “إسرائيل” لم يقلل من أهمية دور مركز ديان وعلى الأخص في استقراء الأوضاع العربية

في السنوات الأخيرة تجاوز عدد مراكز البحوث السياسية والإستراتيجية العامة والخاصة في” إسرائيل” الثلاثون. وقد ظهر بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973 مركز منافس لمركز ديان هو مركزي يافيه للدراسات الإستراتيجية بجامعة “تل أبيب” وتولى رئاسته الجنرال (أهارون ياريف) رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية.
لكن ذلك لم يؤثر على مكانة المركز لكون مركز يافيه قد أفرد نشاطه البحثي لخدمة المؤسسة العسكرية دراسات وتقديرات موقف إستراتيجية وعسكرية لذلك كان معظم الباحثين الإستراتيجيين العاملين فيه هم من تخرجوا من المؤسسة العسكرية أي ضباط احتياط. وأهم المراكز الجديدة التي ظهرت خلال العقدين الأخيرين:
– مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية جامعة بار إيلان
– معهد أبحاث الأمن القومي وهو يحتل المكانة الأولى من حيث أهميته وأهمية دوره.
– معهد ملام لأبحاث الاستخبارات
– مركز القدس للشؤون العامة والدولة
– معهد الدراسات العربية بجامعة حيفا

منطقة المغرب العربي ضمن أولويات نشاط المركز في المرحلة الحالية والمستقبلية
رغم المنافسة التي يلقاها مركز ديان من قبل المراكز” الإسرائيلية “الجديدة إلا أنّه مازال في صدارة الموقع من حيث نشاطه وعمله وصياغة المشاريع التي تخدم الإستراتيجية ” الإسرائيلية” في المنطقة العربية. في البداية كان هذا الدور الذي أدّاه مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط يركز على منطقة المشرق العربي والتركيز على بؤرتين أساسيتين للتفتيت:
1. الأولى: منطقة كردستان في شمال العراق.
2. الثانية: جنوب السودان.
ومما يجدر التنويه به هنا إلى أنّه كانت هناك بؤر أخرى مثل لبنان وسوريا ومصر، لكنّ التأكيد جرى على البؤرتين العراقية والسودانية بوصفهما “بؤرتين مختمرتين لإنجاز عملية التفتيت” بعد فشل الجهود التي اتجهت إلى البؤرة اللبنانية على إثر اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، هذا دون إهمال الساحة المصرية ودون تراجع عن إنتاج حالة على غرار الحالة العراقية والسودانية في دول عربية أخرى وعلى الأخص لبنان.
المركز وبإيعاز من عدّة هيئات أمنية واستخباراتية وسياسية إسرائيلية قرّر التوجه إلى منطقة المغرب العربي، هذا القرار منشأه المؤسسة الاستخباراتية، كما ذكر رئيس قسم دول شمال إفريقيا في المركز (جدعون جرا) الحاصل على أطروحة الدكتوراه بعنوان: كيف يحكم العقيد القذافي في ليبيا؟”.
على ضوء هذا التكليف بدأ مركز ديان ومنذ عام 2005 وبعد صياغة مشروعه الذي اعتمد من قبل المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية يقوم بأنشطة عن دول المغرب العربي يمكن أن تشكّل إسهاما في دعم تحرك الأجهزة المسؤولة عن إنجاز عملية التفتيت يلخصها الباحث العربي من الداخل الدكتور علي سلمان:
1. إعداد سلسلة من الأبحاث والدراسات عن دول المغرب بالإضافة إلى الندوات والورش.
2. الاستقطاب داخل ليبيا بين نظام القذافي القومي والبرجماتي وبين الاتجاهات الأصولية.
3. الشرق الليبي وحركة تحرير التبو هل هي بداية التمرد على غرار حركات التمرد في جنوب السودان ودارفور؟.
4. ماذا بعد القذافي ومن بعد القذافي؟
5. هل تواجه ليبيا تحديات داخلية ومن دول الجوار؟
6. تعثر النظام السياسي في الجزائر.
7. المشكلة الأمازيغية في المغرب والجزائر أبعادها وتطوراتها المحتملة.
8. العلاقة التاريخية بين اليهود والأمازيغ في منطقة شمال إفريقيا.
سلسلة طويلة من الدراسات والأبحاث والندوات رعاها ونظمها المركز عن أوضاع منطقة المغرب العربي تصب كلّها في خدمة المشروع التفتيتي “الإسرائيلي”. أمّا الأنشطة الأخرى التي أطلقها مركز ديان فأهمها:
1. العمل على إقامة لجان صداقة أمازيغية “إسرائيلية “في كل من “إسرائيل” والمغرب.
2. تنظيم ندوات وفعاليات حول ما سمّي بالمشكلة الأمازيغية يدعى إليها مشاركون أمازيغ من المغرب ومن الجزائر ممن يعيشون في فرنسا وبلجيكا وكذلك من ليبيا.
3. تنسيق جهود المركز مع منظمات يهودية ومحلية في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والولايات المتحدة وكندا لرعاية مناسبات ثقافية وحتى سياسية في الخارج.
4. تسويق مواد دعائية كتيبات وكراسات ومنشورات تحرض على التمرد والعنف وتتحدث بكثير من المبالغة عن وجود استياء عام في الجزائر والمغرب وليبيا، ووجود ثغرات يمكن أن توظف ومشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية يمكن أن تستغل لتبرير التمرد والعصيان.

مواجهة دور مركز ديان والمراكز “الإسرائيلية” الأخرى في فرض تحدي التفتيت
في حديثنا عن دور مراكز البحوث “الإسرائيلية” ونشاطها كان ولا يزال لدور مركز ديان نصيب الأسد في نطاق إستراتيجية التفتيت.
الفضل فيما حدث ويحدث في شمال العراق وفي جنوب السودان وفي غرب السودان (دارفور) يعزو إلى هذا الدور الذي مارسه ويمارسه هذا المركز، الذي وضع معظم الدول العربية على خارطة التفتيت بما فيها مصر، السعودية، سوريا، لبنان، اليمن، الجزائر المغرب الجماهيرية الليبية.

المركز يستمد هذا الزخم في عمله من عدّة مكونات:
1. دعم غير محدود من قبل الهيئات الأمنية والسياسية “الإسرائيلية” وكذلك من قبل منظمات المجتمع المدني” الإسرائيلي” والجامعات والأحزاب.
2. دعم أمريكي هائل لنشاط المركز نظرا لتقاطع برامجه مع برامج أمريكية على مستوى الإدارة وعلى مستوى مراكز البحوث والأحزاب وحركات إيديولوجية ودينية، وعلى الأخص في صياغة مشروع التفتيت للوطن العربي.
3. هذا المركز يحظى أحيانا بدعم عربي غير مباشر عن وعي أو دون وعي مثل السماح لوجود واجهات للمركز مثل المركز الأكاديمي في القاهرة وفي الأردن ثمّ في لإفساح مساحات في بعض الفضائيات العربية لباحثين فيه للإدلاء بدلوهم للترويج للمشروع التفتيتي وفي التطاول على كل من يغار ويصون كرامة هذه الأمة ومصالح الوطن العربي مثل قناة الجزيرة والعربية التي تجري بين الفينة والأخرى مقابلات مع (أيال زايسر) رئيس قسم سوريا ومدير المركز، و(دان شفطون) رئيس قسم الأردن وغيرهم.
كان من المنطق والحكمة بل والمصلحة أن تناط بمراكز الأبحاث في بعض الأقطار العربية أدوار فاعلة في مواجهة التحديات التي تحدق بالوطن العربي ومقابلة تحدي التفتيت “الإسرائيلي” بتحدي مضاد عن طريق صياغة إستراتيجية عربية لتفتيت مجتمع التجمعات اليهودية في فلسطين المحتلة المتشكل من 75 مجموعة بشرية مستوردة من الخارج متباينة في ثقافاتها ولغاتها وفي أنماط حياتها وعاداتها وتقاليدها وسلوكها.
يمكن تشخيص وتصنيف مراكز الأبحاث في الوطن العربي على النحو التالي:
1. مراكز بحوث تمارس وظيفة التطبيع مع “إسرائيل “والترويج لثقافة الأسرلة عن طريق التعاون مع مراكز الأبحاث “الإسرائيلية” من بين هذه المراكز:
– مركز الشرق الأوسط في القاهرة التابع للمخابرات العامة المصرية الذي يتولى مهمة عقد اللقاءات والاجتماعات بين مستويات سياسية “إسرائيلية” ومصرية، والذي يرأسه اللواء أحمد عبد الحليم الذي يمضي من وقته في “إسرائيل” أكثر مما يمضيه في مصر.
– مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية الذي يترأسه الدكتور عبد المنعم سعيد أحد أركان التطبيع وعضو لجنة الصداقة المصرية “الإسرائيلية”.
– مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية الذي يشترك مع مراكز أبحاث “إسرائيلية” في إنجاز مشاريع بحثية تؤول إلى الجهات “الإسرائيلية” للاستفادة منها.
2. مراكز بحوث تمول من جهات خارجية أمريكية وأوروبية وحتى “إسرائيلية.”
3. مراكز بحوث مستقلة ولكنها تغرق في محيط من الإحباطات الناجمة عن المقيدات والمحدوديات المالية أو في مجال الكوادر الكفوءة وفي ذات الوقت الكوادر الوطنية.

المواجهة الفاعلة والمقتدرة ضد التحرك “الإسرائيلي” المقنع بالقناع الأكاديمي والبحثي لا ينبغي أن يرتكز على الجهد الأمني والسياسي وحسب، بل في إطلاق العنان لمراكز الأبحاث الجادة والأمينة العامة والخاصة في العالم العربي للقيام بدورها ليس فقط في تشخيص التحديات بل في المشاركة في وضع الحلول والخيارات المواجهة.

نشاطات المركز:
1. الأبحاث.
2. المؤتمرات والمحاضرات.
3. برنامج سليمان ديميريل.
4. برنامج السياسة العربية في” إسرائيل.”
5. منتدى الشرق الأوسط.
6. الخدمة العامة.
7. مركز موشي دايان في الخارج.
8. المنح الدراسية والتدريب الداخلي.

الباحثون:
1. سمير بن العياشي: باحث في الشؤون المغاربية.
2. عوفرا بانجو: رئيسة قسم العراق.
3. يوسف كوستنير: رئيس قسم دول الخليج.
4. إفرايم لافي: باحث في الشؤون الفلسطينية.
5. بروس مادي وايتزمان: خبير في الشؤون المغاربية وخاصة الأمازيغ.
6. دافيد منشري: خبير في الشؤون الإيرانية.
7. عاموس نادان: خبير في شؤون الشرق الأوسط.
8. إتمار رابينوفيتش: باحث في الشؤون السورية ورئيس قسم سوريا سابقا وأحد أعضاء الوفد الإسرائيلي المفاوض مع سوريا.
9. إيلي ريخس: باحث في شؤون عرب 48.
10. بول ريفلن: خبير في شؤون اقتصاديات الشرق الأوسط.
11. يهوديت رونين: باحثة في الشؤون السودانية والإفريقية.
12. أرييه شمويليفيتز: مختص في شؤون الشرق الأوسط.
13. آشر سسار: خبير في الشؤون الأردنية .
14. مردخاي تمركين: خبير في الشؤون الإفريقية.
15. جوشوا تيتلبوم: خبير في شؤون منطقة الخليج.
16. إيستر وبمان: باحثة في الشؤون الإسلامية.
17. مايكل ونتر: خبير في الشؤون المصرية.

المراجع:
اعتمدنا في إعداد هذا البحث على عدة مصادر:
1. أدبيات مركز ديان التي تصدر بشكل منتظم وغير منتظم.
2. الدكتور حامد ربيع: “دور مراكز البحوث “الإسرائيلية” في صناعة القرار السياسي “الإسرائيلي””.
3. البروفيسور شمعون شامير، محاضرة في المركز الأكاديمي “الإسرائيلي” في القاهرة في شهر يونيو 1984 عن أهمية دور مركز ديان في الاتصالات المصرية “الإسرائيلية” بعد حرب 73.
4. الدكتور علاء سالم: “دور مراكز البحوث “الإسرائيلية” في عملية الاختراق الثقافي والمجتمعي- حالة مركز ديان” التقرير السياسي والاقتصادي العدد 62 شهر أيار (مايو) 2002.
الملاحق:
مركز موشيه ديان هو أقدم وأكبر مؤسسة من نوعها في الكيان الصهيوني على مر السنين ، وقد لعب دورا كبيرا في إلقاء الضوء على منطقة الشرق الأوسط، من خلال الإصدارات والبحوث والمؤتمرات والوثائق والخدمة العامة. يشرف على مركز ديان مجلس أمناء “إسرائيلي”، بناء على مشورة من الهيئة الدولية للمشرفين. وهو يدار من قبل مدير الأكاديمية الدكتور (أيال زايسر). ويتم تمويل المركز من قبل الجامعة، والوقف ، والمنح البحثية ، والمساعدات الحكومية والخارجية.

المركز العربي للدراسات والتوثيق المعلوماتي
المصدر: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، إصدار خاص، 3/11/2010
ــــــــ
*مدير عام “الدار العربية للدراسات والنشر” بالقاهرة

كُتب في المناهج | التعليقات على ماذا نعمل في مواجهة الجراد مغلقة

نقد للفكر الغربي بمنهج علمي

د. جعفر شيخ إدريس
المنهج العلمي الذي نريد إتباعه في نقدنا هذا هو منهج كان قد اتبعه علماؤنا السابقون الذين تعرضوا لنقد مخالفيهم من المسلمين وغير المسلمين، علماء من أمثال ابن حزم والغزالي والشهرستاني وابن تيمية وغيرهم.

مما تميز به هذا المنهج:

أولا: أن أصحابه كانوا حريصين على أن يقرروا أقوال مخالفيهم كما هي فلا يزيدون عليها ولا ينقصون منها. وهذا أمر مهم لأن الذي يحرف كلام خصمه لا يكون قد انتقده بل انتقد شخصا اخترعه من خياله. وهذا أمر قد يزيد الخصم إصراراً على رأيه الذي يراه الناقد باطلا، وقد يكون فيه تضليلا للذين يثقون بالناقد فيظنون أن ما قاله عن خصومه حق. من أمثلة ذلك ما فعله الشهرستاني.

ثانيا: كان من القواعد التي التزموا بها أن لازم القول ليس بقول. وعنوا بذلك أنه لا ينسب إلى الخصم قول يلزم لزوما عقليا عن قوله ما دام هو لم يصرح به. من أوضح الأمثلة على ذلك قول المعتزلة إن الإنسان يخلق أفعاله الاختيارية. يلزم عن هذا القول أن هنالك أشياء لا يخلقها الله تعالى، وهذا مخالف لقوله تعالى {الله خالق كل شيء} فهل نقول إن المعتزلة ينكرون هذه الآية؟ كلا لأنهم لم يصرحوا بشيء كهذا.

ثالثا: كانوا يميزون بين ما في كلام الخصم من حق وما فيه من باطل فينتقدون الثاني ويزيفونه ولا يترددون في إقرار الأول. من أمثلة ذلك ما قاله الإمام الغزالي في مقدمة كتابه تهافت الفلاسفة. قال -رحمه الله-: «القسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين، وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل منازعتهم فيه».

ثم ذكر مثالاً على ذلك بكسوف القمر ثم قال: «وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض. ومن ظن أن إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضعّف أمره، فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابية لا يبقى معها ريبة فمن يطلع عليها ويتحقق أدلتها… إذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع، لم يسترب فيها وإنما يستريب في الشرع. وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه. وهو كما قيل عدو عاقل خير من صديق جاهل».

رابعا: وكان منهم من ينتقد دعاوى المخالفين نقدا عقلانيا بحتا كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه التي رد فيها على المخالفين ككتاب (الرد على المنطقيين) وككتابه الكبير المسمى (درء تعارض العقل والنقل).

خامسا: وكان الكثير منهم يقارن بين الأفكار التي ينتقدها ليبين أنها رغم بطلانها فإن فيها ما هو أقرب إلى الحق من غيره.

سادسا: ومما لا شك فيه أنهم كانوا يقارنون بين الفكر الذي ينتقدونه والقول الحق الذي يعتقدونه. لكن هذه المقارنة أيضا كانت عند الكثيرين منهم مبنية على حجج وبراهين.

سابعا: مما يتطلبه هذا المنهج العلمي بيان الآثار المترتبة على الأقوال حسنة كانت أم سيئة.

نقول أخيراً:

إن هنالك أمراً يجب التنبيه إليه هو أن التزام المنهج العلمي لا يعصم من الخطأ حتى في العلوم الطبيعية. ولذلك تجد الملتزمين به يرد بعضهم على بعض ليبين خطأه ويبين الصواب الذي اعتقده. وهذا ما كان يفعله أولئك العلماء المسلمون.

قد يقول قائل ما فائدة المنهج العلمي إذن؟ نقول: فائدته أولا أنه وإن كان لا يعصم من الأخطاء إلا أنه يقللها. وفائدته ثانيا أنه يمكن المختلفين من التحاور والرجوع إلى الحق.

سنحاول إذن أن نلتزم بهذا المنهج العلمي في تناولنا للفكر الغربي، وسنركز على جوانبه الجوهرية وجوانبه التي كان لها وما يزال تأثير كبير على المسلمين. سنحاول أن نبين مدى موافقة هذا الفكر وهذه القيم الغربية للإسلام ومدى مخالفتها له.

الفكر الغربي

من البدهي أننا لن نستطيع أن نتعرض للفكر الغربي كله عرضا أو نقدا في هذا المقال القصير. ولهذا فسنكتفي بما نراه أصولا لهذا الفكر وعلى جوانبه المؤثرة في المسلمين حاليا أو ما نظنه مستقبلا. ولن نركز كثيرا على شرح الفكر فإن كثيرا منه معروف، لكننا سننشغل بنقده بذلك المنهج العلمي، وبمقارنته بحقائق الدين الإسلامي والفكر الإسلامي.

في الفكر الغربي تياران كبيران أحدهما هو التيار الغالب في المؤسسات والشخصيات الأكاديمية ولاسيما في أوربا. وهو الفكر الذي بدأ في القرن الثامن عشر وانتشر في أوربا كلها ثم في أمريكا، وهو الفكر الذي سماه أصحابه بالفكر التنويري والذي غلب عليه الصدام مع الدين.

والتيار الآخر هو التيار المحافظ الذي ظل مرتبطا بالدين النصراني نوعا من الارتباط والذي ما يزال له تأثير كبير على السياسة ولاسيما في الولايات المتحدة.

لكن الفكر الغربي كانت وماتزال فيه تيارات مخالفة لهذين التيارين الغالبين كتيار الفكر الماركسي، ثم إن كونه غربيا لا يعني أنه الفكر الذي يسير في ضوئه كل الغربيين إذ أن من الغربيين من ظل منتميا إلى الدين كما قلنا، ومنهم من أنكر أساس هذا الفكر بفطرته.

ما الحركة التنويرية؟ Enlightenment

سمى الغربيون الفكر الجديد هذا بالفكر المستنير وسموا عهده بعهد العقل (Age of Reason) واعتقدوا أن العقل هو الذي يمثل المشروعية والمرجعية النهائية في كل نواحي الحياة البشرية من أخلاق وسياسة واقتصاد وعلوم طبيعية واجتماعية وقضايا دينية وفلسفية.

ولما كان استعمال العقل والاعتماد عليه يقتضي أن يكون الإنسان حرا لا تقيده قيود تشل تفكيره وتعبيره فقد ركزوا تركيزا كبيرا على قضية الحرية.

ولما كان هذا الاتجاه العقلاني رد فعل للتقليد الذي كان سائدا في مجال الدين والفلسفة بل وحتى العلوم الطبيعية، فقد تميز بحدة نقده للأفكار المتوارثة وتشجيعه للناس عامة بأن يستعملوا عقولهم ويحرروا أنفسهم من التبعية العمياء، وكان يهدف لذلك إلى إعطاء عامة الناس حرية أكبر تتمثل في ما أسموه بحكم الذات والحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي والربوبية الطبيعية أو الإله الطبيعي.[1]

وقد كانت هذه المبادئ ثورة على اللاهوتية والأليكاركية (حكم الأقلية) والارستقراطية والقانون الإلهي للملوك. لقد كان عهد التنوير عهدا مفارقا للقرون الوسطى التي تميزت بالسلطة الدينية والاقتصاد الموجه، والرقابة على الآراء، إلى عهد الكلام العقلاني والتقويم الشخصي والجمهورية واللبرالية والطبيعية[2] naturalism والمنهج العلمي والحداثة.

ولما كانت التنويرية حركة اشترك فيها عدد كبير من المفكرين فإنها لم تكن تمثل فكرا واحدا متسقا، بل كان هنالك تناقض بين أقوال مؤسسيها. لكن المبدأ الذي كان يجمعهم هو عدم التسليم بالموروثات الدينية والفلسفية وغيرها، والتشكيك فيها ونقدها نقدا عقلانيا كما يتصورون.

في التنويرية القليل مما هو حق ومفيد والكثير مما هو باطل وضال. وكثير من هذا الأخير كان بسبب الظروف الخاصة بأوربا.

إذا كان المنتمون إلى الحركة التنويرية مختلفين بل متناقضين كما تقول مراجع هذا الفكر، فإن منهم من كان أكثر شهرة وتأثيرا من غيره. من هؤلاء الفيلسوف الألماني الشهير عمانيويل كانت. سنبدأ بما كتبه في مقدمة مقال له بعنوان (إجابة عن السؤال:ما التنويرية؟) الذي تقول المراجع إنه كان من أكثر كتاباته ذيوعا وتأثيرا؟

يقول (كانت)، وأنا هنا أترجم عن إحدى الترجمات الانجليزية المنشورة على الشبكة:

«إن التنويرية هي خروج الإنسان من عدم النضح الذي فرضه على نفسه. عدم النضج هو عدم مقدرة الإنسان على أن يستعمل فهمه من غير إرشاد من غيره. يكون عدم النضج هذا مفروضا على الإنسان من نفسه عندما لا يكون سببها عدم الفهم ولكن عدم العزيمة والشجاعة في أن يستعملها من غير إرشاد من غيره. “لتكن لك الشجاعة على استعمال فهمك.” هذا هو شعار التنويرية».

هذا في مجمله كلام صحيح لا يعترض عليه المسلم، بل يجد له أصلا في دينه وكلام علمائه كما سنبين، لكنّ هنالك فرقا بين أن يعطل الإنسان عقله ويعتمد على غيره في فهمه، وبين أن يستعين بغيره على الفهم. الأول هو المذموم وأما الثاني فلا يمكن أن يكون فهم مستقيم إلا به، وإلا كان على كل إنسان أن يبدأ من جديد كلما أراد أن يفكر في أمر من الأمور.

لكن كانت كما يقول أحد مقدمي مقاله هذا كان كسائر التنويريين يعني بهذا الاستقلال أن لا يعتمد الإنسان على تشريع ديني بل ولا حتى على إرادة الله تعالى[3].

وإنما يعتمد فقط على عقله لأن العقل مكون بطريقة تمكن صاحبه من الوصول إلى الحقائق بغير استعانة بتلك المراجع الدينية.

هذا الاعتقاد الذي ساد كما ذكرنا في القرن الثامن عشر كان فيما يبدو لي الأساس الذي اعتمدت عليه كل أنواع الفكر الغربي في كل نواحي الحياة تقريبا سواء في ذلك ما كان منها حسنا وما كان سيئا. فالدعوة إلى اعتماد الإنسان على نفسه في الفهم قادت إلى الفردية ثم إلى الأنانية. وكانت أيضا سببا في الدعوة إلى المساواة ثم الدعوة إلى أن يكون الناس هم الحاكمين لأنفسهم لا يعتمدون في ذلك على رضى ربهم ولا على تشريع منزل من عنده، ولا يرضون بأن يكون الحكم ملكيا أو حكم قلة.

وهذا هو الذي دعاهم لأن يعودوا إلى الحكم الديمقراطي الذي كان سائدا في أثينا لفترة من الزمان. وعدم الثقة بالأديان وكثرة النقد الموجه لها أدى إلى التسامح الديني، لأنه إذا كان كل دين مشكوكا في صحته، فما مسوغ شدة الخلاف بسببه، وما مسوغ امتناع أي أحد في أن يختار منه ما شاء؟ وقد اغتر كثير من الغربيين بالدعوة إلى الاعتماد على العقل فلم يميزوا بين استعمال العقل والسير مع الهوى، بل حسبوا أن كل ما يخطر ببال أحدهم مما يراه محقق لما يظن أنه مصلحة أو ما يراه مشبعا لما هو شهوة إنما هو دليل على استقلاله واعتماده على عقله.

لماذا وقف التنويريون من الدين ذلك الموقف شبه العدائي؟

لهذا سببان:

أولهما: الاستكبار فكثير من الناس لا يريد أن يكون لله تعالى سلطان عليه ولا تشريع يلزمه به وهذا أمر قديم. فالقرآن يذكرنا بأن بعض الناس كانوا رغم اعترافهم بوجود الخالق ينكرون أن يكون سيبعثهم فيحاسبهم أوأن يرسل لهم رسلاً يأمرونهم وينهونهم. ولأمثال هؤلاء قال الله تعالى: )أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى( [القيامة: 36 ـ40]

أما السبب الثاني: فهو أن هؤلاء التنويريين وكثيرين غيرهم من غير المسلمين لم يجدوا بين أيديهم كتباً منزلة صحيحة يعتمدون عليها بل اكتشفوا بعقولهم أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون وحيا من الله تعالى. لكن الذي يؤخذ عليهم أنهم لم يبحثوا عن الدين الصحيح، بل اعتقدوا كما لا يزال يعتقد الكثيرون منهم أن الدين الوحيد هو دينهم فإذا ثبت بطلانه فكل دين سواه باطل. وهذا ما حدث في عصرنا لرجل قال عن نفسه في كتاب له عن تجربته مع دراسة ما يسمونه بالكتب المقدسة. قال: مما لا شك فيه أن تلك الدعوة إلى استعمال العقل كانت لها آثار حسنة. فهي التي خلصت الناس من تبعية كانت لآراء أرسطوطاليس حتى في المسائل الطبيعية. وهي التي خلصتهم من الخرافات التي كانت مرتبطة بالدين، كما خلصتهم من التبعية العمياء لرجاله الجهلاء.

وإذا كانت الحركة التنويرية قد بنيت على أساس التعارض بيه العقل والدين فإن المسلمين لم يجدوا في كتاب ربهم ما يدعوهم إلى مثل هذا القول. إنهم يقرؤون كتاب ربهم فيجدون أنه يصف الكفار، لا المؤمنين بعدم الالتزام بالعقل. وهذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية يكتب أكبر كتبه في عدم التعارض بين الشرع والعقل[4] لكن الشيخ لخص موقف علماء المسلمين من علاقة العقل بالشرع تلخيصا وافيا في قوله في كتاب آخر: وأما أئمة أهل السنة كالصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم من أئمة المسلمين، فهؤلاء أتوا بخلاصة المعقول والمنقول، إذ كانوا عالمين بأن كلا من الأدلة السمعية والعقلية حق، وأنها متلازمة. فمن أعطى الأدلة العقلية اليقينية حقها من النظر التام علم أنها موافقة لما أخبرت به الرسل، ودلته على وجوب تصديق الرسل في ما أخبروا به. ومن أعطى الأدلة السمعية حقها من الفهم علم أن الله أرشد عباده في كتابه إلى الأدلة العقلية اليقينية التي بها يعلم وجود الخالق وثبوت صفات الكمال له…

إلى أن قال: فدل على أن مجرد العقل يوجب النجاة، وكذلك مجرد السمع. ومعلوم أن السمع لا يفيد دون العقل، فإن مجرد إخبار المخبر لا يدل إن لم يعلم صدقه، وإنما يعلم صدق الأنبياء بالعقل.

لكن المؤسف حقا أنه في الوقت الذي كانت فيه هذه الحركة التنويرية تدعو الناس في الغرب إلى استعمال عقولهم، وكانت بلا شك من أسباب نهوضهم، كان العالم الإسلامي قد وصل إلى ما يقرب من درجة الحضيض في التبعية والتقليد وقبول الخرافات. ولا بد أن هذا كان سبباً بل ربما كان السبب الأساس في تخلفه بالنسبة للغرب.

لكن الأمر الذي أراه غريباً ومحيراً هو تأثر بعض علمائنا بمسألة التعارض بين العقل والشرع حتى صاروا يصفون بالعقلانية أو بصاحب المذهب العقلاني كل من يرون فيه انحرافاً عن الدين الحق. مع أنك تقرأ كتاب الله تعالى كله من أوله إلى آخره فلا تجد فيه أن الله تعالى عزا ضلال أحد إلى اعتماده على عقله، وإنما يعزو ذلك إلى إتباعه لهواه. وقد بين الله سبحانه وتعالى ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى:

)فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( [القصص:50]

القيم الغربية

يلاحظ على حديث معظم الغربيين عن القيم الغربية ما يلي:

أولا: أنهم يدخلون فيها كل ما هو سائد عندهم اليوم في مجال السياسة أو الاقتصاد أو الحياة الاجتماعية أو الدين أو غير ذلك من غير تمييز بين ما هو من خصائصهم وما هو أمر مشترك بينهم وبين غيرهم، وما هو أمر عابر يوشك أن يتغير. تراهم لذلك يدخلون في ما يسمونه بقيمهم أشياء مثل:

الحرية الفردية التي صارت تشكل حرية كل أنواع الاتصالات الجنسية بين المتراضين، الديمقراطية، حكم القانون، المحاكم العادلة، الانتخابات، القيم الخلقية، التسامح الديني، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حق السفر.

ثانيا: القيم التي يعتزون بها هي كما قال بعضهم قيم انتقائية لا ذكر فيها لأمور مثل الشمولية التي نشأت أول ما نشأت في الغرب، ولا للاسترقاق الذي استفحل أمره في الغرب وبقي لمئات السنين.[5]

ثالثا: ولا يفرق معظمهم بين ما هو قيم غربية بمعنى أنها نشأت وترعرت في الغرب، وبين ما كان مصدره غير غربي.

رابعا: إذا ما تكلم بعضهم عن القيم الإسلامية فإنهم لا يفرقون بين ما هو حاصل في البلاد الإسلامية وبين ما هو من الدين الإسلامي.

خامسا: أن دعاتها لا يعترفون بفضل الإسلام على الغرب، وربما كانوا جاهلين به. لكن بعضهم يعترف بهذا الفضل. هاهو كاتب في جريدة بريطانية يقول:

إن معرفة بالإسلام حتى لو كانت سطحية تكشف عن تاريخ طويل من التطور العلمي، وأهمية العقل، والتسامح الديني، وحكم القانون. لما ذا يعتقد الناس الآن أن هذه المبادئ المهمة إنما هي حقوق طبع محفوظة لفترة من فترات التاريخ الأوربي؟[6]

وهذا كاتب غربي آخر يكتب مقالا بعنوان (درس في الإنسانية للغرب المغرور) يقول في بداية مقاله:

إن كثيرا من القيم الغربية التي نعتقد أنها متفوقة جاءت من المشرق وغرورنا الأعمى يضر بمكانتنا في العالم.

ثم يمضي الكاتب ليقول إنه يعيش في دلهي بالقرب من بقايا العاصمة المغولية التي بناها الإمبراطور أكبر نهاية القرن السادس عشر. ويقول إنه في هذه العاصمة كان أكبر ينصت باهتمام إلى ما يقوله الفلاسفة والصوفية والعباد من كل ملة وهم يتناظرون في مزايا معتقداتهم وهو ما يعد أول تجربة في المحاورة الرسمية بين الأديان.

ثم يقول: إن هذا كله حدث في الوقت الذي كان اليسوعيون يشنقون في لندن ويقطعون أرباعا في تايبم في اسبانيا والبرتقال. لقد كانت محاكم التفتيش تعذب كل من يتحدى معتقدات الكنيسة الكاثوليكية. لقد كان (أكبر) رجلا واحدا تمثلت فيه كل القيم التي ندعي نحن في الغرب أنها قيمنا[7].

سادسا: صار الكثيرون من الغربيين في زماننا هذا يدعون أن قيمهم ليست قيما غربية أو أوربية فحسب كما كانوا يقولون في الماضي، وإنما هي قيم إنسانية صالحة لكل البشر. والكثيرون منهم يدعون هذا لمجرد تسويغ تدخلهم في شؤون الشعوب الأخرى. ما الدليل على أنها قيم إنسانية كما يدعون؟ إن الدليل إما أن يكون بكلام نعلم بيقين أنه كلام الله، وإما أن يكون بأدلة من العلوم الطبيعية أو النفسية. ولا نعلم في ذاك ولا في هذا ما يشير إلى أن أشياء مثل إباحة الشذوذ هي قيم إنسانية صالحة لكل الناس في كل زمان ومكان.

سابعا: لكن ينبغي الاعتراف بأن القيم الغربية، حتى ما كان منها من باب الانحراف، بل ولاسيما ما كان منها من هذا الباب بدأت تنتشر انتشاراً واسعا في العالم بما في ذلك العالم الإسلامي. خذ مسألة أزياء النساء مثلا. إن ما تلبسه المرأة مبني في الثقافات الجاهلية كلها بما فيها الثقافة الغربية على أساس جذب أنظار الرجال. هذا كلام يقوله بالنسبة للغرب بعض قائدات ما يسمى بالحركة النسوية، يقلنه لا موافقة له بل اعتراضا عليه لأنهن يردن للمرأة أن تكون مستقلة عن الرجال. وهو ما تقوله بعض اللائي من الله عليهن بالإسلام. أذكر أن إحداهن قالت بعد أن تحجبت كلاما فحواه أن تلك كانت أول مرة تشعر فيها أنها لبست شيئا لنفسها لا للرجال.

والنساء عندنا في العالم الإسلامي انقسمن ثلاثة أقسام. فقسم سار في طريق النساء الغربيات فلم تعد ترى فرقا بينهم وبين أولئك كما هو مشاهد على شاشات التلفاز. وقسم أراد أن يظل مستمسكا بدينه، لكنه أراد في الوقت نفسه أن يراعي القيم الغربية. فلما كان القرآن الكريم يقول لها (وليضربن بخمرهن … ) فإنها صارت تغطي شعرها وصدرها. لكنها لم تعد تلتزم ببقية ما يتطلبه الحجاب منها. فالمقصود من الحجاب (على عكس المقصود من اللبس الجاهلي) أن يكون حجابا عن الرجال. والحجاب يعني أن تلبس ما يغطي جسمها، ولا يكون شفافا يكشف عما تحته، ولا يكون محددا لمعالم جسمها. وقسم ثالث ظل بحمد الله تعالى مستمسكا بالحجاب الشرعي.

ثامنا: ما السر في تأثر الناس في العالم كله هذا التأثر الشديد بانحرافات الثقافة الغربية ولا سيما في مجال المرأة؟

لعل سبب ذلك أمران:

أولهما: ضعف الاستمساك بالدين. قال تعالى: )فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا . إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا( [مريم:59ـ60]

فكلما حصل التهاون في أداء الصلوات قوي الميل إلى الشهوات.

وقال تعالى: )يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ( [الأعراف:27]

ثانيهما: التفوق الهائل الذي وصل إليه الغرب في كل مجالات العمران والاقتصاد والتسلح والإعلام وغيرها. والناس كثيرا ما يربطون خطأ بين التقدم العمراني وصحة المذهب الذي يعتنقه أصحاب ذلك العمران. قال تعالى عن كفار قريش:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا . وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} (مريم 73ــــ74)

قال ابن كثير: «… ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم (خير مقاما وأحسن نديا) أي أحسن منازل، وأرفع دورا، … يعنون فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على الباطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون … على الحق»؟

تاسعا: دعوى بعض الغربيين المعاصرين بأن قيمهم قيم إنسانية عالمية دعوى لا دليل عليها. وذلك لأن مثل هذه الدعوى العريضة يجب أن تستند على أحد دليلين: فإما أن تكون كلاما لله سبحانه في مصدر علمي يقيني، وإما أن تكون مما أثبتته العلوم التجريبية ولاسيما البيولوجية والنفسية. لكننا لم نجد أحدا منهم يستدل بشيء منه هذا.

إذا كان المقصود بالقيم الغربية هو كما قلنا القيم السائدة في الغرب فإن في هذه نفسها ما يدل على أنها لا يمكن أن تكون قيما إنسانية عالمية. كيف وليس في الغرب قيم ثابتة يقال عنها هذه هي القيم التي يستمسك بها الغرب؟ في ذلك يقول الدكتور علي مزروعي:

لقد تغيرت القيم تغيرا سريعا في الغرب في العقود الماضية في الوقت الذي تطورت فيه الثورات في التقنية وفي المجتمعات، من أمثلة ذلك أن العلاقات الجنسية قبل الزواج كانت تستنكر استنكارا شديدا في الغرب إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. وكانت هنالك قوانين تحظر الممارسات الجنسية خارج نطاق الزواج، وما يزال بعضها موجودا في القوانين، وإن كان لا يطبق إلا قليلا. وأما الآن فإن الجنس قبل الزواج فأمر شائع إذا كان برضى الوالدين.

ثم ذكر أمثلة أخرى منها أن الشذوذ كان يعد جريمة في بريطانيا إلى عام 1960 وأنه بينما ألغت كل الدول الغربية عقوبة الإعدام فإن الولايات المتحدة لم تلغها بل زادت في السنين الأخيرة من عدد المحكوم عليهم بالانعدام.[8]

الديمقراطية

ما علاقة الديمقراطية بالحركة التنويرية؟

من المؤكد أن تلك الحركة لم تكن هي التي اخترعت النظام الديمقراطي. لكنها كانت السبب في بعثه بعد ألفي عام من موته في مهده أثينا. لماذا بعثوه؟ لأنهم رأوا أنه أكثر النظم تمشيا مع مبادئهم ولاسيما مبدأ الحرية. فهم قد رفضوا الحكم الدكتاتوري ملكيا كان أو غير ملكي. ورفضوا ما يسمونه بالأولغاركية oligarchy وهو حكم قلة متسلطة، فوجدوا أن الديمقراطية هي حكم الشعب لا حكم فرد أو بضعة أفراد. لكن السبب الأعظم في اختيارهم للدمقراطية فيما يظهر هو كونها تؤيد دعواهم بأن البشر ليسوا بحاجة إلى تدخل من قوة إلهية لتسسيير شؤونهم، بل هم قادرون على ذلك بحكم تكوينهم البشري. يظهر هذا جليا في الحجج التي يسوقها مفكروهم لتسويغ الدمقراطية.

تنقسم هذه الحجج إلى نوعين، حجج فكرية فلسفية ساقها المفكرون من أنصار الدمقراطية، وحجج عملية قال بها بعض السياسيين.

تتلخص الحجج الفكرية الفلسفية في خمس حجج هي العلم والمساواة والحرية وحكم الذات، وكون الديمقراطية أحسن الخيارات المتاحة. وبما أننا لن نستطيع أن ندخل في تفاصيل هذه الحجج في مقالنا هذا فقد رأينا أن نركز على واحدة منها نراها أهمها، وأما الحجج الأخرى فقد تعرضنا لها في كتيب عن (مشكلات الديمقراطية وبدائلها الإسلامية) نرجو أن ييسر الله تعالى إكماله وإصداره.

العلم والأمانة

العلم والأمانة شرطان لا يكون الحكم محققا للغاية منه إلا بهما، لأن الذي يحكم بأن الأمر الفلاني يجب أن يفعل أو أن يجتنب إنما يقول هذا ــ أو إنما يجب أن يقوله ــ لما يعلم من النتائج التي تترتب على فعله أو تركه. لكن العلم وحده لا يكفي بل يجب أن تصحبه الأمانة، أي يجب أن يكون الحاكم قاصدا للحق أو الخير فلا يحكم بما يرى فيه مضرة ويدعي أن فيه مصلحة. القول بأن الحكم للشعب يفترض أن كل المواطنين عندهم من العلم والأمانة ما يجعلهم أهلا لأن يكونوا هم المشرعين لأنفسهم. لكن هذا الافتراض عليه إشكالات كثيرة منها:

1. أنه لو كان الأمر كذلك ما كنا لنحتاج إلى اللجوء للأغلبية لأن الذين يتساوون في العلم والأمانة لا بد أن يحكموا حكما واحدا لا اختلاف فيه، أي أن يكون كل حكم لهم بإجماعهم. لكن اللجوء لحكم الأغلبية يفترض أن هنالك اختلافا بين الحاكمين. والخلاف لا يكون إلا بسبب الجهل أو سوء القصد أو هما معا. وإذن فإن حكم الأغلبية الذي يعد اليوم جوهر الدمقراطية يتناقض في حقيقتها مع أهم مسوغ من مسوغاتها.

2. وأنه لو كان كل المواطنين في كل وطن عالمين بمصالحهم لما احتاجوا إلى اكتساب علم جديد يساعدهم على تصور أحسن لما هو خير لهم ولمجتمعهم. لكن الواقع أن الناس يسعون لاكتساب العلم ويعترفون بمدى تأثير ما اكتسبوه من معلومات على مواقفهم السياسية. فاكتساب العلم يؤثر إذن في نوع التشريع أو الحكم الذي تحكم به الأغلبية. وكما أن العلم يؤثر فكذلك القيم تؤثر. فإذا ما سادت في المجتمع قيم غير التي كانت سائدة في قبل ذلك تغيرت أحكامهم بسبب للمعايير الجديدة التي تبنوها.

3. وإذا ادعى مدع بأن العلم مهما كان نوعه لا تأثير له في ما يحكم به الشعب، يقال له هذا كلام يشهد العقل ببطلانه. فالذي يقوم يصوت بنعم معبرا عن قبوله لأمر ما بناء على تصوره بأنه يزيد من فرص الوطن في اكتساب الثروة مثلا، سيصوت عليه بلا معبرا عن رفضه له بناء على معرفة جديدة بأنه يفعل عكس ذلك تماما. إنه من المستحيل عقلا أن يكون سبب ما العلة في قبول شيء ويكون نقيض ذلك الشيء هو أيضا علة في قبوله. ثم إن هذا معناه أنه لا داعي لاكتساب معارف جديدة إذا كان اكتسابها لا تأثير له في الأحكام.

4. وإذا لم يكن العلم ولم تكن الأمانة في الشعب كله، فمن أين لنا أن نعلم أنهما في أغلبيته؟ لندع حسن القصد الآن جانبا. هل العلم ـ وبالتالي صواب الحكم ـ هو دائما في جانب الأغلبية؟

يقول نقاد الديمقراطية: كلا، ويجعلون هذا من دعامات رفضهم لها. فلنبدأ بأول هؤلاء في التاريخ، أعنى أفلاطون الذي يقول مبينا جهل الحكام في النظام الديمقراطي:

تصور شيئا كالآتي يحدث في سفينة أو قافلة من السفن: مالك السفينة أكبر وأقوى من أي راكب، لكنه يعاني من ضعف في السمع والبصر ولا يدري كيف يبجر بالسفن. البحارة كلهم يتشاجرون في من يجدر به أن يكون ربان السفينة، كل واحد منهم يرى أنه يجب أن يكون هو ربانها بالرغم من أنهم لم يتعلموا فن الملاحة … بل إنهم ليصرون على أنه ليس هنالك من فن ملاحة يمكن أن يتعلم، ولذا فإنهم مستعدون أن يمزقوا إربا كل من يدعي غير ذلك.

ما يزالون جميعا متجمهرين حول مالك السفينة يرجوه كل واحد منهم بأن يترك الدفة له. وأحيانا عندما يكون غيرهم في موضع القيادة فإنهم يقتلونه أو يرمونه في البحر. ثم إنهم يمخرون بالسفينة بعد أن قد خدروا المالك بالخمر أو العقاقير أو بشيء آخر يمخرون بالسفينة، يقضون على كل مؤن السفينة، ويجرون بالسفينة بطريقة تتوقع من أناس أمثال هؤلاء…. إنهم لا يدرون ألبتة أن الربان يجب أن تكون له معرفة بالفصول، وبالسماء، وبالنجوم، وبالرياح، وكل شيء آخر عن السفن إذا كان له أن يكون متحكما في السفينة. ولا يدرون أن هنالك فنا يمكن الربان من أن يقرر في أي اتجاه يوجه السفينة، بغض النظر عما إذا كان الآخرون يريدون الذهاب إلى هنالك أم لا. ولا يعتقدون أن أحدا يمكن أن يتقن مثل هذا الفن.[9]

نقد أفلاطون للديمقراطية من أكثر أنواع النقد إحراجا للغربيين لأن قائله من أعظم فلاسفتهم بل ربما عده بعضهم أعظمهم حتى غلا فيه فيلسوف وعالم رياضيات بريطاني كبير فقال إن كل الفلسفة الغربية لا تعدو أن تكون هوامش على كتابات أفلاطون. وما يزالون يدرسون كتبه ويكتبون عنه كأنه رجل معاصر. ومع أن هذا النقد فيما يبدو هو نقد للحكم التنفيذي لا التشريعي الذي هو محل اهتمامنا، إلا أنه يمكن القول بأنه إذا جهل بعض الناس فن الحكم التنفيذي فحري بهم أن يكونوا أجهل بالحكم التشريعي.

يقول بعض المدافعين عن الديمقراطية من منظريها المحدثين إن نقد أفلاطون وأمثاله غير مقبول لأسباب منها:

أولا: أن القرارات السياسية قرارات خلقية، وأن أفلاطون كان يفترض خطأ أنه من الممكن العلم بالقيم الخلقية. لكننا في هذا العصر نرى أن هذا العلم غير متيسر، وبالتالي لا نرى أن هنالك خبراء فيه كالخبراء في المسائل الحسية أو الطبيعية. وما دام الأمر كذلك فلا رأي أجود من رأي في الأمور الخلقية، وعليه فمن حق الناس جميعا أن يحكموا. وعليه فإن الديمقراطية التي تأخذ برأي الأغلبية هي خير طريقة للوصول إلى القرار السياسي.

لكن بإمكان المدافع عن رأي أفلاطون أن يقول: وإذن فالديمقراطية في رأيكم هذا إنما تصلح لمن كان موافقا لكم في أن العلم بالصواب الخلقي مستحيل. فالديمقراطية لا تصلح إذن إلا في جو ثقافي مثل هذا الذي نسبتموه إلى العصر ولابد أنكم تعنون العصر في البلاد الأوربية، وإلا فإن الناس في العالم كله ما يزالون يعتقدون بإمكانية العلم بحسن الأخلاق وسوئها. بل إن هنالك أعدادا كبيرة ـ ربما كانت الأغلبية ـ حتى في الغرب نفسه ما زالت تؤمن مثل هذا الإيمان. وإلا فلماذا يكون موضوع الإجهاض في أمريكا موضوعا سياسيا ساخنا، بلغ من الحدة بحيث أن بعض من يسمون بأنصار الحياة قتلوا طبيبا معروفا بإجراء عملياته واعتبروه قاتلا. ثم إن القرارات السياسية ليست كلها أخلاقية، وعليه فحتى لو سلمنا بأن الناس في الغرب اليوم لا يعتقدون بإمكانية العلم بحسنها وسوئها، فإن المشكلة ما تزال قائمة. أفكل ما يقدم للمجالس التشريعية من مشاريع قوانين ودراسات حولها إنما هو مسائل خلقية بحتة لا تؤثر فيها الحقائق والأرقام والحجج العقلية؟

وبإمكانه أن يقول إن الدعوى بأن الحكم بقبول شيء أو رفضه حتى في المجال السياسي هو حكم خلقي بحت ليس بصحيح ونحن نرى الناس يبنون أحكامهم على ما يعدونه ــ بحسب ما توفر لديهم من معلومات ــ خادما لمصلحة شخصية أو عرقية أو حزبية أو قومية.

ثانيا: يرى النفعيون أنه حتى حين تكون القرارات خلقية فإن الديمقراطية هي خير الإجراءات وذلك أنهم يجعلون القرارات على درجتين الدرجة الأولى التي يعبر كل إنسان فيها عن اختياره، عما يرى أنه في مصلحته الشخصية، وكونه محققا لسعادته. هذا قرار لا علاقة له بالأخلاق. أما الدرجة الثانية فهي التي تحسب فيها قرارات المرحلة الأولى ويحكم بأن القرار النهائي هو الذي يحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. وهذا هو القرار الأخلاقي.[10]

بإمكان نصير أفلاطون أن يقول: لكن رأي النفعيين هذا قائم على افتراض أن كل إنسان أعلم بمصلحنه وما يحقق له سعادته، وهو افتراض باطل. وذلك لأن العلم بالمصلحة ليس مجرد شعور وهوى وإنما هو أمر مرتبط بحقائق موضوعية لا يتوفر العلم بها لكل الناس بل ولا لأحد منهم. ثم إذا كانت الديمقراطية إنما تحقق مصلحة الأغلبية فإنها تكون ظالمة للأقلية، فلا تكون هي حكم الشعب بل حكم فئة منه.

ثالثا: يقول بعضهم إن حجة أفلاطون تعتمد على افتراض أن الغاية هي تحقيق ما هو أصلح للمجتمع. لكن هب أن هذه ليست هي الغاية، أو أنها ليست الغاية الوحيدة، فالحجة إذن لا تستقيم. “مثلاً إذا كنا نريد أن نتملق الجماهير، أو نتودد إليهم، أو نسكن من غضبهم، أو نعطيهم إحساساً ما بأنهم يتحكمون في مصائرهم، أو نتفادى غضبهم أو أسئلتهم، أو نشعرهم بأنهم مهمون، فإن وسائل أخرى قد تكون أجدى. وعليه فإن من الوسائل ما قد يكون أقل جودة في نتائجه من حيث الحقيقة، لكنه يحقق نتائج أحسن إذا لم تكن الحقيقة هي الغاية. وعليه فإن فقدان الحقيقة لن يكون نقدا مناسبا لهذه الوسائل، إلا إذا كان توخي الحقيقة ذا أهمية أكبر من الغايات الأخرى. لكن كون هذا كذلك أو لا، يعتمد بصفة عامة، على ما نريد أن ننجزه”[11].

وأقول لولا أنني وجدت هذا الكلام في كتاب يعد من أحسن الكتب في فلسفة الديمقراطية لما صدقت بأن إنسانا عاقلا يمكن أن يعده حتى مجرد احتمال جدير بالمناقشة. يبدأ الاعتراض بعبارة ” إذا كنا نريد … ” من أنتم الذين تريدون هذا؟ إن حديثنا هو عن الشعب كله. فهل الشعب هو الذي يريد هذا؟ هل الشعب هو الذي يريد أن يتملق الشعب؟ هل الجماهير هي التي تريد أن تتودد إلى الجماهير؟ وهل … وهل؟ لا بد أنكم تتحدثون عن فئة من الناس تريد أن تفعل هذا كله، ومن المؤكد أنه من شرط نجاحها فيما تريد أن تخفي هذا كله عن الجماهير، إذ أنها لا تستطيع أن تصارحهم بأنها إنما تريد أن تتملقهم أو تتودد إليهم، أو .. أو … . بل لا بد أن يكون هذا كله قائما على الكذب عليهم وإظهاره في صورة ترضى عنها الجماهير. لكن كل هذا يؤكد رأي أمثال أفلاطون بأن الناس لا يعلمون كلهم، وإلا لما استطاعت قلة منهم أن تخدعهم مثل هذا الخداع. بل إن المتفقين مع أفلاطون قد يقولون إن نظاما سياسيا يجعل هذا ممكنا لهو النظام الذي ينبغي أن يرفض.

رابعاً: أنه حتى على افتراض أن المعرفة هي القيمة الكبرى التي على أساسها ينتخب الحكام، وعلى فرض أن هنالك من هو أعرف من غيره، فيجب ـ لكي ننصبهم حكاما ـ أن نعرف من هم. ولكن يبدو أنه ليس هنالك من وسيلة لتحديد هؤلاء الذين يعلمون. كيف نعرفهم؟

نقول هذا وإن كان أمرا صعبا ـ ولا سيما إذا كان الحكم علمانيا ـ فإنه ليس من المتعذر. بل لعله من الممكن حل هذه المشكلة حتى في نطاق النظام الديمقراطي إذا ما استحدثنا فيه مبادئ جديدة غير معهودة الآن لكنها غير متناقضة مع فكرة الديمقراطية، وسأعرض لشيء من هذا حين يأتي الحديث عن الانتخابات بإذن الله تعالى.

خامساً: أنه قد تكون هنالك حالات ـ ولا سيما حالات جماعات صغيرة ـ لا يكون الفرق في المعرفة أو الخبرة بين أعضائها كبيرا. فمما لا شك فيه أن رأي الأغلبية في مثل هذه الحال سيكون الأقرب إلى الصواب.

نقول: هذا أمر لا شك فيه. لكن لا يلزم ناقد الديمقراطية باعتبارها نظام حكم أن يكون رافضا لكل شيء فيها في كل حال من الأحوال. وهذه منها.

سادسا: أنه قد تكون هنالك حالات لا يكون المعول فيها على مجرد العلم أو الخبرة، بل يحسن فيها اعتبار قيم أخرى، مع المعرفة أو بدونها.

نقول: وهذا أيضا نقد مقبول إذا كان موجها لأفلاطون بالذات. لكن قولنا فيه هو قولنا في سابقه. بل إن هذا لأمر معتبر في الإسلام.

من أقوى الأدلة على بطلان كون الشعب أو أغلبيته عالم بمصالحه مؤتمن عليها أنه لا أحد من الآخذين بالنظام في العالم كله يسلم بهذه الدعوى أو يأخذها مأخذ الجد. إن الدليل على أنهم لا يعتبرون الأغلبية مؤتمنة على صيانة الحقوق أنهم في الغرب وفي البلاد المقلدة له لا يؤمنون بالديمقراطية على إطلاقها بل يقيدونها باللبرالية فديمقراطياتهم ديمقراطية ليبرالية. ما معنى ذلك؟ معناه أن حكم الشعب مقيد بكون ضمن إطار قيمي معين هو الإطار اللبرالي. ماذا تقول اللبرالية؟ تقول إن للإنسان الفرد حقوقا جوهرية غير قابلة للمساومة ولا يجوز لأحد أن يتغول عليها حتى ولو كان هذا المتغول هو الأغلبية (سواء كان أغلبية المواطنين في استفتاء عام، أو أغلبية نوابهم في مجلس تشريعي). سنبين ـ حين نأتي لمناقشة اللبرالية ــ أن هذا فوق كونه ينقض الافتراض بأن الشعب أو أغلبيته عالمة بما هو مصلحة مؤتمن على التعبير عنها، فإنه ينقض فكرة الديمقراطية نفسها، لأن الديمقراطية مبنية على أن السيادة التشريعية للشعب، لا لدكتاتور، ولا لفئة من الناس، بل ولا لكتاب منزل وإنما هي للشعب. فكيف يقال إن هذا الشعب صاحب السيادة التشريعية محكومة قراراته بقيم اللبرالية؟ ما أساس هذه القيم خيرا كانت أم شرا؟ هل هي مما شرع الله؟ هل هي مما رأته فئة من المواطنين؟ على كل حال فإنها مهما كان مصدرها تتنا قض مع مبدأ سيادة الشعب التشريعية.

الرأسمالية

حديثنا هنا ليس عن النظام الاقتصادي الرأسمالي السائد في العالم اليوم والذي بدأت بعض أعمدته تنهار وبدأت أخرى تهتز في الولايات المتحدة وفي أوربا وغيرها، حديثنا ليس عن هذا النظام وإنما هو عن النظرية الفلسفية التي يقوم عليها، والتي كان الاهتداء بها هو السبب الحقيقي لما يعاني منه النظام الرأسمالي من مشكلات. نقول إن الكارثة الاقتصادية الراهنة كانت دليلاً يضاف إلى أدلة أخرى على فشل النظرية التي قام عليها الاقتصاد الرأسمالي. وهي دليل من ناحيتين: من ناحية أن العمل بالنظرية هو الذي أدي إلى الكارثة، ومن ناحية أنه اتضح أن علاج الكارثة تطلب الخروج على ما تقتضيه.

تقول النظرية إن الاقتصاد الناجح هو اقتصاد سوق يسمح بالملكية الفردية وبالبيع والشراء والادخار ويترك للسوق تحديد أسعار السلع، وأن هذا كله ينبغي أن يكون في حرية كاملة لا يحد منها أي تدخل من الدولة. كان الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث الذي عاش في قرنهم الثامن عشر هو أكثر من اشتهر بالقول بهذه الفلسفة الرأسمالية، لكن المؤرخين يقولون إنه هو نفسه تأثر بكتابات ماندافيل الذي كان أكثر منه غلواً في هذا الأمر فهو المشهور بقوله: «إن الرذائل الفردية هي فضائل اجتماعية في مجال الاقتصاد». كان سميث وغيره يقولون إنه لا بأس على الفرد أن يندفع لتحقيق مصالحه بدافع الأنانية، بل قال بعضهم بدافع الطمع ليحقق مصالحه وأن النتيجة ستكون ـ بفعل يد الخفية ـ أمراً لم يخطر على بال الفرد، هو الصالح العالم لكن الواقع أن هذه اليد الخفية لم تقم بالمهمة التي عزاها إليها سميث وغيره، وإنما أدى ذلك الطمع الفردي المتروك له الحبل على غاربه إلى تقسيم الثروة تقسيما ظالما بحيث أن قلة قليلة من المواطنين تصل أحيانا إلى عشرة بالمئة تمتلك ما يصل أحيانا إلى تسعين بالمئة من الثروة، ولا يمتلك التسعون بالمئة الباقون إلا عشرة بالمئة منها، مما جعل بعض الاقتصاديين الأمريكيين يقولون ساخرين إنه يبدو أن شيئا أصاب تلك اليد فشلّ ها. وقد بدأت الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد حدتها منذ سنين مما جعل بعض الاقتصاديين يقولون إنه إن استمر التفاوت على تلك الوتيرة فسيؤدي حتماً إلى كارثة اجتماعية.

إن الأمر المثالي للنظرية الناجحة أن تكون النتيجة أحسن فأحسن كلما كان واقع العمل بها أقرب إلى مثالها النظري. لكن الغريب في النظرية الرأسمالية أنه لو كان الواقع قريبا من مثالها ودعك أن يكون مطابقا له لكانت الكوارث أكثر فأكثر. الصورة المثالية لهذه النظرية الرأسمالية هي أن لا يكون للدولة أدنى تدخل في النشاط الاقتصادي. لكن هذا معناه أن لا تفرض الدولة على الناس ضرائب، ولا تضع قوانين تقيد بها النشاط الاقتصادي، كأن تمنع صنع بعض الأشياء الخطرة أو المتاجرة بها، وكأن تحدد الأماكن التي تبنى فيها المصانع، وتضع لها شروطا صحية وبيئية وغير ذلك. لكن كل هذه القيود ما زالت تحدث إلى حد ما في الدول الرأسمالية. الدولة إذن تدخلت لكن تدخلها لم يكن بالقدر الذي يرفع الظلم، بل كانت تميل دائما إلى إعطاء حرية أكبر للأغنياء مهما أدى ذلك إلى التضييق على الفقراء.

خذ نظام الضرائب في الولايات المتحدة مثلا. إن الضريبة لا تؤخذ من رأس المال كما هو الحال في الزكاة وإنما تؤخذ فقط من دخل الفرد في العام المالي. وهذا معناه أنه إذا كان هنالك شخصان أحدهما يمتلك مليوني دولار والآخر لا يمتلك شيئا، لكن دخل كل منهما في السنة المالية كان مئة ألف دولار، فإن نسبة ما يؤخذ منهما ستكون متساوية، أي أن الضريبة لا تتعرض لرأس المال الذي كان موجوداً قبل السنة المالية. قال كيفن فلبس في كتابه عن “الديمقراطية والثروة” إنه لو أخذت ضريبة مقدارها ثلاثة بالمئة على رؤوس الأموال في أمريكا وحدها لما بقي على وجه الأرض فقير! ولعل القارئ لا حظ أن هذه النسبة قريبة جدا من نسبة الزكاة التي تفرض فعلا على رؤوس الأموال.

لكن دعاة الرأسمالية في الغرب ما يزالون يدافعون عنها رغم كل ما يرون من آثارها الضارة. أتدرون ما السبب في هذا؟ السبب إنهم ظنوا أن البديل الوحيد للنظام الرأسمالي الذي عهدوه هو النظام الاشتراكي الذي عرفوا صوراً منه في الاتحاد السوفيتي وفي الصين قبل التعديلات التي أحدثها الصينيون فيه. وهم بهذا يخلطون بين كون الرأسمالية اقتصاد سوق وبين كون كل اقتصاد سوق هو بالضرورة اقتصاد رأسمالي.

لكن الحقيقة هي أن هنالك بديلا ثالثاً هو الاقتصاد الإسلامي الذي هو اقتصاد سوق لكنه سوق منضبط بضوابط القيم الإسلامية وهي قيم يغلب عليها مراعاة مصالح الفقراء مما يجنب المجتمعات الآخذة بها ذلك التفاوت الفظيع الذي نتج عن النظرية الرأسمالية. في قول الله تعالى:) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا( [البقرة:275]

بيان لهذين الأمرين ففي إحلال البيع إقرار باقتصاد السوق، وفي تحريم الربا تقييد له بقيم إسلامية هي في مصلحة الفقراء. ثم تأتي الزكاة التي هي أيضاً في مصلحة الفقراء، بل تأتي القاعدة العامة التي تأمر بأن لا يكون المال دولة بين الأغنياء. وإذا كان الغربيون لم يعرفوا النظرية الرأسمالية إلا في صورتها التي قال بها سميث وغيره، فإننا نعلم من القرآن الكريم أنها نظرية قديمة كان من بين من قالوا بها قوم شعيب الذين رفضوا دعوة نبيهم لهم إلى العدل في معاملاتهم المالية بحجة أن المال مالهم فلهم الحق أن يفعلوا فيه ماشاؤوا. قال تعالى: )وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ( [هود:84 -87]

شعار الفلسفة الرأسمالية يكاد يكون ترجمة لقول قوم هود هذا. فقوم هود يريدون أن يفعلوا ما شاؤوا والفلسفة الرأسمالية تقول “دعه يعمل” laissez fair أي لا تتدخل في نشاطه الاقتصادي.رفض الإسلام الفلسفة التي احتج بها قوم هود على أساس أن المال ليس مملوكا ملكية مطلقة للبشر وإنما هو مملوك لله الذي يأمر البشر بأن يتصرفوا فيه تصرفا عادلا وفق أوامره سبحانه.

من الآثار الحسنة التي نتجت عن هذه الكارثة أن كثيرا من المفكرين من اقتصاديين وغير اقتصاديين لم يعودوا يؤمنون بالنظرية الرأسمالية القحة، بل صاروا يدعون إلى تدخل من الدولة لإقرار العدل وصاروا يذمون الأنانية والطمع الذي كان من أسباب هذه الأزمة. فالفكر الاقتصادي بدأ بهذا يقترب من الهدي الإسلامي الذي يقر اقتصاد السوق في حدود قيم العدالة. والمأمول أن يكون في هذا عبرة لإخواننا المسلمين يعيد إليهم الثقة بتعاليم ربهم ويشجعهم على الاستمساك بها في نشاطهم الاقتصادي لكي يضربوا للناس مثلا عمليا بحسنها وجدواها. وقد بدأ الاهتمام بتعاليم الإسلام الاقتصادية في المجالات الأكادمية في الغرب، بل إن الأمثلة العملية للمؤسسات الاقتصادية الإسلامية بدأت تبدي نجاحها بالنسبة لوصيفاتها الغربية كما يحدثنا البروفسر علي خان أستاذ القانون بجامعة ووشبيرن بولاية كنساس الأمريكية في مقال له عن الكارثة الاقتصادية[12]

علاقة الديمقراطية بالرأسمالية واللبرالية

الديمقراطية السائدة في الغرب الآن تسمى بالديمقراطية اللبرالية كما أنها ديمقراطية مرتبطة بالرأسمالية. وقد كتب المفكرون الغربيون أنفسهم في ما يرونه من تناقض بين هذه المبادئ. فاللبرالية تتناقض مع الديمقراطية لأن الديمقراطية تجعل الشعب هو السلطة التشريعية العليا، لكن اللبرالية تقول إن لكل فرد من الناس حقوقا لا يجوز حتى للأغلبية أن تتغول عليها. من الذي أعطى الأفراد هذه الحقوق؟ هذا سؤال لم يستطيعوا الإجابة عليه. فمنهم من قال لأنها حقوق صدر بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لكن على أي أساس صدر ذلك الإعلان نفسه؟ ثم ألا يجوز للأمم المتحدة التي أصدرته أن تغير فيه وتبدل؟ ومنهم من يقول إنها حقوق أجمع الناس عليها في العالم كله. ولكن لو كان الأمر كذلك لما كانت هنالك من حاجة لأن يصدر بها إعلان أو تجعل في قوانين. إن المسلم يؤمن بحقوق للإنسان يوافق بعضها بعض ما جاء في ذلك الإعلان لكنه يقول إنه حقوق أعطاها الخالق لعباده فلذلك لا يجوز لهم أن يحرموه منها.

الفكر العلمي

أحسن ما عند الغربيين من فكر هو الفكر العلمي المستند إلى أدلة حسية وعقلية والذي يسمى سينس science وهو في مفهومه العام يشمل العلوم الطبيعية من فيزياء وكيمياء وأحياء وغيرها، لكنه يشمل أيضا كل علم اجتماعي سار على مناهج هذه العلوم.

كيف ينظر المسلم إلى هذه العلوم وكيف يقومها؟ ينظر إليها نظرة المتقبل المقدر لها الآخذ بها. لماذا؟

أولا: لأن منهج هذه العلوم منهج يقره دينه. فالله تعالى يقول: )وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( [النحل:78]

هذا معناه أن الحس والعقل هما الوسيلتان اللتان يكتسب بهما الإنسان العلم سواء كان علما دينيا أو كان علميا دنيويا. وهذه العلوم تقوم على المشاهدة والتجربة وعلى قوانين عامة ونظريات تختبر صحتها بتلك المشاهدة والتجربة، فما أبطلته كان باطلا، وما شهدت له كان صحيحا، لكن لا يشترط في الصحة أن تكون أمرا يقينيا بل يكفي فيها غلبة الظن. وكل هذه أمور مقبولة في الإسلام.

ثانيا: لأن هذه العلوم علوم مفيدة كما دلت على ذلك تجربة الغربيين معها، وكما دلت على ذلك تجربة المسلمين قبلهم معها. فالأمة التي لا تأخذ بها ولا بما يبنى عليها من تقنيات تظل متخلفة في مجالات الاقتصاد والقوة العسكرية والإعلام وغيرها بالنسبة للأمم التي تأخذ بها. وكل أنواع القوى هذه أمور يحتاج إليها المسلمون لبقاء دينهم وللدفاع عنه ولتبليغه.

ثالثا: لأن لهذه العلوم مكانة كبيرة في التاريخ الإسلامي. كما يدل على ذلك ما كتبه المسلمون وغير المسلمين في تاريخ العلوم وكيف أن الغرب الذي تفوق على المسلمين الآن فيها كان هو في البداية قد أخذ عن المسلمين وتأثر بكشوفاتهم ونظرياتهم. ليس هذا فحسب بل إن المسلمين رغم تأخرهم فيها بالنسبة للغرب ما يزالون يشاركون في تطورها بتجاربهم وكتاباتهم في المجلات العلمية حتى في البلاد الغربية. لكن كل هذا لا يرضي طموح المسلم المتطلع إلى أن يصير للمسلمين القدح المعلى في هذه العلوم وتقنياتها. ولذلك فإنه يأمل أن يتطور الفكر العلمي في بلاده في كل مجالاته، مجال المؤسسات التي ترعى هذا العلم، ومجال التخصصات الدقيقة فيه، والمجال العام الذي يجعل من الفكر العلمي هذا فكرا جماهيريا بقدر المستطاع.

رابعا: لأن المسلمين بدؤوا يجدون في ما توصلت إليه هذه العلوم من حقائق تؤيد ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأسسوا لذلك علما أسموه بالإعجاز العلمي. والمقصود بالإعجاز هنا كون القرآن والسنة سبقتا إلى تقرير بعض الحقائق التي اكتشفتها العلوم الطبيعية لاحقا، والتي ما كان من الممكن أن يعرفها بشر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم بالوسائل المتاحة للناس في ذلك الزمان. من أحسن الأمثلة على ذلك مسألة تطور الجنين التي يقول عنها العالم الكندي كيث مور كما نقل عن الأستاذ الدكتور زغلول النجار:

إن التعبيرات القرآنية عن مراحل تكون الجنين في الإنسان لتبلغ من الدقة والشمول ما لم يبلغه العلم الحديث, وهذا إن دل على شيء فإنما يدل علي أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا كلام الله, وأن محمداً رسول الله[13].

في مثل هذه الكشوف تصديق لقوله تعالى: )سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ( [فصلت:53]

خامساً: ولأننا نريد أن نصحح مسار هذه العلوم بأن نخلصها من الفلسفة المادية الإلحادية التي صارت إطارا لها. تتمثل هذه الفلسفة الإلحادية في القول بان العالم مكتف بنفسه لا يحتاج إلى تدخل من خارجه، وأن حوادثه يجب تفسيرها بظواهر من النوع المشهود فيه. لكن هذا معناه أن عدم قبول أي دليل من داخل العالم على حقيقة في خارجه.

وإذا كان عصر تنويرهم لا يؤمن إن آمن إلا بإله لا يتدخل في الكون ولا يرسل رسلا، فإننا نؤمن بإله لا يحدث شيء في الكون إلا بإذنه وعلمه وإرادته وقدرته، ونؤمن بأن هذا الإله هو الذي أرسل محمدا بالدين الحق، ولذلك فإذا كان الملحدون الماديون يحصرون مصادر المعرفة في الكون وحده، فإننا نؤمن بأن للمعرفة مصدرين هم خلق الله وكلام الله تعالى. وقد رأينا كيف أن حركة الإعجاز العلمي قد أثبتت توافق الحقائق الكونية مع الحقائق الشرعية.

الهوامش:

[1] الألوهية الطبيعية deism هي الاعتقاد في خالق خلق الخلق ثم تركه وشأنه فلا يتدخل في سير حركته الطبيعية ولا الاجتماعية

[2] مبدأ ينكر كل التفسيرات الروحية والخارجة عن الكون لما يحدث فيه ويقول إن العلوم الطبيعية هي وحدها الأساس لكل ما يمكن أن يعلم.

[3] http://www-personal.ksu.edu/~lyman/english233/Kant-WIE-intro.htm

[4] الكتاب هو المسمى (درء تعارض العقل والنقل) تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم وهو في طبعته هذه التي تشمل تعليقات المحقق والفهارس يتكون من أحد عشر جزءا.

[5] Western Values, Wikipedia, the Free Encyclopedia.

[6] Medeleine Bunting, ( The Convenient Myth that Changed a Set of Ideas into Western Values) Guardian News & Media 2008, published 4/9/2006.

[7] William Dalrymple, )A lesson in humility for the smug West(, The Sunday Times, October 14, 2007

[8] http://www.alhewar.com/AliMazrui.htm

[9] Republic,488a-d.

[10] ما المقصود بالأخلاقي؟

[11] Ross, op.cit, p. 153>

[12] http://www.counterpunch.com/khan09272008.html

[13] http://forums.way2allah.com/showthread.php?t=14953

المصدر: http://moslimonline.com/?page=artical&id=2799 عن موقع الدكتور جعفر شيخ إدريس

كُتب في المناهج | التعليقات على نقد للفكر الغربي بمنهج علمي مغلقة

أوباما وشاعر خراسان …

للأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي

يروي الأديب عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب (البخلاء) أن شاعرا امتدح والي خراسان بقصيدة عصماء، فلما فرغ قال: قد أحسنت. ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم. ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له. فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الوقع.. اجعلها عشرين ألف درهم، فكاد الشاعر يخرج من جلده. فلما رأى فرحه تضاعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول، أعطه يا فلان أربعين ألفا. فكاد الفرح يقتله. ثم إن كاتب الوالي أقبل عليه فقال: سبحان الله! هذا -أي الشاعر- كان يرضى منك بأربعين درهماً، تأمر له بأربعين ألف درهم! قال: ويلك! وتريد أن تعطيَه شيئاً؟ قال: وهل من إنفاذ أمرك بدّ؟ قال الوالي: يا أحمق! إنما هذا رجل سرَّنا بكلام فسررناه بكلام. وهو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشد من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السنان، هل جعل في يدي من هذا شيئاً أرجع به إلى بيتي؟ ألسنا نعلم أنه قد كذب؟ ولكنه قد سرنا حين كذب لنا، فنحن أيضاً نسره بالقول ونأمر له بالجوائز وإن كان كذباً، فيكون كذب بكذب وقول بقول. فأما أن يكون كذب بصدق، وقول بفعل، فهذا هو الخسران المبين”.

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على أوباما وشاعر خراسان … مغلقة