الإسلام والبيئة في أسبوع ثقافي هولاندي

للعام الخامس على التوالي، ينطلق الإثنين 15-3-2010 الأسبوع الثقافي الذي ينظمه الطلاب المسلمون في جامعة “رادباود-نايميخن” جنوب هولندا، ويستمر حتى التاسع عشر من نفس الشهر، ويشارك فيه طلاب غير مسلمين.

وبحسب الموقع الإلكتروني لـ”جمعية الطلاب المسلمين” بالجامعة، يحاضر خلال تلك الأيام أساتذة من جامعة رادباود، والجامعة الإسلامية في روتردام، وجامعة لايدن، وجامعة برمنجهام، وتركز هذه المحاضرات على موضوعات تتعلق بـ”السياسة والبيئة والأخلاقيات الطيبة من العالم الإسلامي”.

بيتر كوبنس (هولندي مسلم)، وأحد مؤسسي الجمعية، أكد على أهمية هذه الملتقيات الثقافية قائلا لـ”إسلام أون لاين.نت”: “إبراز دورنا كطلاب مسلمين في تنمية المجتمع، بالإضافة إلى سبل مشاركتنا مع الطلاب الآخرين غير المسلمين كي نعمل معاً كشركاء على تحسين جهود تنمية المجتمع في جميع الميادين، هما أهم أهداف هذا الأسبوع الذي ننظمه منذ 5 سنوات”.

وأضاف كوبنس -الذي أنهى دراسته الجامعية ويقوم حاليا بتحضير دراسات عليا- أن “هذه الملتقيات الثقافية السنوية، والتي يشارك فيها طلاب من غير المسلمين، تمثل فرصة لتفعيل الحوار مع الآخر، وتعريفهم بالإسلام بشكله الصحيح والشامل”.

وأوضح أننا “عبر هذه الملتقيات وتلك المحاضرات والحلقات النقاشية وورش العمل نناقش عددا من المسائل المتعلقة بالسياسة والاقتصاد والبيئة، ونوضح فيها وجهة نظر الإسلام إزاءها”.

الحفاظ على البيئة

وعن الجديد هذا العام، لفت كوبنس إلى أنه “سيتم طرح قضية الحفاظ على البيئة وموقف الإسلام في ذلك؛ نظرا لأنها أضحت مسألة باتت تقلق غالبية دول العالم”.

وحول أهمية هذه الأنشطة الطلابية للطلاب المسلمين داخل الجامعات الهولندية، قال محمود الصيفي -الباحث في “فقه الأقليات والإسلام في الغرب” بنفس الجامعة، وأحد المحاضرين في فعاليات هذا الأسبوع-: إن “النشاط الطلابي في المرحلة الجامعية بشكل عام يعتبر أحد روافد المعرفة بجانب المناهج الدراسية، خاصة في عصر تأتي فيه القوى البشرية كأهم عوامل التنمية”.

وتابع: “ينطبق هذا الأمر بشكل أكبر على الطلاب في مجتمع الأقليات أو المسلمين في الغرب؛ إذ هذا المجال من أخصب المجالات وأكثرها حيوية للتفاعل وتلاقح الثقافات، وتبادل الأفكار، وتعزيز قيم الحوار؛ مما يسهم في إبراز الوجه الحضاري والإنساني للإسلام والمسلمين”.

غير المسلمين

وعن نظرة الأساتذة وطلاب الجامعات من غير المسلمين، إلى هذه الأنشطة، أكد الصيفي أن هذه الفعاليات تشهد “حضورا فاعلا من غير المسلمين، ومنهم من تكون له إسهامات إيجابية، ومن خلال تجربتي الشخصية في حضور أنشطة سابقة يعبر الكثير منهم عن إعجابهم بها، وتأثيرها الإيجابي في إزالة التصورات الخاطئة، كما أن الجامعة تدعم مثل هذه الفعاليات وتوفر الإمكانات اللازمة لتنفيذها”.

وأردف قائلا: “مثل هذه الفعاليات تقدم لغير المسلمين في المجتمع الجامعي رؤية مختلفة عن الصور النمطية السلبية والتي غالبا ما تفرزها المعالجة الإعلامية غير المنصفة، أو بعض الممارسات الخاطئة لمن ينتسبون للإسلام”.

يشار إلى أن هذه الجامعة تقع في مدينة نايميخن جنوب هولندا، وهي جامعة كاثوليكية، وفيها نسبة كبيرة من الطلاب المسلمين، كما أن بها قسما للغة العربية والدراسات الإسلامية.

ويقدر عدد الطلاب المسلمين في الجامعات الهولندية بنحو عشرات الآلاف، ويرجع عدم معرفة العدد بالتحديد؛ نظرا لأنه لا يسمح بالتمييز على أساس الدين بين المواطنين أو الطلاب.

ويشكل مسلمو هولندا مليون شخص تقريبًا من إجمالي 16 مليونا هم عدد سكان البلاد، ومعظم هؤلاء المسلمين من أصل تركي أو مغربي.

نقلاً عن إسلام أون لاين.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على الإسلام والبيئة في أسبوع ثقافي هولاندي مغلقة

مقالة مهمة جداً لفهم السياسة الخارجية التركية

أحمد داود أوغلو” … وليس “كيسنجر تركيا”

د.إبراهيم البيومي غانم

مارس 2010

كنت قد وصفت وزير الخارجية التركية الجديد الدكتور أحمد داود أوغلو بأنه “كيسنجر السياسة التركية”، وشرحت هذا الوصف في محاضرة عامة ألقيتها عن “النموذج التركي” في 26 أغسطس 2008 بجامعة القاهرة ضمن محاضرات “برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات”، وتناقلت وسائل الإعلام هذا الوصف بسرعة لافتة.
وبعد بضعة أيام فقط من المحاضرة تلقيت اتصالا هاتفيا من أحد الأصدقاء في أنقرة استفسر مني فيها أولا عن معرفتي بالدكتور أحمد، وهل قرأت كتبه أو بعضا منها، ودهشت لهذه السرعة في المتابعة لما يقال عن تركيا ومسئوليها في الخارج، وخاصة في العالم العربي، وبصفة أكثر خصوصية في مصر، وعرفت من لهجة سائلي أنه ربما يكون عاتبا علي لأنني وصفت الدكتور أحمد بأنه مثل “كيسنجر”، وأن الأولى هو أن نصفه فقط باسمه وهو أنه “أحمد داود أوغلو”!.

شرحت لسائلي هدفي من وصفي للدكتور أحمد بأنه “كيسنجر” تركيا، وهو تقريبه من أذهان مستمعي في المحاضرة لا أكثر ولا أقل، وقلت له إنني أعرف الدكتور منذ سنة 1987 عندما تزاملنا مدة عام في الدراسات العليا بقسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة؛ حيث حضر كـ”مستمع” للمحاضرات، وكي يطلع على أحوال مدرسة العلوم السياسية المصرية، ويجمع بعض عيون الكتب من سور الأزبكية الشهير بالقاهرة، وقد جمع منها قدرا معتبرا وعاد به إلى بلده.

تعمقت الصداقة بيننا، وقمت بترجمة كتابين من كتبه صدرا سنة 2006 عن مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة، الأول بعنوان “الفلسفة والسياسة”، والثاني بعنوان “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية”، وقبلهما ترجمت له دراسة مهمة بعنوان “انبعاث الفكر الإسلامي في تركيا: دراسة في عملية التحول من الفكر العلماني إلى الإسلام”، نشرتها صحيفة الشعب المصرية في عدديها الصادرين بتاريخ 26 يوليو و2 أغسطس 1988، ولكن كل ذلك لم يشفع لي في إزالة نبرة اللوم على تشبيهي له بكيسنجر

أوغلو.. ونظريات “النهايات”

ولهذا انتهزت أول فرصة علقت فيها على التعديل الوزاري الأخير في برنامج قناة الجزيرة “ما وراء الخبر” -مساء يوم 3/5/2009- لأصحح هذا الوصف، وخاصة أن مقدمة البرنامج استخدمته، وأكدت على أن وصفنا للدكتور أحمد داود بأنه مثل كيسنجر فيه ظلم له ومحاباة لكيسنجر؛ لأن الدكتور أحمد داود صاحب رؤية إستراتجية أصيلة تنسب إليه وحده دون غيره، وأن الصحيح فعلا هو أن نصفه باسمه “أحمد داود أوغلو”.

صحيح أن ثمة أوجه تشابه بين الرجلين، فكلاهما درس العلاقات الدولية وتخصص فيها، وكلاهما انخرط بشكل رسمي في الوساطات بين العرب والإسرائيليين ضمن جهود المفاوضات من أجل السلام، وكلاهما تولى منصبه وزيرا للخارجية وهو في الخمسين من عمره (كيسنجر سنة 1973 وهو من مواليد سنة 1923، وأحمد داود سنة 2009، وهو من مواليد سنة 1959)، لكن أوجه الشبه لا تبرر إلحاق أحدهما بالآخر، وجعل الأول (كيسنجر) هو المرجعية في التعرف على الثاني (أحمد داود)، ولدينا من الأدلة المعرفية والموضوعية ما يبرهن على خطأ تشبيهه بكيسنجر، مع إقرارنا بعبقرية كيسنجر، وأنه كان داهية من دواهي الزمن في تاريخ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية في القرن العشرين الماضي.

الدليل الأول: أن هنري كيسنجر انطلق في دوره الأساسي في الصراع العربي الإسرائيلي خلال السبعينيات من ثوابت السياسة الأمريكية المتحيزة بفجاجة للجانب الإسرائيلي على حساب الحقوق العربية، وانصب جهده على ترويض الجانب العربي من أجل الاندماج في فلك الإستراتيجية الأمريكية عبر سياسة “الخطوة.. خطوة” التي اشتهر بها.

أما أحمد داود أوغلو، فدوره في الصراع العربي الإسرائيلي ينطلق من ثوابت “الرؤية الحضارية” التي يؤكد من خلالها على نظريتين لديه:

الأولى يقول فيها إن “الثقة بالذات الحضارية” مصدر قوة إضافية للدولة في علاقاتها الخارجية، وخاصة إذا اقترنت بتجاوز عقدة النقص، وبالتغلب على الشعور بالدونية تجاه الطرف الآخر، وهذا هو ما فعله خلال وساطته بين السوريين والإسرائيليين، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين أيضا خلال الأعوام الماضية، وصبت في هذا الاتجاه دعوته لوفد حماس عقب فوزها في الانتخابات مطلع سنة 2006 لزيارة تركيا، في الوقت الذي بدأت فيه القوى الدولية محاصرة حماس ومقاطعتها، هذا هو جهد أحمد داود، أما على الطرف الآخر فقد كان جل جهد كيسنجر منصبا على قطع الطريق على أية إمكانية لاسترداد الثقة بالذات لدى الأطراف العربية عقب انتصار أكتوبر المجيد سنة 1973، بل والسعي لإفقاد ما تبقى من ثقة لدى هذه الأطراف العربية التي جلبها إلى حلبة المفاوضات مع الإسرائيليين عقب تلك الحرب مباشرة.

النظرية الثانية لدى الدكتور أحمد داود مفادها هو أنه: كي تكون ناجحا في إدارة العلاقات الدولية يتعين عليك مراعاة “التوازن” الدقيق بين قوة الأمر الواقع، وقوة الحق الأصيل، وأنه لا يجوز المغامرة بمواجهة قوة الأمر الواقع دون استعداد كاف، كما لا يجوز التفريط في قوة الحق الثابت الأصيل، وأنه يمكن إنجاز الكثير في المسافة القائمة بين “قوة الأمر الواقع”، و”قوة الحق الأصيل” في ضوء موازين القوى التي تتحرك باستمرار ولا تعرف السكون أو الجمود.

هذاا هو لب تفكير أحمد داود أوغلو، أما كيسنجر فقد كان لب تفكيره، وجوهر رسائله للأطراف العربية هو أن التيئيس من إمكانية تغيير موازين القوى القائمة على أرض الواقع، والتهوين من قوة الحق الأصيل، إلى حد طمسه والتعفية على آثاره بغبار ما كان يسميه “الواقعية السياسية”، أو “البرجماتية”، وشتان بين هذا المنطق، ومنطق أحمد أوغلو.

الدليل الثاني: أن هنري كيسنجر يعتبر من الآباء المؤسسين لنظرية “صدام الحضارات” التي بلورها صمويل هنتينجتون، ونظرية “نهاية التاريخ” التي بلورها فرانسيس فوكوياما، ونظرية الفوضى الخلاقة والحروب الاستباقية التي تبنتها إدارة بوش الابن فعليًّا خلال السنوات الماضية وأذاقت العالم الأمرين من نتائجها، فيما أحمد داود يقف على النقيض من هذه النظريات.

لقد نبه كيسنجر قبل ثلاثين عاما؛ أي سنة 1979 إلى الفكرة الأساسية التي ارتكز عليها هنتينجتون في مقولته عن “صدام الحضارات”، وأكد أن الصراع في المستقبل سيكون بين الهويات الثقافية والدينية والحضارية، وليس بين الدول القومية بحدودها وسيادتها التي ارتسمت في العلاقات الدولية منذ معاهدة وستفاليا سنة 1648.

ويبيح مفهوم كيسنجر الجديد لسيادة الدولة أن تتدخل القوى الأكبر في شئون الدول الأضعف لإجبارها على تغيير مواقفها، أو حتى حكوماتها ولو باستخدام القوة العسكرية، في إطار ما عرفته إدارة المحافظين الجدد بزعامة جورج بوش الابن بـ”الحرب الاستباقية”، وتستند فلسفة الحرب الاستباقية على فكرة فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، وتجد هذه الفكرة تأصيلها إلى نظرية “الواقعية” التي برع فيها كيسنجر، وأعاد من خلالها الاعتبار للمبدأ الروماني القديم الذي يقول “القوة تخلق الحق وتحميه”، ومن ثم أكد صاحب نظرية نهاية التاريخ على أن “استخدام القوة هو الحكم النهائي في العلاقة بين دول التاريخ، ودول ما بعد التاريخ؛ على الرغم من الدرجة المتزايدة من الاعتماد المتبادل في المجال الاقتصادي”.

وإلى أفكار كيسنجر وكتاباته ترجع أيضا نظرية “الفوضى الخلاقة” التي تبناها المحافظون الجدد في عهد بوش، وكان كيسنجر قد تبنى نظرية “التفكيك وإعادة البناء” باستبدال بعض الدول أو الكيانات القائمة بدويلات أصغر تتحارب مع بعضها؛ بهدف تسهيل تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي.

وفي ضوء هذه الأفكار المركزية التي أسهم في وضعها كيسنجر نفهم بوضوح كيف تبرر السياسة الأمريكية فرض العولمة على العالم، ولو بالقوة، لمنع أي بديل حضاري آخر يبدو منه تهديد للنظام الذي انتهى إليه التاريخ بحسب نظرية فوكوياما؛ هذه النظرية التي تجد جذورها لدى كيسنجر ذاته، وكتابات كيسنجر مثل: (مفهوم السياسة الخارجية الأمريكية، والدبلوماسية من القرن 7 إلى القرن 17، وهل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية: نحو دبلوماسية للقرن 21، ..إلخ) لا تزال مرجعا أساسيا لتلك الأفكار التي تجد طريقها للتطبيق في السياسة الأمريكية بين الحين والآخر، ولا يزال هو شخصيا يحظى باحترام بالغ في أوساط صناع السياسة الأمريكية ومراكز أبحاث الأمن القومي فيها، وقد حصل من أحدها، وهو معهد واشنطن لشئون الشرق الأدنى في السادس من أكتوبر 2008 على جائزة رجل دولة من الطراز الأول.

أحمد داود أوغلو يقف على النقيض من كل تلك النظريات التي تنتمي إلى كيسنجر وحوارييه، وله مدرسته الخاصة ونظرياته الأصيلة في ميدان العلاقات الدولية، وقبل أن يضع نظرياته، انتقد بعمق أهم بعض نظريات كيسنجر وتلامذته، وركز انتقاداته على نظرية “صدام الحضارات”، و”نظرية نهاية التاريخ”، وانتقد في طريقه كل نظريات النهاية التي أنتجها الفكر الغربي خلال القرن الماضي “نهاية الدين، ونهاية الأيديولوجيا، ونهاية التاريخ” (انظر كتابه الذي ترجمناه إلى العربية بعنوان: العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية – مكتبة الشروق الدولية، 2006).

توصل الدكتور أحمد إلى أن النظرية الأولى التي تحاول أن تشرعن استخدام القوة لحماية مصالح القوى الكبرى وفق المبدأ الروماني السابق ذكره، وهو مبدأ مفرغ من المضمون الإنساني، ويرى أحمد داود أن المشكلة هي في “صدام المصالح” وليس فيما أسماه هنتينجتون “صدام الحضارات”، أما النظرية الثانية فهي تحاول -في رأيه- قطع الطريق على البدائل الحضارية التي تتبلور في مناطق مختلفة من العالم، وتؤذن بانتقال الهيمنة الحضارية من المحور الأطلسي إلى محاور أخرى لا تزال في مرحلة التشكل، يأتي في مقدمتها “المحور الباسيفيكي” حول الصين والهند واليابان، أو “المحور الحضاري الإسلامي” وفي القلب منه تركيا وإيران وباكستان ومصر.

الحضارة الغربية برمتها -في رأي أحمد داود- تمر بأزمة، وأزمتها تتلخص في عجزها عن توفير الأمان الوجودي والحرية؛ وهما هدفان أبديان للإنسان على مر التاريخ، وكل حضارة تفشل أو تتراجع عن تحقيقهما تصبح متوترة وانفعالية تجاه الآخرين، ويستدل مفكرنا على عجز الحضارة الغربية عن توفير “الأمان” و“الحرية” للإنسان برعونتها في التعامل مع بقية شعوب العالم، وعدوانيتها تجاه الآخر، وانتهاكها للتوازن الفطري بين القيم المادية والقيم الأخلاقية / الروحية، وحتى للتوازن البيئي إلى حد التسبب في خرق طبقة الأوزون، إضافة إلى أن نزعتها الطاغية نحو العولمة تهدد بإلغاء التعددية الحضارية، وفرض نمط واحد عن طريق مزيد من القسر والإكراه.

وفي ضوء ذلك سنفهم بشكل أفضل أبعاد أول تصريح للوزير أحمد داود عندما قال: “تركيا سوف تستشار، ويحترم رأيها في كل القضايا العالمية، من المناخ والاحتباس الحراري، إلى قضايا الشرق الأوسط”.

الدليل الثالث: أن للدكتور أحمد داود إسهاما أصيلا في صوغ نظريات العلاقات الدولية انطلاقا من “رؤية معرفية إسلامية للعالم”، وليس عالة على كيسنجر أو غيره من أساتذة العلاقات الدولية، حتى يصح أن نصفه منسوبا إلى غير ذات نفسه كأن نقول إنه “كيسنجر تركيا”، صحيح أنه استفاد بطريقة نقدية خلاقة من اطلاعه الواسع على أفكار ونظريات كيسنجر وغيره من فطاحل العلاقات الدولية (كان يستضيف منهم مثلا: جوهان جالتونج النرويجي صاحب النظرية الإمبريالية البنيوية في العلاقات الدولية، ليحاضر في مؤسسته العلمية في إستانبول، التي تحمل اسم “العلم صناعة الوقف!”).

أوغلو.. ثلاث نظريات متماسكة

للدكتور أحمد داود ثلاث نظريات أساسية تعبر عن رؤيته للعلاقات الدولية تعبيرا أصيلا في نسبته إلى أفكاره، وإدراكه لذاته الحضارية/الإسلامية، بحسب مصطلحاته هو في كتاباته، وهي: نظرية التحول الحضاري، ونظرية العمق الإستراتيجي، ونظرية العثمانية الجديدة.

1- نظرية “التحول الحضاري”:

طرح فيها أحمد داود رؤيته لمستقبل العلاقات الدولية، وفيها يبرهن على أن ما يجري في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ليس تعبيرا عن انتصار الرأسمالية/الليبرالية، ولا عن نهاية التاريخ، وإنما هو تعبير عن تحول حضاري واسع المدى، وبموجب هذا التحول ينزاح –تدريجيا- “المركز الحضاري الأطلسي/الأمريكي”، وتحاول القارة الأوروبية العجوز استرداده مرة أخرى من خلال “الاتحاد الأوروبي”، كما تحاول آسيا “المركز الباسيفيكي” بناء هذا المحور الجديد بقيادة الصين والهند واليابان، كما يحاول العالم الإسلامي من خلال حركات الإحياء الإسلامي أن يبني محورا حضاريا جديدا أيضا مرتكزا على تماسك رؤيته للعالم، وفي القلب من هذه الرؤية تقع قيمتا الحرية والأمان الوجودي بالمعنى الإنساني/الإسلامي.

يقول: “… فالحرية في المنظور الإسلامي هي تعبير عن نضج روحي يمكن الإنسان من أن يتحكم في أنانيته الذاتية، الحرية ليست موضوعا من موضوعات القوة بقدر ما هي موضوع للوعي بالذات ومعرفة النفس، وكذلك الأمن يكمن في شخصية الإنسان ووعيه الذاتي، ولا يأتيه من خارجه”.

ويرى أوغلو أن “النموذج الإسلامي” في رؤيته للعالم يضمن السلام مع البيئة بخلاف النموذج الغربي؛ لأن المسلم يدرك أن الكون هبة الله، وهو حق مشترك للجنس البشري، ولذا لابد من المحافظة على البيئة لأنها شرط جوهري لصلاحية الكون للحياة”. كذلك يؤكد على أن النموذج الإسلامي يعبر عن الأصالة والتعددية؛ فتصوره للتاريخ والزمن يؤكد على الطبيعة الدائرية وليست الخطية الأحادية كما الحضارة الغربية، ومن هنا أهمية التجديد وقدرة الحضارة الإسلامية على استعادة مكانتها، فالسيادة الحقيقية لا تنطلق من التفوق المادي وحده، وإنما من التفوق القيمي والروحي أيضا”.

في نظريته هذه، شرح د. أحمد داود العقبات التي تعترض نهضة المحور الحضاري الإسلامي، فنبه منذ منتصف التسعينيات إلى أن المحور الحضاري/الأمريكي سيسعى للاحتفاظ بتفوقه بشتى الوسائل الأخلاقية وغير الأخلاقية بما في ذلك أن يتلاعب بالأسس الداخلية للمراكز الحضارية البديلة له، وكشف ببراعة وثقة كبيرتين عن جذور أزمة الأفكار والمؤسسات التي تعاني منها الشعوب الإسلامية، وأرجعها إلى “انفصال النخب الفكرية العلمانية عن المرجعية الإسلامية، ومحاولة النخب الحاكمة والمسيطرة فرض ثقافة جديدة مطابقة للمفاهيم الغربية وإنجاز التنمية الاقتصادية وبناء القوة العسكرية لتحقيق موقع أفضل على الساحة الدولية، وفي نفس الوقت تسويغ السياسات الاحتكارية لهذه النخب في مختلف المجالات”. ولكنه أكد أيضا أن هذه النخب العلمانية تواجه مأزقا اليوم لفشلها في إنجاز أي من الأهداف الكبرى التي حددتها منذ بدايات القرن العشرين على الأقل، وأولها الفشل في تكوين ثقافة قومية مستقلة عن المرجعية الإسلامية للمجتمعات العربية والإسلامية رغم احتكار التغريبيين لأغلبية قنوات التنشئة الاجتماعية والثقافية بسيطرتهم على أجهزة الدولة، وثانيها الفشل في تحقيق التنمية الاقتصادية، وثالثها الفشل في تحقيق مكانة دولية متقدمة على مدرج هرمية القوة الدولية.

إذن: طبقا لنظرية “التحول الحضاري” لأحمد داود، فإن المرحلة الراهنة من تاريخ العلاقات الدولية تشهد منازعة بين أكثر من مركز أو محور حضاري باتجاه “نظام عالمي جديد”. وهو يؤكد حضور العالم الإسلامي في خضم هذه المنازعة، ويرسم تصورا من أربع مراحل قطع منها المحور الإسلامي ثلاثة ودخل في الرابعة، أولها مرحلة الخضوع للنزعة الاستعمارية، وثانيتها مرحلة تحدي الهوية بعد سقوط الخلافة العثمانية إلى قيام ثورات التحرر من الاستعمار، وثالثتها مرحلة نشأة دولة ما بعد الاستعمار وسيطرة النخب المتغربة عليها، ورابعتها يسميها “مرحلة تجدد الإدراك الذاتي الإسلامي” وتخلصه تدريجيا من عقدة الدونية التي سيطرت على الذهنية المسلمة إبان الحقبة الاستعمارية.

ويضرب داود مثالا على ذلك بخروج تركيا منذ منتصف الثمانينيات من سياسة الانكفاء على الذات، والعزلة عن محيطها الإستراتيجي الإسلامي، والقبول المتنامي لهذا التوجه في السياسة الداخلية التركية.

وعندما يصل إلى هذه النقطة نجده يمسك بأول خيط ينسج به نظريته الكبرى الثانية، وهي نظرية “العمق الإستراتيجي”، التي خصص لها كتابه الضخم، الذي أضحى معلما في الفكر الإستراتيجي للدكتور أحمد داود، واعتمد مرجعا أساسيا في الكليات العسكرية التركية، وأعيد طبعه أكثر من 17 مرة منذ صدور طبعته الأولى سنة 2001، وأخبرني قبل يومين من توليه وزارة الخارجية أن قناة الجزيرة القطرية حصلت على حقوق ترجمته من التركية وعلى وشك الصدور بالعربية لأول مرة.

2- نظرية “العمق الإستراتيجي”:

عبر أحمد داود عن هذه النظرية بكلمات موجزة في أول تصريح له عقب توليه الوزارة أول مايو الجاري بقوله: “إن تركيا لديها الآن رؤية سياسة خارجية قوية نحو الشرق الأوسط والبلقان ومنطقة القوقاز.. سنسعى لدور إقليمي أكبر، ولم نعد بلد رد فعل”. هذه الكلمات المقتضبة لها تفاصيل وافية في كتابه “عمق الإستراتيجية: المكانة الدولية لتركيا”، الذي أشرنا إليه، وخلاصتها تتمثل في إخراج تركيا من بلد “طرف”، أو “هامش” يقتصر دورها في كونها عضوا في محاور وعداوات، إلى بلد “مركز” على مقربة واحدة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الإقليمية والدولية.

في إطار هذه النظرية يبدي أحمد داود حساسية عالية جدا تجاه الرؤى الغربية والأمريكية التي وضعت بلاده في مكانة هامشية، أو طرفية ضمن النظام العالمي، وخاصة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، يتحدث بثقة غير مفتعلة عن خطأ ما ذهب إليه “الكاتب هنتينجتون” من أن تركيا أطراف “دولة ممزقة توجد على أطراف الغرب من جهة وعلى أطراف الشرق من جهة أخرى، فهي تمثل أطراف أوروبا كما تمثل أطراف العالم الإسلامي”.

ويلقن أحمد داود هنتينجتون درسا قاسيا في علم الإستراتيجية والعلاقات الدولية، وهو يفند وصفه لبلده تركيا بأنها “دولة أطراف”، يقول: “إن تركيا دولة مركزية، والدليل على ذلك هو تواجد تركيا في مكان قريب من الجغرافيا التي تسمى “أفروآسيا”؛ أي إفريقيا وأوروبا وآسيا؛ فهي هنا ليست دولة أطراف، هي من الناحية الجغرافية دولة مركز وليست دولة أطراف، فتركيا ليست دولة أوروبية وحسب، بسبب موقعها المركزي، بل هي دولة آسيوية أيضا؛ وليست دولة آسيوية وحسب بل هي دولة أوروبية أيضا، وهي ليست دولة واقعة ضمن حوض البحر الأبيض المتوسط وحسب، بل هي واقعة في حوض البحر الأسود أيضا، كما توجد أجزاء من تركيا في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط… فتركيا، والحالة هذه، تمتلك القدرة على التأثير والتأثر بالدول المحيطة بها، وإذا ما ألقينا نظرة تاريخية، نجد أن تركيا تقع وسط المكان الذي تشكل فيه تاريخ الحضارات الموجودة في المنطقة، وعندما نلقي نظرة إلى حضارة ما بين النهرين والحضارات المصرية واليونانية والإسلامية والرومانية والعثمانية، نجد أن تركيا ليست دولة أطراف، بل هي دولة توثر في عدة حضارات وتتأثر بها في الوقت نفسه؛ فهي دولة مركز من الناحيتين التاريخية والثقافية”.

ويكمل داود بالقول: “إذا ما ألقينا نظرة إلى خطوط تدفق الطاقة، نجد أن هذه الخطوط تتوه وتُضيع طريقها إذا ما حذفتم تركيا عن الخريطة، إذ أنه يمر من تركيا خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي وخطوط نفط باكو تبليس وجيهان، وخطوط أنابيب كركوك يمورتالك، وخطوط أنابيب أخرى”.

العمق الإستراتيجي كما يتصوره أحمد داود ينطوي على أبعاد حضارية، وثقافية، وتاريخية، وجغرافية، ودينية، لا تشكل عبئا عليها كما يتصور البعض، وإنما تشكل في مجملها فرصة كي تقوم تركيا بدور فعال ليس فقط في النظام الإقليمي المحيط بها، وإنما في النظام العالمي أيضا.

يقول أيضا: “إذا ما وحّدنا فضيلة الشرق، أي فضيلة الحضارة الإسلامية مع عقلانية الغرب ومع خصوبة اقتصاد الشمال مع البحث عن العدالة في الجنوب (وأنا مؤمن بأن ذلك سيتحقق) نجد أن تركيا تمتلك المؤهلات التي تمكنها من أن تصبح دولة نموذجية للمعطيات الثقافية للعولمة وللأفروآسيوية، وتمتلك قوة تستطيع من خلالها التدفق نحو محيطها.. نحن لسنا دولة أطراف”، قال ذلك وهو يرد مرة أخرى على هنتينجتون.

وكأن هنتينجتون -المقرب من كيسنجر- قد لامس الكبرياء العثماني لدى أحمد داود أوغلو، فانبرى يعرفه أصول الحديث عن “تركيا” في السياسة العالمية، وعلى أساس “نظرية العمق الإستراتيجي”، وضع الدكتور أحمد داود عدة نظريات “أقل” اتساعا، وأكثر عملياتية في شئون السياسة الخارجية التركية، ومن أهمها نظريته التي تقول: “إن التفوق العسكري لا يعوض ضعف المرونة الدبلوماسية”، ونظرية أخرى تقول: “الضعف هو اعتبار جار أو خصم غير موجود”!!، وثالثة تقول: “في علاقاتنا الدولية لسنا مع أحدهم ضد الآخر”، ومن هذه النظريات، وأمثالها، أمسكنا بنظريته الثالثة الكبيرة “العثمانية الجديدة”، أو بالأدق “نظرية الثقة بالذات”.

3 – نظرية العثمانية الجديدة:

هذه النظرية (وإن لم يسمها أحمد داود بهذا الاسم في كتبه) هي الأكثر إثارة للجدل على المستوى الداخلي؛ لأنها تقع في صميم معركة بين الحداثة والتقليد، أو الأصالة والتغريب، أو “الإسلام والعلمانية”، وهي المعركة التي تخوضها تركيا على أكثر من صعيد منذ ما قبل تأسيس الجمهورية وإلغاء الخلافة سنة 1924.

يخلص أحمد من قراءته المتقصية للتاريخ العثماني على مدى أكثر من أربعة قرون، ولتاريخ الجمهورية الكمالية خلال العقود الثمانية الماضية من القرن العشرين، إلى أن تركيا تصرفت بأقل من مكانتها، وبأدنى من إمكانياتها في سياساتها الإقليمية والعالمية منذ تأسست الجمهورية.

وانضم في رؤيته هذه إلى حركة المراجعة التي قادها في منتصف الثمانينيات الرئيس تورجوت أوزال (وظهر مفهوم العثمانية الجديدة آنذاك لوصف سياسته التجديدية، وإفساحه المجال لنمو التيار الإسلامي بدرجة ملحوظة). ووجد أحمد داود -هو وغيره من تيار العثمانية الجديدة- أن السبب في تراجع تركيا خلال الحقبة الماضية يعود إلى سياسة “القطيعة” التي سعت لفصل ماضي تركيا العثمانية وعمقها الإستراتيجي عن حاضر الجمهورية الكمالية ومحيطها الإقليمي، والتي عمقت أيضا الانقسام بين “العلمانية”، و”الإسلامية”، وغلبت الأمن على الحرية، وأحدثت أزمة “هوية” في أوساط النخب التركية، وخاصة بعد أن تبين فشل العسكر في فرض هوية جديدة بالقوة على المجتمع من أعلى هرم السلطة التي أمسكوا بها.

والحل هو في تبني “عثمانية جديدة”، والعثمانية الجديدة لا تعني بعث السياسات التوسعية للدولة العثمانية، ولا العودة للماضي الغابر، وإنما قوامها ثلاثة مرتكزات، أولها: أن تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الإسلامية بسلام، وتعتز بماضيها “العثماني” متعدد الثقافات والأعراق، وتوسع الحريات في الداخل، وتحفظ الأمن في الخارج، وثانيها: استبطان حس العظمة والكبرياء العثماني والثقة بالنفس عند التصرف في السياسة الخارجية، والثالث: الاستمرار في الانفتاح على الغرب، مع إقامة علاقات متوازنة مع الشرق الإسلامي.

“العثمانية الجديدة” تعني باختصار الاعتماد على القوة الناعمة لا الخشنة في السياسة الخارجية.. إنها تعني: “علمانية أقل تشددا في الداخل، ودبلوماسية نشطة في الخارج، وخاصة في المجال الحيوي لتركيا”. وهناك بالفعل جدل متواصل حول جدوى المعايير الكمالية في التعامل مع القضية الكردية؟! وكيف أن هذه المعايير عندما تسيطر على السياسة التركية تغدو قلقة، وانفعالية، وغير واثقة من نفسها، وهناك أيضا جدل آخر حول “العلمانية السلبية”، و”العلمانية الإيجابية”، ويقود هذا الجدلَ عددٌ من منظري حزب العدالة والتنمية، إلى جانب أحمد داود، ومنهم وزير الخارجية الأسبق يشار أكيش.

في كتابات أحمد داود أوغلو نجد بذور نظرية “العثمانية الجديدة”، ولكن دوائرها تتسع رويدا رويدا في أوساط النخبة التركية بأطيافها السياسية والفكرية، وربما تكون قد وصلت إلى النخبة العسكرية ممثلة في رئيس هيئة أركان القوات المسلحة إيلكر باشبوغ -وهو ليس مجرد قائد عسكري من طراز رفيع، وإنما مثقف واسع الاطلاع على الفلسفات والنظريات السياسية والأدبية العالمية- ففي الخطاب السنوي لرئيس الأركان الذي ألقاه باشبوغ يوم 14 أبريل 2009، عبر عن رؤية جديدة أكثر مرونة وانفتاحا تجاه الأكراد عندما تحدث عن “هوية تركيا”، و”شعب تركيا”، ولم يستخدم تعبير “الهوية التركية”، ولا “الشعب التركي”، وبذلك تكون العسكرية/الكمالية قد غادرت واحدة من ثوابتها في التركيز على القومية التركية في المقام الأول، ثم بعدها تأتي القوميات الأخرى: العربية، والكردية، والأرمينية، والألبانية. تحدث أيضا هذه المرة عن أن الجمهورية الحديثة تتحقق “بالديمقراطية”، وليس “بالعلمانية” كما درجت قيادات الجيش على ذلك في السابق، والأهم من ذلك كله أنه شدد في خطابه على احترام المؤسسة العسكرية للدين، واستدعى كلمات لأتاتورك قال فيها: “لا يمكن للأمم أن تستمر دون دين، ولا يمكن للجيش التركي إلا أن يحترم قيم شعبنا، بل إن أحد الألقاب الشائعة للجيش وسط مجتمعنا التركي هو أنه “مدرسة النبي محمد” صلى الله عليه وسلم.

في رأينا أن ما ورد في هذا الخطاب الأخير لرئيس هيئة الأركان هو بمثابة “ثورة صامتة” في إدراك المؤسسة العسكرية، وخاصة أنه جاء على لسان باشبوغ الذي يوصف بأنه من أقوى حراس العلمانية شكيمة في الجيش، وجاء أيضا متوافقا مع ذكرى مرور مائة سنة على وقوع أول انقلاب عسكري ضد أطاح بالسلطان عبد الحميد سنة 1909.

لا تزال ملامح “العثمانية الجديدة” تتشكل كأحد الفروع التي تنمو يوما بعد يوم على جذع شجرة “نظرية التحول الحضاري”، ونظرية “العمق الإستراتيجي”، وهما النظريتان العملاقتان اللتان وضعهما أحمد داود أوغلو قبل أكثر من عشر سنوات، وستظل مرتبطة باسمه، ويعرف بها، وتعرف به، كإسهام أصيل في حقل العلاقات الدولية والدراسات الإستراتيجية من خارج المركزية الأوربية/الأمريكية المهيمنة على هذا المجال منذ أكثر من قرن من الزمان.

ومن المرجح أن تكتسب نظريات أحمد داود قوة دفع كبيرة للأمام بعد تعيينه وزيرا للخارجية، وقد يشهد العالم في وقت ليس ببعيد بروزه كشخصية تقف في مصاف وزراء خارجية عظام مروا على فترات متباعدة في تاريخ العالم خلال القرنين الماضيين، ابتداء من الأمير كليمنصو فون ميترينخ مستشار النسما الذي خطط لمؤتمر فيينا 1815 ووضع أسس النظام الأمني الأوروبي الجديد بعد تراجع المد البونابرتي، مرورا بـ”بسمارك” المستشار الألماني ووزير خارجية بروسيا في عهد الملك فيلهلم الأول خلال السبعينيات من القرن التاسع عشر، وفؤاد باشا الصدر الأعظم ووزير خارجية السلطان العثماني عبد العزيز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكذلك جون فوستر دالاس وزير خارجية الرئيس الأمريكي إيزنهاور الذي قاد أمريكا (1953ـ1961)، وصولا إلى هنري كيسنجر الذي عمل مع عدة رؤساء أمريكيين، وكان وزيرا للخارجية في عهد الرئيسين نيكسون وفورد من 1973 إلى 1977… يقف أحمد داود أوغلو في مصاف أمثال هؤلاء، قامته بقامتهم، وكعبه في العلم يفوق كثيرين منهم، وليس من الإنصاف أن ننسبه لغير ذات نفسه… ليس هو “كيسنجر تركيا”، هو “أحمد داود أوغلو”.

أما نحن العرب، فأولى بنا أن نقرأ ما يكتبه هذا الرجل، وأن نغتنم فرصة وجوده في وزارة الخارجية وله “هوى عربي”، وأن نهتم أكثر بالنجوم الصاعدة في سماء السياسة التركية بفضل “فضيلة الديمقراطية” التي اكتشفت أحمد داود أوغلو، ومن قبله أردوغان، وعبد الله جول، وبولنت أرينج. وعيب أن يظل اهتمامنا محصورا في نجوم المسلسلات التركية مثل “نور”، و”سنوات الضياع”، و”قصة شتاء”، عيب كبير!!.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية – مصر

تعقيب من إدارة الموقع : من الضروري فهم ما يجري في العالم ولا يعني ذلك التطابق

كُتب في المناهج | التعليقات على مقالة مهمة جداً لفهم السياسة الخارجية التركية مغلقة

الداعية وإدارة الذات … نفس لهوها التعب .. للأستاذ مصطفى كريم

(الجزء الأول)

في يوم من الأيام، فقد الشبل الرضيع أهله من الأسود، وظل هائمًا على وجهه، إلى أن مر به قطيع من الغنم، فسار الشبل معها وصاحَبَها، وأكل الأعشاب كما تأكل، وكان يرعى الكلأ كما ترعى، إلى أن شب وكبر، ونما وترعرع، لكنه لا يزال يمأمئ كما تمأمئ الغنم، ويأكل كما تأكل، ولم يلفت انتباهه تفوقه عليها قوة وشجاعة.

وفي ذات صباح، ذهب ليشرب من النهر، فرأى صورته فتعجب، إنها لا تشبه أباه الكبش، ولا أخاه الحمل، ولا أمه النعجة، فصادف فيلاً وسأله: من أنا؟ قال له: أنت أسد وسليل أسود، حينئذ زأر زئيرًا طارت لهوله قلوب الكباش، تلك التي كان يمأمئ معها قبل قليل، ما الذي حدث لهذا المخلوق؟ وما الذي طرأ عليه وما الذي تغير فيه؟ لا شيء سوى أنه اكتشف نفسه، وأبدى قدرته، وكشف الغطاء عن ذاته.

فأنت ـ أخي الداعية ـ سليل أسود الأمة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وحامي عرين هذا الدين العظيم، تشيد به نهضة لهذه الأمة، حتى تعود إلى مكانها الطبيعي كواسطة عقد الأمم، ولن يكون ذلك إلا برجال يتسلمون الراية من الآباء العظام، لتكمل بها المسير، فتكون فخرًا لأجدادك الأسود يا سليل الأسود.

على قدر أهل العزم: ولكن السفينة لم تصنع لكي تُزين البر، ولكن لكي تمخر عباب البحر، وحين تترك السفينة مكان صناعتها، وتخطو خطواتها في خضم الأمواج، تظهر قوتها، ودقة صناعتها.

وكذلك أنت ـ أخي الداعية ـ فبعد أن امتلكت قلبًا يطل على أفكاره، عرف كيف يدرك ذاته، وكيف يرسم رؤيته في جوانب الحياة المختلفة، الدعوية والمادية والاجتماعية وكذلك الجوانب التطويرية والمهارية، فأنت بذلك قد صنعت السفينة، ولكن أن تمخر عباب الدعوة إلى الله وتشق أمواجها فلابد من نفس أصبح اللهو تعبها، وبذل الجهد في مرضاة الله ونشر دينه لذتها، فيصير البذل بالنسبة لها أعظم متع الدنيا.

درب الأسود: وها نحن ننتقي لك ـ أخي الداعية ـ من درب أسود هذه الأمة نماذج لنفوس أدركت عظم أمانة هذا الدين، فصارت الوقت والجهد عملة ينفقونها في سوق رائجة، سوق الدعوة إلى الله، فترتد لهم في الدنيا سعادة وهناءً، وتتدخر لهم في الآخرة ـ بتوفيق الله ـ حسنات تثقل الميزان.

الشبل الرجل: فهذا علي بن أبي طالب، ذلك الشبل الرجل ينام في سرير النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، يُعرض نفسه وحياته للخطر، ولكنها لذة البذل في سبيل الله عز وجل ونصرة دينه، ليخرج الرسول صلى الله عليه وسلم آمنا سالمًا؛ فينشر دعوة الحق في أرجاء الأرض.

 

ولشقائق الرجال نصيب: وتأبي شقائق الرجال إلا أن يضربن بسهم وافر في التضحية، فتخط أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما سطورًا مضيئة من شجاعة نادرة، فها هي تحمل الطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في غار ثور يوم الهجرة، وتعرض نفسها لخطر الوقوع في يد الكفر التي لن ترحم صغر سنها ولا كونها امرأة.

شاب في الثمانين: وإليك سيرة شاب في الثمانين من عمره، فهو شيخ بعدد سنين حياته، ولكن روحه الباذلة في سبيل الله شابة إلى أبعد الحدود، إنه يوسف بن تاشفين الذي قاد وهو في ذلك العمر جيشًا جرارًا لإنقاذ الخلافة الإسلامية في الأندلس بعد أن أرسل أُمراؤها رسالة استغاثة واحدة، قالوا فيها:

(ونحن أهل هذه الأندلس ليس لأحد منا طاقة على نصـرة جاره ولا أخيه، ولو شاءوا لفعلوا إلا أن الهواء والماء منعهم من ذلك، وقد ساءت الأحوال، وانقطعت الآمال، وأنت أيَّدك الله سيد حِميَر، ومليكها الأكبر، وأميرها وزعيمها، نزعت بهمتي إليك واستنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولكم عند الله الثواب الكريم، على حـضرتكم السامية السلام ورحمة الله وبركاته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

فكان عبور القفار لذة، وخوض البحار متعة، فما وهنت همته ولا كلَّت عزيمته.

ورقة في كتاب التضحية: وتأمل ـ أخي الداعية ـ في ذلك النموذج الفذ، أبى إلا أن يبذل في سبيل الله، إنه ورقة بن نوفل، ذلك الحنيفي الذي جاءه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها يوم أن نزلت رسالة الإسلام.

فماذا كان جواب ورقة: (يا ليتنى فيها جذعًا، يا ليتنى أكون حيًّا حين يخرجك قومك)، إنه يأسف أن لم يكن شابًا جذعًا ليبذل، ويصنع مجد الإسلام العظيم.

دموع ذهبية: وإليك جماعة مؤمنة، ساقتهم قلوبهم قبل أقدامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك، ليجد لهم جياداً تنقلهم للجهاد في سبيل الله، فلم يجد عليه الصلاة والسلام لهم شيئًا يحملهم والسفر طويل والزاد قليل، فتفيض العيون بالدمع؛ لأن أنفسهم ستفتقد لذة البذل في سبيل الله.

فيُنبئنا الله بخبرهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة فيقول: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92].

أنها النفس التي لهوها التعب، وهذه هي الروح التي ينتصر بها الإسلام، كما يقول صاحب الظلال: (بمثل هذه الروح انتصر الإسلام، وبمثل هذه الروح عزَّت كلمته، فلننظر أين نحن من هؤلاء، ولننظر أين روحنا من تلك العصبة، ثم لنطلب النصر والعزة إن استشعرنا من أنفسنا بعض هذه المشاعر).

الفاروق يصف الطريق: ولكن ما هي معالم الطريق للحاق بهؤلاء؟ ومن أين تكون البداية؟

يأتي الفاروق رضي الله عنه ليصف لنا الطريق في موقف إيماني تربوي عظيم، يجمعه مع النبي صلى الله عليه، فبينما يسير عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم آخذًا بيده، تفيض مشاعر عمر رضي الله عنه ليهتف بها لسانه : (يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسـي)، فيأتي الرد من المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك).

ويطبق الصمت على المشهد للحظات، فلا يقطعه سوى كلمات صادقة من الفاروق رضي الله عنه، قائلاً: (فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي)، فيقول صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر) [رواه البخاري].

فما سر ذلك التحول، وكيف كان قرار عمر سريعًا؟ إنه التغيير النابع من داخل عمر رضي الله عنه، من باطنه وقلبه وأعماقه، لذا؛ لم يحتج إلى وقت طويل، ولا تفكير مديد؛ لأنه تربى على تلك القاعدة الربانية والسنة الإلهية: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11].

فالله عز وجل (لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزًا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون. وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشـر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم).

فالسماء لا تمطر تلك النفسة الأبية، والروح المتقدة للبذل لهذا الدين، إنما هي الأوقات تبذل، والعرق يتصبب، والمال ينفق، والدمع يذرف، وقبل كل ذلك، يد ترتفع إلى الله ترجو توفيقه وسداده.

الحواجز الوهمية: ولكن لن يكون الطريق إلى تلك النفس سهلًا ممهدًا، فبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، ولذا سيقف في طريقك ـ أخي الداعية ـ حواجز نفسية يسقط عندها البعض، ولكنها ستكون في حقك ـ إن شاء الله ـ حواجز وهمية، وفي الحلقة القادمة من تلك السلسلة “نفس لهوها التعب” سنعرف كيف نتخلص من عقبات السير في طريق البذل لدين الله عز وجل؟

نشيد النفس الأبية: وأثناء المسير في تلك السلسلة ، اجعل نشيدك هذه الأبيات الرائعة تشدو بها وتحدو:

هذا الرقيـق تـراه عـند الـروع في قـلب الأسـود

متـبـسماً والـدهـر غضبـان يـزمجـر بـالوعيـد

فـإذا رمـاه بالخـطـوب رمـاه بالعــزم الجـليـد

وإذا دعتـه الواجـبـات… فحـمـلتـه بـما يـئـود

وجـدتـه صــلباً أبـــياً لا يـخر ولا يــميـد

من المراجع :

1. قوة المبادرة، محمد أحمد العطار.

2. بواعث السعادة، د.خالد الدسوقي.

3. دولة المرابطين في المغرب والأندلس، د.سعدون عباس.

4. السيرة النبوية، ابن كثير.

بتصرف يسير

كُتب في المناهج | التعليقات على الداعية وإدارة الذات … نفس لهوها التعب .. للأستاذ مصطفى كريم مغلقة

هوارد زن يودع الحياة .. صانع متقدم لم نعرفه ..

هذه المعلومات النفيسة كان ينبغي أن تنشر قبل أربعة أشهر، ولكن لم تنشر وقتها بسبب توقف الموقع، وهي الآن تحت أنظار المهتمين مع الشكر الجزيل للأستاذ الفاضل أبي اسماعيل.

ريثما ينتهي الإخوة الأعداء من الجدل حول صحة ضربة الجزاء في مباراة مصر والجزائر البارحة وريثما يتنهي المعلقون السياسيون من المزايدة في كيل المديح والإطناب لخطاب أوباما أمام الكونغرس الأميركي حول حالة الإتحاد، سيمر خبر وفاة المؤرخ والكاتب المسرحي الأميركي هوارد زن دون يعيره أحد في عالمنا العربي الكئيب كثير اهتمام أو التفات، ذلك الرجل الثمانيني الذي غير وجه التاريخ الأميركي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

لم يكن زن مؤرخاً وكاتباً مسرحياً فحسب ولكنه كان ناشطاً حقوقياً وثائراً اجتماعياً ومناضلاً إنسانياً ساهم مساهمة مؤثرة في حركة الحقوق المدنية في الستينات وكان أحد أبرز رموزها في المجال الأكاديمي. تبنى دائماً حقوق المظلومين والمستضعفين واصطف دون مواربة أو استحياء مع فئات المحرومين المهمشين ووظف كل ما امتلك من مؤهلات علمية ومواهب إبداعية للمناداة بالعدالة الاجتماعية ليكون الوطن مظلة للجميع لا تستأثر بها فئة قليلة منتفعة.

كتابه “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية” People’s History of the United States والذي بيع منه أكثر من مليوني نسخة بطبعاته المختلفة (وسيصدر منه طبعة منقحة في شهر يوليو القادم) أعاد كتابة التاريخ الأميركي من وجهة نظر الطبقات المسحوقة، من الهنود الحمر والعبيد والنساء والبيض الفقراء من غير طبقة ملاك الأراضي، التي كان عرقها ودماؤها ودموعها وعلى مدى 400 سنة وقوداً لمسيرة جحافل أصحاب المال والجاه والنفوذ والسلطان المظفرة نحو الهيمنة على العالم. واليوم لم تعد تلك الطبقات المسحوقة حكراً على أميركا ولكنها امتدت لتشمل شعوب العالم المسحوقة بما فيها شعوب منطقتنا العربية والإسلامية وما هايتي منا ببعيد.

ولمن يستمتع بتذوق الأدب باللغة الإنكليزية أقول إن الكتاب المذكور لا يؤرخ الأحداث عبر أسلوب أدبي جذاب رفيع فحسب ولكن يمكن أن يعتبر أيضاَ سفراً هاماً في تأريخ أدب المقاومة (الاجتماعية) الأميركي منذ أن وطئت أقدام المستعمر الأوروبي الأبيض أديم تلك البلاد. وأقول بلا تحفظ أني مدين لزن بقراءتي لكتابه هذا والتي زودتني بمنظور أكثر رحابة وعمقاً (في رأيي الشخصي) لتقويم أحداث الشأن الجاري في منطقتنا العربية والإسلامية والذي تلعب فيه الولايات المتحدة الأميركية في عصر العولمة دور البطولة على الدوام.

كان لزن نظرية لافتة في التدريس يلقنها لطلابه في الجامعات، أودعها في أحد كتبه واختزلها في عنوان ذلك الكتاب: لا يمكنك أن تكون حيادياً وأنت على قطار متحرك You can’t be neutral on a moving train وهو في نظريته تلك أقرب وألصق وأكثر ائتماناً على فكر مارتن لوثر كينغ القائل يوماً “حيواتنا تبدأ بالفناء يوم نصمت حيال الملمات” Our lives begin to end when we are silent about things that matter من ممن يدعي به وصلاً اليوم ويتوسل لذلك لون بشرة مشترك. مثل هذه المبادئ جديرة بالاحترام والتقدير والبث والنشر ونحن نعيش عصر حياد الأغلبية الصامتة الخانع، حياد النعاج إزاء جزاريها!

طبعاً لن يتوانى المشككون عن الطعن في سيرة زن بالقول أنه يساري متطرف أو اشتراكي النزعة. والرجل لا يخفي نزعته الاشتراكية ولايعتبر ذللك تهمة بل يشير إلى الاتحاد السوفييتي بأنه المثال العملي الرديء الذي أكسب الاشتراكية سمعتها السيئة وهو يتبنى أنموذجاً اشتراكيأ يدعو إلى العدالة الاجتماعية مشابه لما هو مطبق في بعض الدول الاسكندنافية ويرافع عن ذلك الأنموذج ببراعة بما أوتي من حجة وبرهان. ولا شك أن هناك الكثير مما أختلف معه به بما في ذلك اشتراكيته حيث لا أخفي أنا الآخر منهجي الإسلامي لا سيما عندما يتعلق الأمر بليبراليته الاجتماعية العارمة، ولكن تمسك الرجل بمبادئه وتمثلها في سلوكه وحياته والذود عنها والكفاح في سبيلها على حساب موارده وأمنه الشخصي هو ما يستحق الاحترام والتنويه. فلا يصرفنك تصنيف الخصوم عن الإنتاج الوافر المبدع الثمين للرجل فإن فعلت فإنك تفوت على نفسك فرصة هائلة للاستنارة والاستفادة.

بإمكانك قراءة نعي ضافٍ لزن عبر الرابط التالي

http://www.thenation.com/blogs/notion/522763/howard_zinn_the_historian_who_made_history?rel=emailNation

واستمع إلى المقطع الصوتي التالي الذي يقراً فيه هوارد زن شخصياً فقرة رائعة بديعة من كتابه “التاريخ الشعبي ..” لن تأخذ من وقتك أكثر من ثلاث دقائق.

http://www.npr.org/templates/player/mediaPlayer.html?action=1&t=1&islist=false&id=123068426&m=123067194

ثم اقرأ رأي زن بالسنة الأولى من حكم أوباما والذي نشره في موقع ذي نايشن قبل أسبوعين فقط من وفاته.

http://www.thenation.com/doc/20100201/forum/6#zinn

أخيراً، اصنع مع نفسك معروفاً وطالع كتاباً مما كتبه الرجل واحكم بنفسك، وكنت قد أسلفت لكم بعض الأمثلة والروابط (منها ما هو بالعربية) حول هذا الموضوع في مراسلات سابقة تجدونها في الأدنى للتذكير.

وبهذه المناسبة فقد عثرت مؤخراً على ترجمة لكتاب الدكتور هوارد زن المذكور في الأدنى “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية 1492-” وهو من إصدارات المشروع القومي للترجمة التابع للمجلس الأعلى للثقافة في مصر وقد صدر في مجلدين ترجمة الدكتور شعبان مكاوي أستاذ الأدب الإنكليزي في جامعة حلوان

الجزء الأول (الرقم التسلسلي 736)

الجزء الثاني (الرقم التسلسلي 794)

كُتب في المناهج | التعليقات على هوارد زن يودع الحياة .. صانع متقدم لم نعرفه .. مغلقة

من الضمانات التي قدمها النظام الإسلامي لأفراده

لقد قدم الإسلام ضمانات واسعة للأفراد والمجتمعات وبشكل غير مسبوق وفيما يلي طرف منها:

1- الكرامة الإنسانية: وهو ضمان متفرع من ضمان الحياة نفسها ، قال تعالى: ) ولقد كرمنا بني آدم([1][1] ، وعن جابر بن عبد الله قال: طلقت خالتي فأرادت أن تَجُدَّ[2][2] نخلها فزجرها رجل أن تخرج ، فأتت النبي r فقال: “بلى فجدي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا”[3][3].

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على من الضمانات التي قدمها النظام الإسلامي لأفراده مغلقة

بيان العلامة الدكتور سعيد رمضان البوطي توضيحاً لمسألة هامة

أصدر العلامة الدكتور سعيد رمضان البوطي حفظه الله ونفع به بياناً حول ما تداولته الأوساط المختلفة لتصريخات نسبت إلى مفتي سورية الدكتور أحمد حسون ، وفيما يلي نصالبيان نقلاً عن موقع نسائم الشام : http://www.naseemalsham.com

سؤال: ما هو حكم الشرع فيما قاله سماحة الشيخ أحمد حسون في كلمته للوفد الأمريكي: لو قال (محمد صلى الله عليه وسلم أكفر بعيسى أو بموسى، لقلت: أنا أكفر بك أنت).
جواب: بقطع النظر عن صحة أو عدم صحة نسبة هذا الكلام إلى سماحة مفتي سورية الشيخ أحمد حسون، فإن قائل هذا الكلام يقرر أنه يتلقى معلوماته التي بعث بها الرسل والأنبياء، من مصدر آخر أعلى منهم ومستقل عنهم.
ومن الثابت بداهة أن الأنبياء والرسل (ومحمد صلى الله عليه وسلم آخرهم) هم دون غيرهم مصدر الوحي الإلهي. وقد قال الله في حق محمد عليه الصلاة والسلام: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال في حقه: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
ومن ثم فإن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته التي بعثه الله إليها إلا بما أمر به الله، ولن يأمرنا لو كان حياً بين ظهرانينا إلا بما يأمر به الله. ومن ثم فيجب أن يطاع في كل ما أمر أو يأمر به، وأن يطاع في الانتهاء عن كل ما نهانا أو ينهانا عنه.
إذن فالقول بأنه لو أمرنا أن نكفر بكذا لكفرنا به هو، شك في نبوته وأمانته على الوحي، وأن خيانته لوحي الله وارد!!.. بل هو ادعاء عريض من صاحب هذا القول بأنه يتلقى حقائق الوحي من مصدر أعلى من ذلك الذي بعثه الله ختام المرسلين معلماً وهادياً للحق، ومن ثم فهو يقف منه (أي محمد صلى الله عليه وسلم) موقف المنبه والمرشد والمحذر. وما أظن أن التعالي على رسول الله وسوء الأدب معه يهويان بالإنسان إلى أسوأ من هذه الدركة التي يهوي إليها صاحب هذا الافتراض والقرار المبني عليه.
ثم ما هي الحقيقة الضائعة التي لا سبيل للعثور عليها ولبيانها، إلا بهذا الافتراض ثم باتخاذ القرار المبني عليه؟
إنها ليست إلا الحقيقة الوهمية الغائبة عنا وعن شرع الله، والحاضرة في ذهن من يقول هذا الكلام. وهي التأكيد لسمع من يخاطبه من الأمريكان ورجال دينهم المسيحي واليهودي، بأنهم من معتقداتهم التي يدينون بها على حق، وأنها هي ذاتها المعتقدات التي بعث بها كل من موسى وعيسى عليهما السلام، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لو أنكر عليهم معتقداته (أي كلٍ من موسى وعيسى)، لأنكر هو نبوته وكفرََ به.
وإلا فلماذا لم يفرض العكس أيضاً؟ لماذا لم يفرض ورود هذا الأمر من سيدنا موسى وسيدنا عيسى، بأن يأمره كل منهما بأن يكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام، ليقول لهما أيضاً: بل سأكفر بكما أنتما؟ على أن كلا الافتراضين غير وارد، ولا يتجرأ عليه إلا من يجعل من نفسه معلماً لأنبياء الله ورسله، ينبههم ويحذرهم من التورط في الخطأ، ويهددهم على ذلك بالخروج عليهم.
إن افتراضه الثاني الذي يلجئه إلى أن يقول لكل من عيسى وموسى: بل أكفر بكما أنتما، يجرح الوفد الأمريكي وقساوسته، ويتهمهم بأنهم ليسوا على حق. إذن، فإذا كان لا بدّ من
أحد الافتراضين فإن الرأي الصائب – عند من قال هذا القول أمام الوفد الأمريكي – هو أن يفترض ما يدعوه إلى الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا أن يفترض ما يدعوه إلى الكفر بموسى وعيسى عليهما السلام إرضاء لهم وتحبباً إليهم.
وبعد، فأنا إنّما أفنّد هذا القول، وأخطّئ قائله. دون أن أجزم بنسبته إلى سماحة المفتي أو غيره. فأنا لم أكن موجوداً مع الوفد الأمريكي ولم أسمع منه الكلمة التي ألقاها فيه.
وأقول أخيراً ما قاله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي).

العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله

كُتب في المناهج | التعليقات على بيان العلامة الدكتور سعيد رمضان البوطي توضيحاً لمسألة هامة مغلقة

قدرة الإسلام على الانتشار السلمي

من مآثر تاريخنا: أنه سجَّل لديننا قدرته على الانتشار السريع ودخول الأمم فيه أفواجا، بأدنى دعوة إليه، وإن لم يَقُم بهذه الدعوة أناس محترفون متخصصون في التبشير به، متفرغون له.

وسر ذلك: أن هذا الدين -بعقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته- تتوافر فيه: موافقة الفطرة، وملاءمة العقل، وتزكية النفس، وسمو الروح، وصحة الجسم، وتماسك الأسرة، وترابط المجتمع، وتحقيق العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإشاعة الخيرات، ومكافحة الشرور بقدر الإمكان. وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده التي ليس فيها غموض ولا التواء ولا تناقض، تقبلها الفطرة السليمة، ويسلم لها العقل المستقيم. فلا غرو أن انتشر دين الإسلام انتشار أضواء الصباح، فملأ الآفاق، ومحا الظلام، واستنارت به الأبصار والبصائر، ورحب الناس به في عامة الأقطار. لم يكن (السيف) هو الذي أدخل الناس في الإسلام، كما زعم بعض خصوم الإسلام، فإن السيف قد يفتح أرضا للاحتلال، ولكنه لا يفتح قلبا للهداية. بل إن الإنسان -بطبعه- يأبى أن يدخل في دين مَن يقهره عليه بالسيف. على أن الإسلام ذاته ينكر إكراه الناس على الإيمان، ففي القرآن المكي يخاطب الله رسوله فيقول: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99].
وفي القرآن المدني يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256].
بل إن القرآن لا يعتدُّ بإيمان مَن لم يؤمن عن طواعية واختيار حر، لا تشوبه أي شائبة من ضغط أو إكراه، ولهذا لم يقبل إيمان فرعون ساعة الغرق، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، فكان الجواب الإلهي عليه: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91].
وقال عن قوم مكذبين نزل عليهم عذاب الله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر:84،85]. الحق أن سهولة تعاليم الإسلام، وسمو أخلاق المسلمين: هما اللذان مهدا السبيل لدخول الأمم في الإسلام، وليس السيف، كما تقوَّل المتقولون.
انتشار الإسلام بفضائله وقوته الذاتية:
ولقد ألَّف المؤرخ المعروف الدكتور حسين مؤنس كتابا أسماه (الإسلام الفاتح)، وقال عنه: أنه دراسة في تاريخ البلاد التي فتحها الإسلام بفضائله وقوته الذاتية، دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب . وقد تتبَّع انتشار الإسلام في هذه البلاد، وبيَّن كيف دخل الإسلام إليه، بما يقطع كل شك، ويردُّ على كل تخرُّص بأن المسلمين استخدموا القوة في نشر دينهم . يقول د. مؤنس رحمه الله:
(لم يسبق فيما مضى أن كانت للمسلمين سياسة موضوعة لنشر الإسلام، يقوم عليها رجال متخصصون يجرون في أعمالهم على مناهج مقررة، كما هي الحال في النصرانية مثلا، حيث نجد البابوية الكاثوليكية، وما تبعها من منظمات كهنوتية كالفرنشسكية والدومينيكية والجزويت، وكذلك يما تنظمه الهيئات البروتستانتية من حملات تبشير، تعد رجالها في معاهد متخصصة، وتنفق عليها المال الوفير، ثم ترسلهم إلى البلاد البعيدة لدعوة الناس إلى أديانها بأساليب علمية مدروسة، لإقناع من يصادفونه من الناس بصدق ما يدعون إليه، وإدخالهم في العقيدة، ويبلغ الأمر أن يطلّق أولئك الدعاة الدنيا، ليخلصوا للدعوة خلوصا تاما، كما نعرفه في جماعات الرهبان المسيحية والبوذية أحيانا.
في الإسلام لا نجد شيئا من هذا إلا في عصرنا اليوم، عندما تزايدت تيارات التبشير غير الإسلامية، ولم يعد هناك مناص من أن يُعنَى المسلمون بالدعوة وتنظيمها، وإعداد الرجال القادرين عليها، فيما عدا ذلك كان الإسلام هو الذي نشر نفسه بنفسه: هو الذي دعا لنفسه واجتذب قلوب الناس؛ فاسلموا حبا في الإسلام وإعجابا به والتماسا لرحمة الله وهداه.
وإنه لمما يستوقف النظر أن قوة الإسلام الذاتية قد غلبت تنظيمات الدعاة، وأثبتت أنها أفعل وأبعد أثرا من المال الذي أنفقه الآخرون على دعاواهم، فانتشر واتسع مداه، ودخلت فيه الأمم بعد الأمم، من تلقاء نفسها بمجرد وصول الدعوة إليها. ولقد كان العرب يفتحون البلد من البلاد، ويعرضون الإسلام على أهله، ثم يدعونهم وشانهم ؛ حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية في تمهل ، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم ، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام ، وما إلى ذلك مما نجده مسطورا في كتب أعداء الملة. وما كان ذلك عن عدم حرص من العرب على نشر الإسلام ، وإنما كان سيرا على أسلوب الدعوة في عهدها الأول: أسلوب عرض الدين على الناس ، وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي الله منهم من يشاء. ومن غريب ما حدث في بلاد مصر والأندلس: أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في الإسلام، لأنهم تعودوا ممن يتغلب على بلادهم: أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه، فما بال أولئك العرب لا يلحون على الناس في الدخول في الإسلام، ولا يستخدمون القوة في ذلك، كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟. قال يولوج الراهب القرطبي المبغض للإسلام: ” فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام ، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام يتعرفون عليه، لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به، وضنهم به على غيرهم، فما زالوا يفعلون ذلك ، ويسألون عن الإسلام ويستفسرون، حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا”.
ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئا من ذلك، وكان متأسفا: لأن العرب لم يلجئوا إلى القوة في فرض الإسلام ، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة ، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس. وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر ، وكانوا من أشد الناس استمساكا بعقيدتهم، حتى لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات، على أيدي عتاة الرومان من أمثال دقلديانوس، وطغاة الروم من أمثال قيرس، فلا تجد لتساؤلك جوابا؛ لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين –مصر والأندلس- تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس ، كما ينساب الماء في أرض الزرع، فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.
وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه، فهذا الرجل الفريد في بابه ، الذي وهب نفسه للإسلام، كان يلقى رئيس القبيلة ، ويحدثه ، ثم يدعوه إلى الإسلام؛ فيسارع إلى الإيمان ليكون من قوم عقبة، ثم يتبعه بعد ذلك قومه. إن مداخل الإسلام إلى القلوب ، هي سماحته وبساطته وإنسانيته. إنه يقدم للمؤمن به الاطمئنان وهدوء البال، ويفتح له إلى الله سبحانه بابا واسعا للمغفرة والأمل وثواب الآخرة ، وكل ذلك دون مقابل. في أديان أخرى تفرض عليه أموال وهدايا وقرابين ، ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة ، ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة الله بقرار.. لا شيء من هذا في الإسلام، من هنا كان مدخله إلى النفوس سهلا ذلولا.
أما مسالك الإسلام، فهي ضروب الأرض جميعا: لقد انتشر الإسلام بالبر والبحر ، بالحرب والسلم، لقد اخترق الجبال والشعاب، وأوجد لنفسه طرقا ومسالك لا تخطر على بال أحد. لقد اشترك في نقل الإسلام حتى الكفار، ومن بين المستشرقين رجل -سنتحدث عنه – نصح حكومته بترك الإسلام ينتشر، حتى يشتغل به الناس ، ويتركوا التجارة والأموال للهولنديين، وأخذت الدولة بكلامه.
وانساح الإسلام في إندونيسيا حتى عمها كلها. وحدث أن دخلت الإسلام قبيلة من قبائل الونقارة في غرب أفريقية على سبيل العناد مع جارتها ، فلما دخلت فيه سعدت وارتقت وسادت وتبعتها خصمتها الأولى… بفضل هذه العداوة –التي أصبحت صداقة- اخترق الإسلام مائتي كيلومتر من الغابات الاستوائية التي لا يخترقها أحد إلا بمشقة، وهذه القبيلة –وتسمى الونقارا آيا- تعتبر في مقدمة قبائل داهومي، منها اليوم أطباء ومهندسون ومدرسون وقضاة. لقد دخلت الإسلام دون أن تدري أي حظ كتبه الله لها عن طريق هذا الدين.
الإسلام دين طيار:
والخلاصة أن داعية الإسلام الأكبر هو الإسلام نفسه، فقد تضمنت عقيدته وشريعته من الفضائل ما يجعل الناس يحرصون أشد الحرص على أن يدخلوا فيها، ثم إن الإسلام يعطي الداخل فيه كل شيء ولا ينتقصه شيئا، فإن الإنسان يكسب الصلة المباشرة بالله سبحانه وتعالى، ويجد الطريق إليه فيقف بين يديه خمس مرات في اليوم، ويدعوه دون حجاب، ويكسب الأمل في حياة أسعد وأرغد في هذه الحياة الدنيا، ثم حياة الخلود في دار البقاء، ولا يكلفه ذلك إلا النطق بالشهادتين، واتباع شريعة الإسلام، وكلها خير ومساواة وعدل، في حين يتقاضاه رجال الدين في الأديان الأخرى-كما قلنا- الإتاوات في كل مناسبة، فهو يؤدي مالا إذا تزوج ، ويؤدي مالا كلما أنجب ولدا، ويؤدي مالا ليعمِّد الطفل الوليد، ثم مالا آخر ليثبته في الجماعة المسيحية إذا ضرب في مداخل الشباب، بل يؤدي مالا إذا مات له ميت لكي تصلى عليه صلاة الجنازة، وبالإضافة إلى ذلك يظل عمره كله تابعا لرجل الدين في كل ما يتصل بالله سبحانه، فإذا أراد الصلاة صلى عنه القس، ووقف هو يسمع ولا يملك إلا أن يقول: آمين، ولكن المسلمين وحدهم من دون أهل الأديان هم الذين يقوم كل واحد منهم بصلاته بنفسه، حتى لو كانت صلاة الجماعة، وفي غير الإسلام يصلى القس مع مساعديه نيابة عن الناس. والحق أن أصدق وصف يطلق على الإسلام في هذا المقام، أنه( دين طيار) ينتقل من إنسان إلى إنسان ومن أمة لأمة في سهولة ويسر ، كأن له أجنحة قدسية تحمله وتجري به مجرى الريح! وإنك لتنظر إلى خريطة الأرض، وتتأمل مدى انتشار الإسلام ، فتتعجب من سعته، ويزداد عجبك عندما تتبين أن ثلث هذه المساحة فحسب هي المساحة التي فتحتها الدول وأدخلت الجيوش فيها الإسلام. أما الباقية فقد دخلها الإسلام ، وملأ قلوب أهلها دون جيش منظم ، أو سياسة مرسومة لذلك!!، إنما هو الإسلام نفسه ، جعله الله خفيفا على القلوب، قريبا إلى النفوس ، ما تكاد كلمة الحق تصافح أذن الرجل حتى يصل الإيمان إلى قلبه، فإذا استقر في قلبه لم يكن هناك قط سبيل إلى إخراجه منه، فهو الريء الذي تظمأ إليه النفوس وتستقي منه، وهو الأمل الذي يخفف على الإنسان وطأة المسير في هذه الدنيا، ويهون عليه الموت، فالموت ليس آخر رحلة الإنسان مع الحياة بل هو المدخل إلى الحياة فحسب، وبعد هذه الحياة حياة هي أسعد وأبقى لمن صدق إيمانه واتقى.
ولعل أكبر أسباب خفة الإسلام على القلوب هو: وضوحه وصدقه، فإنك إذ تؤمن بالإسلام لا تؤمن بأسرار أو أمور لا يقبلها عقلك، كما ترى في الأديان الأخرى، حتى الغيب الذي تؤمن به في الإسلام حقيقة ، فإن الإنسان لا يرى الله بالعين المبصرة، وإنما يحس به في نفسه، وفي كل ما حوله بالبصيرة المنيرة، والحقيقة الكبرى في هذا الكون هي خالقه، فهو الحق ولا حق غيره، وأنت لا تؤمن بالله ؛ لأن داعيك إليه يأتي بمعجزات أو خوارق، وإنما هو يلفت نظرك إلى عجائب الخلق، وكلُّ ما فيه معجز وخارق، وأنت تراه رأي العين في شخصك الذي يعيش ويتحرك ويفهم، لا تدري كيف ، فإذا لم تؤمن بالله فكيف فكيف تعلل حياتك، وحركة حسدك ، ونبض قلبك ؟ فإذا آمنت بالله لم يكن لك مفر من أن تؤمن بنبيه الذي حمل إليك رسالته ، فالله سبحانه حق، ونبيه صدق، وكل ما يعدك به القرآن حق وصدق، ولست تحتاج إلى من يشرح لك حقيقة الإسلام حتى في نفسك، وغاية ما تحتاج إليه من يذكرك بها ، وهذا معنى من معاني تسمية الله سبحانه للقرآن بالذكر والذكر الحكيم[1] . أ.هـ .
شهادة غوستان لوبون:
هذه شهادة مؤرخ كبير مثل الدكتور حسين مؤنس ، ولكن قد يقال: إنها شهادة مسلم لدينه. فهذه شهادة من مؤرخ غير مسلم ، وهو المؤرخ الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي الشهير (غوستان لوبون) في كتابه (حضارة العرب) الذي نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر.
فلسفة القرآن وانتشاره في العالم:
يقول لوبون تحت عنوان (فلسفة القرآن وانتشاره في العالم):
إذا أرجعنا القرآن إلى عقائده الرئيسة: أمكننا عدُّ الإسلام صورة مبسطة عن النصرانية، ومع ذلك فإن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول، ولا سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد ، الذي دعا إليه الإسلام ، مهيمن على كل شيء ، ولا تحفّ به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم . (أي كما في النصرانية) وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم.
ويشير لوبون إلى يسر الإسلام، وسهولته البالغة والتي تتمثل في عقيدة التوحيد الخالص، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام ، وهي التي تجعل إدراك الإسلام سهلا على كل إنسان، فليس في الإسلام غموض ولا تعقيد، مما نراه في الأديان الأخرى وتأباه الفطرة السليمة، من المتناقضات والغوامض.
قال: ولا شيء أكثر وضوحا، وأقل غموضا ، من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد ، وبمساواة جميع الناس أمام الله . وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها ، ويدخل النار من يعرض عنها . وإنك ، إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة ، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقده، ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة . وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثا عن التثليث ، والاستحالة، وما ماثلهما من الغوامض، من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل!
وساعد وضوح الإسلام البالغ: ما أمر به من العدل والإحسان كل المساعدة، على انتشاره في العالم ، ونفسر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام، كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية، فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام ، كما نفسر السبب في عدم تنصر أية أمة ، بعد أن رضيت بالإسلام دينا، سواء أكانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة.
ويجب على من يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني: ألا ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم، بل إلى مدى تأثير عقائده . والإسلام إذا ما نظر إليه من هذه الناحية: وجد أنه من أشد الأديان تأثيرا في الناس، وهو- مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاة ، إلخ- يعلِّم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف ، فضلا عن ذلك، أن يصبّ في النفوس إيمانا ثابتا لا تزعزعه الشبهات.
ولا ريب في أن نفوذ الإسلام السياسي والمدني كان عظيما إلى الغاية، فقد كانت بلاد العرب قبل محمد مؤلفة من إمارات مستقلة وقبائل متقاتلة دائما ، فلما ظهر محمد، ومضى على ظهوره قرن واحد، كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى إسبانية ، وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المدن التي خفقت راية النبي فوقها. والإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم ، ومن أعظمها تهذيبا للنفوس، وحملا على العدل والإحسان والتسامح ، والبُدّهِيةُ ، وإن فاقت جميع الأديان السامية فلسفة، تراها مضطرة أن تتحول تحولا تاما لتستمرئها الجموع، وهي، لا شك ، دون الإسلام في شكلها المعدّل هذا.
وجرت حضارة العرب ، التي أوجدها أتباع محمد ، على سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا: نشوء فاعتلاء فهبوط فموت، ومع ما أصاب حضارة العرب من الدُّثور ، كالحضارات التي ظهرت قبلها، لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ماله في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئا من قوتها.
ويدين بالإسلام في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص[2] ، واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسية الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين، ثم جميع إفريقية إلى ما تحت خط الاستواء تقريبا. وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستورا لها وحدة اللغة والصلات التي يسر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي. وتجب على جميع أتباع محمد تلاوة القرآن باللغة العربية بقدر الإمكان ، واللغة العربية هي لذلك أكثر لغات العالم انتشارا على ما يحتمل ، وعلى ما بين الشعوب الإسلامية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما يُمكِن جمعها به تحت علم واحد في أحد الأيام.
وقضى أعداء الإسلام من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن العظيمة، فعزوها إلى ما زعموه من تحلل محمد وبطشه، ويسهل علينا أن نُثبت أن هذه المزاعم لا تقوم على أساس، فنقول: إن من يقرأ القرآن يجد فيه ما في الأديان الأخرى من الصرامة ، وإن ما أباحه القرآن من تعدد الزوجات لم يكن غريبا على الشعوب المسلمة التي عرفته قبل ظهور محمد، وإن هذه الشعوب لم تجد نفعا جديدا في القرآن لهذا السبب.
وما قيل من دليل حول تحلل محمد نقضه العلامة الفيلسوف (بيل) منذ زمن طويل. وقال بيل، بعد أن أثبت أن ما أمر النبي بالتزامه من قيود الصيام وتحريم الخمر ومبادئ الأخلاق هو أشد مما أمر به النصارى:
” إن من الضلال ، إذن ، أن يُعزى انتشار الإسلام السريع في أنحاء الدنيا إلى أنه يلقي عن كاهل الإنسان ما شق من التكاليف والأعمال الصالحة، وأنه يبيح له البقاء على سيئ الأخلاق، وقد دوَّن (هوتنجر) قائمة طويلة بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة عند المسلمين، فأرى –مع القصد في مدح الإسلام- أن هذه القائمة تحتوي أقصى ما يمكن أن يؤمر به إنسان من التحلي بمكارم الأخلاق ، والابتعاد عن العيوب والآثام”[3].
ومما نبه إليه العلامة (بيل ): أن ملاذ الجنة التي وعد بها المسلمون لا تزيد على ما وعد به النصارى في الإنجيل . جاء في الإنجيل: “لم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه”.
وسيرى القارئ ، حين نبحث في فتح العرب وأسباب انتصاراتهم: أن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن ، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارا في أديانهم ، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام ، واتخذوا العربية لغة لهم ، فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل. وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة ، فلما قهر النصارى عرب الأندلس فضل هؤلاء القتل والطرد عن آخرهم على ترك الإسلام.
ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند ، التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد معه عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها[4]، ويزيد عدد مسلمي الهند اليوم يوما فيوما، مع أن الإنجليز ، الذين هم سادة الهند في الوقت الحاضر ، يجهِّزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعا إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى. ولم يكن القرآن أقل انتشارا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة الإسلامية فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا[5] في الوقت الحاضر.
توماس أرنولد ينصف الإسلام:
وإذا كان غوستاف لوبون الفرنسي قد أنصف الإسلام وتاريخ المسلمين في كتابه، فقد جاء بعده المستشرق البريطاني البحاثة الشهير(توماس أرنولد) الذي كان يعرف العربية والفارسية وعددا من اللغات الأوربية ، والذي أصدر كتابه القيم (الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية) وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، (1896م). وقد طبع الكتاب بالإنجليزية عدة طبعات ، ونقله إلى العربية د. حسن إبراهيم حسن وزميلاه ، ونشر عدة مرات ابتداء من سنة 1947م . والكتاب جدير بأن يقرأ ، لما فيه من وقائع وأحداث مأخوذة من مصادر عدة وموثقة ، ومكتوبة بلغات شتى ، عكف الرجل عليها، حتى استخرجها من مظانها وحشدها في كتابه العلمي الموثق.

العلامة الدكتور يوسف القرضاوي
—————-
[1] الإسلام الفاتح لحسين مؤنس: 20-24. نشر الزهراء للإعلام العربي.
[2] قيل هذا في القرن التاسع عشر، ومع هذا كان المسلمون أكثر ذلك بكثير. وسيأتي من كلام (لوبون) نفسه ما يدل على أن المسلمين أكثر من ذلك.
[3] وقال الفيلسوف الشهير (كارلابل) في كتابه الأبطال في فصله الذي كتبه عن البطل في صورة نبي ، واتخذ النبي محمدا نموذجا ممثلا للبطولة: (إن دينه ليس بالدين السهل، فإنه –بما فيه من صوم قاس، وطهارة، وصيغ معقدة صارمة ، وصلوات خمس كل يوم، وإمساك عن شرب الخمر- لم يفلح في أن يكون دينا سهلا) انظر : الدعوة إلى الإسلام ص460 لتوماس أرنولد.
[4] هذه إحصائيات قديمة من القرن التاسع عشر، ومع هذا ليست دقيقة.
[5] إذا كان المسلمون في الهند يزيدون على 50 مليونا، وفي الصين على 20 مليونا، فكيف يكون عدد جميع المسلمين مائة مليون ، كما قال الباحث من قبل؟!!
[6] بل هناك مئات الآيات من القرآن في سوره المكية والمدنية تثبت بكل وضوح: أن الإنسان مكلف مختار، وأنه هو الذي يقرر مصير نفسه، وإن الله تعالى منحه من القوى والمواهب والملكات : ما يمكنه من صنع مصيره بيده ، كما قال تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها كل نفس بما كسبت رهينة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم … إلى آخره .
[7] أنظر: حضارة العرب.
ـــــــــ
المصدر : موقع حيران إنفو 12/09/2009

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على قدرة الإسلام على الانتشار السلمي مغلقة

إلى ديار الحق : العلامة المحقق الدكتور صلاح الدين المنجد

جمعية التمدن الإسلامي في دمشق الشام تسلم بقضاء الله وفاة أحد عظمائها وكبار رجالها شيخ المحققين:

العلامة الدكتورصلاح الدين المنجد رحمه الله

(1334هـ/1920م – 1431هـ/2010م)

قدر دمشق أنها مبتلاة بعشق سرمدي واغتراب مرير، تشتاق أبناءها وبناتها، وتتجلد أمام أقرانها، فإذا أقبل المساء فتحت دفاترها، ومرت على طيف كل منهم، فهي لا تنساهم أبداً، تعرفهم فرداً فرداً، ونقشت في قلبها أسماءهم اسماً اسماً، وأحاطت بذكرى كل واحد منهم فلة وياسمينة وزهرة نارنج وعطر ليمونة، تسمر على أحاديثهم وقصصهم وأخبارهم، ولا تمل من ذكرهم كل يوم ألف ألف مرة.

مسكونة دمشق بحب أبنائها وبناتها، ومازالت تذكر شغب الصبيان منهم، ولعب البنات وضفائرهن تتراقص على رؤوسهن. وأصواتهم العذبة تملأ حاراتها وكل زقاق فيها.

دمشق ماكان من طبعها إلا أن تشمخ باسمة في وجه الجراح ونوائب الزمان، وتطوي في قلبها سر العشق الذي لا يعرفه إلا الدمشقي الأصيل، وتتبادل رسائل الأرواح مع فلذات أكبادها، وتعاتبهم، وتفرح لهم وتبكي معهم، ولا تبوح بأحزانها إلا بين أيديهم.

وعندما تتهادى نسائم الفجر وتتعانق مع أصوات التكبير السارية من المآذن الشامخة، تقوم دمشق الأصيلة إلى المحراب تستلهم من إيمانها القوة والعزيمة، ثم تكفكف دمعها وتطوي لوعتها على أبنائها، وتتعاهد مع كل قبة ومئذنة، وحارة وزقاق، وليمونة وياسمينة، على أن لا يبوح أحد بسر اللوعة والعشق الأبدي الذي خصت به الشام.

ولكن في بعض الأحيان لا تستطيع دمشق أن تحبس عبراتها، فتجهش بالبكاء وخصوصاً إذا تتابعت اللوعات، وكثر غياب الأبناء والبنات البررة ..

منذ أسابيع رحل فلذة من فلذات الشام وأعيانها(الأستاذ القاضي فيصل العظمة) ثم الداعية الفاضلة أسامة الطباع (أم مصطفى) ، والصالحة الصابرة (هند قطب) فالمربية القديرة (بشرى قطب) ثم غادة ابنة القائد العظيم عارف التوام، وبعدهم شيخ الأطباء موفق المالكي وإمام المحققين صلاح الدين المنجد… وغيرهم ممن لا يأتي الزمان بمثلهم، ولم تطق دمشق كل ذلك فجرى دمعها غزيراً وانسكبت عبراتها فاشتبكت مع عبرات أبنائها، وخالفت عهدها في الكتمان فجهرت ثم أجهشت بالبكاء لكثرة الغيّاب من أبنائها وكلهم حبيب وقريب وعزيز وفي قلبها لكل منهم ديوان حب ووفاء سطرت فيه المكارم والمروءات.

واليوم نرويها عن دمشق، قصة فلذة من فلذاتها، وابن كتب في حبها مالم يكتبه أحد في مدينة أخرى، وسطر لأجلها آلاف الصفحات والمآثر، كما كتب بقية أبنائها، كلٌ في سبيل خير سبق فيه الناس …

هي قصة طويلة لاتتسع لها الأوراق، وقد اجتزأنا منها أسطراًً قليلة عن ابن دمشق ومؤرخها وابن شيخ قرائها: العلامة صلاح الدين المنجد رحمه الله، وصلته مع جمعية التمدن الإسلامي ومجلتها الغراء.

صلاح الدين المنجد فلتة من فلتات الزمان، وياسمينة دمشقية فاح أريجها فملأ الدنيا عطراً وطيباً.

تفتحت عيناه في بيت القرآن والعلم والفضل، ثم انتسب إلى جمعية التمدن الإسلامي وهو شاب صغير في نهاية المرحلة الثانوية، ففتحت له قلبها، وبادلها العشق فكان من خيرة شبابها، وفطن له قادتها وفي مقدمهم علامة الشام محمد بهجة البيطار فأولوه ثقتهم الكاملة، وبتاريخ 25 محرم 1360هـ الموافق 21 شباط 1941م تم انتخابه عضواً في مجلس إدارة التمدن الإسلامي، ولما يتجاوز العشرين من عمره إلا قليلاً، ثم مضوا في تشجيعهم له كما هو تفكير وعادة رجال التمدن حتى اليوم في فتح أبواب الخير، فاختاروه ليكون أحد أركان لجنة المجلة، والتي يدهش المرء لرقي أفرادها، إذ ضمت وقتها السادة: حسن الشطي، صلاح الدين المنجد، جميل سلطان، أنيس الشربجي، فيصل العظمة، عبد الرحمن الخاني، شفيق نصري، محمد أحمد دهمان.

ثم طلب منه أن يكتب افتتاحية السنة السابعة (ربيع الأول 1360هـ/نيسان1941م) ، ومما جاء في مقالته :”تجرمت على هذه المجلة سنوات ست، سعت فيها لنشر فكرة وإعلاء دين، وتبيان محاسن، ورد افتراء، وكانت تصدر بإيمان كإيمان الصحابة لا يحفلون الضنى، ولا يبالون بالسغب، ولا يهنون للصدمات، ولا ينحنون للنكبات، وهاهي ذي اليوم تخطو خطوة سابعة بقدم ثابتة وقلب مطمئن وعزم حديد، لا تزعزعها الحوادث الراجفة، ولا تضعفها القوة الغاشمة، ولا يُثنيها عما اختطته لنفسها سلطان النار ولا قوة الدمار التي انفجرت في ديار الغرب البعيد، بل هي تسعى في طريقها، تعلم أن في عملها جهاداً، وأن الجهاد صبر ونصب، وأن الصبر ثبات وقوة وعزم….

لقد كانت التمدن الإسلامي أول مجلة دينية في دمشق أرسلت العظات لتفتح القلوب، وتنعش النفوس، ودعت الناس إلى دين الإسلام، كي يستاروا بالسيرة التي كانت للنبي عليه صلوات الله، ويقتفوا آثار الهادين من الصحابة والتابعين، ليصبحوا أمة تستحق الحياة لأنها ترغب في الحياة، وليكونوا حقاً خير أمة أخرجت للناس …. ولقد دأبت هذه المجلة منذ صدورها على الدعوة إلى فهم الدين ليجعلوه مهوى القلوب وبهجة النفوس، فيستقوا من الينبوع، ويدعوا مالحق به من بدع شوهته، وما علقه من أباطيل أضعفته، وماجاءه من دعاوي ليست منه في شيء .. وإن (التمدن الإسلامي) لترغب إلى الله أن يمدها بالعون لتمضي في نهجها، مظهرة هذا الدين في أروع مظاهره، مبينة للناس صفحات ناصعة من حضارته، لا يعيقها ما تلقاه من مكاره جاهمة، ومصاعب قائمة … “.

كما كلف رحمه الله لأشهر بالمسؤولية عن تحرير المجلة، ثم اعتذر بعدها لكثرة واجباته، وبقي يرفد إخوانه بنصحه وعلمه، ويتحفهم بما يكتب ، وقد نشرت له مجلة التمدن الإسلامي المقالات التالية:

1- أولئك رجالنا ، العدد الأول ، السنة السادسة ، 1359هـ/1940م

2- عامنا السابع ، العدد الأول ، السنة السابعة ، 1360هـ/ 1941م

3- القاضي منذر بن سعيد (1) ، العدد 3-4، السنة التاسعة ، 1362هـ

4- القاضي منذر بن سعيد (2) ، العدد 5-6، السنة التاسعة ، 1362هـ

5- موغلي بين الذئاب ، العدد 2، السنة العاشرة ، 1363هـ

6- ماذا نفيد من أدب أبي العلاء [المعري] ، العدد 14 ، السنة العاشرة ، 1363هـ

7- نصيحة الحافظ للملك الأشرف ، العدد 5-6 ، السنة الخامسة عشرة ، 1368هـ

8- أبنية دمشق الأثرية المسجلة (1) ، العدد 25-26 ، السنة السابعة عشرة ، 1370هـ

9- أبنية دمشق الأثرية المسجلة (2) ، العدد 29-30 ، السنة السابعة عشرة ، 1370هـ

10-أبنية دمشق الأثرية المسجلة (3) ، العدد 31-32 ، السنة السابعة عشرة ، 1370هـ

11-مدرسة أسعد باشا العظم ، العدد 19-20 ، السنة التاسعة عشرة ، 1372هـ

12-حريق الجامع الأموي ، العدد 25-26 ، السنة التاسعة عشرة ، 1372هـ

13-مدرسة إسماعيل باشا العظم ، العدد 21-22 ، السنة التاسعة عشرة ، 1372 هـ

وأخيراً وضع العلامة العظيم قلمه يوم الأربعاء 5 صفر 1431هـ/20 ك2-2010م ، واستراح من كفاح الحياة ورحل إلى حيث يلقى ربه نقياً طاهراً حيث لاظلم هناك ..

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني / دمشق الشام

اللهم اجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً

اللهم إن كان محسناً فزد اللهم في حسناته وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاتنا وسيئاته

اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد ، واخلفه وبلده وأهله وولده خيراً

 

– ملاحظة : فيما يلي ترجمة موجزة ونأمل بوضع ترجمة شاملة لفقيدنا قريبا:

العلامة الدكتور صلاح الدين المنجد رحمه الله

والده العلامة عبد الله المنجد (1288-1359هـ / 1872-1940م) كان فقيها شافعياً وشيخ القراء في الشام.

ولد صلاح الدين المنجد في دمشق (1334هـ/1920م) لأسرة دمشقية من حي القيمرية، وتخرج من دار المعلمين عام 1939م، فدرس في ثانويات دمشق ثم عين أميناً للتعليم العالي والخاص في وزارة المعارف ثم نال إجازة الحقوق من الجامعة السورية عام 1943م، وعين بعدها رئيساً لديوان مديرية الآثار العامة عام 1944، ثم رئيساً لدائرة الآثار العامة عام 1947،وحضر محاضرات فقه اللغة والحضارة الإسلامية والآثار والاجتماع الإسلامي في الجامعة اليسوعية ببيروت عام 1949.

أوفد في بعثة إلى فرنسة حصل فيها على الدكتوراة في القانون، والتاريخ ، وعهد إليه مجمع اللغة العربية بتحقيق تاريخ دمشق الكبير للحافظ ابن عساكر.

انتخب عام 1948 عضواً في الجمعية الدولية للدراسات الشرقية (جامعة ليدن) ، وعمل مديراً لمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية مدة ثماني سنوات خلال الخمسينات، وترأس تحرير مجلته، ثم استقر في بيروت مؤسساً (دار الكتاب الجديد) للنشر، وقد احترقت أثناء الحرب الأهلية عام 1975. وقد انتقل بعدها إلى الرياض، وحاز الجنسية السعودية.

حاضر وزار العديد من جامعات العالم، وانتخب عضواً في المجامع العلمية في دمشق والقاهرة وبغداد، وعضواً في المعهد الألماني للآثار ببرلين، وله أكثر من مئة وخمسين كتاباً مابين تأليف وتحقيق، ومن أشهر كتبه: معجم المخطوطات المطبوعة، ومعجم ما ألف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومما حققه ونشره معهد المخطوطات بالقاهرة: شرح السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، إملاء الإمام السرخسي في خمسة مجلدات، وهو من نفائس الكتب تصنيفاً وتحقيقاً.

صورة للعلامة المنجد (الثالث من اليمين جلوساً) ضمن مؤسسة الفرقان الثقافية

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على إلى ديار الحق : العلامة المحقق الدكتور صلاح الدين المنجد مغلقة

ما الجديد في فقه الجهاد؟ دراسة للأستاذ راشد الغنوشي حول كتاب العلامة القرضاوي

نقدم لقرائنا الكرام الجزء الأول من الدراسة التي كتبها المفكر الأستاذ راشد الغنوشي حول كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حول فقه الجهاد ، وهذا الكتاب هو الأشمل موسوعياً والأدق فيما يتعلق بفهم الجهاد في الإسلام

مقدمة
تأتي أهمية ندوة “تجديد التفكير في الجهاد” التي عقدها “مركز الدراسات المتقدمة للعالم العربي بجامعة أدنبرا بين 7-9 سبتمبر/أيلول 2009:

أ- من انصبابها على أخطر مسألة في الفكر الإسلامي الحديث، مسألة “الجهاد” لما تحتله من مكانة في بنية الإسلام باعتباره “ذروة الإسلام وسنامه”، حيث تصطرع فيها داخل الإسلام وخارجه رؤى ومواقف شديدة التباين، ذات الأثر الأعظم على جملة العلاقات الدولية، بسبب الدور المتنامي للإسلام في العلاقات الدولية فضلا عن أثر هذه الرؤى على اتجاهات المسلمين في مستوى علاقاتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم وفي علائقهم مع غير المسلمين وذلك بالنظر لما يشهده الإسلام من صحوة على امتداد الوجود الإسلامي سواء في المستوى العقدي أم في مستوى القيام بالشعائر، في اتجاه الارتباط المتزايد بين الإسلام كدين(عقائد وشعائر وأخلاقيات) وبين كونه أيديولوجيا ذات تأثير كبير على جملة أفكار ومسالك المسلم الاجتماعية والسياسية مما يسمى الإسلام السياسي حيث يحتل الجهاد القلب من هذا المفهوم.
ب- كما تأتي من انعقادها في قلعة تاريخية من قلاع الاستشراق بجامعة أدنبرا حيث شارك أكثر من خمسين باحثا، قدموا من بلاد وديانات واهتمامات مختلفة أكاديمية وعسكرية وأمنية وإعلامية وسياسية، ما يؤكد الاهتمام الغربي المتزايد بالحضارة الإسلامية وبلغتها العربية، وبالإسلام عامة وبالجهاد خاصة، ما مكانته في بنية الإسلام حسب مختلف مدارس الإسلام قديمها وحديثها؟ هل الأصل فيه جهاد النفس؟ هل المقاطعة الاقتصادية منه؟ ما مدى استخدام جماعات الجهاد للوسائل الحديثة كالإنترنت؟ الأمر الوحيد الذي لم يحظ بما يستحق من الاهتمام هو دور السياسات الغربية في تفجير شتى ضروب الجهاد المشروع وغير المشروع من مثل احتلال بلاد إسلامية ودعم الاحتلال الصهيوني ودعم الأنظمة الدكتاتورية، والتهميش المسلط على الشباب الإسلامي في الغرب، حتى ظل السياسيون البريطانيون يصرون على استبعاد أي ربط بين غزوهم الظالم للعراق وما ارتكبه بعض الشبان من عمل إرهابي، وحده الدكتور طارق رمضان نبه إلى ذلك، كما كان إسهام د. الهلباوي متميزا، بينما اقترح باحث خليجي إحياء عقائد الإرجاء بسبب فصلها بين الاعتقاد والعمل بما يمكن للمؤمن أن يكون صالحا بصرف النظر عن عمله!.

غير أن الجهاد ليس وحده هو الذي يحظى اليوم بالاهتمام الأكبر من طرف الجامعات ومراكز البحث بتمويل حكومي، بل كل ما يتعلق بالإسلام، ولكن هل باعتباره خطرا داهما يجب البحث عن أسباب توقيه وتحييده؟ أم باعتباره أملا واعدا يمكن أن يعيد المعنى والأخلاق لسياسات ولنفوس خلت منهما؟ وارد كل ذلك.

ج- كما تأتي أهمية الندوة المذكورة من المكانة التي كانت للشيخ يوسف القرضاوي فيها بما يمثله في الإسلام المعاصر وفي عموم الحركات الإسلامية، من سلطة علمية وروحية، بإنتاجه الغزير والمتميز في مختلف حقول المعرفة الإسلامية، لا سيما وهو رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وأبرز وجه إعلامي إسلامي (يتابع أكثر من ستين مليونا برنامجه الأسبوعي في الجزيرة الشريعة والحياة) فكان مفهوما أن تخصص هذه الندوة لعمله الأخير الضخم “فقه الجهاد”، بحثين قدم أحدهما الباحث الأميركي شارمان جاكسون، دار حول آية السيف وانتهى إلى إقرار نفس النتائج التي انتهى إليها الشيخ، كما سنعرضها. والبحث الثاني كان بعنوان “الجديد في جهاد القرضاوي” قدمه صاحب هذه المقالة. والملاحظ أنه مع حضور يهودي في الندوة، فقد مرّ دون ضجة إيراد الباحث موقف القرضاوي المدافع عن العمليات الاستشهادية والمؤكد على رفض الصلح مع إسرائيل واعتبار إسرائيل العقبة الكبرى في علاقة الإسلام بالغرب، بل عبرّ باحثون عن تعاطفهم مع المقاومة الفلسطينية.

سيتجه عرضنا لهذا العمل الضخم “فقه الجهاد: دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة” إلى إبراز الصورة العامة للجهاد في الإسلام كما تجلت للشيخ القرضاوي من خلال نصوص الكتاب والسنة متفاعلة مع المنظومة التفسيرية والفقهية كما تجلت للشيخ في سياقاتها التاريخية التي ولدت فيها، ومن خلال أحوال الأمة الإسلامية الراهنة وهي تخوض صراعات كبرى داخلها مع قوى الاستبداد ومع القوى الخارجية، في ظل:

أ- موازين للقوة مختلة لصالح الأعداء، ما يستدعي إلى نفوس فئات في الأمة تعيش صحوة واسعة أصلب صور الجهاد وخصوصا فئة الشباب، مما أهدر طاقات كبيرة وخوّل المتربصين بالإسلام أسلحة ماضية للحرب على الإسلام وأمته وأقلياته.

ب- ثقافة معاصرة تمجّد قيم الحرية، مما لا يملك الإسلام إلا أن يرحب بها.

ج- قانون دولي يعترف بحدود للدول ويقصر مشروعية الحرب على ممارسة حق الدفاع.

في هذه السياقات كلها تشكلت صورة الجهاد لدى القرضاوي، وما يهمنا ليس تفاصيلها وإنما المشهد العام، وما هو جديد في هذه الصورة؟ وخصوصا ما له علاقة بالقضايا الكبرى مثل علاقة الجهاد بقضايا الحرية، وبعلاقات المسلمين مع غيرهم داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وأسس المنهج المتبع في هذه الدراسة، وما الجهاد؟ أنواعه ومراتبه، وما أهدافه؟ الجهاد بين الدفع والطلب، دار الإسلام ودار الكفر، ما هي أخلاقيات الجهاد في الإسلام من مثل حكم الأسير؟ واستخدام أسلحة الدمار الشامل، الجهاد داخل الأمة.

مسائل تتعلق بالمنهج: لقد طور القرضاوي في الإسلام المعاصر نظرية محورية يصدر عنها في كل رؤاه ومواقفه وجدّ في الدعوة إليها والشهادة لها وتوسيع مجراها وتهميش ما يخالفها، قد دعاها الوسطية الإسلامية، استلهمها من الآية 143 من سورة البقرة “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” فهو يعرض الإسلام باعتباره موقفا وسطا بين أطراف متصالبة متناقضة فهو الوسط الجامع والمجرى الكبير، وسط بين المادية والروحية وسط بين الفردية والجماعية وسط بين المثالية والواقعية، وسط بين الحرفية وبين التفلت من النصوص باسم الفهم المقاصدي…إلخ. ومن هذا المنظور الوسطي يعرض جملة اجتهاداته في كل جوانب الفكر الإسلامي ومنها جملة اجتهاداته في موضوع الجهاد، كما كشف عنها في مؤلفه هذا، أضخم وأهم أعماله حتى الآن -بارك الله له في عمره- دراسة وصفها صاحبها “بأنه تعب فيها مباشرة لعدة سنوات وشغلته لعقود “فعرض في مجلدين (1429 صفحة) -من منظوره للوسطية- ما توصل إليه من مواقف ونتائج في هذه القضية المحورية، شاقا وسط الأشواك والصخور لنظريته في الجهاد مجرى واسعا يأمل أن يسهم به في تشكيل الإجماع حول هذه المسالة الخطرة، كما فعل في مسائل أخرى فـ”من الخطر والخطل أن يفهم الجهاد على غير وجهه وتستباح باسمه دماء معصومة وتستحل به حرمات وأموال بغير حق ويتهم بسبب ذلك المسلمون والإسلام بالعنف والإرهاب والإسلام بريء كل البراءة من هذا الاتهام.. ولكن مشكلتنا في مثل هذه القضية الكبرى أن الحقيقة تضيع فيها بين طرفي الإفراط والتفريط”.

حدد المؤلف في المقدمة الأسس التي أسس عليها بناءه الضخم، فهي:

أ- “الاعتماد أساسا على القرآن الكريم باعتباره النص القطعي في ثبوته بالتواتر اليقيني فهو الحجة على كل المصادر الأخرى بما فيها السنة النبوية ويفهم بحسب منطق لغته الأصلية العربية دون تعسف وعلى اعتبار أن كل نصوصه نزلت ليهتدى ويعمل بها، فكل ما في المصحف معمول به غير منسوخ.. ولهذا توقفنا طويلا عند قول من قال إن هناك آية في القرآن سموها آية السيف نسخت مائة وأربعين آية أو أكثر.. اختلفوا في تعيينها “ويكاد المؤلف يتفق مع علماء سابقين ومعاصرين في إبطال مسألة النسخ في القرآن، أو تضييقها إلى أبعد حد، بما يحفظ لكل آي الكتاب وقارها وقداستها والحاجة إلى إعمالها في سياقها اللائق بها، فتتكامل وتتساند، بدل أن تتعارض وتتساقط، بما يسحب من أيدي المتشددين سلاحا بتارا قطعوا به رؤوس مئات الآيات الداعية للرفق والعفو ولاعتماد الحكمة والموعظة الحسنة، مما هو الأصل في تعامل دين جاء لهداية الناس، مسلمين وغيرهم، تمييزا في صفوف هؤلاء بين قلة معتدية حاقدة ظالمة، حقها الدفع بالجهاد وبين كثرة مسالمة حقها البر والقسط.

ب- اعتماد السنة الصحيحة التي لا تعارض ما هو أقوى منها كالقرآن. فقد ضعّف القرضاوي مثلا حديث “بعثت بالسيف” وأحاديث أخرى، معتمدا نهج المحدثين في الجرح والتعديل. أما الحديث الصحيح الذي وصفه بالمظلوم، حديث “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله” فقد حمله –على غرار سلف له من العلماء- على أنه لفظ عام أريد به خصوص مشركي العرب المعتدين، وهو معتاد في منطق اللغة التي تكلم بها النبي عليه السلام ونزل بها القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم” (آل عمران/173) الناس هنا لفظ عام مراد به قوم مخصوصون من مشركي العرب المتربصين.

ج- الاغتراف من بحر الفقه كله دون تحيز لفقه مذهب دون مذهب، ودون اقتصار على المذاهب المشهورة، معتمدا منهج المقارنة والتحليل والنقد والترجيح، مميزا بين الفقه والشريعة. الشريعة وضع إلهي والفقه عمل العقل في استنباط أحكام الشريعة. والفقه الحق ليس النقل من الكتب بل اجتهاد الفقيه لزمانه ومكانه، فإن ما يصلح لعصر قد لا يصلح لغيره، لا سيما وأن التغير في زمننا صار كبيرا. (فقه الجهاد)

د- اعتماد منهج المقارنة بين الإسلام وغيره من الديانات والقوانين.

هـ- الربط بالواقع المعاصر: فعلى الفقيه المسلم إذا تحدث عن الجهاد أن يدرك الثوابت في هذه القضية من مثل سنة التدافع وفرضية إعداد القوة المستطاعة لإرهاب أعداء الله ووجوب قتال من بقاتل المسلمين وتحريم الاعتداء… ولكن هناك متغيرات مثل استنكار الحروب والرغبة في السلام وظهور قوانين دولية ومواثيق حقوقية إنسانية ونظام الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول. وفي هذا الصدد يقول صاحب فقه الجهاد “إننا نستطيع أن نعيش في ظل إسلامنا في عالم ينادي بالسلام لا الحرب وبالأمان لا الخوف، وبالتسامح لا التعصب وبالحب لا بالكراهية… نستطيع أن نعيش مع الأمم المتحدة والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وجماعات حماية البيئة. والحق أن مشكلتنا الكبرى مع إخواننا المتشددين الذين أغلقوا على أنفسهم النوافذ وأصروا على وجهة نظر واحدة. آفتهم أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر في الكتب لا في الواقع”.

و- تبني منهج الوسطية “وهو منهاجنا في الدعوة والتعليم والإفتاء والبحث والإصلاح والتجديد. ومن معالم هذا المنهج في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع”.

ويمكن من خلال دراسة “فقه الجهاد” الاستنتاج بيسر حرص صاحبه على ألا يبرز في الساحة لوحده ، منفردا بموقف دون بقية الفقهاء بل هو شديد الحرص أن يوقف إلى جانبه باستمرار علماء فطاحل قدامى ومعاصرين، حتى وإن كانت آراؤهم لم تلق رواجا في زمنهم، فتركت، أو ظلت مجهولة، فينفض عنها الغبار ويلقي عليها الضوء ويعيد عرضها في ثوب قشيب، باعثا فيها حياة جديدة.

كما هو حريص على تعزيز مواقفه بما يتساوق معها من قيم وخبرات الثقافة المعاصرة مستفيدا من تبحره وغوصه في أعماق وأرجاء مصادر الثقافة الإسلامية واطلاعه على الثقافة المعاصرة، صانعا من كل ذلك صورة جديدة متماسكة، أصيلة ومعاصرة للجهاد الإسلامي تتمتع بمساحة اشتراك واسعة مع السائد من ثقافة معاصرة حول الحرب والسلم.

الجديد فيها ليس الأجزاء، فمعظمها موجود في كنوز التراث إلا أنه متناثر ومجهول، وإنما الجديد الصورة، بحد ذاتها، وهو ما يجعل هذا العمل ساحة لقاء ووفاق، تجد فيه كل الأطراف أو قل معظمها بعض ما هو مألوف لديها بما يسهّل عليها قبول ما هو غير مألوف، وتلك تقاليد عريقة لدى فطاحل علماء السنة أنهم صناع الإجماع في الأمة.

ولذلك لم يكن المؤلف مبالغا في تقدير كتابه هذا أنه يمثل حاجة شديدة لفئات واسعة: الشرعيين والحقوقيين والإسلاميين والمؤرخين والمستشرقين والحواريين والسياسيين والعسكريين وجمهور المثقفين.

الأستاذ راشد الغنوشي

نقلاً عن موقع الجزيرة

كُتب في المناهج | التعليقات على ما الجديد في فقه الجهاد؟ دراسة للأستاذ راشد الغنوشي حول كتاب العلامة القرضاوي مغلقة

وفاة العالم والمربي والمفكر والداعية الإسلامي فتحي يكن رحمه الله

وفاة الداعية الإسلامي الكبير الأمين العام السابق للجماعة الإسلامية ورئيس جبهة العمل الإسلامي الداعية الدكتور فتحي يكن رحمه الله تعالى يصلى على جثمانه الطاهر عصر يوم الأحد 21 جمادى الثانية 1430هـ
الموافق 14 حزيران 2009 مـ في مسجد طينال ويوارى الثرى في مدافن العائلة في باب الرمل
التعزية قبل الدفن في منزله : أبي سمراء مبنى ثانوية الجنان

للرجال : يومي الثاني والثالث من الساعة العاشرة وحتى الواحدة ظهراً ومساءً من العصر وحتى المغرب في مبنى ثانوية الجنان ـ زيتون أبي سمراء
للنساء : طيلة أيام الأسبوع صباحاً من العاشرة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً .مبنى ثانوية الجنان ـ زيتون أبي سمراء

السيرة الذاتية للداعية الشيخ فتحي يكن رحمه الله

ولد في طرابلس- لبنان/ تاريخ : 3/5/1933متزوج من الدكتورة منى حداد

دبلوم في الهندسة الكهربائية من كلية اللاسلكي المدني في بيروت.

دكتوراه شرف في الدراسات الاسلامية واللغة العربية.

زوجته الدكتورة منى حداد حاصلة على دكتوراه من جامعة السوربون

من مؤسسات العمل النسائي الاسلامي في لبنان

رئيسة جامعة الجنان

لهما أربع بنات وصبي و19 حفيداً وحفيدة.

 

المسيرة الدعوية:

1- من أهم مؤسسي العمل الإسلامي في لبنان في الخمسينات.

2- أنشأ الجماعة الإسلامية في مطلع الستينات وتولى الأمانة العامة فيها حتى العام 1992حيث قدم استقالته منها بعد نجاحه في الانتخابات النيابية ليتفرغ للعمل البرلماني.

3- بقي نائباً في البرلمان النيابي حتى العام 1996 حيث أصدر ثلاثة كتب حول التجربة النيابية.

الأول : التجربة النيابية بين المبدأ والتطبيق.

الثاني : التجربة النيابية عبر الإعلام.

الثالث : التجربة النيابية في الميزان.

4- له دور ملحوظ في السياسة اللبنانية والإقليمية.

5- شارك ويشارك في معظم المؤتمرات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم دوَّن معظمها في كتابه : “فقه السياحة في الإسلام ونماذج لرحلات دعوية قي أرض الله الواسعة”.

6- التقى العديد من الرؤساء العرب داعياَ وناصحاَ ومذكراَ.

 

مؤلفاته :أصدر الداعية الشيخ فتحي يكن عدة مؤلفات، ترجم معظمها لعدد من لغات العالم، وتزيد على 35 مؤلفا ومن أبرزها:

· مشكلات الدعوة والداعية.

· كيف ندعو إلى الإسلام؟

· نحو حركة إسلامية عالمية واحدة.

· الموسوعة الحركية (جزءان)

· ماذا يعني انتمائي للإسلام؟

· حركات ومذاهب في ميزان الإسلام.

· الاستيعاب في حياة الدعوة والدعاة.

· نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر.

· المناهج التغييرية الإسلامية خلال القرن العشرين.

· الإسلام فكرة وحركة وانقلاب.

· الشباب والتغيير.

· المتساقطون على طريق الدعوة.

· أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي.

قطوف شائكة من حقل التجارب الإسلامية

اللهم إن كان محسناً فزد اللهم في حسناته وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاتنا وسيئاته

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على وفاة العالم والمربي والمفكر والداعية الإسلامي فتحي يكن رحمه الله مغلقة