قدرة الإسلام على الانتشار السلمي

من مآثر تاريخنا: أنه سجَّل لديننا قدرته على الانتشار السريع ودخول الأمم فيه أفواجا، بأدنى دعوة إليه، وإن لم يَقُم بهذه الدعوة أناس محترفون متخصصون في التبشير به، متفرغون له.

وسر ذلك: أن هذا الدين -بعقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته- تتوافر فيه: موافقة الفطرة، وملاءمة العقل، وتزكية النفس، وسمو الروح، وصحة الجسم، وتماسك الأسرة، وترابط المجتمع، وتحقيق العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإشاعة الخيرات، ومكافحة الشرور بقدر الإمكان. وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده التي ليس فيها غموض ولا التواء ولا تناقض، تقبلها الفطرة السليمة، ويسلم لها العقل المستقيم. فلا غرو أن انتشر دين الإسلام انتشار أضواء الصباح، فملأ الآفاق، ومحا الظلام، واستنارت به الأبصار والبصائر، ورحب الناس به في عامة الأقطار. لم يكن (السيف) هو الذي أدخل الناس في الإسلام، كما زعم بعض خصوم الإسلام، فإن السيف قد يفتح أرضا للاحتلال، ولكنه لا يفتح قلبا للهداية. بل إن الإنسان -بطبعه- يأبى أن يدخل في دين مَن يقهره عليه بالسيف. على أن الإسلام ذاته ينكر إكراه الناس على الإيمان، ففي القرآن المكي يخاطب الله رسوله فيقول: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99].
وفي القرآن المدني يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256].
بل إن القرآن لا يعتدُّ بإيمان مَن لم يؤمن عن طواعية واختيار حر، لا تشوبه أي شائبة من ضغط أو إكراه، ولهذا لم يقبل إيمان فرعون ساعة الغرق، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، فكان الجواب الإلهي عليه: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91].
وقال عن قوم مكذبين نزل عليهم عذاب الله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر:84،85]. الحق أن سهولة تعاليم الإسلام، وسمو أخلاق المسلمين: هما اللذان مهدا السبيل لدخول الأمم في الإسلام، وليس السيف، كما تقوَّل المتقولون.
انتشار الإسلام بفضائله وقوته الذاتية:
ولقد ألَّف المؤرخ المعروف الدكتور حسين مؤنس كتابا أسماه (الإسلام الفاتح)، وقال عنه: أنه دراسة في تاريخ البلاد التي فتحها الإسلام بفضائله وقوته الذاتية، دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب . وقد تتبَّع انتشار الإسلام في هذه البلاد، وبيَّن كيف دخل الإسلام إليه، بما يقطع كل شك، ويردُّ على كل تخرُّص بأن المسلمين استخدموا القوة في نشر دينهم . يقول د. مؤنس رحمه الله:
(لم يسبق فيما مضى أن كانت للمسلمين سياسة موضوعة لنشر الإسلام، يقوم عليها رجال متخصصون يجرون في أعمالهم على مناهج مقررة، كما هي الحال في النصرانية مثلا، حيث نجد البابوية الكاثوليكية، وما تبعها من منظمات كهنوتية كالفرنشسكية والدومينيكية والجزويت، وكذلك يما تنظمه الهيئات البروتستانتية من حملات تبشير، تعد رجالها في معاهد متخصصة، وتنفق عليها المال الوفير، ثم ترسلهم إلى البلاد البعيدة لدعوة الناس إلى أديانها بأساليب علمية مدروسة، لإقناع من يصادفونه من الناس بصدق ما يدعون إليه، وإدخالهم في العقيدة، ويبلغ الأمر أن يطلّق أولئك الدعاة الدنيا، ليخلصوا للدعوة خلوصا تاما، كما نعرفه في جماعات الرهبان المسيحية والبوذية أحيانا.
في الإسلام لا نجد شيئا من هذا إلا في عصرنا اليوم، عندما تزايدت تيارات التبشير غير الإسلامية، ولم يعد هناك مناص من أن يُعنَى المسلمون بالدعوة وتنظيمها، وإعداد الرجال القادرين عليها، فيما عدا ذلك كان الإسلام هو الذي نشر نفسه بنفسه: هو الذي دعا لنفسه واجتذب قلوب الناس؛ فاسلموا حبا في الإسلام وإعجابا به والتماسا لرحمة الله وهداه.
وإنه لمما يستوقف النظر أن قوة الإسلام الذاتية قد غلبت تنظيمات الدعاة، وأثبتت أنها أفعل وأبعد أثرا من المال الذي أنفقه الآخرون على دعاواهم، فانتشر واتسع مداه، ودخلت فيه الأمم بعد الأمم، من تلقاء نفسها بمجرد وصول الدعوة إليها. ولقد كان العرب يفتحون البلد من البلاد، ويعرضون الإسلام على أهله، ثم يدعونهم وشانهم ؛ حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية في تمهل ، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم ، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام ، وما إلى ذلك مما نجده مسطورا في كتب أعداء الملة. وما كان ذلك عن عدم حرص من العرب على نشر الإسلام ، وإنما كان سيرا على أسلوب الدعوة في عهدها الأول: أسلوب عرض الدين على الناس ، وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي الله منهم من يشاء. ومن غريب ما حدث في بلاد مصر والأندلس: أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في الإسلام، لأنهم تعودوا ممن يتغلب على بلادهم: أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه، فما بال أولئك العرب لا يلحون على الناس في الدخول في الإسلام، ولا يستخدمون القوة في ذلك، كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟. قال يولوج الراهب القرطبي المبغض للإسلام: ” فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام ، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام يتعرفون عليه، لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به، وضنهم به على غيرهم، فما زالوا يفعلون ذلك ، ويسألون عن الإسلام ويستفسرون، حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا”.
ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئا من ذلك، وكان متأسفا: لأن العرب لم يلجئوا إلى القوة في فرض الإسلام ، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة ، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس. وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر ، وكانوا من أشد الناس استمساكا بعقيدتهم، حتى لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات، على أيدي عتاة الرومان من أمثال دقلديانوس، وطغاة الروم من أمثال قيرس، فلا تجد لتساؤلك جوابا؛ لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين –مصر والأندلس- تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس ، كما ينساب الماء في أرض الزرع، فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.
وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه، فهذا الرجل الفريد في بابه ، الذي وهب نفسه للإسلام، كان يلقى رئيس القبيلة ، ويحدثه ، ثم يدعوه إلى الإسلام؛ فيسارع إلى الإيمان ليكون من قوم عقبة، ثم يتبعه بعد ذلك قومه. إن مداخل الإسلام إلى القلوب ، هي سماحته وبساطته وإنسانيته. إنه يقدم للمؤمن به الاطمئنان وهدوء البال، ويفتح له إلى الله سبحانه بابا واسعا للمغفرة والأمل وثواب الآخرة ، وكل ذلك دون مقابل. في أديان أخرى تفرض عليه أموال وهدايا وقرابين ، ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة ، ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة الله بقرار.. لا شيء من هذا في الإسلام، من هنا كان مدخله إلى النفوس سهلا ذلولا.
أما مسالك الإسلام، فهي ضروب الأرض جميعا: لقد انتشر الإسلام بالبر والبحر ، بالحرب والسلم، لقد اخترق الجبال والشعاب، وأوجد لنفسه طرقا ومسالك لا تخطر على بال أحد. لقد اشترك في نقل الإسلام حتى الكفار، ومن بين المستشرقين رجل -سنتحدث عنه – نصح حكومته بترك الإسلام ينتشر، حتى يشتغل به الناس ، ويتركوا التجارة والأموال للهولنديين، وأخذت الدولة بكلامه.
وانساح الإسلام في إندونيسيا حتى عمها كلها. وحدث أن دخلت الإسلام قبيلة من قبائل الونقارة في غرب أفريقية على سبيل العناد مع جارتها ، فلما دخلت فيه سعدت وارتقت وسادت وتبعتها خصمتها الأولى… بفضل هذه العداوة –التي أصبحت صداقة- اخترق الإسلام مائتي كيلومتر من الغابات الاستوائية التي لا يخترقها أحد إلا بمشقة، وهذه القبيلة –وتسمى الونقارا آيا- تعتبر في مقدمة قبائل داهومي، منها اليوم أطباء ومهندسون ومدرسون وقضاة. لقد دخلت الإسلام دون أن تدري أي حظ كتبه الله لها عن طريق هذا الدين.
الإسلام دين طيار:
والخلاصة أن داعية الإسلام الأكبر هو الإسلام نفسه، فقد تضمنت عقيدته وشريعته من الفضائل ما يجعل الناس يحرصون أشد الحرص على أن يدخلوا فيها، ثم إن الإسلام يعطي الداخل فيه كل شيء ولا ينتقصه شيئا، فإن الإنسان يكسب الصلة المباشرة بالله سبحانه وتعالى، ويجد الطريق إليه فيقف بين يديه خمس مرات في اليوم، ويدعوه دون حجاب، ويكسب الأمل في حياة أسعد وأرغد في هذه الحياة الدنيا، ثم حياة الخلود في دار البقاء، ولا يكلفه ذلك إلا النطق بالشهادتين، واتباع شريعة الإسلام، وكلها خير ومساواة وعدل، في حين يتقاضاه رجال الدين في الأديان الأخرى-كما قلنا- الإتاوات في كل مناسبة، فهو يؤدي مالا إذا تزوج ، ويؤدي مالا كلما أنجب ولدا، ويؤدي مالا ليعمِّد الطفل الوليد، ثم مالا آخر ليثبته في الجماعة المسيحية إذا ضرب في مداخل الشباب، بل يؤدي مالا إذا مات له ميت لكي تصلى عليه صلاة الجنازة، وبالإضافة إلى ذلك يظل عمره كله تابعا لرجل الدين في كل ما يتصل بالله سبحانه، فإذا أراد الصلاة صلى عنه القس، ووقف هو يسمع ولا يملك إلا أن يقول: آمين، ولكن المسلمين وحدهم من دون أهل الأديان هم الذين يقوم كل واحد منهم بصلاته بنفسه، حتى لو كانت صلاة الجماعة، وفي غير الإسلام يصلى القس مع مساعديه نيابة عن الناس. والحق أن أصدق وصف يطلق على الإسلام في هذا المقام، أنه( دين طيار) ينتقل من إنسان إلى إنسان ومن أمة لأمة في سهولة ويسر ، كأن له أجنحة قدسية تحمله وتجري به مجرى الريح! وإنك لتنظر إلى خريطة الأرض، وتتأمل مدى انتشار الإسلام ، فتتعجب من سعته، ويزداد عجبك عندما تتبين أن ثلث هذه المساحة فحسب هي المساحة التي فتحتها الدول وأدخلت الجيوش فيها الإسلام. أما الباقية فقد دخلها الإسلام ، وملأ قلوب أهلها دون جيش منظم ، أو سياسة مرسومة لذلك!!، إنما هو الإسلام نفسه ، جعله الله خفيفا على القلوب، قريبا إلى النفوس ، ما تكاد كلمة الحق تصافح أذن الرجل حتى يصل الإيمان إلى قلبه، فإذا استقر في قلبه لم يكن هناك قط سبيل إلى إخراجه منه، فهو الريء الذي تظمأ إليه النفوس وتستقي منه، وهو الأمل الذي يخفف على الإنسان وطأة المسير في هذه الدنيا، ويهون عليه الموت، فالموت ليس آخر رحلة الإنسان مع الحياة بل هو المدخل إلى الحياة فحسب، وبعد هذه الحياة حياة هي أسعد وأبقى لمن صدق إيمانه واتقى.
ولعل أكبر أسباب خفة الإسلام على القلوب هو: وضوحه وصدقه، فإنك إذ تؤمن بالإسلام لا تؤمن بأسرار أو أمور لا يقبلها عقلك، كما ترى في الأديان الأخرى، حتى الغيب الذي تؤمن به في الإسلام حقيقة ، فإن الإنسان لا يرى الله بالعين المبصرة، وإنما يحس به في نفسه، وفي كل ما حوله بالبصيرة المنيرة، والحقيقة الكبرى في هذا الكون هي خالقه، فهو الحق ولا حق غيره، وأنت لا تؤمن بالله ؛ لأن داعيك إليه يأتي بمعجزات أو خوارق، وإنما هو يلفت نظرك إلى عجائب الخلق، وكلُّ ما فيه معجز وخارق، وأنت تراه رأي العين في شخصك الذي يعيش ويتحرك ويفهم، لا تدري كيف ، فإذا لم تؤمن بالله فكيف فكيف تعلل حياتك، وحركة حسدك ، ونبض قلبك ؟ فإذا آمنت بالله لم يكن لك مفر من أن تؤمن بنبيه الذي حمل إليك رسالته ، فالله سبحانه حق، ونبيه صدق، وكل ما يعدك به القرآن حق وصدق، ولست تحتاج إلى من يشرح لك حقيقة الإسلام حتى في نفسك، وغاية ما تحتاج إليه من يذكرك بها ، وهذا معنى من معاني تسمية الله سبحانه للقرآن بالذكر والذكر الحكيم[1] . أ.هـ .
شهادة غوستان لوبون:
هذه شهادة مؤرخ كبير مثل الدكتور حسين مؤنس ، ولكن قد يقال: إنها شهادة مسلم لدينه. فهذه شهادة من مؤرخ غير مسلم ، وهو المؤرخ الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي الشهير (غوستان لوبون) في كتابه (حضارة العرب) الذي نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر.
فلسفة القرآن وانتشاره في العالم:
يقول لوبون تحت عنوان (فلسفة القرآن وانتشاره في العالم):
إذا أرجعنا القرآن إلى عقائده الرئيسة: أمكننا عدُّ الإسلام صورة مبسطة عن النصرانية، ومع ذلك فإن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول، ولا سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد ، الذي دعا إليه الإسلام ، مهيمن على كل شيء ، ولا تحفّ به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم . (أي كما في النصرانية) وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم.
ويشير لوبون إلى يسر الإسلام، وسهولته البالغة والتي تتمثل في عقيدة التوحيد الخالص، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام ، وهي التي تجعل إدراك الإسلام سهلا على كل إنسان، فليس في الإسلام غموض ولا تعقيد، مما نراه في الأديان الأخرى وتأباه الفطرة السليمة، من المتناقضات والغوامض.
قال: ولا شيء أكثر وضوحا، وأقل غموضا ، من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد ، وبمساواة جميع الناس أمام الله . وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها ، ويدخل النار من يعرض عنها . وإنك ، إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة ، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقده، ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة . وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثا عن التثليث ، والاستحالة، وما ماثلهما من الغوامض، من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل!
وساعد وضوح الإسلام البالغ: ما أمر به من العدل والإحسان كل المساعدة، على انتشاره في العالم ، ونفسر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام، كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية، فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام ، كما نفسر السبب في عدم تنصر أية أمة ، بعد أن رضيت بالإسلام دينا، سواء أكانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة.
ويجب على من يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني: ألا ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم، بل إلى مدى تأثير عقائده . والإسلام إذا ما نظر إليه من هذه الناحية: وجد أنه من أشد الأديان تأثيرا في الناس، وهو- مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاة ، إلخ- يعلِّم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف ، فضلا عن ذلك، أن يصبّ في النفوس إيمانا ثابتا لا تزعزعه الشبهات.
ولا ريب في أن نفوذ الإسلام السياسي والمدني كان عظيما إلى الغاية، فقد كانت بلاد العرب قبل محمد مؤلفة من إمارات مستقلة وقبائل متقاتلة دائما ، فلما ظهر محمد، ومضى على ظهوره قرن واحد، كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى إسبانية ، وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المدن التي خفقت راية النبي فوقها. والإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم ، ومن أعظمها تهذيبا للنفوس، وحملا على العدل والإحسان والتسامح ، والبُدّهِيةُ ، وإن فاقت جميع الأديان السامية فلسفة، تراها مضطرة أن تتحول تحولا تاما لتستمرئها الجموع، وهي، لا شك ، دون الإسلام في شكلها المعدّل هذا.
وجرت حضارة العرب ، التي أوجدها أتباع محمد ، على سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا: نشوء فاعتلاء فهبوط فموت، ومع ما أصاب حضارة العرب من الدُّثور ، كالحضارات التي ظهرت قبلها، لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ماله في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئا من قوتها.
ويدين بالإسلام في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص[2] ، واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسية الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين، ثم جميع إفريقية إلى ما تحت خط الاستواء تقريبا. وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستورا لها وحدة اللغة والصلات التي يسر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي. وتجب على جميع أتباع محمد تلاوة القرآن باللغة العربية بقدر الإمكان ، واللغة العربية هي لذلك أكثر لغات العالم انتشارا على ما يحتمل ، وعلى ما بين الشعوب الإسلامية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما يُمكِن جمعها به تحت علم واحد في أحد الأيام.
وقضى أعداء الإسلام من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن العظيمة، فعزوها إلى ما زعموه من تحلل محمد وبطشه، ويسهل علينا أن نُثبت أن هذه المزاعم لا تقوم على أساس، فنقول: إن من يقرأ القرآن يجد فيه ما في الأديان الأخرى من الصرامة ، وإن ما أباحه القرآن من تعدد الزوجات لم يكن غريبا على الشعوب المسلمة التي عرفته قبل ظهور محمد، وإن هذه الشعوب لم تجد نفعا جديدا في القرآن لهذا السبب.
وما قيل من دليل حول تحلل محمد نقضه العلامة الفيلسوف (بيل) منذ زمن طويل. وقال بيل، بعد أن أثبت أن ما أمر النبي بالتزامه من قيود الصيام وتحريم الخمر ومبادئ الأخلاق هو أشد مما أمر به النصارى:
” إن من الضلال ، إذن ، أن يُعزى انتشار الإسلام السريع في أنحاء الدنيا إلى أنه يلقي عن كاهل الإنسان ما شق من التكاليف والأعمال الصالحة، وأنه يبيح له البقاء على سيئ الأخلاق، وقد دوَّن (هوتنجر) قائمة طويلة بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة عند المسلمين، فأرى –مع القصد في مدح الإسلام- أن هذه القائمة تحتوي أقصى ما يمكن أن يؤمر به إنسان من التحلي بمكارم الأخلاق ، والابتعاد عن العيوب والآثام”[3].
ومما نبه إليه العلامة (بيل ): أن ملاذ الجنة التي وعد بها المسلمون لا تزيد على ما وعد به النصارى في الإنجيل . جاء في الإنجيل: “لم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه”.
وسيرى القارئ ، حين نبحث في فتح العرب وأسباب انتصاراتهم: أن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن ، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارا في أديانهم ، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام ، واتخذوا العربية لغة لهم ، فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل. وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة ، فلما قهر النصارى عرب الأندلس فضل هؤلاء القتل والطرد عن آخرهم على ترك الإسلام.
ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند ، التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد معه عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها[4]، ويزيد عدد مسلمي الهند اليوم يوما فيوما، مع أن الإنجليز ، الذين هم سادة الهند في الوقت الحاضر ، يجهِّزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعا إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى. ولم يكن القرآن أقل انتشارا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة الإسلامية فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا[5] في الوقت الحاضر.
توماس أرنولد ينصف الإسلام:
وإذا كان غوستاف لوبون الفرنسي قد أنصف الإسلام وتاريخ المسلمين في كتابه، فقد جاء بعده المستشرق البريطاني البحاثة الشهير(توماس أرنولد) الذي كان يعرف العربية والفارسية وعددا من اللغات الأوربية ، والذي أصدر كتابه القيم (الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية) وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، (1896م). وقد طبع الكتاب بالإنجليزية عدة طبعات ، ونقله إلى العربية د. حسن إبراهيم حسن وزميلاه ، ونشر عدة مرات ابتداء من سنة 1947م . والكتاب جدير بأن يقرأ ، لما فيه من وقائع وأحداث مأخوذة من مصادر عدة وموثقة ، ومكتوبة بلغات شتى ، عكف الرجل عليها، حتى استخرجها من مظانها وحشدها في كتابه العلمي الموثق.

العلامة الدكتور يوسف القرضاوي
—————-
[1] الإسلام الفاتح لحسين مؤنس: 20-24. نشر الزهراء للإعلام العربي.
[2] قيل هذا في القرن التاسع عشر، ومع هذا كان المسلمون أكثر ذلك بكثير. وسيأتي من كلام (لوبون) نفسه ما يدل على أن المسلمين أكثر من ذلك.
[3] وقال الفيلسوف الشهير (كارلابل) في كتابه الأبطال في فصله الذي كتبه عن البطل في صورة نبي ، واتخذ النبي محمدا نموذجا ممثلا للبطولة: (إن دينه ليس بالدين السهل، فإنه –بما فيه من صوم قاس، وطهارة، وصيغ معقدة صارمة ، وصلوات خمس كل يوم، وإمساك عن شرب الخمر- لم يفلح في أن يكون دينا سهلا) انظر : الدعوة إلى الإسلام ص460 لتوماس أرنولد.
[4] هذه إحصائيات قديمة من القرن التاسع عشر، ومع هذا ليست دقيقة.
[5] إذا كان المسلمون في الهند يزيدون على 50 مليونا، وفي الصين على 20 مليونا، فكيف يكون عدد جميع المسلمين مائة مليون ، كما قال الباحث من قبل؟!!
[6] بل هناك مئات الآيات من القرآن في سوره المكية والمدنية تثبت بكل وضوح: أن الإنسان مكلف مختار، وأنه هو الذي يقرر مصير نفسه، وإن الله تعالى منحه من القوى والمواهب والملكات : ما يمكنه من صنع مصيره بيده ، كما قال تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها كل نفس بما كسبت رهينة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم … إلى آخره .
[7] أنظر: حضارة العرب.
ـــــــــ
المصدر : موقع حيران إنفو 12/09/2009

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على قدرة الإسلام على الانتشار السلمي مغلقة

إلى ديار الحق : العلامة المحقق الدكتور صلاح الدين المنجد

جمعية التمدن الإسلامي في دمشق الشام تسلم بقضاء الله وفاة أحد عظمائها وكبار رجالها شيخ المحققين:

العلامة الدكتورصلاح الدين المنجد رحمه الله

(1334هـ/1920م – 1431هـ/2010م)

قدر دمشق أنها مبتلاة بعشق سرمدي واغتراب مرير، تشتاق أبناءها وبناتها، وتتجلد أمام أقرانها، فإذا أقبل المساء فتحت دفاترها، ومرت على طيف كل منهم، فهي لا تنساهم أبداً، تعرفهم فرداً فرداً، ونقشت في قلبها أسماءهم اسماً اسماً، وأحاطت بذكرى كل واحد منهم فلة وياسمينة وزهرة نارنج وعطر ليمونة، تسمر على أحاديثهم وقصصهم وأخبارهم، ولا تمل من ذكرهم كل يوم ألف ألف مرة.

مسكونة دمشق بحب أبنائها وبناتها، ومازالت تذكر شغب الصبيان منهم، ولعب البنات وضفائرهن تتراقص على رؤوسهن. وأصواتهم العذبة تملأ حاراتها وكل زقاق فيها.

دمشق ماكان من طبعها إلا أن تشمخ باسمة في وجه الجراح ونوائب الزمان، وتطوي في قلبها سر العشق الذي لا يعرفه إلا الدمشقي الأصيل، وتتبادل رسائل الأرواح مع فلذات أكبادها، وتعاتبهم، وتفرح لهم وتبكي معهم، ولا تبوح بأحزانها إلا بين أيديهم.

وعندما تتهادى نسائم الفجر وتتعانق مع أصوات التكبير السارية من المآذن الشامخة، تقوم دمشق الأصيلة إلى المحراب تستلهم من إيمانها القوة والعزيمة، ثم تكفكف دمعها وتطوي لوعتها على أبنائها، وتتعاهد مع كل قبة ومئذنة، وحارة وزقاق، وليمونة وياسمينة، على أن لا يبوح أحد بسر اللوعة والعشق الأبدي الذي خصت به الشام.

ولكن في بعض الأحيان لا تستطيع دمشق أن تحبس عبراتها، فتجهش بالبكاء وخصوصاً إذا تتابعت اللوعات، وكثر غياب الأبناء والبنات البررة ..

منذ أسابيع رحل فلذة من فلذات الشام وأعيانها(الأستاذ القاضي فيصل العظمة) ثم الداعية الفاضلة أسامة الطباع (أم مصطفى) ، والصالحة الصابرة (هند قطب) فالمربية القديرة (بشرى قطب) ثم غادة ابنة القائد العظيم عارف التوام، وبعدهم شيخ الأطباء موفق المالكي وإمام المحققين صلاح الدين المنجد… وغيرهم ممن لا يأتي الزمان بمثلهم، ولم تطق دمشق كل ذلك فجرى دمعها غزيراً وانسكبت عبراتها فاشتبكت مع عبرات أبنائها، وخالفت عهدها في الكتمان فجهرت ثم أجهشت بالبكاء لكثرة الغيّاب من أبنائها وكلهم حبيب وقريب وعزيز وفي قلبها لكل منهم ديوان حب ووفاء سطرت فيه المكارم والمروءات.

واليوم نرويها عن دمشق، قصة فلذة من فلذاتها، وابن كتب في حبها مالم يكتبه أحد في مدينة أخرى، وسطر لأجلها آلاف الصفحات والمآثر، كما كتب بقية أبنائها، كلٌ في سبيل خير سبق فيه الناس …

هي قصة طويلة لاتتسع لها الأوراق، وقد اجتزأنا منها أسطراًً قليلة عن ابن دمشق ومؤرخها وابن شيخ قرائها: العلامة صلاح الدين المنجد رحمه الله، وصلته مع جمعية التمدن الإسلامي ومجلتها الغراء.

صلاح الدين المنجد فلتة من فلتات الزمان، وياسمينة دمشقية فاح أريجها فملأ الدنيا عطراً وطيباً.

تفتحت عيناه في بيت القرآن والعلم والفضل، ثم انتسب إلى جمعية التمدن الإسلامي وهو شاب صغير في نهاية المرحلة الثانوية، ففتحت له قلبها، وبادلها العشق فكان من خيرة شبابها، وفطن له قادتها وفي مقدمهم علامة الشام محمد بهجة البيطار فأولوه ثقتهم الكاملة، وبتاريخ 25 محرم 1360هـ الموافق 21 شباط 1941م تم انتخابه عضواً في مجلس إدارة التمدن الإسلامي، ولما يتجاوز العشرين من عمره إلا قليلاً، ثم مضوا في تشجيعهم له كما هو تفكير وعادة رجال التمدن حتى اليوم في فتح أبواب الخير، فاختاروه ليكون أحد أركان لجنة المجلة، والتي يدهش المرء لرقي أفرادها، إذ ضمت وقتها السادة: حسن الشطي، صلاح الدين المنجد، جميل سلطان، أنيس الشربجي، فيصل العظمة، عبد الرحمن الخاني، شفيق نصري، محمد أحمد دهمان.

ثم طلب منه أن يكتب افتتاحية السنة السابعة (ربيع الأول 1360هـ/نيسان1941م) ، ومما جاء في مقالته :”تجرمت على هذه المجلة سنوات ست، سعت فيها لنشر فكرة وإعلاء دين، وتبيان محاسن، ورد افتراء، وكانت تصدر بإيمان كإيمان الصحابة لا يحفلون الضنى، ولا يبالون بالسغب، ولا يهنون للصدمات، ولا ينحنون للنكبات، وهاهي ذي اليوم تخطو خطوة سابعة بقدم ثابتة وقلب مطمئن وعزم حديد، لا تزعزعها الحوادث الراجفة، ولا تضعفها القوة الغاشمة، ولا يُثنيها عما اختطته لنفسها سلطان النار ولا قوة الدمار التي انفجرت في ديار الغرب البعيد، بل هي تسعى في طريقها، تعلم أن في عملها جهاداً، وأن الجهاد صبر ونصب، وأن الصبر ثبات وقوة وعزم….

لقد كانت التمدن الإسلامي أول مجلة دينية في دمشق أرسلت العظات لتفتح القلوب، وتنعش النفوس، ودعت الناس إلى دين الإسلام، كي يستاروا بالسيرة التي كانت للنبي عليه صلوات الله، ويقتفوا آثار الهادين من الصحابة والتابعين، ليصبحوا أمة تستحق الحياة لأنها ترغب في الحياة، وليكونوا حقاً خير أمة أخرجت للناس …. ولقد دأبت هذه المجلة منذ صدورها على الدعوة إلى فهم الدين ليجعلوه مهوى القلوب وبهجة النفوس، فيستقوا من الينبوع، ويدعوا مالحق به من بدع شوهته، وما علقه من أباطيل أضعفته، وماجاءه من دعاوي ليست منه في شيء .. وإن (التمدن الإسلامي) لترغب إلى الله أن يمدها بالعون لتمضي في نهجها، مظهرة هذا الدين في أروع مظاهره، مبينة للناس صفحات ناصعة من حضارته، لا يعيقها ما تلقاه من مكاره جاهمة، ومصاعب قائمة … “.

كما كلف رحمه الله لأشهر بالمسؤولية عن تحرير المجلة، ثم اعتذر بعدها لكثرة واجباته، وبقي يرفد إخوانه بنصحه وعلمه، ويتحفهم بما يكتب ، وقد نشرت له مجلة التمدن الإسلامي المقالات التالية:

1- أولئك رجالنا ، العدد الأول ، السنة السادسة ، 1359هـ/1940م

2- عامنا السابع ، العدد الأول ، السنة السابعة ، 1360هـ/ 1941م

3- القاضي منذر بن سعيد (1) ، العدد 3-4، السنة التاسعة ، 1362هـ

4- القاضي منذر بن سعيد (2) ، العدد 5-6، السنة التاسعة ، 1362هـ

5- موغلي بين الذئاب ، العدد 2، السنة العاشرة ، 1363هـ

6- ماذا نفيد من أدب أبي العلاء [المعري] ، العدد 14 ، السنة العاشرة ، 1363هـ

7- نصيحة الحافظ للملك الأشرف ، العدد 5-6 ، السنة الخامسة عشرة ، 1368هـ

8- أبنية دمشق الأثرية المسجلة (1) ، العدد 25-26 ، السنة السابعة عشرة ، 1370هـ

9- أبنية دمشق الأثرية المسجلة (2) ، العدد 29-30 ، السنة السابعة عشرة ، 1370هـ

10-أبنية دمشق الأثرية المسجلة (3) ، العدد 31-32 ، السنة السابعة عشرة ، 1370هـ

11-مدرسة أسعد باشا العظم ، العدد 19-20 ، السنة التاسعة عشرة ، 1372هـ

12-حريق الجامع الأموي ، العدد 25-26 ، السنة التاسعة عشرة ، 1372هـ

13-مدرسة إسماعيل باشا العظم ، العدد 21-22 ، السنة التاسعة عشرة ، 1372 هـ

وأخيراً وضع العلامة العظيم قلمه يوم الأربعاء 5 صفر 1431هـ/20 ك2-2010م ، واستراح من كفاح الحياة ورحل إلى حيث يلقى ربه نقياً طاهراً حيث لاظلم هناك ..

كتبه : أحمد معاذ الخطيب الحسني / دمشق الشام

اللهم اجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً

اللهم إن كان محسناً فزد اللهم في حسناته وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاتنا وسيئاته

اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد ، واخلفه وبلده وأهله وولده خيراً

 

– ملاحظة : فيما يلي ترجمة موجزة ونأمل بوضع ترجمة شاملة لفقيدنا قريبا:

العلامة الدكتور صلاح الدين المنجد رحمه الله

والده العلامة عبد الله المنجد (1288-1359هـ / 1872-1940م) كان فقيها شافعياً وشيخ القراء في الشام.

ولد صلاح الدين المنجد في دمشق (1334هـ/1920م) لأسرة دمشقية من حي القيمرية، وتخرج من دار المعلمين عام 1939م، فدرس في ثانويات دمشق ثم عين أميناً للتعليم العالي والخاص في وزارة المعارف ثم نال إجازة الحقوق من الجامعة السورية عام 1943م، وعين بعدها رئيساً لديوان مديرية الآثار العامة عام 1944، ثم رئيساً لدائرة الآثار العامة عام 1947،وحضر محاضرات فقه اللغة والحضارة الإسلامية والآثار والاجتماع الإسلامي في الجامعة اليسوعية ببيروت عام 1949.

أوفد في بعثة إلى فرنسة حصل فيها على الدكتوراة في القانون، والتاريخ ، وعهد إليه مجمع اللغة العربية بتحقيق تاريخ دمشق الكبير للحافظ ابن عساكر.

انتخب عام 1948 عضواً في الجمعية الدولية للدراسات الشرقية (جامعة ليدن) ، وعمل مديراً لمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية مدة ثماني سنوات خلال الخمسينات، وترأس تحرير مجلته، ثم استقر في بيروت مؤسساً (دار الكتاب الجديد) للنشر، وقد احترقت أثناء الحرب الأهلية عام 1975. وقد انتقل بعدها إلى الرياض، وحاز الجنسية السعودية.

حاضر وزار العديد من جامعات العالم، وانتخب عضواً في المجامع العلمية في دمشق والقاهرة وبغداد، وعضواً في المعهد الألماني للآثار ببرلين، وله أكثر من مئة وخمسين كتاباً مابين تأليف وتحقيق، ومن أشهر كتبه: معجم المخطوطات المطبوعة، ومعجم ما ألف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومما حققه ونشره معهد المخطوطات بالقاهرة: شرح السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، إملاء الإمام السرخسي في خمسة مجلدات، وهو من نفائس الكتب تصنيفاً وتحقيقاً.

صورة للعلامة المنجد (الثالث من اليمين جلوساً) ضمن مؤسسة الفرقان الثقافية

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على إلى ديار الحق : العلامة المحقق الدكتور صلاح الدين المنجد مغلقة

ما الجديد في فقه الجهاد؟ دراسة للأستاذ راشد الغنوشي حول كتاب العلامة القرضاوي

نقدم لقرائنا الكرام الجزء الأول من الدراسة التي كتبها المفكر الأستاذ راشد الغنوشي حول كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حول فقه الجهاد ، وهذا الكتاب هو الأشمل موسوعياً والأدق فيما يتعلق بفهم الجهاد في الإسلام

مقدمة
تأتي أهمية ندوة “تجديد التفكير في الجهاد” التي عقدها “مركز الدراسات المتقدمة للعالم العربي بجامعة أدنبرا بين 7-9 سبتمبر/أيلول 2009:

أ- من انصبابها على أخطر مسألة في الفكر الإسلامي الحديث، مسألة “الجهاد” لما تحتله من مكانة في بنية الإسلام باعتباره “ذروة الإسلام وسنامه”، حيث تصطرع فيها داخل الإسلام وخارجه رؤى ومواقف شديدة التباين، ذات الأثر الأعظم على جملة العلاقات الدولية، بسبب الدور المتنامي للإسلام في العلاقات الدولية فضلا عن أثر هذه الرؤى على اتجاهات المسلمين في مستوى علاقاتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم وفي علائقهم مع غير المسلمين وذلك بالنظر لما يشهده الإسلام من صحوة على امتداد الوجود الإسلامي سواء في المستوى العقدي أم في مستوى القيام بالشعائر، في اتجاه الارتباط المتزايد بين الإسلام كدين(عقائد وشعائر وأخلاقيات) وبين كونه أيديولوجيا ذات تأثير كبير على جملة أفكار ومسالك المسلم الاجتماعية والسياسية مما يسمى الإسلام السياسي حيث يحتل الجهاد القلب من هذا المفهوم.
ب- كما تأتي من انعقادها في قلعة تاريخية من قلاع الاستشراق بجامعة أدنبرا حيث شارك أكثر من خمسين باحثا، قدموا من بلاد وديانات واهتمامات مختلفة أكاديمية وعسكرية وأمنية وإعلامية وسياسية، ما يؤكد الاهتمام الغربي المتزايد بالحضارة الإسلامية وبلغتها العربية، وبالإسلام عامة وبالجهاد خاصة، ما مكانته في بنية الإسلام حسب مختلف مدارس الإسلام قديمها وحديثها؟ هل الأصل فيه جهاد النفس؟ هل المقاطعة الاقتصادية منه؟ ما مدى استخدام جماعات الجهاد للوسائل الحديثة كالإنترنت؟ الأمر الوحيد الذي لم يحظ بما يستحق من الاهتمام هو دور السياسات الغربية في تفجير شتى ضروب الجهاد المشروع وغير المشروع من مثل احتلال بلاد إسلامية ودعم الاحتلال الصهيوني ودعم الأنظمة الدكتاتورية، والتهميش المسلط على الشباب الإسلامي في الغرب، حتى ظل السياسيون البريطانيون يصرون على استبعاد أي ربط بين غزوهم الظالم للعراق وما ارتكبه بعض الشبان من عمل إرهابي، وحده الدكتور طارق رمضان نبه إلى ذلك، كما كان إسهام د. الهلباوي متميزا، بينما اقترح باحث خليجي إحياء عقائد الإرجاء بسبب فصلها بين الاعتقاد والعمل بما يمكن للمؤمن أن يكون صالحا بصرف النظر عن عمله!.

غير أن الجهاد ليس وحده هو الذي يحظى اليوم بالاهتمام الأكبر من طرف الجامعات ومراكز البحث بتمويل حكومي، بل كل ما يتعلق بالإسلام، ولكن هل باعتباره خطرا داهما يجب البحث عن أسباب توقيه وتحييده؟ أم باعتباره أملا واعدا يمكن أن يعيد المعنى والأخلاق لسياسات ولنفوس خلت منهما؟ وارد كل ذلك.

ج- كما تأتي أهمية الندوة المذكورة من المكانة التي كانت للشيخ يوسف القرضاوي فيها بما يمثله في الإسلام المعاصر وفي عموم الحركات الإسلامية، من سلطة علمية وروحية، بإنتاجه الغزير والمتميز في مختلف حقول المعرفة الإسلامية، لا سيما وهو رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وأبرز وجه إعلامي إسلامي (يتابع أكثر من ستين مليونا برنامجه الأسبوعي في الجزيرة الشريعة والحياة) فكان مفهوما أن تخصص هذه الندوة لعمله الأخير الضخم “فقه الجهاد”، بحثين قدم أحدهما الباحث الأميركي شارمان جاكسون، دار حول آية السيف وانتهى إلى إقرار نفس النتائج التي انتهى إليها الشيخ، كما سنعرضها. والبحث الثاني كان بعنوان “الجديد في جهاد القرضاوي” قدمه صاحب هذه المقالة. والملاحظ أنه مع حضور يهودي في الندوة، فقد مرّ دون ضجة إيراد الباحث موقف القرضاوي المدافع عن العمليات الاستشهادية والمؤكد على رفض الصلح مع إسرائيل واعتبار إسرائيل العقبة الكبرى في علاقة الإسلام بالغرب، بل عبرّ باحثون عن تعاطفهم مع المقاومة الفلسطينية.

سيتجه عرضنا لهذا العمل الضخم “فقه الجهاد: دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة” إلى إبراز الصورة العامة للجهاد في الإسلام كما تجلت للشيخ القرضاوي من خلال نصوص الكتاب والسنة متفاعلة مع المنظومة التفسيرية والفقهية كما تجلت للشيخ في سياقاتها التاريخية التي ولدت فيها، ومن خلال أحوال الأمة الإسلامية الراهنة وهي تخوض صراعات كبرى داخلها مع قوى الاستبداد ومع القوى الخارجية، في ظل:

أ- موازين للقوة مختلة لصالح الأعداء، ما يستدعي إلى نفوس فئات في الأمة تعيش صحوة واسعة أصلب صور الجهاد وخصوصا فئة الشباب، مما أهدر طاقات كبيرة وخوّل المتربصين بالإسلام أسلحة ماضية للحرب على الإسلام وأمته وأقلياته.

ب- ثقافة معاصرة تمجّد قيم الحرية، مما لا يملك الإسلام إلا أن يرحب بها.

ج- قانون دولي يعترف بحدود للدول ويقصر مشروعية الحرب على ممارسة حق الدفاع.

في هذه السياقات كلها تشكلت صورة الجهاد لدى القرضاوي، وما يهمنا ليس تفاصيلها وإنما المشهد العام، وما هو جديد في هذه الصورة؟ وخصوصا ما له علاقة بالقضايا الكبرى مثل علاقة الجهاد بقضايا الحرية، وبعلاقات المسلمين مع غيرهم داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وأسس المنهج المتبع في هذه الدراسة، وما الجهاد؟ أنواعه ومراتبه، وما أهدافه؟ الجهاد بين الدفع والطلب، دار الإسلام ودار الكفر، ما هي أخلاقيات الجهاد في الإسلام من مثل حكم الأسير؟ واستخدام أسلحة الدمار الشامل، الجهاد داخل الأمة.

مسائل تتعلق بالمنهج: لقد طور القرضاوي في الإسلام المعاصر نظرية محورية يصدر عنها في كل رؤاه ومواقفه وجدّ في الدعوة إليها والشهادة لها وتوسيع مجراها وتهميش ما يخالفها، قد دعاها الوسطية الإسلامية، استلهمها من الآية 143 من سورة البقرة “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” فهو يعرض الإسلام باعتباره موقفا وسطا بين أطراف متصالبة متناقضة فهو الوسط الجامع والمجرى الكبير، وسط بين المادية والروحية وسط بين الفردية والجماعية وسط بين المثالية والواقعية، وسط بين الحرفية وبين التفلت من النصوص باسم الفهم المقاصدي…إلخ. ومن هذا المنظور الوسطي يعرض جملة اجتهاداته في كل جوانب الفكر الإسلامي ومنها جملة اجتهاداته في موضوع الجهاد، كما كشف عنها في مؤلفه هذا، أضخم وأهم أعماله حتى الآن -بارك الله له في عمره- دراسة وصفها صاحبها “بأنه تعب فيها مباشرة لعدة سنوات وشغلته لعقود “فعرض في مجلدين (1429 صفحة) -من منظوره للوسطية- ما توصل إليه من مواقف ونتائج في هذه القضية المحورية، شاقا وسط الأشواك والصخور لنظريته في الجهاد مجرى واسعا يأمل أن يسهم به في تشكيل الإجماع حول هذه المسالة الخطرة، كما فعل في مسائل أخرى فـ”من الخطر والخطل أن يفهم الجهاد على غير وجهه وتستباح باسمه دماء معصومة وتستحل به حرمات وأموال بغير حق ويتهم بسبب ذلك المسلمون والإسلام بالعنف والإرهاب والإسلام بريء كل البراءة من هذا الاتهام.. ولكن مشكلتنا في مثل هذه القضية الكبرى أن الحقيقة تضيع فيها بين طرفي الإفراط والتفريط”.

حدد المؤلف في المقدمة الأسس التي أسس عليها بناءه الضخم، فهي:

أ- “الاعتماد أساسا على القرآن الكريم باعتباره النص القطعي في ثبوته بالتواتر اليقيني فهو الحجة على كل المصادر الأخرى بما فيها السنة النبوية ويفهم بحسب منطق لغته الأصلية العربية دون تعسف وعلى اعتبار أن كل نصوصه نزلت ليهتدى ويعمل بها، فكل ما في المصحف معمول به غير منسوخ.. ولهذا توقفنا طويلا عند قول من قال إن هناك آية في القرآن سموها آية السيف نسخت مائة وأربعين آية أو أكثر.. اختلفوا في تعيينها “ويكاد المؤلف يتفق مع علماء سابقين ومعاصرين في إبطال مسألة النسخ في القرآن، أو تضييقها إلى أبعد حد، بما يحفظ لكل آي الكتاب وقارها وقداستها والحاجة إلى إعمالها في سياقها اللائق بها، فتتكامل وتتساند، بدل أن تتعارض وتتساقط، بما يسحب من أيدي المتشددين سلاحا بتارا قطعوا به رؤوس مئات الآيات الداعية للرفق والعفو ولاعتماد الحكمة والموعظة الحسنة، مما هو الأصل في تعامل دين جاء لهداية الناس، مسلمين وغيرهم، تمييزا في صفوف هؤلاء بين قلة معتدية حاقدة ظالمة، حقها الدفع بالجهاد وبين كثرة مسالمة حقها البر والقسط.

ب- اعتماد السنة الصحيحة التي لا تعارض ما هو أقوى منها كالقرآن. فقد ضعّف القرضاوي مثلا حديث “بعثت بالسيف” وأحاديث أخرى، معتمدا نهج المحدثين في الجرح والتعديل. أما الحديث الصحيح الذي وصفه بالمظلوم، حديث “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله” فقد حمله –على غرار سلف له من العلماء- على أنه لفظ عام أريد به خصوص مشركي العرب المعتدين، وهو معتاد في منطق اللغة التي تكلم بها النبي عليه السلام ونزل بها القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم” (آل عمران/173) الناس هنا لفظ عام مراد به قوم مخصوصون من مشركي العرب المتربصين.

ج- الاغتراف من بحر الفقه كله دون تحيز لفقه مذهب دون مذهب، ودون اقتصار على المذاهب المشهورة، معتمدا منهج المقارنة والتحليل والنقد والترجيح، مميزا بين الفقه والشريعة. الشريعة وضع إلهي والفقه عمل العقل في استنباط أحكام الشريعة. والفقه الحق ليس النقل من الكتب بل اجتهاد الفقيه لزمانه ومكانه، فإن ما يصلح لعصر قد لا يصلح لغيره، لا سيما وأن التغير في زمننا صار كبيرا. (فقه الجهاد)

د- اعتماد منهج المقارنة بين الإسلام وغيره من الديانات والقوانين.

هـ- الربط بالواقع المعاصر: فعلى الفقيه المسلم إذا تحدث عن الجهاد أن يدرك الثوابت في هذه القضية من مثل سنة التدافع وفرضية إعداد القوة المستطاعة لإرهاب أعداء الله ووجوب قتال من بقاتل المسلمين وتحريم الاعتداء… ولكن هناك متغيرات مثل استنكار الحروب والرغبة في السلام وظهور قوانين دولية ومواثيق حقوقية إنسانية ونظام الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول. وفي هذا الصدد يقول صاحب فقه الجهاد “إننا نستطيع أن نعيش في ظل إسلامنا في عالم ينادي بالسلام لا الحرب وبالأمان لا الخوف، وبالتسامح لا التعصب وبالحب لا بالكراهية… نستطيع أن نعيش مع الأمم المتحدة والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وجماعات حماية البيئة. والحق أن مشكلتنا الكبرى مع إخواننا المتشددين الذين أغلقوا على أنفسهم النوافذ وأصروا على وجهة نظر واحدة. آفتهم أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر في الكتب لا في الواقع”.

و- تبني منهج الوسطية “وهو منهاجنا في الدعوة والتعليم والإفتاء والبحث والإصلاح والتجديد. ومن معالم هذا المنهج في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع”.

ويمكن من خلال دراسة “فقه الجهاد” الاستنتاج بيسر حرص صاحبه على ألا يبرز في الساحة لوحده ، منفردا بموقف دون بقية الفقهاء بل هو شديد الحرص أن يوقف إلى جانبه باستمرار علماء فطاحل قدامى ومعاصرين، حتى وإن كانت آراؤهم لم تلق رواجا في زمنهم، فتركت، أو ظلت مجهولة، فينفض عنها الغبار ويلقي عليها الضوء ويعيد عرضها في ثوب قشيب، باعثا فيها حياة جديدة.

كما هو حريص على تعزيز مواقفه بما يتساوق معها من قيم وخبرات الثقافة المعاصرة مستفيدا من تبحره وغوصه في أعماق وأرجاء مصادر الثقافة الإسلامية واطلاعه على الثقافة المعاصرة، صانعا من كل ذلك صورة جديدة متماسكة، أصيلة ومعاصرة للجهاد الإسلامي تتمتع بمساحة اشتراك واسعة مع السائد من ثقافة معاصرة حول الحرب والسلم.

الجديد فيها ليس الأجزاء، فمعظمها موجود في كنوز التراث إلا أنه متناثر ومجهول، وإنما الجديد الصورة، بحد ذاتها، وهو ما يجعل هذا العمل ساحة لقاء ووفاق، تجد فيه كل الأطراف أو قل معظمها بعض ما هو مألوف لديها بما يسهّل عليها قبول ما هو غير مألوف، وتلك تقاليد عريقة لدى فطاحل علماء السنة أنهم صناع الإجماع في الأمة.

ولذلك لم يكن المؤلف مبالغا في تقدير كتابه هذا أنه يمثل حاجة شديدة لفئات واسعة: الشرعيين والحقوقيين والإسلاميين والمؤرخين والمستشرقين والحواريين والسياسيين والعسكريين وجمهور المثقفين.

الأستاذ راشد الغنوشي

نقلاً عن موقع الجزيرة

كُتب في المناهج | التعليقات على ما الجديد في فقه الجهاد؟ دراسة للأستاذ راشد الغنوشي حول كتاب العلامة القرضاوي مغلقة

وفاة العالم والمربي والمفكر والداعية الإسلامي فتحي يكن رحمه الله

وفاة الداعية الإسلامي الكبير الأمين العام السابق للجماعة الإسلامية ورئيس جبهة العمل الإسلامي الداعية الدكتور فتحي يكن رحمه الله تعالى يصلى على جثمانه الطاهر عصر يوم الأحد 21 جمادى الثانية 1430هـ
الموافق 14 حزيران 2009 مـ في مسجد طينال ويوارى الثرى في مدافن العائلة في باب الرمل
التعزية قبل الدفن في منزله : أبي سمراء مبنى ثانوية الجنان

للرجال : يومي الثاني والثالث من الساعة العاشرة وحتى الواحدة ظهراً ومساءً من العصر وحتى المغرب في مبنى ثانوية الجنان ـ زيتون أبي سمراء
للنساء : طيلة أيام الأسبوع صباحاً من العاشرة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً .مبنى ثانوية الجنان ـ زيتون أبي سمراء

السيرة الذاتية للداعية الشيخ فتحي يكن رحمه الله

ولد في طرابلس- لبنان/ تاريخ : 3/5/1933متزوج من الدكتورة منى حداد

دبلوم في الهندسة الكهربائية من كلية اللاسلكي المدني في بيروت.

دكتوراه شرف في الدراسات الاسلامية واللغة العربية.

زوجته الدكتورة منى حداد حاصلة على دكتوراه من جامعة السوربون

من مؤسسات العمل النسائي الاسلامي في لبنان

رئيسة جامعة الجنان

لهما أربع بنات وصبي و19 حفيداً وحفيدة.

 

المسيرة الدعوية:

1- من أهم مؤسسي العمل الإسلامي في لبنان في الخمسينات.

2- أنشأ الجماعة الإسلامية في مطلع الستينات وتولى الأمانة العامة فيها حتى العام 1992حيث قدم استقالته منها بعد نجاحه في الانتخابات النيابية ليتفرغ للعمل البرلماني.

3- بقي نائباً في البرلمان النيابي حتى العام 1996 حيث أصدر ثلاثة كتب حول التجربة النيابية.

الأول : التجربة النيابية بين المبدأ والتطبيق.

الثاني : التجربة النيابية عبر الإعلام.

الثالث : التجربة النيابية في الميزان.

4- له دور ملحوظ في السياسة اللبنانية والإقليمية.

5- شارك ويشارك في معظم المؤتمرات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم دوَّن معظمها في كتابه : “فقه السياحة في الإسلام ونماذج لرحلات دعوية قي أرض الله الواسعة”.

6- التقى العديد من الرؤساء العرب داعياَ وناصحاَ ومذكراَ.

 

مؤلفاته :أصدر الداعية الشيخ فتحي يكن عدة مؤلفات، ترجم معظمها لعدد من لغات العالم، وتزيد على 35 مؤلفا ومن أبرزها:

· مشكلات الدعوة والداعية.

· كيف ندعو إلى الإسلام؟

· نحو حركة إسلامية عالمية واحدة.

· الموسوعة الحركية (جزءان)

· ماذا يعني انتمائي للإسلام؟

· حركات ومذاهب في ميزان الإسلام.

· الاستيعاب في حياة الدعوة والدعاة.

· نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر.

· المناهج التغييرية الإسلامية خلال القرن العشرين.

· الإسلام فكرة وحركة وانقلاب.

· الشباب والتغيير.

· المتساقطون على طريق الدعوة.

· أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي.

قطوف شائكة من حقل التجارب الإسلامية

اللهم إن كان محسناً فزد اللهم في حسناته وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاتنا وسيئاته

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على وفاة العالم والمربي والمفكر والداعية الإسلامي فتحي يكن رحمه الله مغلقة

هام جداً… اختراق في حرم الجامع الأموي… الأديبة الدكتورة: ناديا خوست

مقال مهم كتبته السيدة الغيورة على دمشق والأديبة المتميزة الدكتورة ناديا خوست ، في وقت زحف الجراد وخراب المدنية وزيادة التصحر الحضاري ، انشر هذا المقال وشارك في الدفاع عن مدينة دمشق في وجه الجراد الزاحف. (إدارة الموقع).
nadiakhost@gmail.com

بناء الجامع الأموي
الجامع الأموي رمز دمشق وجوهرتها. أول مشيدة إسلامية كبرى، والشهادة على إبداع المعماريين السوريين، وعلى ذوق الفنانين القدماء الذين بقيت منهم هذه المقاطع البراقة من الفسيفساء. بنى المعماريون السوريون الجامع الأموي في زمن الوليد بن عبد الملك، “في موقع معبد الإله السوري حدد، ومعبد جوبيتر الدمشقي. أبقوا على الجدران الخارجية والأبراج الأربعة والبوابتين الشرقية والغربية، لكنهم أبدعوا رؤية معمارية جديدة. واستمرت أعمال بناء الجامع عشر سنوات من سنة 86 هجرية إلى 96 هجرية”.

من يتجول في الوثائق التاريخية ومذكرات الرحالة يشعر بأنه يدور حول الأموي في عصور متنوعة. سحرت هذه المشيدة الكبرى ابن جبير القادم من الأندلس، فقاس الجامع وترك لنا شهادة دقيقة عنه. وكتب باحثون غربيون عن عمارته ومقاييسه. وفصّل الدكتور طلال العقيلي في كتابه “الجامع الأموي”، في فرادة عمارته. ولعل كتابه أول مؤلف شامل يكتبه معماريون سوريون يتناول سيرة الجامع وهندسته وفنونه.
بالرغم من القرون التي مرت على الأموي لايزال الزائر حتى اليوم يستمتع بجمال عناصره وتناسقها وهو يتنقل من الحرم إلى الصحن إلى الأروقة. ولابد أن يعود إلى الصور بعد زيارته ليتأمل سطح الجامع وقبة النسر. وسيحيط بعمارة الجامع عندما يرى الصور التي التقطها برتران، المشهور بتصويره الأرض من الجو. وسيشعر عندما يتفرج على تلك الصور معروضة في حديقة تشرين بأن هذا المصور الفنان أحاط بعناصر الجامع المعمارية.
لكن الأموي لم يعان فقط من الحرائق والزلازل، بل عانى من التزوير. تجاهلت الرواية براعة المدرسة المعمارية والفنية السورية التي شيدت المعابد والكنائس في بلاد الشام مفيدة من تراث المنطقة المعماري. وردّدنا مثلها أن بنائيه استقدموا من القسطنطينية. لكن من يعد إلى مصادر أخرى يتبين أن المعماريين والفنانين السوريين بنوا الجامع وزيّنوه مستندين إلى تراث المدرسة السورية التي اشتهرت في الشرق كله، وساهم معماريوها في بناء معابد القدس واللد وأنطاكية وغيرها. نهلت تلك المدرسة من التقاليد القديمة السورية الفلسطينية التي تتداخل فيها منجزات الفن كلها في ذلك الزمن، المحلية الأصيلة والهلنستية والساسانية والرومية. لذلك لعبت دورا مركزيا في تطور الفن الإسلامي.

موزاييك الأموي
جلس الزوار في الصحن طوال عصور ونظرهم مثبت على موزاييك الأموي. والتقط المصورون تلك الواجهة الفاتنة منذ بدأ التصوير. ألأن العمل الفني الفريد واسع يتجدد فيوهم المتأمل بأنه عميق لايحاط به، ويغري بالعودة إليه؟ يعبّر موزاييك الأموي عن استلهام الفنانين السوريين الواقع وأدائهم جوهره بفن خلاق، بمهارة في ايجاز هوية مدينة تتميز بنهرها وعمارتها وأنواع أشجارها. ويوحي بعلاقة سكانها ببيئتها من خلال شرفاتها وواجهات بيوتها وقصورها المطلة على بردى. ويمكن أن نتبيّن كيف تتسلل النباتات من أشكالها الواقعية لتؤلف مجموعات من أشكال هندسية في توليفات خيالية تؤسس لفن عرف فيما بعد باسم “أرابيسك”. ونستنتج علاقة الفن المعقدة المركبة بالواقع، التي درسها فيما بعد الفلاسفة في علم الجمال والنقد الفني.
إلى ذلك، يصلنا موزاييك الأموي بجلسات الشعر والموسيقى التي كانت تجمع الناس على شاطئ بردى. ويشهد، مع زخرفة قبة الصخرة، على مرحلة مهمة من تطور فن الموزاييك في العالم. ويجسد نموذجا رفيعا من الفن الإسلامي المبكر يوحي بطبيعة دمشق، وبعلاقة اجتماعية إنسانية رفيعة بالبيئة في مدينة وهبت نظاما مائيا فريدا وغوطة ترد عنها الصحراء.

في مستوى العمل الفني، يبيّن الجامع الأموي أن الموهبة الأصيلة ابنة مكانها، وقادرة على استيعاب الفنون في زمنها، وعلى افتتاح مرحلة تؤهل لعمل جديد بعدها. يزيد في تقديرنا هذه الحقائق أن نتذكر أن موزاييك الأموي نفذ بين سنتي 705 ـ 711، في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والوليد الأول.
محيط الأموي

عاش الأموي وسط نسيج معماري من بيوت وأسواق تستظل به. وسجل في كنوز التراث الإنساني العالمي. وبتسجيل دمشق مدينة تاريخية حمي محيطه. وأسست هيئة دمشق القديمة لتدير ذلك النسيج وفق معايير، منها أن مايرمم يجب أن يكون بمادة البناء التقليدية العازلة، وأن مخططها الكادسترائي مخطط تنظيمي لايجوز خرقه. شكلت هيئة دمشق القديمة من ممثلي منظمات وهيئات وشخصيات، ومهندس واحد يمثل محافظة دمشق. وقصد ذلك أن تكون قراراتها نقية، علمية، تعتمد التاريخ واحترام الذاكرة، وتحتاط من أي نفوذ عقاري. وكان ذلك في فترة اعتمد فيها مجلس محافظة دمشق اقتراحنا: احترام قرار ممثل الآثار في أية رخصة للهدم أو البناء. لكن تلك الهيئة قلبت لأنها عملت كهيئة ميدانية، وأقرت نصا يعلن الحماية لجميع أحياء دمشق خارج السور، التي كانت عيون تجار العقارات عليها. ومع ذلك أدار دمشق القديمة زمنا أشخاص مخلصون خبراء عملوا بجد وفق رؤية علمية. ولو استمروا في عطائهم لما وقعت الأخطاء التي نشرت الصحافة بعضها، ولاستمر مشروع الحماية العلمية. نخصّ من اولئك الأشخاص الدكتور موفق دغمان الذي كنز خبرة بالمدينة من خلال عمله في مديرية الآثار. وكان على صلة بالمحيط الثقافي والمعماري وبالرأي العام. وكان باطلاعه على المعايير العالمية في حماية المدن القديمة، يعرف أن حماية المدن الحية لاتتحقق إلا بحماية السكن فيها. لذلك يجب أن يحفظ التوازن بين التوظيف السياحي وبين حقوق السكان. ويفيد في التوظيف الثقافي من فضائها المعماري ليرسخ السكان فيها، ويحفظ لها شكلا يليق بها. كان الرجل المناسب في المكان المناسب، لكنه استبعد أو هجّر!

الخرق في الحرم التاريخي
استولد تجاوز المعايير مشاكل كثيرة. منها اختراق حرم الأموي. مع أن حرم الأبنية التاريخية، ولو كانت أقل أهمية بكثير من الأموي، مقدس لايمس إلا بالفرشاة. وذلك تكريم للمكان ولصنّاعه القدماء وللذاكرة العامة، وإشارة إلى أخلاق رفيعة تؤمن بمقدسات وتمارس احترامها. محيط الأموي في المستويات الأخلاقية والتاريخية والمعمارية والعلمية والاجتماعية محيط لاتجوز الاستهانة به، ولايجوز أن يتناوله مشروع في مستوى المقاولات. بل يفترض بمن يلامسه أن يعرف تاريخه وقيمته معرفة الصائغ جوهرة لامثيل لها. فوق ذلك، يفترض أن يتذكر أن العدو الإسرائيلي يهين المقدسات الإسلامية والمسيحية العربية، ويقصد اقتلاعها، ويرتّب هذا علينا مسؤولية إضافية في حماية كل مابقي في الأرض العربية الحرة من تراث وطني.

يسّر تصميم الفسحة خلف الأموي للناس أن يجلسوا ليتأملوا مئذنة العروس التي استوحى منها العالم الإسلامي مآذنه. ويسهل على زائر الجيرالدا في أشبيلية أن يخمن أنها استلهمتها. كانت تلك الفسحة واحة للشعور بقداسة المكان. فماذا نرى اليوم؟ الأرض منبوشة في مشروع يكلف مالا لاضرورة لهدره. وهناك سيارة يستفز الناظر وقوفها وسط المكان. وأمامنا “تصوينة” من الإسمنت تبنى حول ضريح صلاح الدين. أما باحة الضريح فقد قلع منها البلاط القديم ورحّل. وكُتبت على حجارة البحرة القديمة أرقام بدهان أسود! ماتراه يشعرك بأنك أمام مشروع مقاولين، لاأمام ترميم خبراء مختصين يلامسون المكان التاريخي باحترام! وهاهو المقاول يجيبنا على سؤالنا عن بلاط الباحة: “لم تكن باحة الضريح معبدة! أما الإسمنت فهو مستخدم سابقا وأمامك هذا الجدار”! يقاس إذن على الخطأ لاعلى الصواب. وافقت هيئة دمشق القديمة على هذه الإنشاءات فما شأنك أيها المواطن المتطفل؟! المسؤولون في المحافظة أكثر منك معرفة بما يصح للمدينة. ألم تر “رشاقة” ساحة العباسيين التي أنفقت الملايين على كتلتها الصماء؟ أما أن المحافظة نفسها موظفة عند المواطنين الذين يدفعون رواتب العاملين والمسؤولين، فأمر لم يسمع به أحد! لاأحد هناك يشعر بأن الدنيا تغيرت!

فندق في حرم الأموي
على بعد خطوات، خلف ضريح صلاح الدين، يرمم بيت محظوظ بمجاورة الجامع الأموي والضريح. لكن زمننا الذي يوهم بأن سطوة المال أقوى من سطوة المعايير الفنية والأخلاقية زيّن له أن يفيد من موقعه ليوظف فندقا في حرم أول مشيدة إسلامية كبرى.
على باب البيت كتب بخط كبير: “منزل هيفاء عنبتاوي”، بدلا من الورقة الرسمية التي توضع عادة على البيوت التي ترمم، لتطمئن الجيران إلى مايجري قربهم. في المدينة الحديثة تلصق مثل تلك الأوراق الرسمية على أبواب البيوت التي تجدد، فلماذا تغيب في حرم الأموي؟ لايجيبنا المشرف على الترميم. لكننا نعرف أن لجنة شكلتها وزارة الثقافة زارت البيت.

قبل حماية دمشق القديمة كان الهوى يميل إلى هدم البيت العربي ليشيد برجا أو بناء طابقيا يحمل الثروة لصاحبه. بعد الحماية أصبح الحلم بالثروة يمر من بيت عربي يحوّل إلى مطعم. وفي العالم كله تتنوع أحلام الأفراد بتنوع الظروف والثقافة. لكن بلديات المدن تضبط تلك الأحلام بالمعايير المعتمدة في الارتفاعات والعلاقة بالبيئة ومادة البناء وشكل الواجهات ونوع التوظيف. فتحمي الحق العام وهوية المدينة، والعلاقات بين الجيران. ويتصل بهذا قرار السيد رئيس الجمهورية منع مخالفات البناء ومعاقبة مرتكبيها والموظفين المتسترين عليها. فقد قصد، بين ماقصد، ترسيخ هذه الضوابط وحماية العلاقات بين الجيران. والمسألة دائما من يحرس تلك الضوابط والمعايير، ويسهر على تنفيذها بشجاعة إنسان نزيه ذي ضمير حي!

يفترض أن تكون مديرية الآثار هي المرجعية لأي قرار يمس المدينة القديمة والأبنية التاريخية وحرمها، أكانت ملك الأوقاف أم مستملكة للمحافظة أم ملكا شخصيا. وقد ذكرنا أن مجلس محافظة دمشق اعتمد أن يكون قرار ممثل الآثار القول الفصل! في حرم الأموي تضاف إلى تلك المرجعية حرمة المشاعر العامة، والضرورات الوطنية التي لاتجيز أي خرق يمكن أن يُنسخ في مكان آخر! تجتمع إذن المحاذير التي تحظّر الإذن بفندق في بيت يلاصق الأموي:
1 ـ عريضة من الجيران تعترض على الفندق. واعتراض الجيران، عادة، يكفي لمنع أي نشاط يرفضونه في جوارهم. بل تعتمد بلدياتنا عادة شكوى الجيران لمنع المخالفات.
2 ـ رفض المرجعية الأثرية توظيفا فندقيا في حرم الجامع الأموي. وهذا وحده يكفي لمنعه.
3 ـ لايقبل المحيط الاجتماعي في حرم الأموي إقامة سياح غرباء لهم حريتهم في ملابسهم وسلوكهم. فالفندق لن يكون سجنا يلزمهم بملابس وسلوك يناسب ذلك المحيط!
4 ـ لايجوز أن تسجل في جوار الأموي سابقة في التطاول على حرم ذي مكانة في الوجدان العام.
5 ـ رأت اللجنة المكلفة بمعاينة الموقع برئاسة معاون وزير الثقافة أن موقع العقار وقربه الشديد من الجامع الأموي وملاصقته لضريح صلاح الدين يوجب إلغاء توظيفه للإقامة والمبيت، وإغلاق كافة الفتحات المطلة على الضريح والجامع، وإلغاء تغطية أرض الدار. (ويفترض أن يكون هذا قرارا ملزما).
6 ـ تذكر الرسائل إلى السيد وزير الأوقاف أن “هذه المنطقة تقع في حرم الجامع الكبير والضريح وهي مشمولة بقانون الآثار”.

تشير رسالة السيد أمين أبو الشامات رئيس لجنة ترميم الأموي إلى الفسحة التي صممت لتصل الأموي بضريح صلاح الدين، وتسهل للزوار تأمل مئذنة العروس: “وقد فوجئت إدارة الجامع والأوقاف بتغيير الحديقة التي هي من أملاك الجامع الأموي وتغيير معالمها واستخداماتها”. ويطلب إعادتها إلى حرم الجامع الأموي والإبقاء على الآثار الدينية والتاريخية والأثرية، وإلغاء التعديات والتغييرات ضمن منطقة حرم الجامع الأموي الكبير وأرضه! ويذكر السيد أبو الشامات في رسالة أخرى إلى السيد وزير الأوقاف: “فوجئ الجميع بترخيص هذا المنزل كفندق سياحي في منطقة حرم الجامع وضمن ضريح صلاح الدين.. لذلك يرجى توجيه كتاب إلى الجهات المعنية لإعادة المنزل سكنيا فقط حسب التعهد المقدم من آل الأغواني أو متابعة استملاك كامل العقار لوجوده ضمن ضريح صلاح الدين الأيوبي وحرم الجامع الأموي الكبير”.

الخلل في العلاقة بالمكان التاريخي

في بلاد الدنيا تبحث، حتى المشاريع البعيدة عن حرم مكان أثري كبير، على طاولة عامة ويستشار أهل الحي. فلماذا تقصد الهيئات المعنية عندنا أن تؤكد للمواطنين أنهم قاصرون، لارأي لهم، ويجب أن يكونوا تحت الوصاية؟ كتبت مصادر غربية: “عندما حمي الضغط على سورية استند الرئيس بشار الأسد إلى شعبه”. فهل تجهل هذه الهيئات أن الشارع السوري هبّ لدعم غزة ومنه انتشر الغضب والتضامن العربي والعالمي؟ يتميز السوريون بوعي رفيع، لكن هذه الهيئات تستبعدهم عن القرار الذي يتصل ببيوتهم وطرقاتهم وحياتهم اليومية. وتعزل السياسة عن العمارة مع أنها في قلب الحقوق التاريخية والصراع العربي الصهيوني.
في ملف الرسائل والعرائض، التي ترفض أعمال البناء في حرم الأموي، يُذكر مشروع “الصوت والضوء” بمناسبة سنة دمشق عاصمة الثقافة العربية. اقترحنا مثل ذلك المشروع المتداول في بلاد العالم. لكن المسألة دائما اختيار المكان الملائم للمشروع. فلو قصدنا البساطة الأنيقة، واحترام عواطف سكان المدينة، ودراسة المكان، لاهدر المال، لتبينا، مثلا، أن الفسحة الممتدة في الجهة الغربية هي المناسبة! فهي أكثر سعة، ومأهولة بالناس، وفي ملامسة السوق. معروف أن البلديات في بلاد الدنيا تقدم مهرجانات الضوء لأهل المدينة في أمكنة تاريخية، فتعبر عن الاعتداد الوطني بذاكرة المدينة، وتقصد فرح الناس ورضاهم لاتحدي وجدان ابن البلد لإرضاء الغريب. ولماذا لاينفذ مثل ذلك المشروع في قلعة دمشق؟!

على كل حال، من يتصفح ملف هذه القضية يدهش من “تمرير” رخصة الفندق، خطوة خطوة، في مثل ذلك المكان الحساس. وتجاوز المسؤولين عن الحرم التاريخي، والرأي العام. وذلك كله مما يفترض أن يحساب المسؤولون عليه!
وما يستوقف الانتباه، في هذا السياق، تناول المكان التاريخي بخفة، وغياب تمييز العمل الإنشائي في مكان مقفر يجيز استخدام آليات ضخمة، من أعمال البناء والتخطيط في أمكنة تاريخية ومقدسة لايمسها إلا الخبير بالفرشاة. فهل السبب استخفاف البلديات بالمكان التاريخي وجهلها “خصوصيته”؟ أم غياب المعيار الذي تضعه البلديات عادة لتمنع التطاول على التاريخ؟ أم غياب الثقافة التي ترشد إلى القيم؟ أم الاستخفاف بسطوة مديرية الآثار؟ أم الثقة بأن المال إذا وظف في السياحة كان حرا في اختيار أي مكان يرغب فيه، ولو اعتدى على الحرم التاريخي؟ وفوق ذلك، جهل أن الصناعة السياحية في العالم تختلق حتى الأساطير لتجذب الزوار إلى المكان وتفترض احترامه!

نستنتج أن الشرط الأول في بلديات المدن القديمة هو فهم قيمة ماتديره، وتقدير أن تناول تلك المدن ذو مواصفات تختلف عن تناول المدينة الحديثة أو الأرض المقفرة. في المدن القديمة لابد من اختصاص لاتكفي فيه شهادة مهندس. لابد من معرفة التاريخ، والخبرة بالترميم، والثقافة الجمالية والفلسفية التي تتيح فهم المعماريين القدماء. لابد من الولع بالعمارة القديمة والخشوع أمام إبداع فنانيها. لابد من وعي وطني رفيع يحيط بأن الأبنية التاريخية وحرمها والنسيج المعماري شهادة على هوية وذاكرة وحضارة. ولابد من معرفة أن العدو سلب العرب مدن يافا وعكا وصفد وطبرية القديمة ووظفها ثقافيا وسياحيا كعمارة يهودية، ويهدد الآن القدس. ويفرض ذلك مسؤولية إضافية تلزم بحماية الإرث المعماري وتعليم احترامه.

الفندق في حرم الأموي،إذن، جزء من رؤية تتناول المكان التاريخي في خفة. فوقوف السيارات ملاصقة للجامع الأموي، بالرغم من خطر التلوث على موزاييكه، وبالرغم من تشويه واجهته، إشارة إلى الاستهانة بالمكان. يكملها تسجيل الأرقام بالدهان الأسود على حجارة البحرة في باحة ضريح صلاح الدين. وترحيل بلاط تلك الباحة كأنقاض. وبناء التصوينة الجديدة بالإسمنت. وتخريب ساحة جميلة بين الأموي والضريح. وجلافة المقاول الذي يكاد يقول لمن يسأله عما يجري: انصرف، أنت مواطن لارأي لك! وفوق ذلك، مايُشعر كل غيور على المدينة، كيفما لامس “إنشاءات” بلدياتها، بأنه مخطئ ومذنب ومدان وربما تجب محاكمته، والصواب مااتفق عليه المقاول مع المحافظة!

فلنتذكر أن بلدية مونتروي الصغيرة في ضواحي باريز دعت سكانها لتستشيرهم: ماذا نفعل بالجدران القديمة التي كانت تستند إليها شجيرات الأجاص في البساتين في القرن الماضي! بذلك أكدت للناس بأنهم شركاء في القرار، وكسبت ثقتهم، وبينت أنها موظفة لديهم وليست قيّمة عليهم. نضيف أن زيارة السيد الرئيس بشار الأسد والسيدة أسماء الأسد إلى النمسا وسلوفاكيا بدت للمتابع في حضن عمارة تاريخية مجلوة ومحترمة تعبر عن الاعتداد الوطني. فلماذا لاتقتدي محافظة دمشق في تناول الأبنية التاريخية ومحيطها بمثل ذلك الاحترام، فتستند إلى مختصين مخلصين لا إلى مقاولين؟

نتائج
وبعد، قد يغري صاحب أي بيت يلاصق مشيدة معمارية تاريخية دينية كبرى ماسيجنيه إذا وظفه فندقا وفتح نوافذه عليها. لكن الضوابط هي التي تسوس الأحلام الفردية بالثروة والشهرة، وتربي الناس على مثل أخلاقية ووطنية عامة لاتجيز للفرد أن يجرح الوجدان العام. لذلك لم نر فندقا يلاصق كنيسة “المخلّص” في موسكو، أو يلاصق الفاتيكان. بل يمشي السياح إلى الأبنية التاريخية مستمتعين بالطريق إليها. يجب إذن أن يلبى طلب أهل الحي، واقتراح السلطة الأثرية، وقرار رئيس لجنة الأموي، وطلب وزارة الأوقاف. ويجب أن يحاسب بصرامة من سمح بفندق في جوار الأموي، ومن ستر أعمال البناء وأباح ألا توضع ورقة رسمية على الباب تعلن مايجري من أعمال في ذلك البيت، وتحدى الوجدان العام. وإذا أردنا العودة إلى مسار الحماية يفترض أن يغير الإصلاح بنية هيئة دمشق القديمة، لتعود هيئة تمثل منظمات وهيئات علمية بعيدة عن العقارات. وبنية بلديات المدينة القديمة لترجح فيها الثقافة والنقاء والصلة الحسنة بأهل المدينة وبالرأي العام. وبنية محافظة المدينة نفسها لتليق بالموقف السياسي الوطني الذي تمثله دمشق كعاصمة المقاومة العربية. فننتقل من ترفّع الوصي إلى تواضع المؤمن بأنه يعمل لدى أهل المدينة، ويستحق أجره على جهده، ويستشير الناس ويطلب رضاهم عليه.
نقلاً عن موقع إتحاد الكتاب العرب
http://awu-dam.net/index.php?mode=article&id=24807
العدد 1151 تاريخ 23/5/2009

كُتب في المناهج | التعليقات على هام جداً… اختراق في حرم الجامع الأموي… الأديبة الدكتورة: ناديا خوست مغلقة

الركيزة الثالثة: جهات تدعم الضمان الاجتماعي

1-مؤسسة الزكاة: ما يزال دور مؤسسة الزكاة  غير واضح المعالم حتى عند كثرة من المسلمين ، وتكاد الزكاة تقترن نظريا وعمليا بموضوع التسول ، وكل ذلك غمط لدورها العظيم ، ويمكن القول وبثقة كاملة أنه  لم يوجد على ظهر الأرض حتى اليوم نظام تضامني مدهش يمكن أن يشابه الزكاة ، فالزكاة “نظام جديد فريد في تاريخ الإنسانية … هي نظام مالي واقتصادي واجتماعي وسياسي وخلقي وديني معا”[1]. “لقد سدت الزكاة كل ما يتصور من أنواع الحاجات ، الناشئة عن العجز الفردي أو الخلل الاجتماعي ، أو الظروف العارضة التي لا يسلم من تأثيرها بشر ، ونحن نقرأ فيما كتبه الإمام الزهري لعمر بن عبد العزيز عن مواضع السُّنَّةِ في الزكاة: أن فيها نصيبا للزمنى والمقعدين ، ونصيبا لكل مسكين به عاهة لا يستطيع عيلة ولا تقلبا في الأرض ، ونصيبا للمساكين الذين يسألون ويستطعمون (حتى يأخذوا كفايتهم ولا يحتاجوا بعدها إلى السؤال) ، ونصيبا لمن في السجون من أهل الإسلام ، ممن ليس له أحد ، ونصيبا لمن يحضر المساجد من المساكين الذين لا عطاء لهم ولا سهم (ليس لهم رواتب ولا معاشات منتظمة) ولا يسألون الناس ، ونصيبا لمن أصابه فقر وعليه دين ولم يكن شيء منه في معصية الله ، ولا يُتهم في دِينه ، أو قال في دَينه ، ونصيبا لكل مسافر ليس له مأوى ، ولا أهل يأوي إليهم [فيؤوى][2]ويطعم وتعلف دابته حتى يجد منزلا أو يقضي حاجته”[3].

أكمل قراءة التدوينة

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على الركيزة الثالثة: جهات تدعم الضمان الاجتماعي مغلقة

العرب وإيران.. إشكالية تعريف العدو

الباحث الأستاذ : محمد بن المختار الشنقيطي

الروح الاستعلائية والذاكرة الموتورة ـ صناعة الأعداء واستدعاء الكارثة ـ نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية

الأصل عند أهل المنطق أن توضيح الواضح يزيده إشكالا. لكن لحظات انقلاب القيم وانكسار الموازين تحتّم تعريف المعرَّف وتوضيح الواضح. ولا يوجد أوضح في واقع العرب والمسلمين اليوم من أن إسرائيل هي العدو، وأن أميركا هي السند والمدد لذلك العدو. وأن إيران وغيرها من الدول المسلمة المحيطة بالعالم العربي ليست عدوًا، مهما اختلف العرب معها في المصالح الظرفية أو المشارب المذهبية.

لكن بعض القادة العرب المتعلقين بأميركا تعلقًا وثنيًا مصرّون على تصوير إيران على أنها الخطر الأساس على المنطقة العربية، يسعفهم في ذلك ميراث من الصور النمطية السلبية التي يحملها كل من العرب والفرس عن بعضهم البعض، وفقر مدقع في الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية، وتحريض من الإسرائيليين المتمرسين بمهنة الإيقاع والدعاية.

وقد صرح نتنياهو في زيارته الأخيرة لواشنطن أمام تجمع اللوبي الصهيوني الأميركي المعروف بـ”أيباك” قائلا “أستطيع أن أقول لأول مرة في حياتي إن العرب والإسرائيليين يرون اليوم عدوهم المشترك” يقصد إيران.

وزاد “إيليوت أبرام” الأمر تحديدًا وتحريضًا فكتب مؤخرًا في صحيفة وول ستريت جورنال “يوجد صراع خطير اليوم في الشرق الأوسط، لكنه ليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وإنما هو صراع المتحالفين معنا (أي مع أميركا) ومن ضمنهم مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ضد إيران وقطر وسوريا وحزب الله والجماعات الفلسطينية الإقصائية”.

والجدير ذكره هنا أن إيليوت أبرام هو أحد رموز المثقفين الحركيين اليهود المعروفين بالمحافظين الجدد، وقد عمل مستشارًا للأمن القومي مع الرئيس السابق جورج بوش الابن.

 

الروح الاستعلائية والذاكرة الموتورة

إن التوتر الحالي في العلاقات العربية الإيرانية ليس سياسيًا فقط، بل له عمقه الثقافي والعرقي الضارب في القَدم. فقد اشتملت ثقافة كل من العرب والفرس على العديد من الصور النمطية السلبية تجاه الطرف الآخر، بعيدًا عن مقتضيات الأخوة الإسلامية التي يفترض أنها هي قاعدة العلاقة بين الشعبين.

فقد عامل الكثير من العرب الفرس باستعلاء ظاهر، وتسمية الفرس عجمًا في اللغة العربية تشتمل على معاني الازدراء، إذ إن المعنى الاشتقاقي للكلمة يتراوح بين معنى العِيِّ ومعنى الحيوانية، فلفظ “العجم” معناه الحبسة في اللسان، والعجماء البهيمة. وبينما يسمي الفرس أنفسهم “بني الأحرار” –كما نجد في شعر بشار بن برد- يسميهم العرب “موالي”، وهي لفظة تستعمل في العربية للأرقَّاء السابقين.

وقد ازدحمت كتب الأدب والأخبار العربية بالقصص التي تحمل صورًا نمطية سلبية عن الفرس ونظرة استعلائية تجاههم. نجد ذلك مثلا في كتاب “الكامل” للمبرد و”عيون الأخبار” لابن قتيبة وغيرهما. ومن طرائف ذلك أن نافع بن جبير وهو رجل من قريش كان إذا مر على جنازة سأل عنها، فإن قيل قرشي قال: واقوماه، وإن قيل عربي قال: وابلوتاه، وإن قيل مولى أو أعجمي قال: اللهم هم عبادك تأخذ منهم من شئت وتدع من شئت.

وكان أحد الزهاد من قبيلة بني الهجيم يقول: اللهم اغفر للعرب، وأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك. وروى الأصمعي أنه سمع أعرابياً يقول لآخر: أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة؟ فقال الآخر: أرى ذلك والله بالأعمال الصالحة، فقال الأعرابي: توطأ والله رقابنا قبل ذلك. والأصمعي هو نفسه القائل: “ثلاثة تحكم عليهم بالدناءة حتى يُعرَفوا: رجل شممتَ منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعتَه يتكلم في مصر عربي بالفارسية، أو رأيتَه على ظهر الطريق ينازع في القدَر”. فانظر كيف وصل الاستعلاء العرقي حد اتهام الشخص بالدناءة لمجرد أنه يتحدث بلغته.

وفي مقابل هذه الذاكرة الاستعلائية تجاه الفرس التي نجدها لدى بعض العرب حتى اليوم، نجد لدى بعض الفرس ذاكرة ثأرية موتورة تجاه العرب. فالفردوسي مؤلف الشاهنامة التي تعد الملحمة الشعرية الكبرى في الأدب الفارسي يعبر عن احتقار عميق للعرب، ويقول عن الفتح الإسلامي لبلاد فارس “لقد بلغ الأمر بالعرب أن ينتقلوا من شرب لبن النوق وأكل الضب إلى الطموح إلى تيجان ملوك الفرس، فتعسًا لك أيها الزمن الدوار”.

ولا يختلف بعض شعراء الفرس الذين كتبوا بالعربية عن الفردوسي الذي كتب بالفارسية، بل إن التشابه في الصور النمطية وأنماط المجاز المستعمل تشابه مدهش. واقرأ للمتوكلي -وهو من شعراء الشعوبية الفرس الذين عاشوا خلال العصر العباسي- قوله مخاطبا العرب:

أنا ابن الأكارم من نسل جمّْ ** وحائز إرث ملوك العجـمْ

وطالـب أوتارهـم جهـرة ** فمن نام عن حقـهم لم أنمْ

فعودوا إلى أرضكم بالحجاز ** لأكل الضِّباب ورعْيِ الغنـمْ

ومثله قول بشار بن برد:

تُفاخرُ يا ابن راعية وراع ** بني الأحرار حسبك من خسارِ

وكنتَ إذا ظمئتَ إلى عُقار ** شركتَ الكلب في ولغ الإطارِ

وتتّشح الشمال لـلابسيها ** وترعى الضأن بـالبلد القفارِ

ولا تزال بعض الصور النمطية السلبية عن العرب شائعة في الأدب الفارسي الحديث، كما شرحته بإسهاب الباحثة الأميركية جويا بلندل في كتابها “صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث”. وفي مقابل ذلك دعايات كثيرة لدى بعض القوميين العرب والإسلاميين السلفيين اليوم تتهم الفرس بالجبن والنفاق والإباحية، وحتى بالمجوسية.

بيد أن الصورة ليست باللون الأبيض والأسود، بل هي صورة ملونة ومركبة. إذ توجد صورة إيجابية جدًا للفرس في بعض النصوص العربية، وللعرب في بعض النصوص الفارسية. فابن بطوطة مثلاً يصف في رحلته سكان مدينة شيراز الإيرانية بأنهم “حسان الصور نظاف الملابس”، كما يقول إن “أهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف، خصوصًا نساؤها، وهن يلبسن الخفاف، ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهم شيء، ولهن الصدقات والإيثار… وليس في معمور الأرض أحسن أصواتاً بالقرآن من أهل شيراز”.

وعلى الجانب الآخر نجد بعض أعظم شعراء إيران -مثل عمر الخيام وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي- متضلعين بحب العرب مشيدين بذكرهم.

وفي بداية ومنتصف القرن العشرين كان هناك اهتمام عميق وتبادل ثقافي ثري بين الطرفين، نجده في دراسات وترجمات الأدباء المصريين المبدعين (عبد الوهاب عزام، أحمد رامي، إبراهيم دسوقي شتا… إلخ) لأعمال أقطاب الشعر الفارسي، كما نجده في اهتمام الإسلاميين الإيرانيين بالفكر الإسلامي الصادر بالعربية، ويكفي أن نعرف أن مرشد الجمهورية الإيرانية الحالي علي خامنئي هو مترجم كتاب “في ظلال القرآن” لسيد قطب إلى اللغة الفارسية، وأن د. علي نوري زادة -مستشار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي- ترجم أعمال أهم الشعراء العرب المعاصرين إلى الفارسية. بيد أن هذا التواصل قتلته القطيعة التي بدأت مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، وصعود التيارات التكفيرية، وتعمق التغلغل الأميركي في المنطقة.

صناعة الأعداء واستدعاء الكارثة

لقد صدرت مؤخرًا دراسات إستراتيجية عديدة عن احتمال هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، وعن العلاقات الإيرانية الأميركية، والعلاقات الإيرانية العربية. وأذكر هنا أربع دراسات على قدر كبير من الأهمية، وهي:

* “دراسة عن احتمال ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية” Study on a Possible Israeli Strike on Iran’s Nuclear Development Facilities وهي في 114 صفحة من إعداد مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن.

* “إسرائيل وإيران نووية” Israel and a Nuclear Iran وهي في 96 صفحة من إعداد جمع من المؤلفين الإسرائيليين، بتحرير إفرايم كام من مركز “جافي” للدراسات الإستراتيجية في تل أبيب.

* “العلاقات السعودية الإيرانية منذ سقوط صدَّام” Saudi-Iranian Relations since the Fall of Saddam وهي في 158 صفحة من إعداد مؤسسة راند الأميركية.

* “خطيرة لكنها غير قديرة: استكشاف مدى وحدود القوة الإيرانية في الشرق الأوسط” Dangerous but not Omnipotent: Exploring the Reach and Limitations of Iranian Power in the Middle East وهي في 233 صفحة من إعداد مؤسسة راند أيضا.

وتبدو دراسة مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أكثر الدراسات أهمية، فهي دراسة عسكرية مفصلة ومدعمة بالصور والخرائط عن احتمال ضرب إسرائيل للمنشآت النووية الإيرانية. وأهم ما في هذه الدراسة وأخطره بالنسبة لموضوع العلاقات العربية الإيرانية، هو ما ذكره المؤلفان من آثار ضرب إسرائيل لمفاعل بوشهر النووي الإيراني.

فقد بين الباحثان أن ضرب مفاعل بوشهر سيؤدي إلى مقتل آلاف الأشخاص المقيمين قريبًا من المفاعل فورًا، ثم موت مئات الآلاف بالسرطان ممن يقعون في دائرة التسرب الإشعاعي. أما هذه الدائرة المميتة فهي تشمل “بشكل يقيني البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة”.

ويتعجب قارئ هذه الدراسة وما تكشفه من نتائج كارثية مذهلة كيف فقدَ بعض القادة العرب الشعور الإنساني والبصيرة السياسية في تحريضهم على ضرب إسرائيل وأميركا لإيران. فإذا كان هؤلاء القادة لا يملكون شعورًا إسلاميًا أو إنسانيًا حول موت مئات الآلاف من الإيرانيين الأبرياء، فهلاَّ ملكوا حسًّا وطنيًا أو قوميًا تجاه الشعوب العربية المجاورة لإيران التي ستكون في مدى التسرب الإشعاعي.

وتدل الدراسات الإستراتيجية الصادرة مؤخرًا على التخلف الذهني لدى قادة ما يدعى “معسكر الاعتدال العربي” وضعف حسهم الإستراتيجي، فقد أجمعت هذه الدراسات الأربع على أن البرنامج النووي الإيراني قد خرج من عنق الزجاجة، ولم يعد من الممكن وأده، وأن من الأصلح لأميركا ولإسرائيل التعامل مع إيران باعتبارها دولة نووية من الآن. وقد أكدت الدراسة الإسرائيلية على أن الوقت في صالح إيران كما أن الظروف الدولية في صالحها.

أما دراستا مؤسسة راند فتؤكدان على أن المحاولات الأميركية لبناء طوق عربي حليف لخنق إيران لن يجدي من الأمر شيئًا. وربما كان هذا هو السر في هلع بعض “المعتدلين” من الساسة العرب، فقد أحس هؤلاء أن قيمتهم الوظيفية للاستراتيجية الأميركية أصبحت رخيصة، وهم لا يرون لأنفسهم قيمة سواها.

وتجمع الدراسات الثلاث الصادرة عن المؤسستين الأميركيتين (راند ومعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية) على نصيحة القادة الأميركيين بالآتي:

* التعامل مع إيران منذ الآن بمنطق الردع والاحتواء، لا بمنطق المواجهة الهوجاء، فثمن المواجهة سيكون كارثيًا على كل الأطراف، بما فيها الطرفان الأميركي والإسرائيلي.

* تطوير نظام إقليمي في المنطقة يشمل إيران، وهو ما يعني حمل الدول العربية على قبول إيران جزءًا من منظومة النظام الإقليمي الخليجي شاءت أو أبت.

* مراعاة المصالح والمطامح الإيرانية في المنطقة. ومنها طموحها في أن يكون لها نصيب من النفوذ في المنطقة العربية التي هي الآن في موقع المتأثر لا المؤثر الإستراتيجي.

أما الدراسة الإسرائيلية فتنصح قادة اليمين المتعصب الذين يمسكون زمام الأمور الآن في الدولة العبرية أن يعدوا أنفسهم من الآن عقليًا وعمليًا للتعاطي مع إيران مسلحة بسلاح نووي قادر على الوصول إلى إسرائيل، كما تنصح بعدد من الخطى الاستباقية الآن، ومنها التخلي عن لغة التصعيد والدعاية حول الخطر الوجودي الإيراني، والبحث عن وسائل التعايش معها، وحل القضية الفلسطينية بسرعة سدًا للذريعة أمام المواجهة النووية.

 

نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية

ويبدو أن العلاقات العربية الإيرانية كما وصفها الدكتور على نوري زاده هي “علاقات غريبة يمتزج فيها الحب والكراهية”. ويظهر أن سكان الخليج من العرب هم أقرب الناس إلى إيران جغرافيًا وأبعد الناس عنها ثقافيًا، كما تجده في التعبير الدارج “عيمي” (أعجمي) الذي لا يزال يوصف به الإيراني في بعض اللهجات العربية الخليجية.

وما من ريب أن الصور النمطية السلبية موجودة في كل الثقافات، بيد أن الأمم الواعية تفكك هذه الصور وتفضح جوانب التحيز فيها، حتى لا يكون مستقبل الأمة رهينًا لماض ظالم أو مظلم. ويكفي أن نجد رجلا أفريقيًا أسود يقود أميركا اليوم، بينما كان الأميركيون منذ قرنين فقط يتجادلون هل السود بشر كاملو البشرية أم أنهم حاصل تناسل البشر مع القردة؟

إن وجود سلاح نووي بيد إيران يمكن أن يكون مفخرة لكل المسلمين، وعزة للعرب، ورصيدًا لمكانتهم الإستراتيجية، وذودًا عن حماهم المستباح من طرف الصهاينة ومددهم الدولي، لكن بشرط أن يتم نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية عن عينيْ صانع القرار العربي.

ويكفي للتدليل على أهمية السلاح النووي الإيراني للعرب الاستفتاء الذي أجراه مركز الدراسات الإيرانية بجامعة تل أبيب ونشرت نتائجه صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 01/01/2009. فقد بيَّن الاستفتاء أن حوالي الربع من الإسرائيليين يفكرون في الهجرة من إسرئيل نهائيًا حالما تعلن إيران عن حصولها على سلاح نووي.

ويبدو أن سوريا المتحالفة مع إيران، وقطَر المحافظة على مستوى من الحياد الإيجابي في علاقتها بإيران، هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان استوعبت قيادتهما المعادلة الإستراتيجية الجديدة في المنطقة. أما القادة العرب الآخرون فيبدون عاجزين عن التفكير لأنفسهم، فضلا عن التخطيط لمصائر شعوبهم. وسحقًا لمن ينتظر من نتنياهو دروسًا في تعريف العدو والصديق.

 

المصدر: موقع الجزيرة

كل الشكر للأخ الفاضل أبي إدريس

كُتب في المناهج | التعليقات على العرب وإيران.. إشكالية تعريف العدو مغلقة

وفاة العالم الجليل الشيخ محمد محي الدين عوض رحمه الله

علماء وخطباء ودعاة العالم الإسلامي وبلاد الشام
رابطة علماء سورية
أحباب وتلامذة العلامة الشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله
ومسجد زيد بن ثابت رضي الله عنه
ينعون إليكم بكامل التسليم لأمر الله تعالى
وفاة العالم الفاضل الداعية الشيخ محمد عوض رحمه الله

تنعي رابطة علماء سورية فضيلة العالم الداعية الشيخ محمد عوض الدمشقي ـ رحمه الله تعالى ـ الذي توفي في المدينة المنورة قبيل فجر هذا اليوم الثلاثاء 2/6/1430هـ الموافق 26/5/2009م. عن عمر يناهز السبعين عاماً ، إثر مرض ألمّ به .
وفضيلة الشيخ من خواص تلاميذ الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وحامل لواء الدعوة في جامع زيد بن ثابت بعده، وقد عرف بخطبه التوجيهية النافعة في جامع الإيمان بدمشق وبدروسه الدعوية والتربوية المؤثرة في مساجد دمشق، وبآثاره الإصلاحية الاجتماعية في أوساط أسر دمشق وتجارها .
تخرج الشيخ في كلية الشريعة بدمشق، وحصل على الدكتوراة في التفسير من جامعة الأزهر، وكان كتلة من النشاط والحماس والمثابرة في الدعوة إلى الله والاتصال بالجماهير والتأثير فيهم.
هاجر إلى المدينة المنورة في أوائل سنة 1400هـ ، وجاور فيها، وكان له أثر محمود في المدينة المنورة، أحبه أهلها وأحبهم، وكان دائم الحضور في المسجد النبوي يلتقي بالوافدين إليه ويعتني بطلاب العلم ويرعاهم ويشارك في جميع المناسبات الاجتماعية والدعوية.
عاد إلى دمشق قبيل سنوات من وفاته ليرى آثار تلك المدرسة التي رعاها بعد شيخه ـ رحمه الله تعالى ـ قد امتدت آثارها وعمت بركاتها .
وما زال الشيخ على نشاطه المعهود وصلاته بمدرسته التربوية وإكرامه للعلم وأهله ودروسه وتوجيهاته حتى انتقل إلى رحمة الله عزَّ وجل في ذلك الجوار المبارك ، وسيوارى جثمانه الطاهر بالبقيع في المدينة المنورة بعد الصَّلاة عليه عصر هذا اليوم في المسجد النبوي .
نسأل الله أن يتغمد الفقيد برحمته ومغفرته ورضوانه وأن يعوض الأمة عن فقد علمائها ودعاتها خيراً .
وسنوافي القراء الكرام بترجمة مفصلة عن فضيلة الشيخ في وقت قريب بعون الله تعالى .

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على وفاة العالم الجليل الشيخ محمد محي الدين عوض رحمه الله مغلقة

مقال للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار … بعنوان : محاربة الأشباح

محاربة الأشباح
الجمعة 20 جمادى الأولى 1430 الموافق 15 مايو 2009
د. عبد الكريم بكار

العولمة لا تقوم على تسهيل انتقال الأفكار والمفاهيم والأموال والنظم فقط، بل تقوم على تسهيل انتقال طرق الفساد وأساليب الغش والجرائم الاقتصادية أيضاً، ومن هنا فقد بات من واجبنا جميعاً العمل على نشر ثقافة جديدة يمكن أن نسميها ثقافة الشفافية أو ثقافة مكافحة الفساد، وذلك لأن الفساد المالي والإداري داء يفتك بكثير من مجتمعاتنا، ويتحمل الفقراء والضعفاء أسوأ الآثار المترتبة على انتشار ذلك لكن من المهم أن نعترف أن محاربة المفسدين هي عبارة عن معركة نطارد فيها أشباحاً لا تُرى، فوسائل الفساد وأساليبه باتت معقدة غاية التعقيد وخفية وملتوية، ويحتاج كشفها فعلاً إلى الكثير من الجهود الجادة والواسعة.

ولعلي أضيء هذه المسألة من خلال الإشارات التالية:

يشير تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام (2008) إلى شيء مؤسف ومخجل بالنسبة إلى العالم الإسلامي، حيث إن المتوقع أن يكون للإيمان بالله ـ تعالى ـ و لاعتناق المبادئ والقيم الإسلامية تأثير كبير جداً في استقامة المسلم ونزاهته وحرصه على الكسب المشروع، هذا هو المتوقع والمأمول، لكن التقرير المشار إليه يقول غير ذلك، وقد كان من جملة ما أشار إليه التقرير الآتي:

1ـ أفضل دولة عربية في الشفافية ونزاهة موظفي الدولة تحتل المرتبة الثامنة والعشرين بين الدول التي تناولها التقرير، وعددها ( 180 ) دولة.

2ـ معظم الدول الإسلامية لم تتمكن من الحصول على أربع نقاط من عشرة نقاط، على حين أن بعض الاسكندنافية بالإضافة إلى سنغافورة حصلت على ( 3/9) من النقاط.

3ـ إذا نظرنا في وضع أكثر ثماني دول فساداً وبعداً عن الحكم الصالح وجدنا فيها أربعاً من الدول العربية والإسلامية، وهذا شيء مؤسف للغايةّ!.
4ـ يلاحظ أن هناك نوعاً من الارتباط بين حجم الدولة وحجم انتشار الفساد، فالدول الأقل حجماً هي الأكثر نزاهة واستقامة، والدول الأكثر سكاناً هي الأكثر فساداً، ولهذه القاعدة استثناءات قليلة.

5ـ تشكل البلدان الأشد فقراً والبلدان المحرومة من الاستقرار الداخلي محضناً مناسباً جداً لنمو الفساد.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما الذي على الأمة أن تفعله من أجل مكافحة الفساد ومحاربة المفسدين ؟

أود أن أقول في البداية إن هذه المسألة معقدة جداً، ولهذا فإنها تحتاج إلى الكثير من الحلول المركبة والوسائل الإبداعية، ولعل منها الآتي:

1ـ الحل الاستراتيجي للفساد والانتصار عليه يتمثل في حرمانه الرئة التي يتنفس بها، وهذه الرئة هي وظائف القطاع العام، حيث إن الواقع يشهد أن الفساد المالي والإداري الموجود في الشركات والمؤسسات والدوائر الأهلية والخاصة هو أقل بكثير من الفساد الموجود في القطاعات الحكومية، ومن هنا فإن تقليص الأعمال التي تقوم بها الحكومات سيؤدي إلى تقليص أعداد الموظفين، والقاعدة الأساسية في هذا: تقوم الدولة بالأعمال التي يعجز عنها المواطنون كما تقوم بتلك الأعمال المتصلة بأمن البلاد مثل بعض الصناعات الاستراتيجية وبعض الشؤون الأمنية ومثل القضاء وما يستلزمه من مؤسسات….

2ـ ضرورة إفصاح موظفي الدولة ذوي المراكز المتوسطة والعالية عن

ذممهم المالية وعما لديهم من ممتلكات، ومراقبة حركة تلك الذمم من قبل جهات رقابية ومحاسبية طوال مدة الوظيفة، وتطبيق مبدأ (( من أين لك هذا ؟)) بعزم وحزم.

3 ـ الفساد ابن الظلام وسليل التستر والتواطؤ الخفي، وأفضل طريق لمحاربته هو أن نرتب أمورنا على أن يكون كل شيء في النور، ومن هنا فإن الدول التي نجحت في مكافحة الفساد وتحسين مستوى النزاهة والشفافية قد عمدت إلى وضع تشريعات تتيح لكل من له صلة بعمل دائرة أو جهة حكومية الاطلاع على محاضر اجتماعاتها والوصول إلى المعلومات التي يحتاجها من أجل الوصول إلى حقه، وفي الولايات المتحدة ـ مثلاً ـ من حق كل مواطن الاطلاع على محاضر اجتماعات ( البيت الأبيض ) مقابل دولار واحد يدفعه. وأعتقد أن مما يساعد على ذلك أن يكون لكل جهة حكومية ناطق رسمي باسمها يتحدث عن كل أعمالها، ويكون مستعداً لمحاورة الإعلاميين حول أعمال الجهة التي ينطق باسمها ؛ كما أن من المهم أن تُلزَم كل جهة حكومية بالرد على التساؤلات والاتهامات الموجهة إليها، ويكون الرد في نفس الوسيلة الإعلامية التي نشر فيها التساؤل…

4ـ الفساد المالي والإداري هو شيء أكبر من أن تكافحه لجنة أو جهة واحدة، ولهذا فإن جزءاً مهماً من الأعمال التطوعية والاحتسابية ينبغي أن يقوم به الناس، وفي هذا الإطار أرى أن من المهم أن تقوم لجان و جمعيات و مؤسسات شعبية بعدد المؤسسات والقطاعات المهمة مثل: الصحة والبنوك والنقل والبلديات والجمارك والضرائب والصناعة والزراعة….

وتكون مهمة كل واحدة منها العمل الدؤوب على متابعة كل ما يجري في القطاع الذي قررت الاحتساب عليه واعتقد أن علينا أن نتنافس في التطوع في هذا الأمر لأنه مع انتشار الفساد لن يكون هناك استثمار ولا تنمية ولا عدالة، ولن تكون هناك بالتالي حضارة ولا كرامة وطنية

كُتب في المناهج | التعليقات على مقال للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار … بعنوان : محاربة الأشباح مغلقة

رحيل أمة في رجل .. العلامة الطبيب حسان حتحوت في ذمة الله

هناك رجال من طراز فريد ، ومنهم العلامة المفكر والطبيب الشاعر والداعية الفذ والمجاهد المحتسب (ولا نزكي على الله أحداً ) حسان حتحوت رحمه الله . وقد أضحى في ديار الحق وانتقل من ديار الفناء بتاريخ 26 نيسان 2009م ، ولم نجد له ترجمة خيراً مما كتبه بحقه رفيق دربه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله. اللهم ارحم فقيدنا واخلف الأمة عنه خيراً وإن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ودعت الأمة الإسلامية، والدعوة الإسلامية، من يومين أو ثلاثة، علما من أعلامها الفارعة، ونجما من نجومها الساطعة، ولسانا من ألسنتها الناطقة بالصدق، وعقلا من عقولها المفكرة بالحق، وقلبا من قلوبها النابضة بالحب، ودّعت الطبيب النابغة، والعالم المتمكن، والكاتب البليغ، والشاعر المطبوع، والداعية المؤثر، والإنسان الرائع، الأستاذ الدكتور حسان حتحوت، الذى وافته المنية فى لوس أنجلوس فى الولايات المتحدة، بعد عمر حافل بالعطاء بلا منّ، وبالجهاد بلا كلل، وبالبذل بلا انتظار مكافأة من أحد: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} (الليل:19ـ21).

وصف هو هذه الحياة بقلمه البليغ، فقال: إنها حياة ليس فيها مجال للملل، ولم يكن فيها للعبث مجال، يمد الناس أيديهم ليأخذوا، وأمد يدى لأعطى!

يتحيّر من يرثى حسانا أو يؤبنه، عن أى جانب من جوانب هذه الشخصية الفذة، وأى ناحية من نواحى حياته العامرة بالخير والبركة يتحدث، وهو أمة فى رجل؟

أيتحدث عن حسان الطبيب الذى نبغ فى طبه، وأحب مهنته، وأعطى لها حقها، فأحبه مرضاه، واعتبروه أبا لهم، لأنه لم يكن يرى الطب تجارة وكسبا، بل يراه رسالة ورحمة. ولم يكن يتعامل مع المريض على أنه جسد، بل يتعامل معه على أنه نفس إنسانية، تحتاج إلى البسمة الصادقة، والكلمة الطيبة، كما تحتاج إلى التشخيص الجيد، والدواء الملائم. فلا غرو أن كانت بشاشة وجهه، وحلاوة لسانه، وحسن معاملته، وصدقه مع نفسه، وتقواه لربه، من أدوات علاجه، مع الأسباب المعتادة.

ومن المعلوم أن تأثير النفس فى الجسم أمر أقره العلم، وأقره الدين، وأقره الواقع.
أم نتحدث عن حسان العالم الذى يشهد له المتخصصون أن له باعا فى اللغة والنحو والأدب، وباعا فى الفقه والدراسات الإسلامية، بجوار تضلعه فى العلوم الطبيعية؟ وقد كنا ــ نحن علماء الشريعة واللغة العربية ــ نسمع له بإعجاب من سعة اطلاعه، وحسن فهمه فى هذه المجالات.

أم نتحدث عن حتحوت الكاتب، الذى كان الكثيرون ينتظرون مجلة العربى، ليقرأوا خواطره الحية المعبرة عن عقل متألق، وشعور متدفق، وقلم متأنق، يخاطب الكيان الإنسانى كله: يقنع العقول، ويحيى القلوب، ويقوى الإرادات. ويعنى بالبشر كافة، عربهم وعجمهم، مسلمهم وغير مسلمهم، شرقيهم وغربيهم، متقدمهم ومتخلفهم، ويجتهد أن يعالج مشكلاتهم كلها، المادية والمعنوية، الدنيوية والدينية، فليس من طبيعته ولا من أخلاقه التعصب إلا للحق؟

أم نتحدث عن حتحوت (الشاعر) المطبوع، الذى ورث الشاعرية عن أبيه، ولذا كان هو وشقيقه ماهر شاعرين مجيدين وإن كان حسان أغزر وأشهر وأبهر، ومما عرفنا من شعر والده: الأبيات الجميلة التى ودع بها حسانا، وهو ذاهب إلى أرض فلسطين:

اهبط على أرض السلام جعلت يا ولدى فداك
ضمد جراحات العروبة سدد المولى خطاك
وامسح دموع الثاكلات عساك تسعدها عساك
واذكر فلسطين الجريحة وانس أمك أو أباك
إنى وهبتك للجهاد وأين لى سيف سواك؟

وقد ضاع الكثير من شعره، ولكن ما بقى منه أصدره فى ديوان (جراح وأفراح) الذى أسعدنى بإهداء نسخة منه إلىّ. ومن روائع شعره قصيدة:
(من وراء الأسوار)
الذى كتبها، وهو فى سجن أبوزعبل ــ طرة 1965، وفيها يقول:

إلى رحمة الرحمن أشكو وأفـزغُ
سقتنى الرزايا كأسها وهو مترع
ألا إن ركن الحر فى الخطب قومه
فماذا إذا ما خانه القوم يصـنع؟
لقد كان لى فى عز قومى مطمـع
فأضحى لقومى فى هلاكىَ مطمع
وقد أزمعوا أمرا علـىَّ وقـدَّروا
فبئس الذى قد قدروه وأزمعـوا
وما أسفى للقيد فـى الرُّسـغ إنما
لقيد أرى فيه بـلادى تمـزَّع!
وما كربتى سجنى ولكنَّ كـربتى
لسجن أرى فيه الملايين تقـبع!
وُلدنا من الأرحام أحـرار أنفـس
وترضعنا مصر الإبـاء فنرضع
فما بالنا صارت تروَّض أُسْــدُنا
فتغدو كأسد السِّرْكِ تعنو وتخضع؟
إذا ما فقدت الظفر والناب لا تقـل
أنا أسـد بل أنت كبش مطـوَّع!
إذا الشعب رَّبوْه على خشبة العصا
فماذا لدى سـاح الوغى نتوقـع؟
إلام تظل الأُسد رهن سجـونـها
وأبناء آوى فى الكـنانة ترتـع؟
إلهىَ طـال الليل ظلما وظلمـة
فهل تأمر الصبح المبين فيطلـع!
فليس لها من دون صنعك كاشف
وليس لنا من دون بابك مرجـع

ومن شعره فى (العاطفيات) قصيدة:
(نسمة حب)
أنا بالكلية بالقاهرة.. وهى بالشرقية بالإجازة.. وهبت نسمة هواء شرقية ذات ليلة صيف ــ 1946م

وســارية بالليل قلت لـها هبّى
صبت نحوها روحى وخف لها قلبى
معـطَّرة فـوَّاحـة فـكـأنــما
على من أتت من عند حيهمو تنبـى
هـموس أحـاديث الصبابة كلــما
تصدت لها إصغاءة الفنن الرطـب
من الشرق هبت تحمل الحب هل أتت
تعود فتى قد شفه الحب فى الغرب؟
أقول لها هاتى الحديث وصارحــى
فقد نامت الدنيا سـوى مقلة الصب
ألا كيف هم مذ فـارق الدار ركبهم
وفارقنى قلبى.. وراح مع الركـب
وقد همست بى نسـمة الليل همسة
سلاما وبـردا فهى للـروح كالطب
بأن الهوى حى وأن أحبتـــــى
يسيرون فى شرع الوفاء على دربى

ومن روائعه فى المدح النبوى قصيدة:
(فى ذكرى المولد النبوى الشريف)
ذكرتك فى ليلـة المولـد
ونارى فى القلب لم تخمد
ذكرتك يا أشرف المرسلين
ويا خير هاد لمن يهتدى
ذكرتك والقدس فيه اليهود
يعيثون بالنار فى المسجد
ذكرتك والهام فوق التراب
وقد كانت الهام فى الفرقد
ذكرتك والوطن اليعربى
تعيث به نزوة المعتدى
ذكرتك بـانىَ أركـانه
ولو لم يضيعك لم يهدد
ذكرتك والقـوم فى فتنة
كما لم تظن ولم تعهـد
ذكرتك فى أمة لم تصنك
فوا خجلتا منك ياسيدى

أم نتحدث عن حسان (الداعية) الموفق، الذى هيأ الله له القبول، بالعقول تفهمه، والقلوب تحبّه، والعزائم تستجيب له. فهو داعية بلسانه، وداعية بقلمه، وداعية بنثره، وداعية بشعره، وداعية بفكره، وداعية بعاطفته، وداعية بوجهه، وداعية بأخلاقه، وداعية بحسن تعامله. داعية إذا جد، وداعية إذا مزح، داعية إذا تكلم، وداعية إذا صمت، داعية فى المسجد، وداعية فى العيادة، وداعية فى الجامعة، وداعية فى البيت، وداعية فى الطريق.

كان ــ إلى جوار كونه كاتبا وشاعرا ــ محاضرا متمكنا، يحسن إعداد بحثه، وتوثيق مصادره، إيضاح فكرته، وإجادة عرضه، وانتقاء أسلوبه.

وكان خطيبا مفوها، يشد القلوب، ويحرك المشاعر، دون إسراف فى تهييج العواطف، أو التعدى على حق الفكر، وكان سليم الأداء، لا تستطيع أن تمسك عليه لحنة واحدة فى نحو أو صرف. كأنه عربى قح يتكلم بالسليقة، كما قال أحدهم قديما:
ولست بنحوى يلوك لسانه
ولكن سليقىّ أقول فأعرب!

وكانت عدته ثقافة إسلامية رصينة، حصلها من صلته الباكرة بدعوة الإخوان وقربه من مؤسس الدعوة ومرشدها العام حسن البنا، وقد كان له مكانة عنده، كما كان حسان يعتز بتتلمذه على حسن البنا، ويرى فيه المعلم القوى الأمين، والمربى الأسوة، والقائد البصير. ثم أكملها بالقراءة والاطلاع، مع قريحة وقادة، وعقلية نقادة.
أم نتحدث عن حسان (الإنسان) الذى لا يمارى صديق ولا عدو ولا قريب ولا بعيد، ولا مسلم ولا غير مسلم، فى إنسانيته التى وسعت الجميع فى رحابها، وأظلتهم بظلالها، وهو يستمد هذه الإنسانية من صلب الإسلام، كما فهمه نظرا، وآمن به اعتقادا، وعاشه عملا. ويرى أن الإسلام (دين إنسانى) بكل ما تعنيه الكلمة من الإخاء والحب والمساواة والرحمة والبذل والتعاون والتكافل والتسامح.

وكانت عنايته بالإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن عرقه أو لونه أو وطنه أو لغته أو دينه، أو مذهبه أو طبيعته، أو غير ذلك مما يفرق الناس بعضهم من بعض. وكيف لا وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم يقوم واقفا لجنازة يهودى، فقالوا له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودى! فقال: «أليست نفسا»؟!.

ولا غرو أن حسان كان نبعا ثريا للحب لا يغيض ولا ينقص، كان الداعية الأول للحب، حب الناس كل الناس، وإطراح الكراهية والبغض، فإن البغضاء هى الحالقة، وكان يروى عن إمامه حسن البنا أنه كان يقول: سنقاتل الناس بالحب! يقول حسان: أنا إنسان محب، وأحب الحب، وأعتقد أنه إذا كانت المسيحية الحقة تقول: (الله محبة) فأنا كذلك أرى أن الله أوجز الإسلام كله فى كلمتين، وذلك فى خطابه لرسوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107).

وأذكر أن آخر لقاء ضمنى بالدكتور حتحوت كان فى مقر منظمة الصحة العالمية فى مصر، حيث كنا مدعوين فيها، من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية فى الكويت ومن عدد من المؤسسات الإسلامية والغربية، لإعداد (الميثاق الأخلاقى) للأطباء. وفى ختام الاجتماع طلب حسان الكلمة، وألقى فينا خطبة، دمعت لها العيون، ورقت لها القلوب، وكأنها موعظة مودع، كانت كلها دعوة إلى الحب، وترغيبا فى الحب، وتعميقا للحب، وأنه لم يجد أفضل للبشر ولا أنفع ولا أزكى من الحب، ولم يقدر لى أن ألقاه بعدها.
ومن إنسانية حسان: أنه حين ذهب فى سنة 1948م متطوعا للعمل فى فلسطين فى مجاله الطبى والعلاجى، ولاسيما فى إسعاف الجرحى، وعلاج المصابين، جىء بمجموعة من الأسرى اليهود جرحى، ولكن حسانا علم أن القيادة العسكرية قررت إعدامهم بالرصاص، انتقاما لما ارتكبوه أو ارتكبه قومهم ــ ولا يزالوا يرتكبونه ــ من قتل النساء والأطفال والشيوخ. إلا أن حسانا وقف فى وجه هذا القرار بكل قوة قائلا: لا ينفذ هذا القرار إلا على جثتى. فهؤلاء أسرى جرحى من حقهم أن يعالجوا كما يعالج كل جريح، ولا يحملون وزر قومهم، وقد قال تعالى عن الأسرى: {فَإِمَّا مَنّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (محمد:4)، وقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينا وَيَتِيما وَأَسِيرا} (الإنسان:8). وغلبت إرادة حسان إرادة الإدارة العسكرية، ونجا هؤلاء وعولجوا حتى شفوا.

وقد عرف اليهود هذا الموقف وتحدثت عنه الصحف الإسرائيلية، وكانت سببا فى الإفراج عن طبيب مصرى كان أسيرا عند اليهود، وزميلا للدكتور حتحوت.

بداية صلتى بحسان: فى الحديث المتفق عليه، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «الأرواح جنود مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». صدق رسول الله.

تعارف روحى: ويبدو أن رُوحى قد تعارفت مع رُوح أخى حسان حتحوت فى (عالم الذر) كما يسمُّونه، فائتلفت معها: فقد أحببتُ حسانا قبل أن ألقاه، وعرَفتُه قبل أن يعرفنى.

فقد كنا نحن ــ طلاب الإخوان المسلمين فى المرحلة الثانوية ــ نتابع نشاط إخواننا (الكبار) من طلاب الجامعة، نعتزُّ بمواقفهم، ونتغنَّى بأمجادهم، ونطرب لأفراحهم، ونأسى لفواجعهم، ونزهى بنوابغهم.

وكان من هؤلاء النوابغ: مصطفى مؤمن بكلية الهندسة، وسعيد رمضان بكلية الحقوق، وحسان حتحوت بكلية الطب، وكلهم اشتهر بفصاحة اللسان، وبلاغة اليراع. وكانت تأتينا أعداد من مجلة أصدرها إخواننا طلاب القاهرة، اسمها: (الطالب العربى)، وهذا العنوان دليل قديم على عمق الحس العروبى إلى جوار الحس الإسلامى، والحس الوطنى لدى الإخوان.

وكانت المجلة تشتمل على أخبار الطلاب، وعلى بعض كلمات ومقالات وقصائد للنابهين منهم.
ومنها لحسان، الذى يبدو أن والده سماه بهذا الاسم، ليقوم فى الأواخر مقام (حسان) شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم فى الأوائل، فقد عرَفتُ من مذكرات حسان: أن والده كان شاعرا مطبوعا، كما تجلَّى ذلك فى أبياتها التى بعث بها إليه، حين ذهب إلى أرض فلسطين سنة 1948م، لخدمة المجاهدين فى الميدان، وقد سقناها من قبل.

ومما أذكره مما قرأتُه من قديم لحسان فى عنفوان شبابه، يتحدَّث عن القرآن:
هذا الكتـاب، وإنَّ فيه سياسـة
أتراه أمرا فى الكتاب عجيبا؟
إن كان تزعـجكم سياسته دعوه،
ونقِّبوا عن غيره تنقيبـا!
أو فاعرضوه على الرقيب فربَّما
أفتى، فغادر نصفه مشطوبا!
يا قوم سحـقـا للرقيب وأمـره
فكفى برب العالمين رقيبـا!

وحينما اقتادونا إلى الاعتقال فى أوائل يناير سنة 1949م، ووضعنا فى سجن قسم الشرطة، (قسم أول) بمدينة طنطا، وظللنا فيه نحو أربعين يوما، كان من رفقائنا فى السجن المهندس حكمت بكير، الذى جىء به من مقرِّ عمله بمدينة كفر الزيات، وكان من نشطاء طلبة الإخوان فى الجامعة، ويحمل ذكريات طيبة حدَّثنا بها عن إخوانه، وعلى رأسهم حسان، فزادنى ذلك حبّا له، وشوقا إليه. لقاء فى المعتقل:

ثم شاء الله أن ننتقل من سجن طنطا إلى معتقل الطور، وبعد فترة نقلونا ــ نحن طلبة الثانوى ــ من معتقل الطور إلى معتقل هايكستب، وفيه جاءنا حسان، من ميدان الجهاد فى فلسطين إلى المعتقل، وهو ما استغربه حسان من قومه: أن يكون الاعتقال والحبس وراء القضبان جزاءه وجزاء أشباهه ممَّن خدموا أوطانهم، بإخلاص، وعرَّضوا أنفسهم لخطر الهلاك من أجل أمتهم، وأنشد فى ذلك قول طَرَفَة:
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند!

وفى هايكستب عرَفتُه عن كثب، ولقيته وجها لوجه، وجلستُ إليه، واستمعت إليه، وإلى شعره الرقيق، وإلى نوادره وفكاهاته، التى تصدر دون تكلُّف، ورغم أنه كان طبيبا نابها، وكنتُ طالبا فى نهاية المرحلة الثانوية، فلم أشعر فيه قط بتعالٍ أو صلف، بل كان قريبا من الجميع، حبيبا إلى الجميع، بزكاة نفسه، وطهارة قلبه، ورجاحة عقله، وحسن خلقه، وحبِّه لإخوانه، ومسارعته لنفعهم.

ورغم أنه كان فى استقامته كشعاع الشمس، وفى نقائه كماء المزن، وفى صرامته كحدِّ السيف، فقد شعر كلُّ مَن عاشره أو اقترب منه: أنه نعم الجليس، ونعم الأنيس، لخفَّة ظلِّه، ومرح رُوحه، وملاحة نِكاته، وقفشاته التى تصدر منه على البديهة، فى غير إسفاف ولا ابتذال، ولا جرح لأحد.

وبعد أن خرجنا من المعتقل التقينا فى ساحة الدعوة بالقاهرة، ثم فرَّقت بيننا الأيام، وعافاه الله سنة 1954م من (السجن الحربى)، الذى جمع الله به ــ رغم قسوته وما فيه من آلام وعذاب ــ بين كثيرين باعد بينهم الزمن، فقد كان خارج مصر. حتى هيَّأ الله لنا لقاءات ولقاءات فى مرحلة النضج، فى ندوات علمية، ومؤتمرات إسلامية، وخصوصا ندوات (المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية) بالكويت، التى سنَّت سنَّة حسنة فى الجمع بين علماء الفقه وعلماء الطبِّ، للتباحث المشترك فى القضايا الفقهية المتعلِّقة بالطبِّ، وكان حسان من أبرز الأعضاء المؤسِّسين والمشاركين فى هذه الحلقات، بخلفيَّته الإسلامية، وثقافته الشرعية، وبراعته الطبية، وقدرته الأدبية.

وأهم ما عرَفتُه فى حسان خلال تلك المراحل كلِّها، خصال ست، لم تتغيَّر فى شباب ولا هِرَم، وهى: الصدق الذى لا يعرف الكذب، والإخلاص الذى لا يشوبه رياء ولا طلب مغنم، والاستقامة التى لا تعرف العوج ولا الالتواء، والاعتدال الذى لا يعرف الشطط ولا التفريط، والثبات الذى لا يعرف التلون ولا التراجع، والحب الذى يَسَع الموافق والمخالف. كما وصف ذلك هو بقوله: (الصفاء بالمحبَّة لكلِّ الذين لقونى فى حياتى ظالمين أو مظلومين).

رجل يعرف الفضل لأهله: ومَن عرَف حسانا عرَف أنه رجل تميَّز بشعور رقيق، وحسٍّ دقيق، وفَهم عميق. ولأنه رجل أخلاق من الطراز الأول، يقدِّر القيم الأخلاقية حقَّ قدرها، ويعترف لأهلها بفضلهم، وينوِّه بشأنهم، لتتَّخذ الأجيال منهم خير أُسوة. انظر حديثه عن أبيه وأمه رحمهما الله، فى مطلع كتابه المؤثر (بهذا ألقى الله)، وهو يقول عن أمه: إنها كانت أُمَّة. وهو يذكرها أكثر مما يذكر أباه، وهذا يشير إلى أنه لا يحمل عقدة ضد جنس المرأة.
كما وضح ذلك فى حديثه عن زوجته د. سلوناس، التى يقول: إن قصته معها وقصتها معه، جديرة أن تُنشر فى كتاب، وقد حاول ذلك، ولكن زوجته هى التى تأبى.

وانظر حديثه ــ فى مذكراته عن السنوات العشر التى سمَّاها (العَقْد الفريد) ــ عن أستاذه الدكتور سليم صبرى، الذى اعتبره أستاذه فى الطب، كما كان الأستاذ البنا أستاذه فى الدعوة.

وانظر: حديثه عن الأستاذ محمد فريد عبدالخالق، الذى قال عنه: إنه كان مخلصا، وكان مثقَّفا، وكان مفكِّرا، وهو ثالوث نفيس ومفيد.
وحديثه عن الأستاذ صالح أبورقيق، وموقفه يوم (العلقة السخنة) فى معتقل الهايكتسب، فقد وقف أمام العسكر ومدَّ ذراعيه يتلقَّى الضربات عمن وراءه من الإخوان، وخصوصا من صغار الطلبة، (مثل محيى الدين عطية).
وحديثه عن الشيخ عبدالمعز عبدالستار، وهو يقول للجنود، وهم يضربونه بعصيهم الغليظة: اضربوا يا كلاب، اضربوا يا أنذال. وحديثه عن الشيخ فرغلى، ومصطفى مؤمن، وسعيد رمضان، وحسن دوح، وغيرهم وغيرهم.

حسان وحسن البنا: أما حديثه عن الأستاذ البنا فهو حديث المعجب المحب، حديث التلميذ عن أستاذه، والمريد عن شيخه، والجندى عن قائده، والابن عن أبيه، دون غلو ولا تقديس.

وهو يلتقط المواقف الهادية المعلِّمة بحاسته المرهفة، ويختزنها فى ذاكرته طوال تلك العقود، ليخرجها للناس حتى يلتمسوا فيها العظة، ويأخذوا منها العبرة، سواء كانت مواقف تنبئ عن عقل كبير، أو عن قلب كبير.

فمن المواقف التى تدلُّ على كبر عقل الرجل: حسن تخلُّصه من المآزق، والمواقف الحرجة بلباقة منقطعة النظير، بكلمات بلغية معبِّرة.
كما سُئل عن السينما: أحلال هى أم حرام؟ فقال: السينما الحلال حلال، والسينما الحرام حرام.

وحين اعترض العالم التقى الورع الشيخ محمد الحامد الحموى على استخدام الأستاذ البنا لكلمة (الكأس) فى مجال الكرة، حيث حصل فريق من الإخوان على (الكأس)، فقال الشيخ الحامد رحمه الله: إن الكأس تستعمل فى الخمر، فلا ينبغى أن تتَّخذ لدى الإخوان. فقال البنا: لا تغضب، يا شيخ محمد، لقد حصل الإخوان على (القدح)!

ومن المواقف المؤثِّرة التى حكاها حسان فى إحدى الكتائب التى أقامها قسم الطلاب، والتى كان يشهدها ويشارك فيها الأستاذ بنفسه: أنه استأذنهم لمدة ساعة، ثم عاد ليكمل برنامج ما قبل الفجر إلى نهاية الكتيبة.

وبعد انصرافهم قال حسان لبعض رفقائه: كأنى لحظتُ على وجه الأستاذ مسحة من حزن! فأنكروا ذلك.
وفى الساعة العاشرة اتصل الإخوان بهم ليدعوهم إلى جنازة ابن الإمام الشهيد حسام، فقد استأذن الإمام تلك الساعة ليودِّعه ويغطيه ويعود لاستكمال ما بدأه. وهذا ما لا يقدر عليه إلا الصديقون. نرجو الله أن يكون منهم.

رجل الاعتزاز والتسامح: وهو كذلك رجل مسلم شديد الاعتزاز بدينه، مستمسك بعروته الوثقى، ملتزم بمثله العليا، يؤمن به ويدعو إليه عقيدة وشريعة، ودينا ودنيا، ودعوة ودولة، وحقّا وقوَّة، ويقف عند حدوده، وينزل على أحكامه، ولا يجد فى نفسه حرجا منها، بل يسلم تسليما.

وهو يؤمن بأن هذا الدين هو سفينة الإنقاذ للبشرية، وفيه خلاصها مما تعانيه من الفلسفات المادية والإباحية، ومن أخطار الأيدولوجيات والأنظمة الوضعية التى أشقت البشر، ومن طغيان الأقوياء على الضعفاء الذى يهدد العالم. ومع هذا لا يدفعه هذا الاعتزاز والالتزام إلى التعصُّب ضد الآخرين، أو التنكر لحقوقهم، أو الإزراء عليهم، بل نجد موقفه مع الأقباط ــ نصارى مصر ــ فى غاية العدل والإنصاف، منطلقا من القرآن الكريم الذى أمر ببرهم والإقساط إليهم {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} )الممتحنة:8)، ومن السنة النبوية التى أوصت بأقباط مصر خاصة، فى عدد من الأحاديث.

حتى إن بعض إخوانه أطلقوا عليه من باب المزاح (الأب) حسان! وقد كتب فى مجلة الإخوان الإسبوعية مقالا بعنوان (أخى جرجس)، ورد عليه القمص سرجيوس الكاتب القبطى الشهير فى مجلة الأقباط، يبادله تحية بتحية، ووُدّا بوُدٍّ، وهو فى هذا ينطلق من حيث انطلق شيخه ومرشده الإمام البنا رحمه الله، كما وضَّح ذلك بما كتبه حسان فى مذكراته، فى فصل (نحن والأقباط).

وأكثر من ذلك: موقفه من اليهود، ودفاعه عن أسراهم، وقد ذكرنا هذا الموقف من قريب.

رجل طابعه الاعتدال: ومن الدلائل على أن حسانا رجل معتدل حقّا، وليس من أهل الغلو ولا التقصير أنه يجتهد أن يعطى كلَّ ذى حقٍّ حقَّه، لا يغمط أحدا ما قدَّمه من فضل، ولا يضفى على أحد هالة لا يستحقُّها. لا يبالغ فى المدح إذا احتاج إليه، ولا يذمُّ أحدا إلا إذا ألجأته الضرورة، وفرضت عليه الحقائق المُرَّة ذلك، وقد يذكر الشخص بالوصف لا بالاسم، أو بحروف اسمه الأولى عند اللزوم أو نحو ذلك.

وقد ينتقد نفسه فى بعض الأحيان، كما فعل حين كان طبيبا فى قرية بهوت، ودعاه البدراوى باشا إلى العشاء مع مهندس الرى والمفتش الزراعى، ولكنه اعتذر، وبقى فى محبسه. قال: لكننى كنتُ حساسا أكثر من اللازم فى موضع حفظ الكرامة، ويخيِّل لى بالنظرة الخلفية: أنه لم يكن علىَّ غبار أن أذهب وأتعرَّف بالناس.

وقد تعرَّض فى كثير من المواقف فى مذكراته لإعطاء الرأى فى كثير من المواقف والشخصيات والأحزاب. فقد تحدث عن (الملك) الذى كان أحب الناس إلى شعبه، فأمسى ــ بسوء سلوكه ــ أبغضهم إليه.. وتحدث عن حزب الأغلبية (الوفد) وموقفه من الإنجليز والرأى والدستور، وعن أحزاب الأقلية، التى تحكم مصر بالانتخابات المزوَّرة كلما أراد الملك أن يتخلَّص من الوفد، لكثرة الفساد والمحسوبية.

وتحدث عن قضية فلسطين وعن دخول الجيوش العربية السبعة فيها، وقال: يا ليتها لم تفعل.. وتحدث عن الأسلحة الفاسدة.. وتحدث عن بطولة المتطوِّعين من الإخوان.

وتحدث عن الإخوان وعن نظام (الكتائب) التربوى الفريد، وقال: وما زلت أعتقد اعتقادا راسخا بأن الحركة الإسلامية لن تحرز النجاح إلا إن بدأت من هذه البداية: تكوين اللبنات الصالحة. أما البداية من النشاط السياسى، أو العسكرى أو المذهبى، فهو بداية المرحلة من منتصف الطريق، وشروع فى البناء من غير حفر أساس.

وفى فصل (السؤال الأخير) الذى ختم به هذه المذكرات تحدث عن رأيه فى (النظام الخاص)، وفى الديمقراطية وفى الحضارة الغربية، وحديثه هنا ــ وإن كان خارج نطاق الذكريات ــ حديث المهموم بشئون أمته، وهموم دعوته، وأنا معه فيما ذهب إليه من جملة الأفكار، وقد سجلت ذلك فى أكثر من كتاب لى: فتاوى معاصرة، أولويات الحركة الإسلامية، من فقه الدولة فى الإسلام، وفى مذكرات ابن القرية والكتاب، وغيرها.
حسان يتحدث عن حياته: ولقد تحدث حسان عن نفسه وعن نشأته حديثا موجزا، ولكنه نافع وممتع فى كتابه (بهذا ألقى الله: رسالة إلى العقل العربى المسلم)، فقال:
(ولدت فى بلدة شبين الكوم فى دلتا النيل بمصر. نشأة الريف وسماحته وطيبته، الصفصافة التى أسدلت فروعها فى مياه بحر شبين، وكأنها عروس حلت ذوائبها الطوال. والساقية والنورج والحقول المعطاء الخضراء، وبحر شبين الذى كنت أظنه أكبر حاجز مائى، رغم أنه كان يجف فى الشتاء فنعبره سيرا على قاعه، حتى انتقلنا إلى القاهرة، فرأيت النيل أكبر، وزرت الإسكندرية، فرأيت البحر أكبر وأكبر، وما زال الأفق ينداح أمامى طوال الحياة.

الوالد شاعر رقيق، وأديب ضليع، وفيلسوف هادئ، لم تستطع سراء ولا ضراء أن تمثل له الدنيا بأكبر من حجمها، ومخزون لا ينفد من سرعة البديهية وحلاوة النكتة، وبهجة المحضر، حتى كانت الناس تجتمع على محضره كالفَراش.
والوالدة شعلة لاهبة من الوطنية، أسهمت فى الجهاد للوطن، وكانت أول من قاد مظاهرة نسائية فى بلدتنا المحافظة المتواضعة، احتجاجا على الاحتلال الإنجليزى، خرجت من المسجد العباسى، وسارت إلى كنيسة الأقباط، ولما تزوجَتْ وأنجبتْ أرضعتْ ولديها وغذتهما حب الله وحب الوطن.

ووفقنى الله فى دراستى وحصلت ما جعلنى أستاذا ورئيس قسم فى مادة تخصصى.
وتزوجت من اخترتها على نساء العالمين، وقررت أن أتزوجها أول مرة أراها فيها، وأبلغتها بهذا القرار، يقصد زميلته الدكتورة سلوناس.
وفقدت ابنتى الأولى فى حادث سيارة، فلما قرأت البرقية قلت على الفور: (اللهم إنى أعلم أنك تنظر إلى وملائكتك.. اللهم إنى أعلم أنك تختبرنى فأرجو أن أنجح فى الاختبار. اللهم إنى أعلم أن الناس تستوى بعد سنة، ولكن الاختبار فى الوهلة الأولى. اللهم إن كنت رضيت لى هذا فإنى رضيت. إنى رضيت. إنى رضيت. اللهم إنها كانت وديعتك لدينا فأصبحت وديعتنا لديك).

وشهدت حربا (يعنى حرب فلسطين 1948م) فشهدت قسوة الإنسان على الإنسان. وأحسست الموت يمر على مسافة سنتيمترات منى فى زخّات الرصاص، فعلمت ألا يصيبنى إلا ما كتب الله لى. وعهد إلى بجرحى من أسرى العدو فعاملتهم أكرم معاملة.

وأصاب معدتى مرض خبيث فلم أقل: ولماذا أنا! فمن الأنانية أن تطالعه فى الناس بهدوء، فإذا أصابك جزعت! وجاء شبح الموت فقلت: ومن ذا الذى لا يموت؟ وسبحان الحى الذى لا يموت!! وماذا عليّ لو وصلت إلى الشاطئ ونعمت فى أكرم جوار!
وأخذت العلاج فاشتدت عليّ وطأته، فقلت: لا بد أن أدفع البأس بالبأس، فألفت كتابا بالإنجليزية اسمه (قراءة العقل المسلم)، ونجح الكتاب كوسيلة دعوة تطلع غير المسلمين (والمسلمين) على الوجه الحقيقى للإسلام.
وزال المرض والحمد لله، إلا أن العلاج ترك بصمته على قلبى، لكن ما دام ينبض، فالحياة مستمرة والجهاد قائم، فقد قررت ألا أموت قبل أن أموت.
وتوافر لى فى حياتى ما لا يتوافر للكثيرين من معلمين ومرشدين ونماذج ناصعة، فى الإيمان والمثالية الطيبة ونقاء القلب وخدمة الناس، رحمهم الله جميعا.
وعشت فى الكويت فترة طويلة. وللكويت عليَّ يد لا تنسى، ليست الوظيفة وليس الراتب، فكان فى وسعى مثل ذلك وأزيد، ولكن فى وقفة وفاء لم يعلم بها إلا الأقلون من رجال الكويت، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.

وعوضنى الله خيرا كثيرا، وكان فضل الله عليّ عظيما.

انتقاله من الكويت للدعوة فى أمريكا: ويكتب حسان بقلمه عن الدوافع التى جعلته يستقيل من عمله بالكويت ليتفرغ للدعوة إلى الإسلام فى أمريكا، فيقول: (والذى صاحبنى طوال حياتى حبى للإسلام، أحمل اسمه، وأحمل همه، وأعمل له. ودلتنى زياراتى على أن الإسلام فى أمريكا فرصة حقيقية وتاريخية، إن ضيعناها فهى شيمتنا وما أكثر ما ضيعنا. وإن انتهزناها فربما أفضى ذلك إلى منعطف تاريخى يفيد أمريكا، ويفيد العالم، ويفيد المسلمين وقضايا المسلمين.

فاستقلت من عملى بالكويت وسافرت لأمريكا وطويت سجل العمل الطبى (الذى عشقته ولا أزال)، وقلت: أقصر شريحة من عمرى على خدمة الإسلام، وأنتهزها فرصة فى زمن الاستطاعة، وأربعون سنة من الطب إسهام واف، والحمد لله.
وأفضل خدمة للإسلام فى أمريكا (وفى غيرها من البلاد مسلمة أم غير مسلمة) هو أن يعيشه الإنسان بإخلاص، ويحسن عرضه على الناس. وأحببت أمريكا وإن كان بها فساد كبير، على مستوى الأخلاق، وعلى مستوى السياسة. لكنها تتيح قسطا من الحرية فى خدمة الإسلام لا يتوافر فى أكثر بلاد المسلمين. وحيث تكون الحرية (حرية الصلاح والفساد) فالإسلام هو الرابح على المدى البعيد، وحين تغيب الحرية فالإسلام أول خاسر وأكبر خاسر).

اتصلت به مرة بعد مدة من استقراره فى أمريكا، وسألته عن همه ونشاطه فى تلك المرحلة، فقال: همنا الآن هو بناء (المدارس) لنربى فيها أبناء المسلمين على الإسلام الصحيح، بجوار تعلمهم ما تقدمه المدارس هناك. إن الجيل الذى سبقنا كان همه بناء المساجد، ولكن إذا لم نرب للمساجد رجالا يعمرونها ويحرسونها، سيأتى جيل يبيع المساجد للنصارى، كما باع النصارى لنا كنائسهم، لنحولها إلى مساجد ومراكز إسلامية.

وصدق رحمه الله، فالمساجد وحدها لا تكفى للإبقاء على إسلام الناس حيا قويا، ما لم تسنده مؤسسات أخرى، تحافظ على هوية الجماعة المسلمة، وبخاصة المؤسسات التربوية. وقد ألَّف بعد مرضه كتابه (قراءة فى تاريخ العقل المسلم)، بلغته الإنجليزية الجميلة، ليخاطب به العقل الغربى، ويقنعه بجمال الإسلام، وقد كان للكتاب أثره فى كثير من الأمريكان، الذين أدهشتهم حقائق الإسلام، وطبع عدة مرات.

كما استطاع أن يؤثر فى الكثير من المسيحيين حتى دعوه مرارا إلى كنائسهم، كما استطاع أن يقيم تحالفات شتى مع مؤسساتهم الدينية، مثل: (التحالف ضد الأسلحة النووية)، و(التحالف ضد الإجهاض)، وغيرهما.

خوفه على المسلمين وأمله فى الصحوة الإسلامية: وهو ـ مع وجوده فى أمريكا ـ يعيش أبدا حاملا لهموم الأمة المسلمة، حريصا على أن تحيا بالإسلام وللإسلام، قوية ناهضة، مكانها فى الرأس لا فى الذيل، وإن كان الواقع يصدمه بغير ما يتمنى، يقول:

(وأطالع الإسلام على خريطة العالم، فأطالع ما يسر وما يسوء. وأتأمل أحوال المنتسبين إلى الإسلام، فأجد فيهم من يخدم الإسلام وأجد منهم من يؤذيه). وقديما هشت الدبة الذبابة عن وجه صاحبها بحجر. وربما رأيت من يرفع العقيرة حماسا لكن وقود حركته الكره والبغض وربما طال أذاه الأبرياء بل قتل الأطفال والنساء .. وهو يحسب ذلك جهادا وما هو بجهاد .. {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا} (الكهف:103،104).

والظاهر حقا أن عدوا عاقلا خير من صديق جاهل. وبين الفصائل المحسوبة على الإسلام الآن من أصبحت بصدق أخاف أن يصلوا إلى الحكم أو يتقلدوا السلطة.

يرى د. حسان أننا نعيش عصر الصحوة الإسلامية، وهذا حق، ولكنه يرى أن الصحوة فى حاجة ماسة إلى تعليم وترشيد قويين. وإسهاما ــ متواضعا ــ فى هذا السبيل أصدر كتابه (رسالة إلى العقل المسلم) قال: أكتبه وأنا على قمة عمر جاوز السبعين، وتمرس كبير بقضية الإسلام فى الشرق والغرب.. وعقل أرجو القارئ ألا يسىء الظن به، وقلب من يعرفه لا يشك فى إخلاصه. ولعله إضافة إلى جهود رجال مؤمنين، وأساتذة علماء ودعاة هداة، نذروا أنفسهم لخدمة الإسلام والذود عنه من الداخل والخراج، ولا يخالجنى ريب فى أن جهودهم ستكلل بالنجاح، وأن العاقبة للتقوى، وأن الله سيلهمهم حسن الإجابة يوم ينشر الحساب ويقول الله: أعطيتكم الإسلام، فماذا فعلتم به وماذا فعلتم له؟
وكان مما ركز عليه حسان فى كتابه ذاك: قضية (الحريات) وهى مضيّعة فى عالمنا العربى والإسلامى، مع أنها مدخل ضرورى لكل تغيير وإصلاح، وهو يعيب على كثير من المسلمين بأنهم ضيّقوا الإسلام الواسع والكبير، فكادوا يجعلونه لحية للرجل، وحجابا للمرأة، وضيّقوا الشريعة، فحصروها فى الحدود والعقوبات. ويؤكد أنهم لم يفهموا الشريعة على حقيقتها، فهى رحمة قبل أن تكون عقابا، وهى تصنع الضمير قبل أن تنزل العقاب.

ومع هذا يضيء مصباح الأمل أمام العاملين للإسلام حتى لا يقنطوا، أو يكسلوا، فيقول: ولقد يضيق الصدر أحيانا بوعورة الطريق، وانتكاس المسار، لكن الحصيلة – والحمد لله – تقدم ملموس فى مسيرة الإسلام، ومؤشرات ومبشرات بأن الله يغفر ما فات، ويصلح ما بقى إن شاء الله. وعلى زمان النبى عليه الصلاة والسلام كان يخطب الجموع بغير مكروفون أو مذياع فيدعو الله قائلا: «اللهم أسمع عن عبدك».

وهو دعائى وأنا أطرح هذا الكتاب على الناس: اللهم أسمع عن عبدك.
قالت زوجته الدكتورة سلوناس حينما اتصلت بها لأعزيها: لقد كان فى الفترة الأخيرة قوى الصلة بمولاه، مستعدا للقائه سبحانه، وكان يردد: إنى فى شوق إلى لقاء ربى.

وأحسب أنه تعالى قد استجاب لدعائه الخاشع، الذى قدم به كتابه (بهذا ألقى الله) وفيه يناجى ربه بقوله:
اللهم اهدنا واهد بنا
واجعل سعينا خالصا لك
اللهم هون علينا بقاءنا فى الدنيا
وهون علينا الخروج منها
واجعل خير أيامنا يوم نلقاك
عبدك الفقير إليك ــ حسان حتحوت

اللهم اغفر لعبدك المحب لك ولخلقك حسان حتحوت، وتقبله فى عبادك المقربين، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجزه خيرا عما قدم لدينه وأمته، واخلف أمتنا فيه خيرا. واجعله ممن رضيت عنهم ورضوا عنك. آمين.

لمحة عن حياة حسان:
ولد حسان فى مدينة شبين الكوم عاصمة المنوفية بمصر، فى 23/12/1924 فى بيت كريم، معروف بالوطنية أما وأبا، وقد كان والده مدرسا للغة الإنجليزية، كما كان شاعرا مجيدا. ومنذ كان طالبا فى الثانوى كان يخطب فى الطلاب، ويقودهم فى المظاهرات ضد الإنجليز، ثم انضم إلى الإخوان سنة 1941م، وكان له نشاط قيادى فى قسم الطلاب.

وقد التحق حسان بكلية الطب فى جامعة القاهرة وأنهى دراسته بها، وتخصص فى طب النساء والولادة، وحصل على دبلوم التخصص من نفس الكلية عام 1952م. ثم حصل على درجة الدكتوراه، ثم الزمالة من إنجلترا فى علم الأجنة، وعمل فى مستشفى الدمرداش بالقاهرة لمدة سنة، ثم بالقسم الريفى فى قرية بهوت، مركز طلخا، التابعة لمديرية الغربية فى ذلك الوقت.

ومن مصر انتقل إلى العمل فى عدة دول عربية، منها السعودية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل للعمل بالكويت، وهناك مكث فترة طويلة، شارك خلالها فى تأسيس كلية الطب، ورئاسة قسم أمراض النساء والولادة، كما شارك فى النشاط الثقافى والدعوى والاجتماعى، وكان محترما محبوبا من كل من عرفه.

وبعد أن استقر فى عمله بالكويت، نسى ما أصابه فى المعتقل، وأرسل إلى المباحث العامة المصرية يطلب العودة إلى مصر، ليشارك بجهده وعلمه وخبرته فى خدمة بلده، فرحبت به السلطات المصرية، وعاد مدرسا بطب عين شمس عام 1961م، ثم بجامعة أسيوط الجديدة عام 1963م، وخلال هذه الفترة عمل على دعم العلاقة الودية بين المسلمين والأقباط، خلال محاضراته ودروسه حتى أحبه الجميع، ولكن كل هذا لم يكن شفيعا له، إذ تم اعتقاله عام 1965م، بناء على القرار الشهير الغريب الذى أصدره عبدالناصر، وهو قرار (اعتقال كل من سبق اعتقاله). واستمر الاعتقال عدة أشهر، ورغم عدم تعرض آلة التعذيب لشخصه، لكنه عايش وسمع ورأى بعينيه عمليات التعذيب الرهيبة، والتى عرفت باسم (المحرقة)، وخرج بعدها ليسافر إلى الكويت مرة أخرى، مقررا عدم العودة إلى مصر ثانية.

 

مقالة كتبها العلامة الدكتور يوسف القرضاوي ، نقلاً عن : www.shorouknews.com

كُتب في الأعلام, الراحلون, منائر | التعليقات على رحيل أمة في رجل .. العلامة الطبيب حسان حتحوت في ذمة الله مغلقة