مسألة تولي الوظائف لدى غير المسلمين

(هل يجوز تولي الوظائف تحت أيدي غير المسلمين)

هناك مسائل شائكة تمر بالمسلمين وقد يقوم البعض جازماً بالفتيا فيها من دون مُكنة ولادراية فيوقعون الناس في حرج عظيم ، وهذه مسألة من تلك المسائل نضعها بين أيدي إخواننا الدعاة لزيادة الفقه وإدراك جوانب كل موضوع من كل أطرافه لأن هناك مسائل الجواب فيها عسير وهي من فقه النوازل والفتن فإن كان للأئمة المقدمين رأي فيها فهو كنز عظيم لايفرط فيه

فتوى الإمام عز الدين بن عبد السلام: قال سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام رضي الله عنه ، في كتابه : (قواعد الأحكام في مصالح الأنام – ص 85) : »ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فوّلوا القضاء لمن يقدم مصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله، جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد من رحمة الشرع، ورعايته لمصالح العباد: تعطيل المصالح العامة، وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها..« (1).

لشيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه فتوى مؤصلة معروفة في جواز تولي بعض الولايات في دولة ظالمة، إذا كان المتوليّ سيعمل على تخفيف بعض الظلم، أو تقليل حجم الشر والفساد. وهذا نصها (مجموع الفتاوى ، ج30، ص 356 – 360).

سُئِل الشيخ قدس الله روحه: عن رجل متولٍّ ولايات، ومُقْطَع إقطاعات، وعليها من الكُلَف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره ووُليِّ غيره، فإن الظلم لا يُترك منه شيء؛ بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه، فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها، وهو عاجز عن ذلك، لا يمكنه ردها. فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه؟ وقد عرفت نيته، واجتهاده، وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه، أم عليه أن يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع، وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد. فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم، فهل يطالب على ذلك أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله، أم رفع ما رفعه من الظلم، ليبقى ويزداد برفع يده. فأجاب: الحمد لله. نعم إذا كان مجتهدًا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خيرً وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره، كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك؛ بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل ـ إذا تركه ـ بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك عليه واجبًا إذا لم يقم به غيرُه قادرًا عليه. فنشر العدل، بحسب الإمكان، ورفع الظلم بحسب الإمكان فرضٌ على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك، إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يُطالب ـ والحالة هذه ـ بما يعجز عنه من رفع الظلم. وما يقرره الملوك من الوظائف التي لا يمكنه رفعها، لا يُطلب بها، وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالاً لا يمكن دفعها إلا بإقرار بعض تلك الوظائف، وإذا لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات، والولاية لمن يقررالظلم أو يزيده ولا يخففه ـ كان أخذ تلك الوظائف ودفعُها إليهم خيرا للمسلمين من إقرارها كلها، ومن صرف من هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من غيره، ومن تناوله من هذا شيء أبعد عن العدل والإحسان من الظلم، ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب منهم، فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم، يثاب، ولا إثم عليه فيما يأخذه على ما ذكره، ولاضمان عليه فيما أخذه، ولا إثم عليه في الدنيا والآخرة إذا كان مجتهداً في العدل والإحسان بحسب الإمكان. وهذا كوصي اليتيم وناظر الوقف والعامل في المضاربة والشريك، وغير هؤلاء ممن يتصرف لغيره بحكم الولاية أو الوكالة إذا كان لا يمكنه فعل مصلحتهم إلا بأداء بعضٍ من أموالهم للقادر الظالم فإنه محسن في ذلك غير مسيء، وذلك مثل ما يعطي هؤلاء المكّاسين وغيرهم في الطرقات، والأشوال (جمع شول: الناقة التي جف لبنها بعد سبعة أشهر من حملها أو ولادتها »محيط«)، والأموال التي اُئتمنوا كما يعطونه من الوظائف المرتبة على العقار، والوظائف المرتبة على ما يُباع ويُشترى؛ فإن كل من تصرف لغيره أو لنفسه في هذه الأوقات من هذه البلاد ونحوها فلا بد أن يؤدي هذه الوظائف، فلو كان ذلك لا يجوز لأحد أن يتصرف لغيره لزم من ذلك فساد العباد وفوات مصالحهم. والذي ينهى عن ذلك ـ لئلا يقع ظلم قليل ـ لو قبل الناس منه تَضَاعفَ الظلم والفساد عليهم، فهو بمنزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطّاع الطريق، فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة : لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئًا من الأموال التي معكم للناس، فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي يَنهى عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير، وسُلبوا مع ذلك!!، فهذا مما لا يشير به عاقل، فضلاً أن تأتي به الشرائع، فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان. فهذا المتولي المُقْطَع الذي يدفع بما يوجد من الوظائف، ويصرف إلى من نسبه مستقرا على ولايته وإقطاعه ـ ظلمًا وشرًّا كثيرًا عن المسلمين أعظم من ذلك، ولا يمكنه دفعه إلا بذلك، إذا رفع يده تولّى من يقره ولا يُنقص منه شيئًا، وهو مثاب على ذلك، ولا إثم عليه في ذلك ولا ضمان في الدنيا والآخرة. وهذا بمنزلة وصي اليتيم، وناظر الوقف الذي لا يمكنه إقامة مصلحتهم إلا بدفع ما يُوصل من المظالم السلطانية، إذا رفع يده تولى من يجور ويزيد الظلم، فولايته جائزة، ولا إثم عليه فيما يدفعه؛ بل قد تجب عليه هذه الولاية. وكذلك الجندي المقطع الذي يخفف الوظائف عن بلاده، ولا يمكنه دفعها كلها؛ لأنه يطلب منه خيل وسلاح ونفقة لا يمكنه إقامتها إلا بأن يأخذ بعض تلك الوظائف، وهذا مع هذا ينفع المسلمين في الجهاد. فإذا قيل له: لا يحل لك أن تأخذ شيئًا من هذا؛ بل ارفع يدك عن هذا الإقطاع. فتركه وأخذه من يريد الظلم، ولا ينفع المسلمين كان هذا القائل مخطئًا جاهلاً بحقائق الدين؛ بل بقاء الجند من الترك والعرب الذين هم خير من غيرهم، وأنفع للمسلمين، وأقرب للعدل على إقطاعهم، مع تخفيف الظلم بحسب الإمكان، خير للمسلمين من أن يأخذ تلك الإقطاعات من هو أقل نفعا وأكثر ظلمًا. والمجتهد من هؤلاء المقطَعين كلهم في العدل والإحسان بحسب الإمكان يجزيه الله على ما فعل من الخير، ولا يعاقبه على ما عجز عنه، ولا يؤاخذه بما يأخذ ويصرف إذا لم يمكن إلا ذلك: إذا كان ترْك ذلك يوجب شرًّا أعظم منه… والله أعلم.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على مسألة تولي الوظائف لدى غير المسلمين مغلقة

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة – في مواجهة فكر التكفير

دفعاً لفكر التكفير الذي انتشر بين قليلي العلم والفقه ، وبياناً لعويص المسائل التي احتار في إدراكها البعض ، فاستبدلوا ولو عن حسن نية بالسلامة مركباً وعراً ليس له مع الصواب نسب ولا مع الحق وشيجة ؛ نقدم لإخواننا وأخواتنا الفصل التاسع وماتلاه ؛ مما كتبه حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله حول موضوع التكفير وهو بحث نفيس ، وقد سماه :

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة

الفصل التاسع: ما يتعلق به التكفير

قد فهمت من هذه التقسيمات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور: أحدها: أن النص الشرعي الذي عدل [ به ] عن ظاهره ، هل يحتمل التأويل أم لا ؟ فإن احتمل ، فهل هو قريب أم بعيد ؟ ومعرفة ما يقبل التأويل ، وما لا يقبل التأويل ليس بالهين ، بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة ، العارف بأصول اللغة ، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ، ومنهاجها في ضروب الأمثال. الثاني: في النص المتروك أنه ثبت تواتراً أو آحاداً أو ثبت بالإجماع المجرد ، فإن ثبت تواتراً فهل على شرط التواتر أم لا ؟ إذ ربما يظن المستفيض متواتراً ، وحدَّ التواتر ما لا يمكن الشك فيه ، كالعلم بوجود الأنبياء ، ووجود البلاد المشهورة وغيرهما ، وأنه متواتر في الأعصار كلها عصراً بعد عصر إلى زمان النبوة ، فلا يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار ، وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك ، كما في القرآن ، أما في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جداً ، ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ ، وأحوال القرون الماضية ، وكتب الأحاديث ، وأحوال الرجال ، وأغراضهم في نقل المقالات إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر ، ولا يحصل به العلم إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة في التوافق ، لاسيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب ، ولذلك ترى الروافض يدّعون النصَّ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في الإمامة ، لتواتره عندهم ، وتواتَرَ عند خصومهم في أشياء كثيرةٍ خلافُ ما تواترَ عندهم ، لشدّةِ توافُق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها. وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء ، إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد ، فيتفقوا على أمر واحد اتفاقاً بلفظ صريح ، ثم يستمروا عليه مرة عند قوم ، وإلى تمام انقراض العصر عند قوم ، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض ، فيأخذ فتاويهم في زمان واحد ، بحيث تتفق أقوالهم اتفاقاً صريحاً ، حتى يمتنع الرجوع عنه ، والخلاف بعده ، ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر ؟ لأن من الناس من قال: إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا فيحمل توافقهم على اتفاق ، ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك وهذا غامض أيضاً. الثالث: النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر ، أو هل بلغه الإجماع ؟ إذ كل من ولد بعدهم لا تكون الأمور عنده متواترة ، ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف ، وإنما يدرك ذلك شيئاً فشيئاً ، وإنما يعرف ذلك من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف وإجماع السلف ، ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين ، إذ لا يحصل الإجماع به ، وقد صنف أبو بكر الفارسي رحمه الله كتاباً في مسائل الإجماع ، وأنكر عليه كثيراً منه ، وخولف في بعض تلك المسائل ، فإذن من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد [التواتر] فهو جاهل مخطئ ، وليس بمكذِّب ، فلا يمكن تكفيره ، والاشتغال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير. الرابع: النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر ، أهو على شرط البرهان أم لا ؟ ومعرفة شروط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلَّدات ، وما ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم) وكتاب (محك النظر) أنموذج منه ، وتكلُّ قريحة أكثر فقهاء الزمان عن فهم شروط البرهان على الاستيفاء ، ولابد من معرفة ذلك ، فإن البرهان إذا كان قاطعاً ، رخص في التأويل وإن كان بعيداً ، فإذا لم يكن قاطعاً لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم. الخامس: النظر في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا ؟ فإن ما لا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل ، وإن كان القول شنيعاً وظاهر البطلان ، كقول الإمامية المنتظرة : إن الإمام مختف في سرداب ، وإنه ينتظر خروجه ، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جداً ، ولكن لا ضرر فيه على الدين ، إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك ، إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل الليل فيرجع إلى بيته خاسئا ، وهذا مثال ، والمقصود [منه] أنه لا ينبغي أن يكفر بكل هذيان ، وإن كان ظاهر البطلان ، فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقالات التي لا يستقل بآحادها [إلا] المبرزون ، علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره ، جاهل مجازف ، وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم ، وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم ، فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فأعرض عنه ، ولا تشغل به قلبك ولسانك ، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع ، لا يصبر عنها الجهال ، ولأجله كثر الخلاف بين الناس ، ولو سكت من لا يدري ، لقلّ الخلاف بين الخلق.

الفصل العاشر رد من كَفَّرَ بالتقليد

من أشد الناس غلواً وإسرافاً طائفة من المتكلمين كفَّروا عوام المسلمين ، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ، ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررناها ، فهو كافر ، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً ، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانياً ، إذ ظهر لهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعصر الصحابة ، رضي الله عنهم ، حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب ، كانوا مشغولين بعبادة الوثن ، ولم يشتغلوا بعلم الدليل ، ولو اشتغلوا به لم يفهموه ، ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام ، والأدلة المجردة ، والتقسيمات المترتبة فقد بعد عن الإنصاف ، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده عطية وهدية من عنده ، تارة ببينة من الباطل لا يمكنه التعبير عنها ، وتارة بسبب رؤيا في المنام ، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين ، وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته ، وتارة بقرينة حال ، فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحداً به منكراً ، فلما وقع بصره على طلعته البهية زادها الله شرفاً وكرامة فرآها يتلألأ منها أنوار النبوة قال : والله ما هذا بوجه كذاب وسأله أن يعرض عليه الإسلام ، فأسلم ، وجاء آخر إليه عليه السلام وقال : أنشدك الله آلله بعثك نبيَّاً ؟ فقال عليه السلام : \” إي وَاللهِ اللهُ بَعَثَنَي نَبِيَّاً \” فصدقه بيمينه وأسلم ، فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ، ولم يشتغل أحد منهم بالكلام ، وتعلم الأدلة ، بل كان يبدو نور الإيمان أولاً بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ، ثم لا تزال تزداد إشراقاً بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة ، وتلاوة القرآن ، وبصحبة أرباب القلوب ، فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن الصحابة رضي الله عنهم ، إحضار أعرابي أسلم ، وقوله له: الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الأعراض ، وما لا يخلو عن الحوادث حادث ، وأن الله تعالى عالم بعلم ، وقادر بقدرة زائدة على الذات ، لا هي هو ولا هي غيره ، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين ، ولست أقول : لم تجر هذه الألفاظ ولم يجر أيضا ما معناه معنى هذه الألفاظ ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف ، وجماعة من الأسارى يسلمون واحداً واحداً بعد طول الزمان ، أو على القرب ، وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة عُلِّموا الصلاة والزكاة ورُدّوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم ، أوغيرها . نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذِكْرُ أدلة المتكلمين أحدَ أسباب الإيمان في حق بعض الناس ، ولكن ليس ذلك بمقصورٍ عليه ، وهو أيضا نادرٌ ، بل الأنفع الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن ، فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين ، فإنه يشعر نفوس المستمعين بأنه فيه صنعة جدلٍ لِيَعجزَ عنه العامّيّ ، لا لكونه حقا في نفسه وربما يكون ذلك سببا لرسوخ العناد في قلبه ، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من اعتزال أو بدعة إلى غيره ، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخر حتى في القتال بالسيف ، ولذلك لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ، ويشتغل بالبحث والسؤال ، وإذا تركنا المداهنة ومراقبة الجوانب صرّحنا بأن الخوض في الكلام حرامٌ لكثرة الآفة فيه إلا لأحد شخصين : رجل وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام قريب وعظيّ ، ولا بخبر نقليّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يكون القول المرتب الكلاميّ رافعا شبهته ، ودواءً له في مرضه ، فيُستعمَل معه ذلك ويحرِسُ عنه سمعُ الصحيح الذي ليس به ذلك المرض ، فإنه يوشك أن يحرّك في نفسه إشكالاً ، ويثير له شبهة تمرِّضُهُ ، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح . والثاني : شخص كامل العقل ، راسخ القدم في الدين ، ثابت الإيمان بأنوار اليقين ، يريد أن يحصِّل هذه الصنعة ليداوي بها مريضاً ، إذا وقعت له شبهة ، وليفحم بها مبتدعا إذا نبغ ، وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدع إغواءه ، فتعلُّمُ ذلك بهذا العزم كان من فروض الكفايات ، وتعلُّمُ قدرَ ما يزيلُ [به] الشك ويدرأ الشبهة في حق المشكل فرضُ عينٍ إذا لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق آخر سواه ، والحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، واشتمل عليه القرآن اعتقاداً جزماً فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته ، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على التزلزل بكل شبهة ، بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع ، أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها ، وتمام تأكده بملازمة العبادة والذكر ، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى ، وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا ، وملازمة ذكر الله تعالى دائماً تجلت له أنوار المعرفة ، وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليداً عنه كالمعاينة والمشاهدة ، وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات ، وانشراح الصدر بنور الله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه) [الزمر : 22 ] ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شرح الصدر فقال : (نور يقذفه في قلب المؤمن ، فقيل : وما علامته ؟ قال : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود) فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا ، المتهالك عليها ، غير مدرك حقيقة المعرفة ، ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعاً.

الفصل الحادي عشر بيان حقيقة ما به الكفر

لعلك تقول : أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية ، والشارع صلوات الله عليه هو الذي ضيَّق الرحمة على الخلق دون المتكلم ، إذ قال عليه السلام : ( يقول الله تعالى لآدم عليه السلام يوم القيامة : يا آدم ابعث من ذريتك بُعَثَ النار فيقول: يارب من كم ؟ فيقول : من كل ألف ، تسعمائة وتسع وتسعين ) وقال عليه الصلاة والسلام : (ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ). الجواب : أن الحديث الأول صحيح ، ولكن ليس المعني به ، أنهم كفار يخلدون في النار ، بل إنهم يدخلون النار ، ويعرضون عليها ويتركون فيها بقدر معاصيهم ، والمعصوم من المعاصي لا يكون في الألف إلا واحداً وكذلك قال الله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) ثم بعث النار عبارة عمن استوجب النار بذنوبه ، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة ، كما وردت به الأخبار ، وتشهد له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله تعالى ، وهي أكثر من أن تحصى ، فمنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فابتغيته ، فإذا هو في مشربة يصلي ، فرأيت على رأسه أنوارا ثلاثة ، فلما قضى صلاته قال : ( مُهَيِمٌ من هذه ؟ قلت أنا عائشة يا رسول الله ! قال : أرأيت الأنوار الثلاثة ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : إنَّ آتٍ أتاني من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، ثم أتاني في النور الثاني آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، ثم أتاني في النور الثالث آتٍ من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا المضاعفة سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، فقلت : يا رسول الله لا تبلغ أمتك هذا قال : يُكْمَلُون لَكُم من الأعراب ممَّن لا يصوم ولا يصلي )[ملاحظة : يحتاج الحديث إلى تحقيق] . فهذا وأمثاله من الأخبار الدالة على سعة رحمة الله تعالى كثيرٌ ، فهذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، وأنا أقول [ إن ] : إن الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة وإن كان أكثرهم يعرضون على النار ، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو في ساعة ، وإما في مدة حتى يطلق عليهم بعث النار ، بل أقول : إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك ، ولم تبلغهم الدعوة ، فإنهم ثلاثة أصناف : صنف لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً ، فهم معذورون ، وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم ، وهم الكفار الملحدون ، وصنف ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته ، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادعى النبوة ، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع تحدى بالنبوة كاذباً ، فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول ، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه ، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب. وأما الحديث الآخر : وهو قوله : (الناجية منها واحدة) فالرواية مختلفة فيه ، فقد روي الهالكة منها واحدة ولكن الأشهر تلك الرواية ، ومعنى الناجية هي التي لا تعرض على النار ، ولا تحتاج إلى الشفاعة ، بل الذي تتعلق به الزبانية لتجرَّه إلى النار فليس بناج على الإطلاق ، وإن انتزع بالشفاعة عن مخاليبهم ، وفي رواية كلها في الجنة ، إلا الزنادقة ، وهي فرقة ، ويمكن أن تكون الروايات كلها صحيحة ، فتكون الهالكة واحدة ، وهي التي تخلد في النار ، ويكون الهالك عبارة عمن وقع اليأس عن خلاصه ، لأن الهالك لا يرجى له بعد الهلاك خير ، وتكون الناجية واحدة ، وهي التي تدخل الجنة بغير حساب ولا شفاعة لأن ( من نوقش الحساب فقد عذب ) فليس بناجٍ إذاً ، ومن عُرِّض للشفاعة فقد عرض للمذلة فليس بناج [ أيضاً ] على الإطلاق ، وهذان طريقان وهما عبارة عن شر الخلق وخيره ، وباقي الفرق كلهم بين هاتين الدرجتين ، فمنهم من يعذب بالحساب فقط ، ومنهم من يقرب من النار ثم يصرف بالشفاعة ، ومنهم من يدخل النار ثم يخرج على قدر خطاياهم في عقائدهم وبدعتهم ، وعلى كثرة معاصيهم وقلتها ، فأما الهالكة المخلدة في النار من هذه الأمة فهي فرقة واحدة ، وهي التي كذبت وجوَّزت الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلحة. وأما من سائر الأمم : فمن كذَّبه بعدما قرع سمعه على التواتر خروجه وصفته ومعجزاته الخارقة للعادة ، كشق القمر ، وتسبيح الحصا ، ونبع الماء من بين أصابعه ، والقرآن المعجز الذي تحدَّى به أهل الفصاحة ، فعجزوا عنه ، فإذا قرع ذلك سمعه فأعرض عنه ، وتولى ، ولم ينظر فيه ، ولم يتأمل ، ولم يبادر إلى التصديق ، فهذا هو الجاحد الكاذب ، وهو الكافر ، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد الإسلام ، بل أقول : من قرع سمعه هذا ، فلا بد أن تنبعث منه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين ، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، فإن لم تنبعث فيه هذه الداعية ، فذلك لركونه إلى الدنيا ، وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين ، وذلك كفر ، وإن انبعثت الداعية ، فقصًّر عن الطلب فهو أيضاً كفر ، بل ذو الإيمان بالله واليوم الآخر من أهل كل ملة لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة ، فإن اشتغل بالنظر والطلب ولم يقصِّر فأدركه الموت قبل تمام التحقيق فهو أيضاً مغفور له ، ثم له الرحمة الواسعة ، فاستوسع رحمة الله تعالى ، ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية . واعلم أن الآخرة قريب من الدنيا : ( فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) [لقمان : 28 ] فكما أن أكثر أهل الدنيا في نعمة وسلامة أو في حالة يغبطها ، إذ لو خير بينها وبين الإماتة والإعدام مثلاً لاختارها ، وإنما المعذب الذي يتمنى الموت نادر ، فكذلك المخلدون في النار بالإضافة إلى الناجين ، والمخرجين منها في الآخرة نادر ، فإن صفة الرحمة لا تتغير باختلاف أحوالنا ، وإنما الدنيا والآخرة عبارتان عن اختلاف أحوالك ، ولولا هذا لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام معنى حيث قال : ( أوّلُ ما خطّ اللهُ في الكتاب الأوّلِ : أنا الله لا إله إلا أنا ، سبقت رحمتي غضبي ، فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فله الجنة ) . واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبق الرحمة وشمولها بأسباب ومكاشفات سوى ما سمعوه من الأخبار والآثار ، ولكن ذكر ذلك يطول ، فأبشر برحمة الله وبالنجاة المطلقة إن جمعت بين الإيمان والعمل الصالح ، وبالهلاك المطلق إن خلوت عنهما جميعاً ، وإن كنت صاحب يقين في أصل التصديق ، وصاحب خطأ في بعض التأويلات ، أو صاحب شك فيهما ، أو صاحب خلط في الأعمال ، فلا تطمع في النجاة المطلقة . واعلم أنك بين أن تعذب مدة ثم تخلى ، وبين أن يشفَعَ فيك من تيقنْتَ صدقه في جميع ما جاء به أو غيره ، فاجتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشفعاء ، فإن الأمر في ذلك خطِرٌ.

الفصل الثاني عشر في أن مآخذ التكفير من الشرع

قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع ، وأن الجاهل بالله كافر ، والعارف به مؤمن ، فيقال له : الحكم بإباحة الدم ، والخلود في النار ، حكم شرعي ، لا معنى له قبل ورود الشرع ، وإن أراد به أن المفهوم من الشارع أن الجاهل بالله هو الكافر ، فهذا لا يمكن حصره فيه ، لأن الجاهل بالرسول وبالآخرة أيضاً كافر ، ثم إن خصص ذلك الجهل بذات الله تعالى أو بجحد وجوده أو وحدانيته ولم يطَّرده في الصفات ، فربما سوعد عليه ، وإن جعل المخطئ في الصفات أيضاً جاهلاً أو كافراً لزمه تكفير من نفى صفة البقاء ، وصفة القدم ، ومن نفى الكلام وصفاً زائداً على العلم ، ومن نفى السمع والبصر زائداً على العلم ، ومن نفى جواز الرؤية ، ومن أثبت الجهة ، وأثبت إرادة حادثة [ لا ] في ذاته ولا في محل ، وتكفير المخالفين فيه . وبالجملة يلزم التكفير في كل مسألة تتعلق بصفات الله تعالى ، وذلك حكم لا مستند له ، وإن خصص ببعض الصفات دون بعض لم يجد لذلك فصلاً ومردَّاً ، ولا وجه له إلا الضبط بالتكذيب ، ليعم المكذب بالرسول وبالمعاد ، ويخرج منه المؤوّل ، ثم لا يبعد أن يقع الشك والنظر في بعض المسائل ، من جملة التأويل أو التكذيب حتى يكون التأويل بعيداً ، ويقضى فيه بالظن ، وموجب الاجتهاد ، فقد عرفت أن هذه مسألة اجتهادية.

الفصل الثالث عشر في أن من الناس من يكفِّر من يكفِّر من الناس

من قال إنما أكفّر من يكفّرني من الفرق . ومن لا يكفّرني فلا . وهذا لا مأخذ له : فإن قال قائل : علي رضي الله عنه أولى بالإمامة إذا لم يكن كفراً ، فبأن يخطئ صاحبُهُ ويَظُنَّ أن المخالف له فيه كافر ، لا يصير كافراً ، وإنما هو خطأ في مسألة شرعية ، وكذلك الحنبليّ إذا لم يكفر بإثبات الجهة ، فلم يكفر بأن يغلط ، أو يظن أن نافي الجهة مكذِّبٌ ، وليس بمتأول ، وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \” إذا قذف أحد المسلمين صاحبة بالكفر فقد باء به أحدهما \” معناه أن يكفّره مع معرفته بحاله ، فمن عرف مَنْ غيرَهُ أنه مصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يكفّره فيكون المكفِّرُ كافراً . فأما إن كفّره لظنه أنه مكذِّب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا غلَطٌ منه في حال شخص واحد إذ [ قد ] يظن به أنه كافر مكذب وليس كذلك ، وهذا لا يكون كفراً . فقد أفدناك بهذه الترديدات التنبيهَ على أعظم الفَورِ في هذه القاعدة ، وعلى القانون الذي أن يُتَّبَع فيه ، فاقنع به والسلام.

كُتب في المناهج | التعليقات على فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة – في مواجهة فكر التكفير مغلقة

حديث الشيخ (1)

هذه القصة مؤثرة جداً في النفس ومناسبة للشباب وقد أعادت الكثيرين إلى الله
داود بن سليمان العبيدي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :

كان صاحبي يسار بن صادق بن عبد ربه البغدادي ، شابًا غلبته نفسه وتمكنت منه شهوته ، فانصرف عن أمور آخرته إلى دنياه ، وعن التجارة الرابحة إلى التجارة الخاسرة ، وعن مدارج السالكين العارفين ، إلى مباذل الغافلين الخاسرين ..!!

ولم يكن من قبل هذا حاله ، وما كان أحد من أصحابه يظن أنه إلى هذا سيكون مآله ، لأنه كان قد نشأ في طاعة الله ، واشتهر بورعه وتقاه ، حتى عرف بين أقرانه بالراهب ، وسمَّاه بعضهم : (( حمامة المسجد )) هذا ما ذكره لنا الشيخ الثقة أبو العرفان ، وبالله تعالى التوفيق .

وسبحان الله ، ثم سبحان الله ، كيف تتغير النفوس من حال إلى حال ، وكيف تصاب الروح المؤمنة القوية بالهزال ؟! كنت والله أغبط هذا الفتى على ما أوتي من ورع وتقى ، وتوفيق إلى الخير وهو في ريعان الصبا .. فقد قرأ كتب الأولين ، ونال حظًا وافرًا من العلم والدين ، وتأثر بالحسن البصري ومالك وابن دينار ، وطاووس وحبيب العجمي ، رحمهم الله أجمعين .. وقرأ كتب أبي حامد الغزالي حتى قال : ليس من الأحياء من لم يقرأ الإحياء ! ولقد سمعت صاحبه أبا الحسن يقول :

– سيقوم يسار في الآخرين ، مقام عبدالرحمن القس في الأولين .! وكان كثير الصمت ، قليل الكلام ، فإذا تحدَّث ، تحدَّث همسًا أو ما يشبه الهمس ، ولكن حديثه ينفذ إلى القلب ، فيه الحلاوة والطلاوة ، بسحر السامع ويأخذ بلبه ، ويستولي عليه ، فلا يدري أهو أسير حديثه أم أسير محدثه !

وكان قد أسر بأحاديثه هذه ، جارية فارسية يقع بيتها في نهاية سوق الخبازين ، قريبًا من بيت أبي الحسن الورَّاق صاحب المصنفات المعروفة .. أسرها بأحاديثه ، وأسرته بجمالها ورقتها وعذوبة صوتها .. فأخذ يتردد عليها كثيرًا ، حتى ملأت نفسه ، وملكت قلبه ، فشغف بها ، وشغفت به ، فلم تعد تصبر على فراقه يومًا أو بعض يوم !!

ولكنه على ما ينقل الثقات ، قد أمسك بلجام نفسه ، وسيطر على دوافع شهوته ، فلم يطأ محرمًا قط .. وتحدث إلى غير واحد ، أنه كان يذهب إلى بعض مجالس الشباب الخالية ، الذين يسهرون الليل على صوت الدف والغناء وكؤوس الخمر ، ولكنه لا يشربها .

ووالله إني لفي حيرة ، كيف استطاعت هذه الجارية الفارسية أن تسحره ، وتستولي عليه ، وتسلبه عقله ولبه ؟! ولكننا لا نستطيع الآن أن نصب عليه اللوم ، ولابد من الرجوع إلى أقوال أهل الخبرة من القوم فقد كان أبو العرفان يصب اللوم الشديد على من صار بها ولهان .. وما إن ترددت الجارية على دكانه عددًا من المرات حتى نظم فيها قصيدة عنوانها (( أوقعتني في الحب )) .

فإذا كان هذا الرجل ، وهو على ما نعلم من علو القدم ، يقع في هواها ، وينظم قصيدة بمعناها ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، ونعوذ بالله من فتنة النساء .

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :

ولقد علمت بتفاصيل القصة بعد حين ، وحدثني بها من لا أتهم في عقل ولا دين ، وذكر لي كيف بدأت الحكاية ، وكيف سار صاحبنا يسار في طريق الغواية ، وسأذكرها كلها من البداية إلى النهاية ، وهي والحق يقال ، لو اطَّلع عليها البشر ، لكانت عبرة لمن اعتبر .

وسنبدأ بذكر الشيوخ الذين روينا عنهم هذه الأخبار ، وهم أصحاب الفضل في نقل كل ما جرى ودار .. فأولهم الشيخ أبو الحسن الورَّاق ، صاحب المصنفات المعروفة ، وهو أشهر من أن يشير إليه بنان ، أو يتحدث عنه لسان ، ثم الشيخ أبو العرفان بن علي ، وقد اشتهر برواية الشعر والأدب والأخبار .. وكان أطول من القصير ، بدينًا ليس بإفراط ، وكان إذا تحدّث جذب إليه آذان مستمعيه ، لما يأتي به من كل جديد وطريف . ثم الشيخ جواد بن جعفر بن حسن ، وهو أحد شيوخ الرسامين في بغداد ، وقد حدثني غير واحد ، أنه استطاع أن يرسم جانب الرصافة الممتد من المدرسة المستنصرية في انحدار النهر إلى ما شاء الله تعالى . وكانت صورة بارعة يقال إنه لم ينته من رسمها بعد .

هؤلاء هم من روينا عنهم هذه الأخبار ، وغيرهم ممن لم نثبت أسماءهم رغبة في الاختصار .. وبالله تعالى التوفيق وله وحده الفضل والمنة ، والحمد لله عدد آناء الليل وأطراف النهار .

 

 

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :

كان أبو الحسن الورَّاق شديد الإعجاب بصاحبنا يسار ، وكان يرى فيه مثال الورع والتقى ، وأنه من جملة السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله ، يوم لا ظل إلا ظله .

وعندما حدث ما حدث ، وانحدر يسار إلى ما انحدر إليه ، تأسف أبو الحسن كثيرًا ، وأخذ يضرب كفًا بكف ويقول :

– لا حول ولا قوة إلا بالله .. والله إنها لمصيبة ، والله كنت أظن أن إبليس أعجزُ من أن يصل إليه ، أو ينال منه .. ولكن هذه الجارية !!.

ولقد ذكر بعض شيوخنا حفظهم الله ، أن الجارية الفارسية كانت في غاية الحسن والجمال ، وكانت إلى ذلك تتقن عددًا من الفنون وتتكلم اللغة العربية مشوبة بلكنة أعجمية تزيد من كلامها رقة وعذوبة وتجذب إليها القلوب ، وتستهوي أصلب الرجال عودًا ..

ويقسم أبو الحسن الورَّاق ، إنه لم ير الجارية ، ولم يرفع إليها نظره ، وإن كان دارها قريبًا من داره ، وهو يقول :

– رب نظرة أورثت القلب ألف حسرة .

ويتمثل بالآية الكريمة : } قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم { .

وبداية القصة ، كما أخبرنا بها الشيخ أبو محمد المؤيد بالله … أنه كان يُعقد في بيت الجارية ، مساء الثلاثاء من كل أسبوع ، مجلس للطرب واللعب والغناء ، وكان يحضره شباب من القوم ، منهم أبو محمود حكيم بن محمود ، وحسَّان بن معيقيب ، وحبيب بن مسعود الجصاص ، وغيرهم ممن لم يتذكر أسماءهم الشيخ .. ونعوذ بالله من الخطأ والنسيان .

وقد تأخر ذات يوم عن الحضور في الوقت المعين ، سعيد بن منصور الذي يقع بيته قريبًا من سوق العطَّارين ، مقابل بيت الشيخ أبي العرفان ، بهذا أخبرنا الشيخ حفظه الله .

قال ، وعندما حضر بادره الجميع بقولهم :

– أين كنت ؟

فأجابهم وهو يتخفف من بعض ملابسه ، وعلامات التأثر بادية على وجهه :

– التقيت هذه الليلة بيسار ..

وسرت في نفوس القوم هزَّة خفية ، وساد المكان سكونٌ شامل ونظرت الجارية بعينيها اللوزيتين ، وقاربت ما بين حاجبيها ، وسألت .

– ومن يسار هذا ؟

فأجابها حبيب بن مسعود ، وكان على صلة قديمة بيسار :

– أنا أعرف القوم بحاله .

وأخذ يحدثها بكل ما يعرف عنه ، عن علمه وورعه ، وزهده وتواضعه وعن حسنه وأخلاقه وعذوبة منطقه .

وسكت قليلاً ، ثم أضاف قائلاً :

– نظرة واحدة إليه تكفي لاستيعاب كل ما كتبه الزهاد .. فما حوى الكتاب بين دفتيه ، ترينه في هذا الفتى الذي يسير على قدميه .

وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وقال :

– ذلك الرجل عرف الطريق إلى ربه ..

قال أبو العرفان : فأنصتت الجارية بكل اهتمام ، وأخذت بما سمعت ، وعزمت في قرارة نفسها على أن تحظى به ..

كانت غرفة الاستقبال مفروشة بالسجاد العبقري الموشى ، والستائر خضراء تتخللها خيوط صفراء بلون الذهب ، والقناديل الملونة تتدلى من السقف وهي تتمايل سكرى . وفي زوايا الغرفة قناديل أخرى تفوح منها رائحة المسك .

ومالت الجارية برأسها ، وسألت حبيب بن مسعود :

– هل هو متزوج ؟

واستطاع أبو محمود ، وكان حاضر النكتة ، سريع البديهة ، يتقن اللغة التركية ، وعددًا من اللغات الأعجمية ، وكان قد سافر إلى بلاد شارلمان وجرت له من الحوادث ما لا يتسع المجال لذكرها .. قال ، وكان يتحف الحاضرين بما رأى في تلك البلاد ..

استطاع أبو محمود أن يدرك ما يدور في خلد الجارية ، فقال وهو يضحك :

– لا سبيل لك إلى يسار .

فالتفتت إليه متحدِّية وقالت :

– سوف ترى ..

وسكتت قليلاً ثم أضافت :

– وإذا استطعت أن أحضره إلى هنا ؟

فنهض أبو محمود وهو يضحك ، وأخرج ألف دينار ضرب بها المنضدة وهو يقول مشجعًا :

– ما هاهنا لك إذا استطعت أن تفعلي .

فصاح حبيب بن مسعود :

– اتقوا الله ، واتركوا الرجل في عالمه .

واسترسل أبو محمود ضاحكًا وهو يقول :

– سوف يأتي إلى هنا .. سأسقيه الخمر بيدي .

ورفعت الجارية يدها ، تتحسَّس القرط اللؤلئي الذي يزين أذنها ، ثم نادت الخادم ، فأقبل ، طويلاً دون المشذب أسود ، جميل التقاطيع .. أحضر لها رقعة ، كتبت عليها شيئًا وطوتها بعناية فائقة ، ولفَّتها في منديلها المعطَّر ، ثم التفتت إلى سعيد بن منصور وقالت :

– أين نجد يسارًا في هذه الساعة ؟

فأجابها وهو يشير بيده :

– رأيته متجهًا إلى بيت القاضي بعد صلاة العشاء .

فنهض حبيب بن مسعود ، واقترب منها يريد أخذ الرقعة من يدها وهو يقول :

– لا تفعلي .. بالله عليك .

ولكنها ضحكت ودفعت يده بيدها اليسرى ، فرنت الأسورة التي تزين يدها ، ثم مالت فأسرَّت في أذن خادمها شيئًا ، ثم ناولته الرقعة ..

وقبل أن يخرج صاح حبيب بن مسعود منفعلاً ، وأخذ يردد :

– إن دون الوصول إلى اليسار سبعة أبواب عليها سبعة أقفال من حديد .

قال أبو الحسن الورَّاق : وما هي إلا ساعة ، حتى عاد عربيد بوجهٍ جامد خالٍ من التعبير . وناولها المنديل دون أن يتفوَّه بكلمة . فأخرجت الرقعة ، وألقت عليها نظرة خاطفة ، ثم قفزت بثوبها الأبيض الفضفاض ، وشعرها الأسود الطويل وهي تحمل الرقعة بيدها اليمنى وتقول :

– هذا هو القفل الأول قد انفتح .

وعلت الدهشة وجه حبيب ، ولم يصدق سعيد بن منصور أذنيه ، وبقي حسَّان بشعره المجعَّد وعينيه الخضراوين ينظر إليها دون أن ينطق ، أما أبو محمود ، فقد أخذ يصفق ويصيح :

– ألم أقل لكم .. سأسقيه الخمر بيدي ..

وانفجر حبيب بن مسعود ، وقد التهب وجهه الصغير بالغضب ، وضرب بقبضة يده على المنضدة وهوَّل يقول :

– مستحيل ..

قال أبو الحسن الورَّاق : أما الجارية ، فقد استمرت كالفراشة الجميلة تدور في المكان ، وهي تحمل الرقعة بيدها وتقول :

– هذا هو القفل الأول قد انفتح .. انظروا ..

وألقت الرقعة على المنضدة ، فتسابقت الأيدي للحصول عليها والاطِّلاع على ما فيها ..قال وهو يؤكد :

– بل هذه فرصتك .
فأصرَّت وهي تتراجع :
– أبدًا . أبدًا ..
قال وهو يخفض صوته :
– ألم تكبتي له ؟
قالت : بلى .. ولكن ..
ولمعت عيناه ، فقاطعها قائلاً :
– اسأليه الآن ..
ولم تفهم ما يريد ، فأسرعت تقول له :
– ماذا أسأله .. ما الذي تريدني أن أسأله ؟
وأشار بيده وقال :
– ألم تكتبي له ترغبين في مقابلته .. وذكرت أن لديك مشكلة ؟
قالت : بلى ..
فصعق أبو محمود وقال حاثًا :
– اعرضيها الآن .. هذا أوانها .
ولكنها أشارت بيدها جازمة :
– ولكن ليست لديَّ مشكلة .
فضرب أبو محمود على المائدة وهو يتأفف وقال :
– المهم أن تقابلينه .. قولي له ..
وسكت قليلاً ، كأنه يريد أن يتذكر شيئًا ، ولكنه عاد فقال :
– لا تتكلمي على الإطلاق .
وسألته .. وقد تقارب ما بين حاجبيها :
– لا أتكلم .. حكيم هل أنت ..
فقاطعها ..
– قابليه .. قابليه فقط .. وأنا أدبر الأمر .
ثم أشار إليها فغادرة الغرفة . وخرج أبو محمود ، ثم عاد بعد قليل وهو يقد يسارًا أمامه ، ويرحب به ترحيبًا بالغًا ، ويتعذر عن تأخره .
ودخل يسار ، بسمت مهيب وعينين صافيتين ، ولحية تطوق وجهه فتبدوا عليه المهابة والجلالة والجمال ، وجلس في صدر المكان وقال :
– حدثني قبل أسبوعين سعيد بن منصور ، فذكر لي أن لديك رسالة بخط أبي حامد الغزالي كتبها لأحد تلاميذه جوابًا عن سؤاله .
وتغابى أبو محمود ، وهو ينظر إليه لا يحير جوابًا .. فأضاف يسار قائلاً :
– لقد ذكر لي أنَّها رسالة صغيرة ورثتها عن أبيك رحمه الله .
فهز أبو محمود رأسه وقال :
– لا أظن أن لدي مثل هذه الرسالة .
وسكت قليلاً ثم أضاف :
– سأنظر في الكتب ، لعلي أجدها .
وتوارى أبو محمود قليلاً ثم عاد يحمل كتـابًا كبيرًا ضخـمًا ، فتناوله يسار وأخذ يقلب صفحاته وقال :
– هذا كتاب إحياء الدين ، بخط الناسخ عماد الدين السمرقندي ..
ثم رفع رأسه وأخذ يوضح :
– إن الذي أريده .. رسالة صغيرة قليلة الصفحات عنوانها (( أيها الولد )) كتبها الغزالي رحمه الله لأحد تلاميذه .
فتبسم أبو محمود وقال متعذرًا :
– أنت تعلم إني لا أحجب عنك شيئًا مهما كان عزيزًا ..
ثم رجع إلى الوراء وقال :
– سأعود للبحث عنها مرة أخرى ..
وقبل أن يذهب ، وقف وقال بلهجة أقرب إلى الرجاء :
– إن هنا من يرغب في مقابلتك .. إذا سمحت ؟
فتبسم يسار وقال :
– ليتفضل ..
وتوارى أبو محمود مرة أخرى ، بينما استمر يسار يقلب صفحات الكتاب الكبير ، ويقرأ بعض التعليقات والحواشي التي دوَّنها بعض النساخ عليه .
ودخلت سرشير .. تمشي على أطراف أصابعها ، بثوب طويل أبيض رفراف ، وشعر أسود طويل مجدول ، وعينين كحيلتين ، ووجه كالورد ، دخلت وهي في حالة رغيبة رهيبة ، وخطوات مقبلة مدبرة ، ونظرة شهية حيية ..
دخلت سرشير .. حتى إذا توسَّطت الغرفة رفعت صوتها بالسلام .
ولم يكن يسار قد شعر بها وهي تدخل ، ولكنه عندما سمع صوتها رفع رأسه عن الكتاب ..
والتقت العينان .. عيناه المغسولتان بماء الوضوء ، بعينيها النجلاوين الكحيلين ، فغضَّ بصره وعاد ينظر في الكتاب المفتوح بين يديه وقال :
– ما الذي جاء بك ؟
فجلست مطرقة كأنها بين يدي مؤدب ، وقد تدلَّت الضفائر السوداء على صدرها ، وعقد اللؤلؤ احتضن جيدها ، والتفت الأسورة الذهبية بشوق حول معصميها.. وغطى الثوب الأبيض قدميها.
ثم رفعت رأسها ، تمنَّت لو نظر إليها ، لو عاد ينظر إليها مرة أخرى .. فقد رأت في صفاء عينيه ونظراته ، وفي وجهه الذي تزينه اللحية ، نورًا أخَّاذًا لم ترم مثله في وجوه الرجال الذين تعرفهم .
ودون أن يرفع رأسه عن الكتاب ، قال مرة أخرى :
– ما الذي جاء بك ؟
ولكنها لم تجب ، وبقيت تنظر إليه بخشوع .. كلا .. ما هذا بشرًا .. آه لو كان جميع الرجال مثل يسار ..
ونسيت المهمة التي جاءت من أجلها ، كانت تريد أن تأسره فإذا بها أسيرة بين يديه .. أسيرة دون أن يدري آسرها بها !!
وانتظر يسار أن تجيب ، وأراد أن ينهي المقابلة بأسرع وقت فقال :
– لقد ذكرت في رقعتك بأن لديك مشكلة ..
وبدت حزينة أسيفة ، كأنها ندمت على ما أقدمت ..
ورفع رأسه يريد حثها على الكلام فقال :
– ألا تريدين أن تتكلمي ؟
والتقت العينان مرة أخرى.. نظرة بريئة متسائلة، ونظرة حزينة لوجه فتاة كأنه وجه طفلة جميلة.
واستحثَّها يسار :
– تكلَّمي ..
ولكنها انفجرت بالبكاء ، واحتضنت وجهها بكفَّيها ، ثم أسرعت تغادر الغرفة .
ما الذي أبكى الجارية ؟ ما هي المشكلة التي تعاني منها والتي لم تستطع البوح بها ؟ ولماذا تريد أن تعرضها عليه دون غيره ، وهو لم يعرفها ، ولا سمع بها من قبل ؟!!
وانتظر أبو محمود ساعة ، ثم دخل وهو يحمل بيده الرسالة التي سأل عنها يسار ، وقال وهو يناوله إيَّاها :
– أهذه التي أردت ؟
وتناولها شاكرًا ، وأخذ يقلب صفحاتها ، وينظر فيها ثم رفع رأسه ينظر إليه بامتنان زائد وقال :
– إنها هي .. لا أدري كيف أشكرك .
وتبسَّم أبو محمود وهو يتصنع الخجل وقال :
– بل أنا الذي أشكرك .. لأنك تكرمت علينا بهذه الزيارة .
ونهض يسار وهو يشد على يد أبي محمود وقال :
– سأعيدها لك بعد يومين .
قال أبو محمود ، وهو يحتفل به ويوصله إلى الباب :
– أرجو أن تقبلها هدية ..
ثم أضاف :
– ليتك تزورنا كل يوم .
قال أبو الحسن الورَّاق : ومضى يسار إلى بيته ، وفي الطريق أخذ يفكر في أمر الجارية ، ماذا تكون هذه المشكلة التي أحزنتها وآلمتها وجعلتها لا تستطيع الكلام بها .. واستحضر صورتها الجميلة وهي تدخل ، وصورتها وهي تنظر إليه حزينة أسيفة ، وصورتها وهي تبكي .. إنه لم ير في حياته فتاة في مثل جمالها ، بروعتها ، بفتنتها .. لقد وقفت على دكان أبي على الأصفهاني ، وكلمته بالفارسية ، يا لعذوبة صوتها وروعة نغمتها ..
وقبل أن يصل إلى البيت ، تذكر حديث الشيخ ، ويوسف الصديق ، وخيَّل إليه كأنه يسمع الشيخ يحذره ، فأسرع الخطو .. وطرق باب بيته ، وفتحته أخته الصغيرة سناء .. ونظرت إليه بعينيها الصافيتين ، وجهها البدري ، وابتسامتها اللطيفة الهادئة .. وسألته ؟
– أين كنت إلى هذه الساعة ؟
فاحتضن وجهها الصغير بيديه ، ثم ربت على شعرها الكستنائي وقال :
– هل صليت العشاء ؟
ونفرت من تحت يده ، كما ينفر الطائر ، وقالت :
– نعم .
وشعر يسار لأول مرة ، أن قلبه قد تكدَّر قليلاً ، فأسرع يتوضأ .. ثم وقف يصلي .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (1) مغلقة

حديث الشيخ (2)

في الطريق

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
قال أبو الحسن الورَّاق : لقد صدق حبيب بن مسعود حين قال :
إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد ، ولكن هل تستطيع هذه الأبواب أن تثبت أمام الطَرْق الكثير ؟ والمحاولات المتواصلة في التغلب عليها ؟
كان من عادة يسار عندما يعود إلى البيت بعد صلاة الفجر والاستماع إلى حديث الشيخ ، أن يقضي فترة مـن الوقـت في قراءة جـزء كامـل من القرآن الكريم ، ثم عددٍ من الأدعية المأثورة عن النبي – e – وبعدها يأخذ قسطًا من الراحة بانتظار طعام الفطور ، حتى إذا حان موعده ، تناول فطوره مع أمه ، التي تبدو موفورة النشاط ، ضاحكة متفائلة ، لا تكل عن الحركة .. وأخته الصغيرة سناء ، التي يحاكي وجهها استدارة البدر ، ببشرة بيضاء نقية ، وعينين بلون البن وصفاء السماء . ولم تكن قِطَّتها الكبيرة ذات الشعر الطويل تفارقها ساعة من الزمان ، فهي تتبعها كظلها أينما ذهبت ، ولا تفارقها إلا ساعة النوم .
أما أبوه فكان يخرج من البيت قبل أن يعود يسار من المسجد ثم يتبعه يسار بعد تناول الفطور ، فيساعده في عقد الصفقات ومراجعة الحسابات ومتابعة الديون .
وعندما ارتفعت الشمس في ذلك الصباح الدافئ ، خرج يسار في طريقه إلى السوق ، ولمَّا سار في بعض الطرق ، وقعت علينه عليها .. التقى بها وجهًا لوجه ..
كانت تسير إلى جانب خادمها مريد ، وكانت تبدو عليها الحشمة والوقار ، فلم تلتفت يمينًا أو شمالاً ، ولكنها عندما رأته ألقت عليه نظرة غريبة ، لم يستطع يسار تفسيرها ، فيها الجرأة والحزن والحياء ، وما لم يعرفه من معان أخر .
وأبعدها عن خاطره ، وخاصة عندما احتواه السوق ، وانشغل مع أبيه في أمور التجارة .
ودهش عندما صادفها في اليوم الثاني أيضًا .. كان يتحدث إلى أبي الفداء الماوردي ، وقد سأله عن سبب انقطاعه عن المسجد في صلاة الصبح فأجاب هذا ، وقد ناء بحمل حاجات كثيرة ، وأخذ يتحدث عن بيته وزوجه وطفله المريض وكم مرة في الشهر يأخذه إلى الطبيب .. دهش يسار عندما سمع صوتًا كتغريد البلابل .
فالتفت ..
فإذا .. هي ..
هي .. الجارية .. بكل ما فيها من فتنة وجاذبية وسحر أخَّاذ .. وذهبت بعد أن مسَّت قلبه بكسرة من عينها اليسرى .. فغضَّ بصره في الحال ، وراح يستغفر الله في سرِّه ..
ثم مضى في طريقه .
وأخذ في اليوم الثالث يستعجل أمه في إعداد الفطور ، وفي كل مرة يخرج إلى ساحة الدار ينظر إلى الشمس .. أين وصلت ! وانتبه إلى صوت أخته الصغيرة التي كانت تركض وراء قطتها التي يشبه لون شعرها لون الحناء ، سألته وهي تركض دون أن تنتظر الجواب :
– هل لديك موعد مع أحد ؟
وشعر كأن الصغيرة أيقظته ، فأخذ يلوم نفسه ، ويستغفر الله في سره ، ويحاول أن ينفض ما علق بقلبه من البكر من غبار ..
فكثيرًا ما يعنى المرء بغسل ثوبه وملابسه ، ولكنه يهمل غسل قلبه !
هكذا قال الشيخ .. عندما كان يتحدث بهدوء وتؤدة ، فيجذب إليه القلوب والآذان .. ولكن القلب لا يغسل بالماء والصابون ، إن له غسلاً آخر .. ليس من مادة هذه الأرض .. بالتوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنب .
وتعمَّد يسار أن يتأخر أكثر من أي يوم .. ولاحظت أمه أنه بينما كان يحثها على إعداد الفطور بسرعة ، إذا به يسكت فيتركها تعده على مهل .
كانت البيوت تقف على جانبي الطريق متصلة ببعضها ، إلا فتحات قليلة تؤدي إلى النهر ، وتطل الأصص بالأزهار الملونة من الشرفات ، وتبدو الستائر ذات الألوان الزاهية عندما تفتح البيوت التي تواجه النهر نوافذها تستقبل الشمس .
ومضى يسار في الطريق ، وكان مرتاح القلب مسرورًا ؛ لأنه انتبه إلى نفسه ، فعالجها وغسل قلبه من صورة الجارية وصوتها و.. وكان معظم المارة يسلِّمون عليه ، ويسلِّم عليهم ، والتقى في طريقه بالعم عثمان .. وكان هذا شيخًا تجاوز المائة من العمر ، أبيض شعر الرأس واللحية ، أحمر الوجه ، احتفظ باعتدال قامته وشيئًا من نشاطه ، وكان يستند بيده اليمنى على عصا غليظة ، وكان قد قضى ما يزيد على الثمانين من عمره يعمل في البحر .. تاجرًا وبحارًا وربانًا .. حتى لقب بحق ، بأبي البحر .
وقف العم عثمان يسأل يسارًا عن حاله وعن والده ووالدته وعن أخته الصغيرة .. ثم مضى يحدثه دون مقدمات عن إحدى رحلاته إلى بلاد الصين ، عندما غرقت السفينة وقذفه الموج إلى الشاطئ . ثم لجأ إلى قرية ، لما علم أهلها أنه مسلم وأنه من بلاد العرب ، وأنه رأى مكة والمدينة وأدى فريضة الحج ..
هنا أخذ العم عثمان يسعل بشدة ، حتى تحول لون وجهه إلى مثل لون الدم .. فلما هدأ ضرب الأرض بعصاه وقال :
– أتدري ماذا فعلوا ؟ لقد هجموا علي ومزقوا ملابسي ووزعوها على أهل القرية قطعة قطعة يتبركون بها .. ثم طلبوا إليَّ الإقامة عندهم ، فلما أخبرتهم بأني أريد العودة إلى أهلي وبلادي ، جاءوا بجميع فتيات القرية ، وعرضوا عليَّ اختيار من أريد لكي أتزوجها وأقيم عندهم ..
لكني رفضت ، وأخبرتهم بأني متزوج ولي أولاد ..
وسكت العم عثمان ليسترد أنفاسه ، ثم ليخرج من خزانة عمره الطويل ما حوت من أخبار .. ثم قرب رأسه وهو ينحني وقال :
– أتدري ماذا كان قرارهم ؟ أرادوا قتلي ..
وهتف يسار :
– أرادوا قتلك ؟ لماذا ؟ هل أسأت إليهم ؟
فهزَّ العم عثمان رأسه وقال :
– كلا .. لقد أرادوا تكريمي على ما يزعمون .. فعندما رأوا إصراري على عدم البقاء عندهم ، تشاوروا فيما بينهم . وقالوا إن هذا الرجل مبارك ، وذهابه يعد خسارة لنا ، وأنه من الأفضل قتله وإقامة بناء يليق بمكانته على قبره ، فيكون بركة لنا وللقرية على ممر الزمان ..
قال العم عثمان وهو في حالة الانفعال الشديد :
– لم أمكنهم من نفسي .. هربت .. هربت في نفس الليلة التي علمت أنهم سيقتلوني فيها ..
وبينما كان يسار في انسجام تام مع العم عثمان ، وهو يستمع إلى قصته العجيبة ، التي لولا العم عثمان ومكانته لما صدقها .. بينما هو في هذه الحالة من الانسجام إذ سمع صوتًا كاللحن الشارد يقول :
– إنه لا يريدنا ..
والتفت بحركة لا إرادية سريعة .. ورآها ، في ابتسامة مليحة ووجه متورِّد وعينين فيهما الكثير من العتاب .. ثم حوَّلت نظرها إلى الخادم بعد أن ألقت بشواظها على قلب الفتى ( العذراء ) .. قلب يسار ..
ما الذي جاء بها في هذه الساعة ؟ ألم يتأخر في الخروج من البيت حتى ارتفعت الشمس .. هل تأخرت هي أيضًا .. كيف حدث هذا ؟
ومضى ذلك اليوم ، وعندما عاد يسار في المساء ، وبلغ المكان الذي كان يتحدث به مع العم عثمان ، تذكر تلك القصة ، وتذكر الجارية .. فخفق قلبه ..
وتلفت حوله ..
وشعر كأنه يسمع صوتها العذب يردد بدلال وإغراء :
– إنه لا يريدنا ..
وتطلع إلى النهر الذي خيَّم عليه الظلام ، وكانت الريح ساكنة ، والنهر ساكتًا ، وليس هناك من يضرب بمجدافه ويغني .. وبقي واقفًا لحظات تهجم عليه خواطر شتى ..
كيف هجمت هذه الفتاة على قلبه ؟!
كيف تسلَّلت إليه ؟
لقد أصاب قلبه ما كدَّر صفاءه ، لقد تلوث قلبه ، إنه لا يحق له أن يذهب بعد اليوم إلى المسجد ، أو يجلس بين يدي الشيخ .
إنه لم يعد ذلك الفتى الطاهر النقي الثوب ..
إن قلب العابد الموصول بالله يجب أن يخلو من الصور .. لا يدع فيه مكانًا لمثل هذه الجارية ..
كيف سمح لها أن تلوث بساط قلبه بأقدامها ؟!
كيف سمح لها .. إنه لولاه لما طمعت فيه ..
ولكن لا ..
سيذهب غدًا ..
وسيحدث الشيخ بكل ما حدث ، فعنده الدواء ..
ولم لا يحدثه ؟
إنه لا يفضي لأبيه .. ولا لأي إنسان قريب بما يفضي به للشيخ ، إنه يشعر بأن الشيخ منه بمنزلة الأب والأخ الكبير والصديق .. بل أكثر من ذلك كله .. إنه المربي ..
ووقف في غرفته المطلة على النهر ، وأخذ يتطلع من النافذة كان الجو باردًا ولكن ليس شديد البرودة ، وعلى الجهة الثانية من النهر يبدو بصيص بعض الفوانيس .. وأرسل طرفه إلى السماء .. إلى الكون الكبير الساجد .. في ذلك الليل البهيم ، ونظر إلى النجوم التي تطرز ثوب السماء .. وأخذ يردد مع نفسه :
– سبحان الله .. سبحان الله ..
ثم أخذ يرددها بهمس ، وأحس بلذتها وعذوبتها ، فرفع بها صوته وشعر كأنها أخذت تكبر وتكبر حتى عاد الكون كله يستجيب لهتافه .. سبحان الله .. سبحان الله ..
ولم يدر كم بقي واقفًا ، مستغرقًا ، محلقًا بروحه ، منصتًا إلى هتاف الكون ، الذي هو صدى هتافه النابع من أعماق قلبه .
ثم أغلق النافذة وسوى الستائر ، وألقى بنفسه على الفراش وراح يردد مع نفسه أدعية النوم ، ويفكر في معانيها الكثيرة المتجددة .. ثم لفه النوم الهادئ بين أحضانه ..

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (2) مغلقة

حديث الشيخ (3)

منازل السائرين

 

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
مع الخيط الأول من الفجر ، استيقظ يسار على صوت المؤذن ، وكان صوته نديًا ، رقيقًا ، فيه الهدوء والسكينة والجلال .. وظل يستمع إليه بكل حواسه ، دون أن يغادر فراشه ، وشعر لكلمات الأذان بمعان جديدة قوية مؤثرة .. فالصلاة دائمًا مقرونة بالفلاح .. فكيف يفلح من لا يصلي ؟!
وترك هذه المعاني تتسرب مع الصوت الهادئ الذي ترفرف به أجنحة الملائكة ، إلى أعماق قلبه ، وتسري مع دمه إلى منافذ جسمه فيشعر بدبيب حياة جديدة ، تصاحب حياة اليوم الجديد ، والفجر الجديد .. ويردد باستغراق إيماني عجيب ، الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ..
حتى إذا انتهى الأذان ، انتفض قائمًا ، وأسرع فتوضأ ، ثم ارتدى ملابسه وغادر البيت ..
وبعد صلاة الفجر ، تحلَّق المصلون حول الشيخ يستمعون إلى حديثه .
وتحدث الشيخ عن منازل السائرين ..
كان يستعين في تجسيم المعنى وتوضيحه وتقريبه إلى أذهان مريديه ، بالأمثلة الواضحة اللامعة ، كما يستعين الملاَّح بالنجم الثاقب في الليلة الظلماء .
كانت كلمات الشيخ تسطع في النفس كما تسطع النجوم في السماء ، وتتصل بالروح تمد لها بسبب إلى التقوى ، وهي بعد ذلك أشبه بالماء الزلال عصرته العيون ، فخرج خالصًا سائغًا شرابه ، يرف بندى الحياة ..
وضرب مثلاً للسائرين إلى الله ، كجماعة أرادوا الصعود إلى جبل ، فمنهم من تخلَّف من أول الطريق ، وقد هاله ارتفاع الجبل ، فانهارت عزيمته . ومنهم من أدركه التعب وهو لم يبلغ ربع المسافة . ومنهم من وصل إلى نصفه ، لكنه عثر فتدحرج .. فقد يقوم هذا المتدحرج ليعاود تسلق الجبل .. وقد تقعد به الهمة فيبقى في مكانه الذي انتهى إليه .
والسعيد السعيد من استطاع أن يبلغ القمة .
كان الشيخ يتحدث والجماعة المحيطة به تصغي إليه إصغاء تامًا وقد أخذ بعضهم يكتب على لوح أحضره معه ، حديث الشيخ لكي لا ينساه .. وكان بعضهم يتنهد بحرارة وهو يقارن حاله بما يسمع .
وكان مما يزيد من تأثير حديث الشيخ ، أنه لسان حاله .. وحاله ظاهر في لسانه . وكان عفيفًا عابدًا ناسكًا ، صوامًا قوامًا ، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال ، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال ، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره . لا تكاد نفسه الكبيرة تشبع من العلم ولا تروي من المطالعة ولا تمل من الانشغال ، مع تصوُّن تام ، وتعبد واقتصاد في المأكل والملبس .
وتنهد يسار وهو يتصور حاله .. إنه لا يدري أي مسافة قطع فاعترضته هذه الجارية .. وسدت عليه الطريق ، فهو يعمل جاهدًا على تنحيتها عن طريقه ، والسير إلى الأمام ..
ونظر إلى الشيخ كالمستغيث ، وأراد أن يتكلم ..
ما ضر لو سمعه الحاضرون ..
ولكن لا ..
إنه لا ينجو من تعليقات أبي أنس ، الفتى الذي يحب الدعابة ، ويتقصدها أحيانًا ..
هل يستطيع الشيخ أن يقرأ ما فيه نفسه ؟
لقد قال له مرة وهو يربت على كتفه :
– اتق الله يا يسار ..
وكان في ذلك اليوم قد استرق النظر إلى فتاة من بنات الجيران ..
تلك كانت نظرة واحدة ..
واحدة فقط ..
فكيف وهو اليوم صريع غانية لعوب .. ليست ..
وعض على شفته عندما وصل إلى هذه النقطة .
آه لو كانت نقية الثوب .. لما ترددت لحظة عن خطبتها .. ولكن .
ولم يشعر إلا والجماعة ينهضون ، ويد أبي أنس فاضل بن أنس يضرب على كتفه الأيمن وهو يقول :
– اصح يا شيخ ..
لقد انتهى الشيخ من حديثه اليوم ، فأين كان سارحًا وشدَّ الشيخ على يد يسار .. وغض هذا بصره تحاميًا لعيني الشيخ .. وخشي أن يقرأ الشيخ ما فيه نفسه ..
ولم يحدث الشيخ يما يريد .
لماذا لم يحدثه ؟
أيخشى أن يسمعه أحد ؟!
وعاد إلى البيت وهو ينقل الخطو بتثاقل ، وكان الجو باردًا والرياح بدأت تشتد ، وبرزت طلائع سحب في السماء ، وقد تكشَّفت الدنيا ، وزال الظلام .. وأخذت الريح تضرب بعض أوراق الأشجار اليابسة المتساقطة على الأرض فتسوقها أمامها ..
ولم يلتفت إلى النهر الهائج ، ولا إلى صف البيوت على الجانبين ، ولا إلى الذين يغادرون بيوتهم طلبًا للرزق ..
لم يلتفت إلى هذا كله ..
لقد كان يلوم نفسه ..
يؤنبها ..
كيف سمح لنفسه أن تسير مع هؤلاء الفتية الذين اجتمعوا على طاعة الله وافترقوا عليه .
أيخدعهم ؟!
إنه لا يريد أن يخدع أحدًا ..
إذا خفي على هؤلاء أمره ، فهل يخفى على الله ؟
الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ..
قال أبو الحسن الورَّاق : وشعر يسار بالدموع تنزل على خديه .. ألا يستطيع أن يقف في وجه الفتاة ؟
فتاة ..
وتلفظ الكلمة باستهانة واحتقار ..
وعندما وصل إلى البيت .. هرع يستنجد بالقرآن ، وجلس يقرأ بصوتٍ كسير وجيع .. وكان يعمر على آيات العذاب فيرددها ويبكي .. ولمَّا انتهى من قراءته ، أقبلت أمه تقول :
ما هذه القراءة يا يسار ؟
ورفع إليها نظرة ، تجول فيها دمعة أخيرة متخلفة ..
وأضافت أمه تقول :
– لقد كنت تبكي ..
وسكتت قليلاً عندما رأته يخفض رأسه .. ثم قالت :
– ما هكذا تكون قراءة الخاشعين يا بني .
قال أبو الحسن الورَّاق : من أين لهذه الأم المسكينة أن تدري ما في قلب يسار .. وليتها درت ..
فهل تستطيع أن تعاونه ؟
إنه لا يخشى على شيء خشيته على قلبه الذي أمضى في مداراته عددًا من السنين حتى رقَّ ولان وأقبل على الله بكل حب وشوق ورغبة بما أعدَّ الله للمؤمنين الصادقين الصالحين ..
فما الذي قذف في طريقه بهذه الجارية ؟!
كيف دخلت في حياته ..
من أي باب تسللت إلى قلبه ؟
ولم ينتبه يسار عندما كان جالسًا على مائدة الفطور ، لم ينتبه إلى أخته سناء التي كانت تنظر إليه كعصفورة وجلة .. إلى شروده وسهومه .. لم ينتبه إليها وهي تقول :
– هل أنت مريض ؟
ولمَّا لم يجبها ، مدت يدها الصغيرة ، ووضعت كفها على ظاهر يده تتحسس حرارة جسده .. فالتفت إليها وقال :
– ما لك يا سناء ؟
فعادت تسأله دون أن ترفع يدها :
– هل أنت مريض ؟
فحوَّل وجهه وهو يغالب ابتسامة حزينة وقال :
– لا ..
ولمَّا ألحت عليه .. قال وقد ضاق بإلحاحها :
– ألا تريدين أن تسكتي ؟
فضربت بملعقتها على الصحن ، فرن رنينًا دافئًا امتزج بأنغام ضحكاتها المتقطعة ، وبرزت كحبات اللؤلؤ المرصوف وقالت :
– لا أسكت .
ونظر إليها بعتاب ، وكأنه ضبطها متلبسة بمخالفة ، وقال :
– لماذا ؟
فاسترسلت بضحكاتها وأسلوبها الطفولي وقالت :
– هل أنت مريض ؟
قال :
– نعم ..
قالت :
– ما الذي يوجعك ؟
وربت على شعرها الكستنائي وقال :
– قلبي ..
فنهضت وهي تنفر برأسها الصغير ، فتقفز ظفيرتها من على صدرها إلى ظهرها .. وقالت :
– سآتيك بالدواء الذي تستعمله أمي ..
وأمسكها من يدها وهو يقول :
– إنه لا يؤلمني بالمعنى الذي تفهمينه ..
وبعينين فيهما آيات البراءة والوداعة والصفاء ، نظرت إليه وقالت بحنان :
– كيف ؟
قال ، وهو يحاول أن يوضح لها ما يريد ؟
– إنه فقط .. فقط .. أصابه بعض الغبار .
وضحكت ضحكت بديعة وهي ترتد برأسها إلى الوراء ، وقالت ، وهي تحاول أن تخلص يدها من يده :
– بالله عليك خبرني .. كيف يستطيع الغبار أن يصل إلى القلب ؟
وترك يدها وهو يشاركها الضحك .. والقطة الكبيرة تدور في المكان وتموء .. وأمه .. بنشاطها المعتاد .. تروح وتجيء تضع صحون الطعام .. فلما تم إعداد المائدة ، أشار إلى سناء .. ومد يده وهو يقول : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار ، بسم الله .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (3) مغلقة

حديث الشيخ (4)

في بيت الجارية

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
لم يكن أما يسار إلا أن يغير طريق ذهابه إلى محل أبيه ، لكي يتجنب رؤية الجارية ، سيسلك الطريق المعاكس ، وإن كان طويلاً ، ولم يتعود على سلوكه من قبل .
ولكن .. ما العمل ..
ومضى في الطريق المعاكس ، فرأى كثيرًا من الأشخاص الذين يعرفهم ، ومر بأبي الفداء ، حاملاً طفله فداء الدين وقفًا أمام بيته . وكان طفله قد تماثل للشفاء ، فأخذ يبتسم للمارة وهو يحرك يده ويتلفت برأسه الصغير ووجهه المتورد المتفتح كزهرة القداح .. وكانت بعض الأشجار قد خلعت أرديتها وأخذت تتهيأ لاستقبال الربيع .
ومضى يسار ، وحمد الله على السلامة ، فد مر اليوم الأول والثاني والثالث دون أن يراها . ولكن صورتها لم تغادر خياله .. وصوتها يهمس في أذنه ، ونظرتها .. وفي كل يوم يزداد شوقًا وتلهفًا .. والمكان الذي احتلته في قلبه بدأ يتسع . ولكنه كان يقاوم ويحاول أن يأسو جراح قلبه .
قال أبو الحسن الورَّاق : في مساء اليوم الرابع ، ذهب يسار بعد صلاة العشاء ، إلى بيت القاضي الشيخ محمد صالح ، وكان مجلس الشيخ عامرًا بالمسائل الفقهية الجلية ، والحكم الثاقبة ، والنوادر اللطيفة ، وأقباس من جنائن الحديث والتاريخ والأدب . وكان الشيخ المفوه ، يدير الحديث ويأتي بكل طريف وحديث .
وقد تأخر ذلك المساء في بيت القاضي ، فلما خرج ، كانت السماء قد ادلهمت بالغيوم ، وأخذت ترسل رذاذًا ، فأسرع يسار إلى منزله ، خشية أن يدركه المطر . وقبل أن يصل إلى البيت بخطوات ، برز من زاوية مظلمة ، رجل متوسط القامة ، أسود ، وقال بصوت هادئ :
– هل تسمح يا سيدي ؟
ونظر إليه يسار ، وتين ملامحه ، إنه خادم الجارية .. مريد .. وعاد هذا يقول مرة أخرى :
– إن سيدتي مريضة .. وهي تود أن تراك .
لقد ظن أنه تخلص منها نهائيًا ، وظن أنها لن تعترض طريقه . ولكن هاهو خادمها العربيد يأتي ليذكِّره بها ، ليجذبه إليها .
قال يسار وقد تملكه الغضب :
– اغرب عن وجهي .
ولكن الخادم بقي في مكانه وقال بصوت خفيض :
– إنها مريضة يا سيدي ..
وهتف يسار قائلاً :
– ويحك يا رجل . وما شأني بمرضها ؟
وسكت قليلاً ثم أضاف :
– ادع لها طبيبًا .
فأجاب الخادم بلهجة صادقة :
– لم أجد الطبيب في بيته يا سيدي . فأرسلتني أدعوك .
ولما نظر إليه يسار متعجبًا ومستغربًا ، أضاف الخادم يقول :
– ربما تريد أن تسرُّك بأمر يا سيدي .
قال يسار وقد رفع يده يهم بطرق الباب :
– لتسر واحدًا من معارفها .
وتأخر الخادم خطوة وقال :
ولكنها لا تثق إلا بك .
وهتف يسار وهو يريد أن يتخلص :
– من أين تعرفني يا رجل ؟
فأجاب الخادم بكل جدية :
– من من الناس من لا يعرفك يا سيدي .. من من الناس في بغداد من لا يعرف يسارًا ..
ولما رآه ساكتًا مضى في كلامه :
– إنها يا سيدي في حالة يرثى لها .. إنك لو رأيتها يا سيدي ، لرق لها قلبك ..
من يدري .. ربما لا تعيش إلى الغد .!
ولم برق في السماء ، ومسَّت قلبه العبارة الأخيرة ، فهتف مأخوذًا :
– لا تعيش إلى الغد ؟
وهزَّ الخادم رأسه وهو يؤكد :
– الأعمار بيد الله يا سيدي .
استوضح قائلاً :
– وماذا تظنها تريد ؟
فطأطأ رأسه ، وقال بصوت يَنُمُّ عن التأثر والحزن العميق :
– ربما تريد أن تتوب .
وغمَغم يسار ، وكأنه لا يصدق ما يسمع :
– وما الذي يمنعها من التوبة ؟
الله يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن كثير .
قال وهو يرفع رأسه الذي تساقط عليه الرذاذ ، وقال :
– ربما تريد أن تبوح لك بسر ..
ودق قلب يسار وهو يحرك شفتيه :
– سر ؟
ولم يشعر يسار إلا كما يشعر السابح الذي ألقي في اليم ، فنال منه الجهد والتعب ، وأخذت الأمواج تتقاذفه إلى حيث تشتهي ولا يشتهي ..!!
قال أبو العرفان : وفي الطريق سأله الخادم قائلاً :
– لقد قلت لي مرة .. اتق الله واجتنب المعاصي .
والتفت يسار ، ليرى مدى الصدق في سؤاله ، فلم يستطع أن يتبين من معالم وجهه . ولكن نبرات صوته أوحت بأكثر مما يستطيع وجهه الملفوف بالظلام أن يوحي . وكان الرذاذ الخفيف اللطيف ينزل متمهلاً وكأن السماء تداعب به وجه الأرض .
وأجاب يسار بعد أن سار خطوات وقال :
– اترك ما أنت فيه ..
وقبل أن يسأله الخادم ، وقف وأضاف :
– إن أرض الله واسعة .
كانت الفوانيس تبدو باسمة مستسلمة مسرورة بما ترسل السماء من رذاذ ، وكان بعضها يبدو خائفًا وجلاً قد انخنس نوره مترقبًا لما قد تأتي به بعد ذلك ، ولاسيما في هذا الموسم من آخر الشتاء .
ولما اقتربا من بيت الجارية ، قال يسار :
– لا تتركني وحدي ..
ولم يفهم الخادم ما يريد .. فأضاف موضحًا :
– لا يجوز لرجل أن يختلي بامرأة غريبة عنه .
عندما فتح الخادم باب الغرفة التي ترقد فيها الفتاة ، طارت إلى أنف يسار رائحة مسك فتيق ، وبدت الغرفة في تأثيث فاخر ، وفي صدرها سرير قرطبي ، يتدلى فوقه سراجان يقال أن حكيم بن محمود قد أتى بهما من بلاد الفرنك ، في آخر سفرة له إلى تلك البقاع . وقد تمددت الجارية على ذلك السرير القرطبي بعد أن وصل الغطاء الأبيض الموشى بخيط الموصلين إلى صدرها .. وارتاح شعرها الأسود الطويل على ترائبها .
كانت الجارية تئن وتتأوه ، وتتلوى من الألم . ولم يصدق يسار أول الأمر ، وقد تسمرت قدماه في أول الغرفة ، وظن أنه قد خدع ! ولكن تردده لم يطل .. فقد التفتت إليه بعينيها المتضرعتين ، فخفق فؤاده وانجذب إليها كالمسحور ، حتى إذا صار قريبًا منها قال بصوت اجتهد أن يكون خافتًا كأنه من دنيا الأحلام :
– سرشير ..
وأجابته بعينيها ، وهي تصغي إليه ، تستمع لألحان صوته العذب ، وصدرها الذي يغطي بعضه شعرها الطويل الأسود اللامع ، يعلو ويهبط .. وراح يسار يردد كالنائم :
– كيف حالك يا سرشير ؟
وتبسمت وهي تغالب دمعة متألمة ، وقالت بصوت يشبه الأنين :
– لقد خشيت أن أموت ولا أسمع اسمي يتردد على لسانك ..
فهتف كالمأخوذ :
– سرشير ..
وأجابته وقد نسيت أنها مريضة :
– يسار ..
قال :
– أنت ملء القلب يا سرشير .
وتحرجت الدمعة على خدها طربًا ، وقالت والابتسامة تشرق على وجهها :
– يسار .. أنا ..
وهتف مرة أخرى :
– أنت يا سرشير .. أنت ملء القلب .
وانتقلت على أنغام صوته ، إلى عالم مملوء بالرياحين ، فتحركت في مكانها وأرادت أن تجلس ، ولكن الألم عاودها .. فتأوَّهت ، وتلوت في فراشها وأخذت تئن أنينًا يشبه النحيب . وكان ينظر إليها ، ويحس بقلبه الغض يتلوى معها ، ويئن ، ويتمنى لو زال عنها الألم .
كانت جدران الغرفة مصبوغة باللون الوردي الفاتح والسراجان المتدليان فوق السرير يضيفان على الغرفة بهاءً ورونقًا ، والموقد الصيني في جانب الغرفة يشيع الدفء .
وعندما خفَّت عنها وطأة الألم ، نظرت إليه بعينين تنطق بالندم وقالت :
– إنني ..
وتطلَّع إليها ، إلى شفتيها القرمزيتين ، إلى حبات العرق التي تصببت على جبينها نتيجة الحمى ، يريد أن يسمع ما تقول ..
ولكن الدموع غلبتها ..
لقد أرادت أن تخبره بكل شيء ، بكل ما جرى ، أرادت أن تعتذر .. أن تقول له إنها لم تكن تدري أنها ستواجه فتى من نور ينهزم أمامه الظلام ، لو أراد أن يسلك فجًا لسلك الشيطان فجًا غيره ..
لقد تساقط حولها كثيرون ..
انهالوا على أقدامها ..
تمنى الواحد منهم لو يحظى منها بنظرة ، بابتسامة ، بكلمة ..
أية كلمة تنطق بها ..
أمَّا هو ..
هذا الفتى الراهب ..
وعادت تنظر إلى وجهه الجميل الذي تحتضنه بكل حنان لحية دافئة تزيده جاذبية وجمالاً .. وأخذت تشتار لذيذ الشهد من عينيه التي تومض ببريقٍ يخطف القلوب ..
وكان لا يزال يتطلع إلى شفتيها القرمزيتين يريد أن يسمع ما تقول ..
عندما قال لها بصوته المتألم :
– أنتِ تبكين يا سرشير .
قالت وهي تنظر إليه متشبثة :
– إنني أخشى أن أموت .
وهتف دون وعي :
– عافاك الله يا سرشير .
ثم أضاف يطمئنها :
– إن صحتك جيدة .
قالت ، وقد سرها أن تنظر إلى عينيه اللتين روَّعهما كلامها :
– هل تريدني أن أعيش ؟
قال :
– إنها إرادة الله ..
وبقلب ينبض بالإيمان والتقوى أضاف :
– والحياة ليست بأيدينا .. إنه مالكنا .
قالت وهي تتألم :
– ولكني مثقلة بالذنوب .
فهتف من صميم قلبه الموجع :
– توبي إلى الله .. اسأليه أن يغفر لك .
ونظرت إليه بضراعة ، وقالت :
– لماذا لا تدعو لي يا يسار ..
وقبل أن يحرك شفتيه قالت :
– أنت مستجاب الدعاء ..
وهزَّ رأسه وهو يجب ، بأسلوب العارف :
– إن الله يجيب المضطر إذا دعاه .
وأدارت رأسها إلى الناحية الأخرى ، وهي تبكي بصمت فلما رأى الدموع تنساب على خدِّها ، تحطمت جميع الأقفال التي أقامها على قلبه ، وفتحت الأبواب كلها دفعة واحدة .. وهتف كالمجنون :
– سرشير ..
وأضاف متضرعًا :
– كفكفي دموعك يا عزيزتي .. ارحمي قلبي .
والتفتت إليه وقالت :
– أنت تحبني .. أليس كذلك ؟
وتولَّت العيون الجواب ، وسكتت لغة الكلام ، من أين للألسن أن تفهم لغة العيون ؟!
وأرادت مرة أخرى أن تبوح له بما في نفسها ، أن تخبره بكل ما جرى .. ولكن في اللحظة التي فتحت فيها فمها لتتكلم ، دخل الخادم يحمل الدواء في قدح .
– هذا الدواء يفيد يا سيدتي ..
وكانت لا تزال تنظر إلى يسار .. فأسرع يتناول الدواء من الخادم ، واعتدلت في الفراش ، وتمنت لو يسقيها الدواء بيده ..
وقرب يده بالقدح ، وانتظر أن تمد يدها لتأخذه وقال :
– خذي .. بسم الله المشافي ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم .
– وتناولت القدح ، وشربته على دفعات .. ثم بقيت لحظات رافعة رأسها ، تنظر إلى سطر منقوش على حائط الغرفة لم تتبين معالم كلماته ، ثم عادت فتمددت ، وسحبت الغطاء ، وأخذ صدرها يعلو ويهبط ، وسمعها تئن أنينًا خافتًا وتتوجع ..
ثم هدأ صدرها ، واستسلمت للنوم ..
وبقي يسار ينظر إليها وكأنه في حلم .. ثم التفت إلى الخادم ، وسأله بصوت خافت :
– منذ متى وهي على هذه الحال ؟
فأجاب الخادم ، وكان يبدو على ضوء القناديل الخافتة فاحم السواد :
– منذ يومين يا سيدي .
قال يسار :
– وهل تناولت دواء خلال اليومين ؟
فهز رأسه قائلاً :
– هذه أول مرة تتناول فيها الدواء .. من يدك .
وسكت مريد قليلاً ثم أضاف :
– لقد كانت تلح علي أن أدعوك .. منذ اليوم الأول لمرضها ، كانت تقول : لابد أن يعلم .. أريد أن أحدثه بكل شيء .
ونهض يسار ، وهو يلقي عليها نظرة عطف وحنان ، وقال :
– سأعودها غدًا .. إن شاء الله .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (4) مغلقة

(تربية الإبداع)

مقدمة : لايزال ينقصنا الكثير في فهم آليات العمل والدراسات المعمقة وقد تكرم أحد الإخوة الأفاضل (الدكتور حازم أبوسعد ) بتلخيص كتاب عن الإبداع وتربيته ونظراً لأهميته فإننا نضع الملخص بين أيدي الإخوة والأخوات الأفاضل لافتين النظر إلى أن العديد من الأمور تحتاج إلى ربطها بواقع كل بيئة على حدة.

الإبْداعُ و تربيتُه

الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس في جامعة دمشق- عميد كلية التربية – سابقاً

دار العلم للملايين الطبعة الثانية آذار (مارس) 1979

الفصل الأول الإبداع: ماهيته و عوامله

أولاً: الإبداع أمس و اليوم و غداً:

• 1950: يعتبر نقطة تحول في دراسة الإبداع بسبب الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، فطالبت الأمم مربيها و مدارسها بتهيئة أكبر عدد ممكن من المبدعين و المخترعين.

• 1952: البحوث البدئية ذات طبيعة تلمسية لا تستند إلى فرضيات إختبارية، رأت أن: – المبدعون يميلون إلى الإهتمام الشديد بالأمور الجمالية والنظرية. – معظمهم شديدو الذكاء. – يمكن أن يكونوا حدسيين وانطوائيين. – لا يوجد ترابط بين حاصل الذكاء ومستوى الإنجاز الإبداعي.

• غيلفورد درس الإبداع بطريقة التحليل العامليFactor Analysis ووضع مشروع بحث القدراتThe Aptitude Research Project : – رفض النظريةالقائلة أن الذكاء قابلية واحدة موحدة. – هناك عدة قابليات ممكنة التميز يشتمل عليها الإبداع. – المواهب الإبداعية ربما كانت موزعة على جميع الناس ولكن بدرجات متفاوتة.

• توصل غليفورد ومعاونوه إلى نظرية في الذكاء سموها بناء العقل Structure of Intellect هذه النظرية أشارت إلى وجود قدرات قابلة التمييز وأخرى لم تحددها بعد، وبعض هذه القدرات أساسية في الإنجاز المبدع.

• غليفورد: القدرات الأكثر أهمية في التفكير المبدع تقع في زمرتين:

1. القدرات ذات النتاج المفرق Divergent Production Abilities: وهي قدرات تعمل على توليد الأفكار كما هو الحال عند حل مشكلة ما. و قد وصفت بعض هذه القدرات بأنها أنواع من الطلاقة و بعضها وصف بأنه أنواع من المرونة و بعضها وصف بأنه أنواع من القدرات التوسعية.

2. زمرة القدرات التحويلية Transformation Abilities: إعادة النظر فيما يعرفه الفرد و إنتاج صيغ وأنماط جديدة. إن تنوع القدرات بنوعيها السابقين يتوقف على نوع المعلومات أو الوسطاء الذين يتعامل المبدع معهم.

• تورانس: النمو لا يحدث بنسبة موحدة وأول التغيرات يحدث في الصف الرابع الإبتدائي.

• هناك إختبارات أظهرت مزيد من النمو حتى عمر الثلاثين.

• بعض العلماء أشاروا إلى أنه يمكن تحسين القدرات من خلال تحسين المحيط.

• ثبت للعلماء أن الصلة بين القدرات الإبداعية الكامنة و الإنتاج الإبداعي من جهة و حاصل الذكاء من جهة أخرى قريبة من الصفر، و ذلك حين يكون الأمر مختصاً بفرق من الأناس الذي يكون حاصل ذكائهم مرتفعاً. أما في النسب المتدنية من حاصل الذكاء فهناك علاقة واضحة بين حاصل الذكاء و القدرات الإبداعية. أي أن الذكاء شرط لازم للإبداع ولكنه غير كافي.

• الحياة معناها مصادفة المشكلات، و حل المشكلات معناه النمو العقلي و قد آن للتربية أن تتبنى حل المشكلات طريقة لتنمية العقل و تصعيد الإبداع. ثانياً، ثالثاً: ماهية الإبداع، و العوامل التي تعين عليه أو تعيقه:

• الإبدع بمعناه الضيق يشير إلى القدرات المميزة للأشخاص المبدعين (غليفورد).

• يتجلى الإبداع من خلال السلوك الإبدعي فيشمل الإختراع والتصميم والتأليف والتخطيط.

• هناك قناعة بأن جميع الأفراد يملكون كل القدرات بغض النظر عن الحالات المرضية، و بقطع النظر عن مقدارها و مقدار قوتها و تكرارها. يتوقع العلماء الإبداع من الأذكياء أكثر من الناس العاديين.

• التربية و الحياة المدرسية تقتل الموهبة الإبداعية.

• يرى غليفورد أن القدرات الأولية التي تساهم في الجهود الإبداعية للعلماء و التكنولوجيين هي عوامل المحاكمة Reasoning factors و نخص بالذكر:

1. الإحساس بالمشكلات: شعور العالم بوجود مشكلة غير مفسرة يدفعه للبحث.

2. عامل الطلاقة: و هي على ثلاثة أنواع: طلاقة فكرية، طلاقة ترابطية و طلاقة تعبيرية. و لا يعني هذا أن المبدعين يجب أن يعملوا تحت ضغط الوقت و لكن الشخص القادر على إنتاج عدد كبير من الأفكار في وحدة زمنية ما يكون صاحب حظ أكبر في الإبداع. 3. تملك قدرة التجديد.

4. درجة المرونة: الذي يقف عند فكرة أو طريقة و يتصلب أقل قدرة على الإبداع. و هناك نوعان من المرونة: • مرونة عفوية: عدد المرات التي تتغير فيها زمرة الاستعمالات. • مرونة تكيفية: يقوم بتغيير في السير و الاستراتيجية و المقاربة.

5. وجود قدرة تركيبية و قدرة تحليلية.

6. أهمية وجود عامل إعادة التنظيم أو إعادة التعريف (علم النفس الشكلي).

7. وجود قدرة لها علاقة بدرجة التعقيد للبناء المفهومي الذي يستطيعه الفرد.

8. العمل الإبداعي الواقعي يكون تحت درجة من الضبط و التقويم. يمكن أن نضيف الجو الجماعي (أو الفردي عند البعض) كعامل يعين على الإبداع:

9. التفكير الجماعي و التفكير الفردي: • العصف الذهني: الواحد يستثير الآخرين (غليفورد). • تورانس: المبدع يميل للعمل و التفكير لوحده، و الصحيح أن لا الطريقة الفردية و لا الطريقة الجماعية صالحة لكل الظروف. سياق الإبداع: نادراً ما يكون الشخص مبدع و بدرجة متساوية في كل الميادين و لكن ذلك ممكن الحدوث. في ميدان القدرات ذات النتاج المفرق وحده نجد أن الأفراد قد يكونون غير متكافئين في معالجة المواد اللفظية و المواد الحسية و المواد الرمزية. غليفورد افترض أن المبدع لديه قدرة أكبر على الإحساس بالمشكلات فيلاحظ على أن هناك شيئاً خاطئاً بينما الآخرون لا يشعرون بذلك. ملاحظة النقص تدفع للسير نحو الإبداع لكن غير المبدع يتوقف في منتصف الطريق.

الزمر الرئيسة للعوامل: 1. القدرات ذات النتاج المفرق. 2. القدرات ذات النتاج المجمع. 3. التقويم و الإحساس بالمشكلة. 4. القدرات التمييزية (الاكتشاف و إدراك المعلومات بصيغ مختلفة). 5. قدرات الذاكرة: الذاكرة الجيدة تساهم في التفكير الجيد. و الحق أن الذاكرة الطيبة تساهم في التفكير الجيد مساهمة كبرى. الصفات و الفروق غير الاستعدادية (المكتسبة): من الصعب جداً تحديد الصفات المشتركة بين الزمر المختلفة:

• طلاب الآداب و الفنون الأكثر إبداعاً أكثر ملاحظةً لما يجري و لكنهم أقل مشاركة، بينما طلاب العلوم الأكثر إبداعاً أكثر مشاركةً في الأمور.

• الثقة بالنفس -لعل ذلك بسبب الأصالة-، فتدفع صاحبها إلى حل مشكلات قد يحجم عنها آخرون، و في بعض الأحيان تسبب غرور و عجب.

• الشخص المبدع يتمتع بقدر من الاكتفاء الذاتي و يعتقد أن الأفكار أهم من الأشخاص.

• هناك دراسات دلت على أن الأشخاص الذين يسجلون معدلات عالية في الطلاقة يكونون مندفعين، مرحين و مسترخين. و الأشخاص ذوو المعدلات العالية في الأصالة تكون لهم إهتمامات جمالية و ينغمسون في التفكير المغرق.

• غتزلس و جاكسون: ذوو العلامات العالية في التفكير المفرق هم أصحاب روح مرح قوية.

• ما من صفة من الصفات السابقة تعتبر دلالة قاطعة على الإبداع. و إذا وجدت بمجموعها فذلك ليس دليل على الإبداع.

رابعاً: دراسة ماكينكون للإبداع:

كانت طريقة ماكينكون و معاونوه هي طريقة تقدير الشخصية Personality Assessment ، و هي في الواقع ليست طريقة واحدة و إنما هي مجموعة طرائق و تطبيقات و عمليات صممت و اختيرت بشكل يسمح بإعطاء أشمل الصور عن الأشخاص الذين اختيروا للدراسة. فافترض وجود أنواع مختلفة من الإبداع : إبداع فني، إبداع علمي، و إبداع فني و علمي معاً. وضع ماكينكون و معاونوه تعريفاً للشخص المبدع في كل مجال. فتعريف الإبداع المعماري مثلاً: (هو الأصالة في التفكير و الجدة في مقاربة المشكلات الهندسية، و الخلق البناء و القدرة على تمييز الأمور الصالحة و قابلية إقتراح الأمور التنفيذية الأصيلة أللازمة في الهندسة المعمارية مثل التكنولوجيا و الصور البصرية و التخطيط و الانتباه إلى الغرض الاجتماعي). استخلص غف و معاونوه ثمانية نماذج من الباحثين العلميين و وصفها كما يلي:

• النموذج الأول: المتحمس: باحث مندفع لا يتعب.

• النموذج الثاني: المستهل: يستجيب مباشرة ويبدأ حالاً بتوليد الأفكار.

• النموذج الثالث: المشخص: يحسن التقويم قادر على تشخيص النقاط القوية والضعيفة.

• النموذج الرابع: الباحث: يتمتع بقدرة على تمييز التفاصيل.

• النموذج الخامس: الصناع.

• النموذج السادس: الجمالي: يفضل الفكر التحليلي.

• النموذج السابع: النظامي.

• النموذج الثامن: المستقل. المبدع: إنسان يحقق نفسه ولا يحرص على ما يريده الناس، حسن الرأي في نفسه ولا يهتم برأيهم فيه وانطباعهم عنه. و من أهم صفات الشخص المبدع الشجاعة الأدبية (المعنوية). المبدعون أظهروا درجات أعلى من غير المبدعين تدل على التعبير عن الإنفتاح على المشاعر والإنفعالات الخاصة وأنه ذو عقل حساس وفهم واعي وإحساس ذاتي وإهتمام واسع ( صفات تعتبر خاصة بالنساء في المجتمع الأمريكي). كما شدد ماكينكون على أن الشخص المبدع مدرك و مفتوح النفس و مستعد لتقبل الخبرات الجديدة. إن صفات الشخص المبدع التي ذكرناها من قبل تدل على أن مثل هذا الشخص في ضبطه لاندفاعاته و صوره و أفكاره يتجنب الآليات الدفاعية الشخصية للكبت و الكظم. و هو بذلك يكون عرضة للقلق أكثر من غيره. كما وجد ماكينكون و زملاؤه أن 90% أو أكثر من الفرق المبدعة التي درسوها أظهرت تفضيلاُ للإدراك الحسي. أما من حيث القيم فقد تبين لماكينكون أن جميع المبدعين الذين درسهم يجعلون من القيمتين النظرية و الجمالية أعلى القيم.

خامساً: دراسة تورانس للإبداع: الإبداع:

هو عملية التحسس للمشكلات والنقائص والثغرات في المعرفة وعدم التناسق ثم تحديد الصعوبة وتبين هويتها ثم البحث عن الحلول و إجراء التخمينات أو صياغة الفرضيات عن النقائص والعيوب ثم اختبار هذه الفرضيات وإعادة إختبارها. و لو تفحص الإنسان بدقة البحوث الخاصة بالعلاقات المتبادلة بين أنواع القدرات و طرائق التعليم لظهرت له صورة معجبة. ذلك بأنه حين يحصل الإنسان على معلوماته بطريقة التسلط فإن مقياس العمر العقلي أو الذكاء يكون دليلاً أهم على الإنجاز من مقاييس الأصالة و الطلاقة و ما شابهها. أما حين يتم الحصول على المعرفة بطريقة إبداعية (بطريقة الاكتشاف أو التجريب) فإن مقاييس الأصالة و الطلاقة و ما شابهها تكون دلائل أحسن من اختبارات الذكاء. يزعم تورانس أنه هو جماعته قد تجاوزوا مقولات التربية التقدمية التي يلخصها فيما يلي:

1. يجب الاعتراف بالفروق الفردية بين الأطفال.

2. إن تعلمنا يتحسن بالعمل و بالإهتمام الحيوي بما نعمل.

3. التربية هي إعادة بناء مستمرة للخبرة الحياتية التي تتجاوز جدران الصف.

4. غرفة الصف يجب أن تكون مختبراً للديمقراطية.

5. لا تقل الأهداف الاجتماعية أهميةً عن الأهداف العقلية.

6. يجب أن يُعلّم الطفل كيف يفكر بصورة نقادة بدلاً من أن يتقبل الأفكار بصورة عمياء. طرائق التعليم المبدع ليست الطرائق الوحيدة و بالنسبة لكل الأطفال أو بالنسبة للطفل الواحد حتى و لو كان هذا الطفل يفضل التعلم بالطرق الإبداعية. لايكفي أن يكون الإنسان قادراً على نقد أفكار الآخرين بل من الضروري أن يستطيع الطلاب إنتاج أفكار خاصة بهم وأن ينقدوها وأن يستعملوا مقاييس واختبارات تمنعهم من غش أنفسهم.

سادساً: العملية الإبداعية في رأي ليتون:

يرى ليتون أن خير تعريف لطبيعة العمل الإبداعي هو تعريف برونر 1962Bruner الذي يصفه بأنه الدهشة الفعالة فيقول: (المعجب في الدهشة الفعالة هو أنها لا تحتاج لأن تكون نادرة أو قليلة الحدوث أو غريبة، فهي في معظم الأحيان ليست كذالك. هي تبدو متمتعة بصفة الوضوح وهي تسبب صدمة التمييز التي لا يتلوها أي انبهار فيما بعد.) هذا التحديد للفعل المبدع ينجم عنه أمران: 1. أن الصفة الإبداعية يمكن أن تضفى على أي نوع من الفاعلية البشرية. 2. أن العباقرة ليسوا وحدهم في القيام بالأعمال المبدعة، بل إن هذه الصفة يمكن أن تتوفر في أعمال أقل أهمية و في مستويات مختلفة من مستويات الكفاية أو الذكاء. يجب أن تتوفر في نتاج الإبداع الموضوعي شروط معينة:

• المناسبة: أي يجب أن يكون مناسباً لمتطلبات الوضع والشروط المحيطة.

• الجدة : قدرة النتاج المبدع على تحويل القيود التقليدية إلى منظار جديد تماماً. أما الإبداع الشخصي فبحكم عليه بمعايير مختلفة: فهو يمكن أن يحدث حين يمزج شخص بين أشياء بطرائق فردية خاصة به و حين لا يكتفي بمجرد التقليد بل يعيد تصنيف المؤثرات المعينة و تجميع المعلومات بواسطة أفكاره و أفعاله الخاصة به و بقطع النظر عن تأثير إبداعه على الآخرين. التخيل تصور أمور غير موجودة أمام العين مما حدث في الماضي أو سوف يحدث في المستقبل. الصور المتخيلة متصلة بالواقع بأجزاء من عالمنا الواقعي. و قد نعني بكلمة التخيل أن الأمور جرت بشيئ من الاختراع فنقول أن خيال فلان قد جمح به، كما أننا نصف الإبداع الفني بالتخيل و نعني بذلك الابتكار و الخلق. يمكن للوهلة الأولى القول بالتضاد بين التفكير المنطقي المنتظم و بين التفكير الخيالي. في التفكير النظامي (التفكير ضمن دوائر مغلقة) يكون الهدف و المشكلة و الطريقة معروفة بوضوح كما تكون العملية مدروسة و منهجية و تكون المشكلة مما يمكن للمفكر أن يفكر فيه (مثل وضع الخطط)، أما التفكير المغامر (التبصر) فيحدث في حل المشكلات المحيرة و يكون مصحوباً ببزوغٍ غير متوقع و ذلك في البداية بشعورٍ بالاحباط ثم محاولة التوحيد و مشاعر الاندهاش و أخيراً الإكتشاف و الإنجاز. هتشنسون و بارتلت يرون هذين النموذجين هما نهايتا مقياس التفكير. قد يغري الانسان أن يوحد بينهما و لكن هذا التوحيد غير مضبوط. يمكن أن نسمي النمط الثاني من التفكير هو التفكير المبدع حيث يقول بارتلت: (المفكر في النظام المغلق يكون في وضعٍ يتأمل فيه البناء منتهياً، و في كثيرٍ من الأحيان يكون البناء معقداً إلى حدٍ بعيدٍ و مدروس و تكون قواعد بنائه صعبة التقدير. و مع ذلك فإن المفكر يكون في وضع المشاهد يبحث عن شيئٍ يعتبره دائماً موجوداً، أما المفكر التجريبي فهو في وضع شخصٍ يجب عليه أن يستعمل كل ما يقع تحت يده من أدوات ليكمل بناء لم يكتمل بعد و لن يستطيع هو نفسه أن يكمله). اللحظات المبدعة في قلب العملية الإبداعية نفسها نوجد اللحظة المبدعة و الإلحاح الإبداعي، و هما الخبرتان الشخصيتان الأكثر عمقاً اللتان يستشعرهما الفرد. و هنا تختبر الأنا أعمق اختباراتها و ذلك على اعتبار أن الإبداع يعني الإدراك و العمل.

يقترح والاس تقسيم العملية الإبداعية إلى أربع مراحل:

1. التهيؤ: هي المرحلة التي تُبحث خلالها المشكلة من جميع جوانبها.

2. التفريخ: هي المرحلة التي لا يشعر الفرد خلالها بالانشغال بصورة شعورية، و تكون الفكرة في أثنائها آخذة بالتخمر في نفس الفرد.

3. الإلهام: تشمل هذه المرحلة الحوادث النفسية التي تسبق ظهور التبصر أو تصاحبه.

4. التحقيق: هي المرحلة التي يتم أثنائها التحقق من صحة الفكرة التي تعطي صيغة دقيقة و مقبولة في النهاية. يقول كوستلر 1959: إن عملية انتزاع شيئ أو مفهوم من سياقه العادي و النظر إليه في سياق جديد هي جزء أساسي من العملية الإبداعية. فهو تخريب و خلق في آنٍ واحد لأنه يتطلب كسر عادة عقلية و صهر عناصرها من أجل تركيبٍ جديد، أي أنه عملية تراجع من أجل قفزةٍ أحسن. إلهام الشاعر يوجد شحنة عاطفية و هوى وهوس في لحظة الإبداع. ثمة شروط ثانوية يمكن أن تكون ضرورية للإبداع. (هدوء الريف و عزلته، رائحة التفاح، القهوة، المناشف الرطبة، الشاي). تبصر العالم إن العملية الإبداعية في الفنون عملية طويلة و شاقة، أما في العلوم فإن ما يتلو عملية التبصر يبدو عملية تافهة. إنها مسألة تحقيق الفكرة و صياغتها و قد يكون هذا العمل طويلاً و مملاً و لكنه قد يكون سريعاً و روتينياً. سابعاً: كيف يكون المبدعون: إن المكتشف يدرك أنماطاً من العلاقات الوظيفية المتماثلة حيث لا يدرك ذلك أحداً سواه، حتى أن الشاعر يرى صورة جمل في سحابة راكضة. (كوستلر 1959).

الإستقلالية: كان المبدعون في المدرسة يفضلون المعلم الذي يتركهم أحراراً لأنفسهم في موقفهم من الدين و في علاقاتهم الشخصية و في سرورهم بمهنة يتركون فيها لاتجاهاتهم و تقديراتهم الخاصة. المهندس المعماري المبدع يجمع بين الحساسية الجمالية و الكفاية التقنية المعرفية. الكتاب و المهندسون المعماريون منتجون و قادرون على عمل أشياء و لهم قدر كبير من الاهتمامات. قوة الأنا: الفرقاء الثلاثة فوق المتوسط بكثير و يفوقون زملائهم الأقل إبداعاً في قدرتهم على الانجازمن خلال الاستقلالية بدلاً من الالتزام. كما يفوقونهم في الصفات التي تقود إلى التميز الإجتماعي والانفتاح على مشاعر الآخرين ولهم حساسيات وصفات منسوبة إلى النساء. هم جميعاً يسجلون حد أدنى من الإنطباق الإجتماعى (الإجتماعية) ومن ضبط النفس في القيم المتصلة بالإجتماعية التقليدية. أو هم متحررون من الكبت والمنع ويظهرون نزعتهم هذه من خلال عدم رغبتهم أن يتركوا انطباعاً حسناً عند الآخرين وباستعدادهم لتحدي الأمور الشائعة والمقبولة. المرونة: لقد اقتُرح أن المرونة الخلاقة هي التمكن من النكوص من العمليات الثانوية السوية إلى العمليات البدائية ثم العودة إلى العمليات التفكيرية الثانوية مرة أخرى. و بذلك تتمازج الصيغتان من التفكير. المبدعون الأحداث حين نتكلم عن المبدعين الصغار إنما نتكلم عن شخصيات المفرقين بوصفها مضادة لشخصيات المجمعين. لقد وجد عتزلس و جاكسون أن مفرقيهم كانوا ضد القيم السائدة في حضارتهم، مظهرين بذلك عدم الالتزام و حرية الفكر. فهم لم يكونوا معنيين بالصفات التي تسبب النجاح بين الناس و التي يقدرها معلموهم تقديراً كبيراً. إنهم على العكس عنوا بالصفات التي اعتبروها ذات قيمة لهم كأشخاص مع أنهم كانوا يعلمون أن هذه الصفات قد لا تسبب لهم إحترام العالم من حولهم. و من هنا فالمبدعين حقاً من الأطفال كانوا أقل شعبية عند المعلمين من غيرهم من الأطفال ذوي حاصل الذكاء العالي. المجمّعون كان والدوهم مهنيين و جامعيين، في حين أن المفرقين جاءوا من بيوت أصحابها رجال أعمال. لقد وجد هدسون أن المجمعين يظهرون احتراماً للسلطة و مستعدون لقبول رأي الخبراء و أنهم على استعداد لإظهار الطاعة أكثر من المفرقين. الجنون و العبقرية هناك بعض الدراسات الي أظهرت ميلاً لدى المبدعين للإصابة بأمراض مثل الهمود و الوساوس و الهستيريا و البارانويا و النحرافات النفسية و الذهانات إلخ…. يزيد قليلاً على الميل لدى الناس العاديّون. نقول هذا بالرغم من أن هؤلاء المبدعين لم يكونوا نزلاء في مستشفيات الأمراض العقلية بل على العكس كانوا مشاهير في مهنهم و كانت لهم إنجازات رائعة. إنهم قلبوا ضعفهم إلى قوة و منبع إنتاج. لقد ظهر أنهم يتمتعون بقوة للأناEgo Strength باهرة، و أنهم مزجوا بين الضغط النفسي و الكفاية الشخصية حتى لكأن الأول كان مصدر الثانية. ثامناً: التفكير المفرق و التفكير المجمع: الذكاء و الإبداع لقد افترض أن فوق مستوى معين للذكاء (و لنقل مثلاً حاصل ذكاء قدره 120) لا تعود الكفايات المبدعة متوقفة على أي زيادة في حاصل الذكا.ء و أن التفكير المفرق و التفكير المجمع فوق هذا المستوى يكونان منفصلين أحدهما عن الآخر. بيد أنه في غياب مقدار معين من الذكاء العام لا يمكن حدوث الإبداع. يقترح هدسون 1968 أن الترابط الضعيف بين الاختبارات المفرقة يمكن تفسيره بميل المفرقين إلى أن يكونوا أكثر إرادة و حساسيةً و تذبذباً في جهدهم الذي يبذلونه في المهام المفرقة. و الفروق بين المفرقين و المجمعين في المسائل التي لا تتصل بالاختبارات مثل الشخصية أو الخلفية البيتية تميل إلى توكيد حقيقة التمييز بينهما.

الفصل الثاني تربية الإبداع

1.آ- تربية الإبداع: غليفورد 1958 وجه سؤال للذين يتمتعون بمسؤلية تعليم الفنون: 1. هل يمكن تنمية عادات الإبداع من خلال دروس الفن؟ 2. هل من الممكن جعل هذه العادات قابلة للانتقال بحيث تصبح مؤثرة في الميادين الأخرى؟ من طرق تنمية الابداع التي اتبعت طريقة إمطار الدماغ (ألكس أوزبورن). طريقة حفظ الكتاب عند الطلاب تتيح جمع المعلومات مع عدم القدرة على معالجة المشكلات الجديدة. الحصول على المعلومات غير مضر بعملية الابداع على اعتبار أن الإختراع يتوقف على المعلومات السابقة، ولكن الموقف المتخذ هو الذي يعيق التفكير المبدع. و مثل هذا يمكن أن يقال عن الطرائق، فقد يكون لدى الطالب مبالغة قي احترام قداسة الطرائق. بل من واجب المعلم أن يشجع الأصالة عند طلابه و أن لا يقسرهم على طرائق الكتاب. هناك حقيقة علمية ترى أن الأشخاص المبدعين المتميزين يملكون بدرجة عالية نفس القدرات التي نملكها جميعاً إلى حدٍ ما. كجواب للسؤال الثاني يرى غليفورد وجود دلائل على أن التعلم قابل للتعميم أكثر مما حسب بعض العلماء. و الحق أن الفن يجب أن ينظر إليه على أنه وجه من وجوه الحياة، و في هذا تحفيز للمعلم و المربي للوصل بين الفن و العلم و بين الفن و الحياة.

1.ب- المشكلات الأساسية في التعليم من أجل الإبداع: وضع غليفورد بعض المبادئ الموجهة لتنمية الإبداع:

1. تقرير ما يجب تعلمه: وضع الأولويات و البحث عن الوسائل التعليمية الضرورية للتعلم.

2. تحديد ما يجب من أجل الإبداع: يجب فهم طبيعة الظاهرة العقلية التي نتعامل معها و أنواع الصفات التي تميز المبدعين (الاستراتيجية الفكرية، الاهتمامات و المواقف، الطبع و المزاج).

3. تقرير الصفات التي تستجيب أكثر من سواها للتدريب: هناك حاجة ملحة لاختيار ما نصب فيه جهودنا الأولى. أمثلة:

• الصفات الطبيعية أكثر ثباتاً و بالتالي فهي أقل تقبلاً للتدريب. • الصفات الإثارية أكثر تقبلاً للتغيير. • التغيير في القدرات (بما في ذلك المهارات العقلية) ممكن من خلال أنواع الخبرة المناسبة.

4. معظم التدريب يجب أن يكون عاماً لا خاصاً: إن المعلومات و الخبرات تُستدعى و تستعمل في أماكن و ميادين جديدة و بذلك تختلف عما كانت كانت قد استعملت فيه في السابق و بذلك تكون جديدة. معنى ذلك أنه من الممكن الإفادة من المعلومات و تطبيقها في مواضع جديدة عند تعلم استراتيجيات عامة. أي يجب التشديد على الوجوه العامة للمعلومات في عملية التعليم و يجب تعلم استراتيجيات عامة تمكن من الإفادة من المعلومات و تطبيقها في مواضع جديدة.

5. يجب الاهتمام بالوجوه العقلية الأوسع: الذكاء شرط لازم للإبداع غير كافي، روائز الذكاء التقليدية تشير إلى المعلومات التي يملكها الفرد، أي أن المبدع لا بد أن يملك القدر الكافي من المعلومات في ذاكرته. المشكلة بالتعريف: وضع عقلي إدراكي لا يملك الإنسان استراتيجية واضحة لمواجهته، فالحل يكون بوضع استراتيجية جديدة أو استراتيجية معروفة لم يستعملها بالطريقة نفسها فيكون قد أظهر نوعاً من السلوك الجديد أو نوع من الإبداع. بعض العمليات الحاسمة: الدور الأساسي للإبداع هو عملية توليد الأفكار كماً و كيفاً. كمية إنتاج الأفكار على صلة بعوامل الطلاقة في حين أن كيفيته على صلة بعوامل المرونة. أما من حيث المعلومات فإن إنتاج الأفكار يكون استرجاعاً للمعلوملت من مخزن الذكريات.

1. أسترجاع المعلومات :Recall أهم نوع هو الاسترجاع الإنتقالي.

2. بعض الشروط التقليدية للاسترجاع: • كمال الإشارة: له علاقة مباشرة بالإسترجاع الإنتقالي، نستطيع الإفادة منه إذا استبدلت الإشارات بأنموذج البحث. • المبالغة في التعلم: تعمق التمييز و التفريق وبهذا يتحسن ترميز المعلومات و نقلل من إمكانية تشوش المعلومات و حدوث الانتقال السلبي. • حداثة التدريب: تكون أقوى من اللازم حين لا نريد استرجاع تلك المعلومات، و قد تكون عائقاً في سبيل استرجاع معلوماتٍ نريدها. • الإسترخاء: الإرسال في طلب المعلومات ثم الإسترخاء في انتظار و رودها. 3. بعض الشروط الجديدة التي تحتاج لإعمال نظر: • نموذج البحث قائم على نموذجه لبناء العقل و هو مكون من خمس عمليات: التقويم و النتاج المفرق و الإنتاج المجمع و الذاكرة و التمييز. و من ستة نتاجات: الوحدات و الصنوف و العلاقات و المنظومات و التحولات و التضمينات، و من أربعة محتويات: الصوري و الرمزي و السلوكي و الدلالي (الزمر الأساسية الأربع للمعلومات). • لكي نستطيع الوصول بسهولة إلى المعلومة عن طريق نموذج البحث المحدد لا بد للمعلومة المختزنة من أن تكون مرمزة و مصنفة بطريقة متماثلة، فالكثير يتوقف على طريقة تخزين المعلومة ثم طريقة التعليم. و يرى غليفورد أن على المتعلم أن يأخذ المبادرة في تبين الأمور و اكتشافها بنفسه ما أمكن. و يجب عدم عزل المعلومات بل ربطها بالمعلومات الأخرى بواسطة التضمينات و العلاقات و التصنيف و التنظيم.

4. الحدس: القدرة على استرجاع المعلومات بشكل منظم حتى و لو كان هناك انتقال هو أمر آخر غير استرجاعها وفق نموذج بحث. و في بعض الأحيان تكون المعلومة الناتجة مختلفة عما كانت قبلاً لدرجة لا بد من تسمية العملية بالحدس.

5. التوسيع: هي الخطوة النهائية في الإنتاج الإبداعي، و تعني إيجاد التفصيلات للنتاج الكلي. فهو اقتراح زيادات و تكميلات قد تقود إلى أخرى.

6. التحويل: هو التغيير في المعلومات. وهو إعادة تعريف أو مراجعة أو إعادة صياغة.

7. بناء منظومة: هي العمود الفقري في الإبداع. قد تأخذ شكل قطعة موسيقية أو قصيدة او معادلة.

2.التربية للإبداع: خلاصة: المبدعون هم أناس استقلاليون، غير اتفاقيين، مسيطرون منفتحون للخبرة، مرنون، مندفعون في أعمالهم، يؤثرون الإدراك المنظم، لهم أهتمامات أنثوية و يتمتعون بروح النكتة. أبرز الملاحظات على أسر المبدعين: • كون والدي الأطفال يظهرون احتراماً لهؤلاء الأطفال كأفراد و يثقون بهم ثقة مطلقة و يعطونهم حرية و استقلالاً في اكتشاف العالم من حولهم فهم يميلون إلى القليل من الضبط و المراقبة. • والدو الأطفال الذين يتمتعون بتفكيرٍ مفرقٍ عالٍ أظهروا انفتاحاً في الصلات الإنسانية بالإضافة لعدم التحكم في أطفالهم. و كان هؤلاء الوالدون يتسامحون مع النزعات النكوصية. • الترابط بين الآباء و التفكير المفرق ترابط عالٍ جداً. • بيوت المفرقين كانت أقل تديناً. • الحرية و لاستقلال كانت لا تعني التسامح المطلق و انعدام الإنضباط. • لوحظ أن جميع أسر المفرّقين تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو المتوسطة العليا (أي غياب الصعوبات المالية عن البيت). إستقلال الأب مهنياً مرتبط إرتباطاً عالياً بالقابليات المفرّقة. بصورة عامة المجمعون لهم آباء ذوو مهن بيروقراطية، بينما المفرّفون أباؤهم رجال أعمال، أي الوالدان لا يضغطان على الولد و يشجعانه على البحث و الاستكشاف. • العلاقات في أسر المبدعين دافئة. و ليس من الضروري أن تكون الأسر منسجمة كل الإنسحام. أبرز الملاحظات على الحضارة: • دراسات مقارنة بين الشعوب: لوحظ مثلاً أن الأسكيمو قد حصلوا في بعض الدراسات على تسجيلات في كثير من المتحولات الأصيلة مشابهة لما حصل عليه الأنكليز. و هذا يناسب ما هو معروف عن الأسكيمو من قدرة على التكيف و روح المبادرة بالمقارنة مع أطفال الهنود. • نظرية هارفي: جميع الأنظمة و العضويات الطبيعية تتطور بواسطة عمليتي التفريق و التوحيد بحيث أن الأجزاء غير المميزة أصلاً في النظام تصبح بالتدريج أكثر تميزاً و تكيفاً بالنسبة لغرضها، وهي في الوقت نفسه تصبح مترابطة مع بعضها البعض كأجزاء من منظومة أعلى مستوىً. إن عمليتي التميز و التوحد توجِد مستويات مختلفة من التنظيم في المنظومات يمكن أن ترتب على مقياس يتراوح بين الحسية و التجريد. التربية قبل المدرسة يجب أن نعوض نقص مناخ الإثارة في حياة الطفل قبل المدرسة. نستثير دماغ الطفل للتجريب و الإختبار بالرمل و الماء و الغضار و الأسلاك. كما نشجع التعبير عن المشاعر لا من خلال التمثيل فحسب بل من خلال الرسم و التصوير و صنع النماذج. الأساس الفكري قائم على فكرة إغناء الإثارة المحيطية التي تقود إلى نمو عقلي و التي تقود بدورها لتفكير مفرق. تنوعت برامج الأطفال في الروضات و حرصت على أن يترك للطفل الإكتشاف بنفسه. أعتمدت هذه الفكرة على فكرة بياجيه: (إذا أردنا للطفل أن يكتسب مفاهيم جديدة و يرتفع إلى مستويات إدراكية أعلى وجب علينا أن نضعه على طريق الإكتشاف بنفسه و أن يقتصر عملنا على مجرد التوجيه). عمل المعلم وفق هذا الرأي أن يخلق الوضع المشكل و يسأل السؤال المناسب و يقدم المعلومات اللازمة –و المتضاربة إذا لزم الأمر- و يترك للطفل أن يجد الجواب الأحسن، و أن ينمي فضوله و حسه الريادي. تنمية التفكير المبدع: مبدأ فصل عملية إنتاج الأفكار عن عملية تقويمها (عملية إمطار الدماغ). بارنس: • أهمية حفظ سجل للأفكار التي تطرأ على الذهن في كل وقت. • عدم تحديد مواعيد زمنية لإنتاج الأفكار.

3.الطفل المبدع في المدرسة: • مناهج التعليم تقتل الإبداع و تشجع على الببغائية. • المؤسسات (و من ضمنها المدارس) وضعت لحفظ قواعد و أهداف معينة فهي بطيئة التغير و لا تتسامح إلا بقدر محدود من الإنحراف عن القواعد التي يعتقد مؤسسوها أنها خلقت من أجلها. المؤسسات و الأفراد المبدعون عدوان طبيعيان. • موقف المعلمين: المعلمون يرغبون بالطلاب ذوي الذكاء العالي، أما المبدعون بدرجة عالية فقد صنفوا في مستوى متوسط مع أن إنجازاتهم المدرسية لم تكن تقل عن إنجازات الصف الأول، ذلك أن تحررهم العقلي و قيمهم المختلفة قد تقودهم إلى أن يكونوا معيقين و غريبي الأطوار. و الإعاقة (الشيطنة) قد تكون من إشعاع الإبداع. بالعموم المعلمون يتخذون موقفاً أقل عطفاً مع المبدع و يفضلون عليه الطالب العادي الملتزم. • شعبية المفرقين بين الطلاب في المدارس التقليدية قليلة بعكس الأذكياء. بينما تتماشى مع القدرة الإبداعية في المدارس التي تقيم وزناً للطرق غير الرسمية و للتعليم المبدع.

إقتراح تورانس:

1. إحترام الأسئلة غير العادية.

2. إحترام أفكار الأطفال عير العادية.

3. أظهر للأطفال أن لأفكارهم قيمة.

4. قدم فرصاً للتعليم الذاتي و قدّره.

5. إسمح بالعمل و التعلم غير المقوم. التعليم من أجل الإبداع ما يجب أن نحرص عليه هو انتقال التعلم و هذا لا يحدث إلا إذا كان تعليمنا مبنياً على أساس من فهم البناءات و المبادئ الأساسية و دفع التلميذ إلى تطبيق ما فهمه من أسس و بناءات و ما تعلمه من مبادئ في أمكنة و مواقف أخرى. يجب ألا نكتفي بتعميم المبادئ بل نتعداها إلى تعميم المهارات و لا سيما في حل المشكلات. الحرص ليس فقط على حفظ الحقائق، بل على المهارات و لا سيما في حل المشكلات. يجب أن نحث الطلاب على الربط بين الرموز الحسية المختلفة، نشجعهم على اللعب بالأفكار و أن يكونوا حساسين للمشكلات. التعليم الإكتشافي و التعليم الحفظي ليسا متضادين. الدراسات أكدت على أننا إذا أردنا إحداث تغيرات أبداعية في المدرسة فعلينا أن نبدأ لا بالطرائق المستعملة في التعليم و لكن بالأشخاص الذين يعلمون و أن نقنعهم بتغيير مفاهيمهم و مواقفهم.

4.التربية من أجل الإبداع في العلوم: يذكر جيروم وايسنر أن التوسع السريع للميادين العلمية و التقنية و نسبة التغير المتسارعة في هذه الميادين قد خلقت مشكلات محيرة بالنسبة للمجتمع بعامة و للمجتمع التقني بخاصة. إن غزارة المفاهيم و النظريات الحديثة و الطرائق الجديدة ينتج عنها نتاجات و طرائق سريعة التغير و متزايدة التعقد. كل ما سبق يشير إلى أهمية إعادة النظر في النظم التربوية و جعلها قادرة على إبقاء المتخصصين مواكبين لتقدم العلوم و التكنولوجيا. لا بد للمنتج الإبداعي في المجال العلمي أن يتصف بالصلة المنطقية، الممكنة التعريف كمياً بالمعارف العلمية الموجودة سابقاً. فبالرغم من أن الصفة الانفعالية أو الحدسية للفكرة أو المفهوم الجديد أو غناه الجمالي فلا بد له من أن يكون ممكن الاتصال منطقياً و بشكل كمي بمجموع العلوم من أجل اعتباره منتجاً علمياً. الإنتاجية في العلوم هي مجموعة الفاعليات العقلية التي تساهم في توسيع المعارف العلمية و التقنية. حين نستخدم مصطلح الإبداع في العلوم و التكنولوجيا فمن المفترض أن يشمل النواحي الإنتاجية أيضاً. نجمع الفاعلية العلمية المبدعة في الزمر الثلاث الآتية:

1. البحث العلمي المهتم بالمشاكل التي تزيد فهمنا للطبيعة.

2. البحث العلمي و التكنولوجي المطبق المهتم بتطوير أدوات جديدة و التوفيق بين هذه الأدوات من أجل حل المشكلات الخاصة ذات الأهداف العملية.

3. التصاميم الهندسية المعنية بالدرجة الأولى بتكييف التقنية المتيسرة مع الأهداف الاجتماعية الخاصة جمالياً و مادياً و اقتصادياً. للمبدعين من الباحثين العلميين صفات مشتركة أهمها:

• محيط طفولي غني بالنسبة لقيمة المعرفة و الجهد العقلي، يغرس في نفوسهم عادة القراءة و الدرس لحد الإدمان و ذلك في عمر مبكر.

• ذكاءٍ عالٍ (و إن كان من غير الضروري أن يكون ذكاؤهم عالياً جداً).

• الحدس يلعب دوراً كبيراً في الإبداع. إن الوجوه الإبداعية لعملية البحث تبدو متحررة نسبياً و غير متقيدة بالقواعد و شخصية و لا تشبه كثيراً الصياغة المنطقية النهائية للنتائج. و يبدو أن هذه العملية المتحررة و الشعورية -جزئياً فقط- هي التي تنتهي بخلق أفكار و تبصرات جديدة. الصفات الأساسية للعملية التربوية التي تصمم لزيادة الإنتاجية في العلوم:

• يجب أن نغرس في نفس المتعلم عادة التشكك و نقد المعلومات و الآراء.

• يجب أن نشجع الأفكار الجديدة.

• التوكيد على المبادئ و القوانين و العلاقات البنائية و أمثالها.

• تشجيع تنمية العادات و المهارات في البحث عن الأفكار و إمكان ترابطها و الاهتمام بتحقيق النتائج.

• مساعدة الفرد خلال فترة النضوج على تنمية طريقة متكاملة متناسبة مع شخصيته و قدراته و معارفه.

5.تحضير الهيئات التدريسية الجامعية المبدعة: صفات (المعلم – الباحث) المبدع

1. العقل المتسائل: تلعب كل من الوراثة و البيئة دورها في إظهار هذه الصفة. التربية الحرة أقدر على تنميتها و الحفاظ عليها.

2. القدرة على التحليل و التجميع: يقصد براون بهذه القدرة الحصول على المعلومات و فهمها و تقويمها بشكل منظم. المعلم-الباحث المبدع لا يحصل على خبرته على شكل أنطباعات عابرة فقط و لكنها خبرات و معارف تحلل و تقوم و تفهم و تصبح بذلك جزءاً لا يتجزأ من موارده العقلية. و نؤكد هنا على أن مجرد التجميع مضر و لا بد من التحليل.

3. الحدس: هو صفة من صفات الترابط اللاشعوري، ترابط الأفكار و تمازجها لتكوين أفكار جديدة. لا بد للحدس من مخزون واسع من المعلومات التي جمعها عقل متسائل ثم قومها و حللها فيما مضى من عمره. إن الحدس بحاجة للشجاعة، كما أن أساساً راسخاً من التربية الحرة ينبوع ثرٍ من ينابيع الإبداع. إن احتكاك الأفكار و تفاعلها و غنى الخبرة و ثرائها أمور تغني الإبداع و تقويه. 4. النقد الذاتي: لا بد للعمل المبدع من أن يُتبع بالتركيز من أجل تقويم الفكرة المبدعة و تصنيفها.

5. النزوع إلى الكمال: إن الاكتشاف المبدع في أي ميدان يجب أن يكون أنيقاً، بسيطاً، متناسقاً و متكاملاً. المعلم-الباحث المبدع ينزع إلى الكمال ليس فقط في حقل اختصاصه وحده بل في كل مناحي الحياة.

6. النزوع إلى الاستبطان: المعلم-الباحث المبدع له موقف من ذاته و هو يحاول ألّا يعتمد إلا على هذه الذات؛ و ذلك أمرٌ لا يبعث على السعادة خاصةً حين يكون الإنسان نزّاعاً إلى الكمال، ناقداً لذاته و ذا حدس.

7. النزوع إلى مقاومة السلطة الخارجية: يميل المعلم-الباحث المبدع إلى مقاومة أحكام الآخرين و مقاييسهم و انتقاداتهم إلا إذا كان يحترم مساهماتهم العقلية السابقة. لذلك يجب أن يكون رؤساءه هم أنفسهم من الباحثين الذين وصلوا إلى مراكزهم عن إستحقاقٍ و جدارة.

كُتب في المناهج | التعليقات على (تربية الإبداع) مغلقة

حديث الشيخ (5)

إني صائم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
لم تتساقط الأقفال كلها كما ذكر الشيخ أبو العرفان ، فقد استمر يسار يقاوم مقاومة الأبطال ، ولكن أنَّى له الثبات ، وهو الفتى الذي لم يجرب حيل النساء !!
قال أبو العرفان : وانقطع عن الذهاب إلى المسجد الذي يصلي فيه صلاة الفجر ، ولم يعد يحضر حديث الشيخ ، وتلقفه حكيم بن محمود ، وحشى أذنه بخيالات وأوهام وحكايات ، أقل ما فيها يقسي القلب ولا يذكر بالرب .
قال أبو الحسن الورَّاق : وكان أبو محمود هذا ، واسع الحيلة عظيم المكر ، شديد الدهاء ، وكان يجد في ألاعيبه هذه لذة وتسلية لا يجدها في غيرها .. ومن ألاعيبه أنه استطاع أن ينتزع سعيد بن منصور من بيته ويضمه إلى فرقته !!
فقد نشأ سعيد في بيت علم وتقى ، وأبو الشيخ رحمه الله ، كان عـالمًا فاضلاً ، تفجر ينبوع الحكمة على لسانه .. إلا أنه لم يكن به ميل إلى التأليف .
في هذا البيت الكريم نشأ سعيد ، وكان يُضرب به المثل في السلوك الحسن . وقبل سنتين أصيب بمرض ألزمه الفراش عددًا من الشهور ، فأخذ حكيم هذا يتردد عليه ، ويتودد إليه ، وصار يقص عليه حكايات أهل الفسق والمجون ، حتى توطَّدت العلاقة بينهما ، وازداد تعلق سعيد بحكيم .. وعندما نفض عن ثوب المرض ، صار لا يخرج إلا معه ، ولا يجد الراحة إلا بمجالسته .
قال : وظني الذي أكاد أقطع به ، أنه لا يستمر معه طويلاً وسيأتي اليوم الذي يحن فيه إلى منازله الأولى ، وقد ترك له أبوه رحمه الله وصية ، ولكنه لم يلق عليها نظرة إلى يومنا هذا .!
قال أبو العرفان : ولم يذهب يسار إلى بيت الجارية كما وعد ، فقد استيقظ في اليوم التالي بعد أذان الفجر بمدة طويلة .. وسابق قرص الشمس في الصلاة ، فاعتبر هذا دليل الهبوط في إيمانه ، وجعله يعيد النظر في نفسه ..
أتكون الجارية قد خدعته ؟!
ربما .. بل من المحتمل جدًا .
ولكنه سمعها تئن .. وتتأوه .
لقد رآها تتلوى من الألم ..
تتساقط الدموع على خديها .
وتمثلت له كأنها تنظر في عينيه وتقول :
– هل تريدني أن أعيش ..
ثم وهي تقول :
– أنت تحبني أليس كذلك ؟
لاشك أنه تسرع ، وتسرع كثيرًا ..
أيكون قد كتب عليه أن يمتحن بهذه الجارية ؟!
وعادت قصة يوسف الصديق تتمثل أمامه .. كما سمعها من فم الشيخ .. شاب ، في عز قوته وفتوته وجماله ..
تدعوه امرأة .. نبيلة عزيزة جميلة ..
فيقول لها بكل إباء :
– لا ..
ويسجل القرآن موقفه هذا بحروف من نور ، ترددها الأجيال إلى قيام الساعة ، وكلما استجدت حادثة مثلها ، أو قريبً منها : } إنه كان من عبادنا المخلصين { .
وصرخ يسار وه يكاد يتمزق من الألم :
– أنا أبلغ مرتبة الإخلاص ؟!
كيف استطاع يوسف أن يصبر ..
وكل شيء .. كل شيء ..
حتى الجدران الأربعة ، والأبواب الموصدة ، المرأة العاشقة ، تبذل له كل شيء ..
تتودد إليه .. تتوسل ..
تتمرغ على قدميه ..
ولكنه قال كلمته : لا ..
أي قوة إيمانية كان يتمتع بها ؟
لابد أن يكون ما قام في قلبه ، أعظم وأجل مما تستطيع امرأة مهما بلغت من الحسن والحيلة والدهاء ، أن تصل إليه وتنال منه !!
لقد غسل قلبه من هذه المرأة .. وملأه بمعان أخرى ، مادتها من نور ، ومصدرها السماء ، فهو دائم التحليق عاليًا عاليًا ولا ينزل إلى الأرض إلا بمقدار ما يتناول منها ما يعينه على الصعود والصمود ..
وتنهَّد يسار وهو يردد بصوت مسموع :
– ذلك مثل ضربه الله للفتية المؤمنين : } إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين { .
إن المؤمن ليمتحن بالغنى والفقر والمرض والسجن ..
ولكن هذا الامتحان ..
آه يا ربي ..
لا أستطيع .. لا أستطيع يا رب .
ومر يوم ، ويوم ، ويوم .. وبعد صلاة العصر من أحد الأيام ، رأى يسار أن يذهب إلى المقبرة ، يستمد من صمت القبور حديثًا بليغًا يعينه على مواصلة السير ..
كيف وصل العارفون إلى ما وصلوا إليه ؟
إنه يتذكر عندما ذهب مرة ، وقرأ بعض ما كتب على القبور ، لقد أمدته تلك الزيارة بطاقة إيمانية دفعته إلى مضاعفة الجهد ومواصلة السير .. لاسيما عندما التفت إلى صاحبه يسأله :
– لماذا ترتفع المقبرة عن الأرض المحيطة بها ؟
فأجابه أبو الحسين وهو يتنهَّد :
– رب قبر قد صار قبرًا مرارًا ..
مستشهدًا بقول الشاعر ، دون أن يأتي على الشطر الثاني من البيت .
ليذهب هذا اليوم .. فلعل هذه الزيارة تستطيع أن تغسل من قلبه صورة الفتاة ..
الفتاة ..
الفتاة ..
المريضة المسكينة التي كانت تتألم ، تتوجع ، تئن ..
وعادت الصور تعرض في مخيلته ..
لم تكن تقوى على النهوض ، كانت تنظر إليه بعينيها الجميلتين وكأنها تستغيث ودمعة متوسلة من عصارة القلب تدحرجت على خدها ..
لقد أحب تلك الليلة .. أحب كل ما فيها ..
أحب الرذاذ المتساقط الذي أرسلته السماء برفق كأنها تخشى أن توقظ الأرض النائمة ..
والخادم الذي لم يرد أن يغادر دون أن يصحبه إليها ..
حتى جدران الغرفة ، والسرير القرطبي الذي يقال أن أميرات الأندلس يستعملنه ، والقناديل المتألقة .. والقدح الذي تناولت منه الدواء ..
ولم يشعر إلا وهو يقف على باب بيتها في نهاية سوق الخبازين ، وكان الوقت قد قارب المغرب ..
ورفع يده يهم بطرق الباب ..
ولكنه توقف ..
وأخذت يده تهبط بهدوء ، حتى استقرت إلى جانبه .
ثم استدار عائدًا .. من حيث أتى ..
ومشى خطوات ..
بطيئة ، ثقيلة ، متمهلة ..
ثم وقف ..
لقد شعر بشيء خفي يشده إلى الخلف .. إلى بيت الجارية ، فالتفت ينظر إلى الدار ..
هذه نخلة باسقة تقف أمام الباب باعتزاز ، وقد تعلَّقت الشمس بجدائلها .. كيـف لم يرهـا من قبل ؟!
وهناك أطفال يلعبون بكرات من الصوف يتقاذفون بها بأرجلهم .. وصبية صغيرة ترتدي ثوبًا أزرق تنتشر عليه خطوط بيضاء ، تسير إلى جانب أمها وهي تنظر إلى الأطفال وتضحك .
وطفل أشقر أطل من النافذة وقد أرسل تفاحة ربطها بخيط وأخذ يؤرجحها فهو يتسلى بهذه اللعبة ..
السماء تبدو صافية ..
كان كل شيء في هذه المحلة يبدو لعينيه جميلاً ومحببًا ..
البيوت المتلاصقة على الجانبين ..
والزهور التي تطل من الشرفات ..
والدكان القديم الذي يقع في نهاية الشارع .
وأطفال المحلة ..
والناس الذين يتكلمون بهمس .
وبيت الجارية ..
إنه يضم أجمل فتاة في الدنيا ..
وعاد مرة أخرى ، وقد عزم على أن يطرق الباب ، لقد أيقظت هذه الأحلام مشاعره ، وازدادت رغبته ، وملأت حواسه فأقبل ملهوفًا يريد أن يطرق الباب ..
ولكنه قبل أن يتقدم إلى الخطوة الثالثة تذكر ..
تذكر حديث الشيخ في آخر مرة حضر فيها إلى المسجد ، كان يتحدث وعيناه تتألقان بالنور ، ونظراته تنفذ إلى الأعماق .. وعبدالله بن الشيخ إبراهيم ، ومحمد الذهب ، وأبو الحسن علي بن حسين ، وعبود وسلمان النجدي ، وغيرهم . كلهم يستمعون إليه .. أما هو فقد استطاع أن يتحاشى النظر إلى الشيخ طول الوقت لئلا يفتضح ..
وتذكر كيف ضرب الشيخ مثلاً للسائرين إلى الله ..
ترى أين مكانه ؟
هل هو في حال المتحرج من الجبل ؟!
وإلى أين وصل ؟
أتقف هذه المرأة في طريقه ؟
وغضب يسار وهو يرى أنه قد أهين بجره إلى هذا الطريق .. وعزم على أن يقابل الجارية ليرى ماذا كانت تريد أن تقوله .. ولكي يصرخ في وجهها ، سيقول لها صراحة :
– أنا أكرهك .
سوف يتخلص منها بلا ريب ..
وأسرع الخطو ..
وطرق الباب ..
وانتظر ..
انتظر طويلاً .. فلم يفتح الباب !
وطرق مرة أخرى .. وتمنى لو سمع صوتًا .. أي صوت .. فلم يسمع إلا شقشقة العصافير على النخلة الباسقة التي تجاوزت في ارتفاعها سطح الدار .. وأراد أن يعود .. ولكن ..
وتذكر أن الطرق المسموح به ثلاث مرات ، وقد طرق مرتين .. ورفع يده ..
قال أبو العرفان : أخبرني من أثق به ، أن الجارية كانت قد أبصرت بيسار عندما أقبل ، وإنها كنت تقف وراء الباب تنظر إليه من ثقب صغير .. قال : فلما طرق الثالثة ، انتظرت حتى هم بالانصراف ، ثم فتحت الباب .. وبدت له بشعرها الطويل الأسود اللامع الذي أرسلته على كتفيها ، وعينيها الكحيلتين ، وأنفها الصغير المستقيم ، ووجهها الذي عادت إليه العافية فأكسبته بهاءً ورواءً .
ورحبت به بابتسامة غمرت كل أعضائها ، وبصوت كالهمس قالت :
– تفضل ..
وقبل أن يتعذر ، رآها تترك الباب مفتوحًا ، وتتقدمه إلى غرفة الاستقبال .. ولم يشعر إلا وهو هناك ، والجارية تشير إليه بكل رقة وتدعوه للجلوس . ثم تركت الغرفة ، وعادت بعد قليل وقد زيَّنت شعرها بوردة بيضاء ، وحلمت إليه في صينية مستديرة قدحًا من عصير الرمان .
وأمام هذا نسي حديث الشيخ ونسي نفسه ، ونسي كل شيء وعاد لا يعيش إلا هذه اللحظة .. ولا يدري كيف امتدت يده إلى القدح الذي يحاكي لونه لون شفتيها ، وهل كان ينظر إلى القدح أم إليها ! كان ينظر إليها كالمسحور ، ولم ينتبه إلا على صوتها وهي تصبح :
– انتبه يا سيدي .. العصير ..
كانت يده قد مالت بالقدح ، وكاد العصير يتبدد على ثوبه .
ونسي يسار الغرض الذي جاء من أجله .. ولم يشعر إلا وهو يقول لها بصوت خافت متقطع :
– كيف حالك ؟
قالت وهي تنظر في عينيه ، وكأنها تريد أن تنفذ إلى قلبه :
– الحمد لله .
قال :
– أنت أحسن حالاً .. أليس كذلك ؟
فاهتزت الوردة التي تزين شعرها ، وقالت :
– بفضلك يا سيدي .
قال وكأنه يهمس في أذنها التي يزينها القرط اللؤلؤي :
– الفضل لله وحده .
قالت وابتسامة السرور تملأ وجهها :
– أنت ناولتني الدواء .. وكان فيه الشفاء .
وغض بصره .. وبقي صامتًا لحظات .. والقلوب تتحدث بدقَّاتها الرتيبة .. ثم نظر إليها كالولهان وقال :
– لم أعد أصبر يا سرشير ..
وأجابته وعطر أنفاسها يلامس وجهه :
– ولا أنا ..
وكان لا يزال يحمل القدح بيده عندما قالت :
– لقد صنعته لك ..
قال بنفس الصوت الخافت الحالم :
– وما يدريك أنني سأجيء ؟
قالت وهي تشير بأطراف أناملها الخضبة :
– قلبي حدثني ..
ورفع القدح إلى فمه ..
والتقت العيون في عناق طويل ..
وأدنت كرسيها وهي تقول :
– اشرب .. أنا صنعته .. بيدي ..
ومدت يدها .. تريد أن تسقيه .
واقتربت من يده ..
ولم تبق إلا مسافة قصيرة .. قصيرة ..
وارتفع صوت المؤذن لصلاة المغرب ..
الله أكبر ..
الله أكبر ..
فألقى يسار بالقدح وكأنه أصيب بلذع .. ونهض وهو يقول :
– إني صائم ..
قالت :
إنه أذان المغرب .
ولكنه أسرع نحو الباب وهو يقول :
– يجب أن أنصرف .
وخرج يسار ، والدنيا تميد به ، ولا يدري كيف قادته قدماه إلى هنا .. إلى بيت الجارية ..!
قال أبو الحسن الورَّاق : ومنذ ذلك اليوم تغيَّر يسار ..
لم يعد كما كان .. لم يعد ذلك العابد الزاهد الذي تملأ عليه العبادة أقطار حياته .
قال الشيخ جواد : قد يعزف الرجل عن نساء الدنيا كلها ، ولكن امرأة واحدة تستطيع أن تتسلل إلى قلبه وتحتل مكانًا فيه فلا تغادره .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (5) مغلقة

حديث الشيخ (6)

سر الجارية

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
لم تمض على خروج يسار ساعة من الزمن ، حتى سمعت الجارية طرقًا قويًا على الباب اهتزت اه جنبات الدار ، فأسرعت تفتحه لترى من الطارق .
وطالعها رجل طويل عريض كبير الأنف صغير العينين ، قد كور فوق رأسه عمامة قديمة مهملة ، واشتمل برداء من الجلد مما يستعمله المسافرون . وقال الرجل بصوت جهوري ضخم :
– أين مريد ؟
وقبل أن تجيب ، ودون أن ينتظر جوابها قال :
– أخبريه بأن القافلة ستغادر غدًا ، بعد صلاة الفجر .
ثم أداره ظهره ومضى دون أن يلقي عليها نظرة، أو يحاول سماع الجواب. لكنها صاحت تقول:
– إلى أين ستغادر القافلة ؟
ودون أن يلتفت ، أو يكلف نفسه عناء الوقوف ، قال :
– إلى الشام .
قال أبو الحسن الورَّاق : واهتزت الجارية لسماع الخبر ، وقد فوجئت به .. إلى الشام ..!!
ماذا يريد مريد من الشام ؟!
أتراه يريد أن يتركها .. دون أن يخبرها أو يطلعها على موضوع سفره ؟!
هل نسي مريد يوم جاء به أبوها طريدًا شريدًا عاريًا ..
كان ذلك منذ سنين مضت ..
يوم كانت سرشير صغيرة تلعب في حديقة البيت عندما أقبل أبوها على جواد أدهم ، وأقد أردف خلفه غلامًا نحيفًا في غير هزال لا يستر جسمه البرونزي إلا خرقة تستر عورته . كان الغلام يبدو غريبًا متوحشًا ، تلمع عيناه ببريق مخيف . فلما رأته تملكها رعب مفاجئ ، فهربت صارخة إلى أحضان أمها التي طوقتها بذراعيها وهي تقول :
– لا تخافي .. لا تخافي يا بنتي .
ثم ترجل أبوها ، وأمر بأن يؤخذ الغلام إلى الحمام . وحاول أن يتمرد ، فكلمه بلطف ، وربت على رأسه ، فانصاع الغلام . ثم كساه بدلة بيضاء أضفت عليه سمتًا مقبولاً ، وأحضر له مؤدبًا علَّمه كثيرًا مما يحتاج إليه أمثاله ، وبقيت مدة لم تحاول الاقتراب منه أو الكلام معه . وكان هو أيضًا ينعزل في ركن من الحديقة الكبيرة التي تطرز حواشيها الأزهار من كل نوع ، وتنتشر في أرجائها الطيور الصغيرة الملونة ، طيور الجنة ، وعدد من البط يختال قرب حوض الماء .
ولم تمض أيام حتى تغير الغلام تمامًا .. لم يعد ذلك الغلام النحيف العري الجسم الموحش .. كانت تسترق إليه النظر وهو يأكل ، وتسترق إليه النظر وهو يجلس أمام مؤدبه . وقد كانت ترميه بكرة الصوف أحيانًا أو ببقايا التفاح ، فإذا نظر إليه شزرًا لاذت بأمها ..
وتجرأت يومًا على الاقتراب منه ، وحدثته .. فلم يرد عليها بكلمة واحدة ، وكان ينظر إليها ، وكأنه ينظر إلى طير صغير جميل .
وبعد ما يقارب الشهر على مجيئه ، أشار إليه أبوها يومًا .. فتبعه طائعًا ، بعد أن ارتدى ثوبًا جديدًا جميلاً . وفي المساء عاد الوالد يتبعه الغلام ، وكان في أشد حالات الانفعال والهياج .. وأخذ يتحدث بلا حذر . وكأنه فقد صوابه :
– لا أدري كيف يثق السلطان بهذا الرجل ؟
ومضى يخاطب أمها :
– كان هناك الوزير مندلي ، قال للسلطان إن هؤلاء لا يؤمن جانبهم يا مولاي ، لا يكن قصرك مأوى لأمثال هذا .
قلت للسلطان :
– أنا أتكفل به يا مولاي .. أنا أستطيع أن أجعل منه شخصًا آخر ، سأعلمه كل ما تريد .
ولكن الوزير الوثني استطاع أن يقنعه .. فأشار بيده يقول :
– أرى أن تضمه إليك .
وضرب كفًا بكف وهو يقول متغيضًا :
– أتذهب جهودي عبثًا ؟
وأشارت الوالدة ، وكانت جارية شقراء فاتنة ، من بلاد التركستان قالت :
– وماذا في ذلك ؟
فأجابها وهو ينفث لهيبًا من النار المتأججة في صدره :
– إن قلبي لا يطمئن إلى هذا الوزير .. إنه مخادع . إني أخشى أن يدبر مكيدة تؤدي بنا وبالسلطان وبالمملكة كلها ..
ثم سكت حتى هدأت ثائرته ، وقال بصوت متألم :
– أردت أن أجعله في خدمة السلطان .. لعله ينفعه .
لم تكن تدرك معنى لما يقوله أبوها ، ولكنها تشعر بأن هناك ما يشير إلى خطر متوقع الحدوث ، وأنا أباها كان يحذر السلطان ملك الهند من هذا الخطر ، ولكنه لم يلتفت إليه ، ولم يعره أهمية .
كيف يستطيع أبوها أن يقنع السلطان وهو لا يتقن إلا صناعة الغناء ! كان أبوها مغني السلطان ، وكان يطربه في ليالي الأعياد والمناسبات .. وكان مقربًا محظوظًا من جميع الذين يترددون على القصر .. إلا الوزير ! فلم يكن يرتاح إلى وجوده ، ولولا مكانته في الغناء ، لاستطاع إبعاده بسهولة .
ومضت سنون ، وارتاحت إلى الغلام الذي شب قويًا ذكيًا مخلصًا . وحدث ما توقعه أبوها . ففي إحدى المرَّات ، عندما خرج السلطان إلى الصيد كعادته في كل عام ، استولى الوزير مندلي على كرسي المملكة ، وطلب عون المماليك الهندية الوثنية فلبت نداءه . وأخذ يتعقب أعوان السلطان محمود الخلجي بالقتل والسجن والتعذيب .
فقتل أبوها .. وماتت أمها غمًا ..
واستطاع أن ينفذ وصية سيده ، فقد كان يوصيه في كل مرة :
– إذا وقع مكروه فلا تبق في هذه البلاد ، خذ سرشير وأمها وغادر البلاد بسرعة .
ولكن الوالدة أبت إلا أن تموت إلى جانب زوجها ، وأخذ الخادم سرشير وغادر المدينة سرًا ، بعد أن جعلها ترتدي ملابس غلام جركسي . ولما علم مندلي بهروبهم ، أمر خمسة من رجاله بأن يتبعوهما .
وعلى مسافة يومين أدركهم رجال الوزير . فوقف عربيد بانتظار القوم . وشعرت الجارية بأن نهايتها قد اقتربت .. فصرخت تقول :
– لماذا وقفت .. هل نسلم أنفسنا ؟
ولم يجب .. فقد وصل الجنود ، وترجَّلوا عن ظهور الخيل ، وتقدَّموا للقبض عليهما ..
كانت تقف قريبًا منها شجرة عظيمة ، حط عليها عدد من الطيور والعصافير ، وصاحت سرشير مرة أخرى وهي تلوذ بالشجرة :
– هل نسلم أنفسنا .. إنه الذبح ..
وحدث ما لم تتوقع ..
فقد ألقى الخادم بنفسه على الجنود ، واستولى على سيف أحدهم ، ثم أخذ يقاتلهم بشجاعة نادرة أذهلتها ، وأثارت إعجابها ، وجعلت الطيور تجفل مخلقة في السماء .. وكان خفيفًا نشيطًا ، سريع الحركة ، استطاع في أقل من ساعة واحدة أن يجندل ثلاثة منهم ، ولاذ الاثنان الآخران بالهرب .
وقف عربيد وصدره العريض يعلو ويهبط ، والسيف في يده يقطر دمًا وقد شعر بهمٍّ عظيم يزاح عن صدره .. فقد انتقم لسيده .
واحتفلت به الجارية بإعجاب وقالت :
– أنت بطل ..
ولم يرد عليها ، وإنما اتجه إلى الخيل ، فأمسك بجوادين ، امتطى أحدهما وأمرها أن تمتطي الآخر ، ثم انطلقا ينهبان الأرض ، حتى وصلا إلى بلاد فارس . فأقاما هناك سنين ، استطاعت الجارية خلالها أن تتقن اللغة الفارسية . وانقطعت عنهما أخبار الهند . ولم يصل إلى علم الخادم إلا أن السلطان محمود الخلجي قد لجأ إلى السطان عبدالحليم ، وقد وعد الأخير بنصرته ، ثم بلغه أن الوزير مندلي قد أرسل وراءهم من يتعقبهم ، وأقسم لينتقمن من عربيد شر انتقام . وأشارت عليه الجارية بالسفر إلى بغداد .. وفي هذه الرحلة أنفقوا كل ما لديهم من مال ومتاع ، حتى إذا وصلا إلى بغداد قالت الجارية :
– هل فكرت في أمرنا يا عربيد ؟
فأومأ برأسه وقال :
– إنني أعرف رجلاً تاجرًا، كان صديقًا لوالدك رحمه الله، وكان يتردد عليه عندما يزور منداو..
فانبسطت أساريرها وقالت :
– من هو .. ما اسمه ؟
ودون أن يلتفت إليها قال :
– أنسيته .
واصطحب الجارية ، وذهب يسأل ويتطلع في الوجوه في سوق التجار لعله يجده .. وهناك رآهما حكيم بن محمود ، وعلم أنهما غريبان يبحثان عن مأوى ، فرحب بهما ، وقدَّم لهما هذا الدار بكل ما فيه من أثاث ومتاع .. وكانت الجارية قد تعلَّمت اللغة العربية عندما تعلمت القرآن في منداو ، وكانت لغة الطبقة الراقية في الهند .. وتعلَّمها عربيد أيضًا لاتصاله بعدد من التجار العرب الذين كانوا يفدون على الهند لغرض التجارة .
ولم تمض في تأملاتها بعيدًا .. فقد أقبل مريد ، وكانت تبدو عليه السرعة والاهتمام .. ودخل دون أين يتلفت إليها ، وتوجه إلى غرفته .. فأسرعت في أثره . فإذا به قد أعدَّ كل شيء ، وحزم أمتعته ولم يبق إلا أن يحملها ويذهب .
فارتاعت لهذا ، ولم تصدق عينيها ، وهتفت بجنون :
– إلى أين يا مريد ؟
ودون أن ينظر إليها قال :
– سأغادر بغداد .
وهتفت به :
– وتتركني يا مريد ؟
فأجاب بكل هدوء :
– نعم .
وصرخت دون وعي :
– لماذا ؟ لماذا يا مريد .. هل آذيتك ؟
ووقف مريد وصدره العريض يعلو ويهبط ، وقد بدا قويًا رائعًا في تناسق جسمه ولون وجهه ، وقال بصوت هادئ :
– لقد قضيت ما مضى من حياتي عبدًا لك .. فأردت أن أقضي ما بقي منها عبدًا لله .
فهتفت به وهي تمسكه من يده :
– ما الذي يمنعك وأنت هنا ؟
فأبعد يدها بلطف وقال :
– أريد أن أذهب إلى بلد لا يعرفني فيه أحد .. أريد أن أهجر الماضي بكل ما فيه من تعاسة وهوان ..
واستعطفته بنظراتها وقالت :
– منذ متى وأنت تعيش في هذه الأفكار ؟
فتنهَّد وقال :
– من يوم التقيت بالشاب العابد الزاهد يسار ..
ومضى يتكلم عنه بصوت عميق يوحي بشدة تأثُّره :
– أنت لا تدرين أي رجل هذا ! إنني أنظر إليه من بعيد ، فأراه كأنه ذهب إلى الآخرة ، واطَّلع على ما فيها ثم عاد إلى الدنيا ، فهو دائم الرغبة والرهبة .. لا تغادره صورة المعذبين في النار ، ولا صور المتنعمين في جنات النعيم ..
إنه رجل .. لا يعرفه كثير من الناس .
كانت تصغي إليه ، وتود لو مضى في وصفه أكثر مما وصف .. إنها تدري أي رجل هو .. فمنذ اللحظة الأولى ، منذ رأته في بيت حكيم بن محمود ، عرفت أنه لا كالرجال الذين رأتهم ، إنه نسيج وحده .. ولذلك فقد أشفقت عليه من نفسها ، وأشفقت على نفسها منه .
ومضى مريد يقول :
– منذ التقيت به لأول مرة ، وأنا أفكر في الكلمات التي قالها لي .. قال : بل أنت مريد .. المريد هو صاحب الإرادة القوية .. اتق الله واجتنب المعاصي .. وفكرت في نفسي ، وفكرت فيك ، وفكرت في يسار .. هذا الفتى الذي يملك المال والقوة والجمال .. مَنْ مِن النساء من لا ترغب في يسار ..؟
ولكنه الفتى النظيف الذي لا يدع شيئًا يلوِّث قلبه الأبيض . لا يغرنك بعض ما ترين من نزوله .. فإنه لا ينزل إلا ليعلو ، ولا يدنو إلا ليبتعد ، ولا يهبط إلا ليحلِّق .. إنه رجل يحاسب نفسه بعد كل هفوة يرتكبها .. ولا يزال بها حتى يقيمها على الجادة البيضاء .
وسكت مريد ، وظل صدره العريض يعلو ويهبط ، وكان يبدو كالبركان الذي ضاق بالنار المتأججة في صدره فأراد أن يقذفها ..
قالت :
– ولكن يا عربيد ..
فقاطعها بحدة :
– لقد سماني يسار ( مريد ) ، ولا أريد أن أستبدل به غيره حتى ولا واسمي القديم .. وقد رضيت أنت به .
وعادت تقول مرة أخرى :
– ولكن يا مريد ..
وقاطعها أيضًا :
– أريد أن تسمعي كلامي أولاً .. ماذا ينفعك هذا المدعو حكيم ، إن ألاعيبه ستعود بالشر العظيم ..
وصاحت قبل أن يستمر :
– مريد .. اسمعني ..
قال :
– لا فائدة يا سيدتي .. لقد دفعت الأجرة ، وسأغادر غدًا .
وصرخت مرة أخرى وقد اعتراها الغضب :
– اسمعني يا مريد .. اسمعني .
ثم سكتت قليلاً ، لتستعيد هدوءها .. ثم قالت بصوت اجتهدت أن يكون في غاية الرقة :
– هل تستطيع أن تنتظر لعدة أيام .. فلعلي أجيء معك .
فهزَّ رأسه بإصرار وقال :
– أبدًا .. لقد تقطَّعت العلاقة بيننا .. إنني لم أعد أصلح لك ، ابحثي عن غيري .. إنني أريد أن أسلك الطريق الذي سلكه يسار .. لقد تبت يا سيدتي . أتفهمين معنى كلمة تبت ..؟
وهمست تقول :
– أنا أيضًا سأتوب .. أقسم لك .
وحمل أمتعته وهو يقول :
– كلا .. هذا آخر لقاء بيننا ..
وقبل أن يخرج ، هتفت تقول :
– انتظر ..
وغابت قليلاً ، ثم عادت وهي تقول :
– خذ هذا .. استعن به على قضاء حوائجك .
ونظر إليها نظرة جامدة .. كانت تحمل كيسًا من النقود مدت يدها به إليه ، وظنت أنه خير ما يقدم لهذا الخادم المخلص الأمين .
ولكنه قال :
– لا يا سيدتي .. أنا لا أريد أن أصل إلى الله بالمال الحرام .. المال الحرام لا يوصل إلى الله يا سيدتي .. لقد كسبت بعض ما حصلت عليه بكدِّ يدي .. بتعبي .. ليالي طويلة مرت علي وأنا لم أذق طعم النوم .. أريد أن أقف بين يدي ربي وأنا نقي الثوب ، نقي الجسد ، نقي القلب . لا يلوثني أثر من آثار المعصية ..
أفهمت يا سيدتي ..
إني مهاجر إلى ربي ..
ومضى مريد يحمل أمتعته في حزمة كبيرة على كتفه ، وتبعته الجارية إلى الباب ، ثم وقفت تشيعه بنظراتها ، حتى احتواه الظلام الذي بدأ يزحف محتلاً مواقع النهار .. ولم تشعر إلا والدموع تنهمر على وجنتيها ..
لقد ذهب مريد ..
لقد فهم إشارة يسار عندما قال له : إن أرض الله واسعة ..
وشعرت الجارية كأن شيئًا عزيزًا قد انتزع منها .. شخص كان يشاركها آمالها وآلامها ، تقاسمت معه السرَّاء والضرَّاء ، حتى إذا كانت في أحوج اللحظات إليه .. تركها ..
تاب ..
وتنهَّدت وهي تنظر إلى الطريق الطويل الذي أخفاه ، فرأت شيخًا عجوزًا مقبلاً يتوكأ على عصا ، وسمعت طفلاً يغني فتردد الجدران صدى صوته .
وردت الباب بلطف ..
ودخلت وهي تفكر في مصيرها ..
ويسار ..
لا .. إنه لا يتزوجها .. إن فورة حبه ستنطفئ إنه كما قال مريد .. سوف يحاسب نفسه حتى يقيمها على الجادة ..
إنه ليس لها ..
إنه ليس من عالمها ..
إنها لا تستطيع أن ترتفع إلى عالمه ، فهل تستطيع أن تدنيه إلى عالمها ؟!
وخيِّل إليها كأنها تسمع صوت حبيب بن مسعود يهمس : لا تفعلي .. بالله عليك .
ثم وهو يقول :
– إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد .
لماذا تركض وراء السراب ؟
من الخير لها أن تنسحب وهي عزيزة مطلوبة مرغوبة ، قبل أن تضطر على الانسجام وهي …!
سوف تبتعد عن طريقه .. تتهرب منه ..
لن تفتح الباب إذا أتى .
ولكن .. هل تستطيع ؟

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (6) مغلقة

حديث الشيخ (7)

القلب المهزوم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
لم يدر يسار كيف أدَّى صلاة المغرب والعشاء ..
لم يدر كيف قادته رجلاه إلى بيت الجارية .. لم يدر كيف سمح لنفسه أن يقول لها ما قال ..
كان في طريقه إلى البيت بعد صلاة العشاء ، وكان القمر كئيبًا حزينًا ، والهواء باردًا ، وغيوم مبعثرة في السماء ..
كيف ذهب إلى بيت الجارية ؟
كان يريد أن يذهب إلى المقبرة .. يريد أن يقرأ بعض ما كتب عليها .. ليستمد منها العزم والصبر والتصميم ، فهي الواعظ المفلق !
ولكن أين وجد نفسه ؟
كانت هناك .. استقبلته .. سمع صوتها .. تحدَّثت إليه بعينيها .. بهمسها .. بقلبها ..
حملت إليه كأس العصير ..
حملته بيدها ..
بنفسها ..
وانتبه إلى نفسه ، فإذا به يقف على باب بيتها ..
هل يصدق ما قيل عن مجنون بني عامر !! ووضع يده على الباب ، لابد أنها وضعت يدها هنا ..
وتلفت حوله ..
هذه النخلة الباسقة التي يتوجها سعف أخضر ، تنظر إليه في صمت وهدوء ، تدغدها الريح أحيانًا فيسمع حفيفها كأنه الهمس ..
وتنهَّد وهو يستند بظهره على الباب .
واشتدَّت الريح ، وانطفأت الفوانيس ، وبدأ وجه القمر شاحبًا لا أثر فيه للجمال .
وعاد يسار يجر الخطى وقلبه يلتفت إلى بيت الجارية ..
وعندما وصل إلى البيت ، واحتوته الغرفة ، شعر بضيق شديد ، شعر كأن جدران الغرفة تشدد الحصار على قلبه المهزوم .. فأسرع يفتح النافذة . وهجم الهواء ، وتنفَّس يسار ملء صدره ، ولم يشعر إلا وهو يردد ما كتبه له الشيخ في يوم من الأيام ، وطلب إليه أن يردده كثيرًا : } رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين { .
وبقي الهواء المغسول بماء النهر يرطب فؤاده ، فشعر بشيء من الراحة .. ثم عزم على أن لا يعود إلى بيت الجارية ، لن تتكرر حادثة اليوم أبدًا .. إنه من الخير أن لا يعود ، سيغسلها من قلبه ، سوف لا يدع لها أثرًا على بساطه .. وإلا ..
قال أبو الحسن الورَّاق : كانت أمه تنظر إليه وتتألم ..
تشعر أن ابنها هذا يعيش مشكلة عظيمة قد أحاطت به ولا يستطيع التخلص منها ..
ولكن ما هي هذه المشكلة ؟
إنها تستطيع أن تتصور كل مشكلة يمكن أن يقع فيها إلا هذه المشكلة !! إن عاصفة قوية قد هبَّت على قلبه فأشاعت فيه الحيرة والقلق ، ولكنه أسدل عليها ستارًا من التصبُّر والتجمُّل محاولاً كتمانها وعدم ظهورها للعيان .. ولكنها ظهرت ..
رغم كل ما كان يبذله من مقاومة .
أما أبوه ، فلم يلتفت على حاله ، فقد كان مشغولاً بالسوق طول يومه ، حتى إذا عاد إلى البيت ، عاد متعبًا منهوك القوى ، لا يود سماع شيء يكدر عليه هدوءه وراحته !
ولم يغب حاله عن أخته الصغيرة اللطيفة الوديعة سناء ، فكانت تنظر إليه وتتألم .. وتسأله في كل مرة :
– ماذا ألمَّ بك ؟
فلا يجيب إلا بتنهدة عميقة ، أو زفرة حارة ، أو يشح بوجهه عنها ، فتنطلق وراء قطتها ..
وكان يسار قد استنفد قواه ، ونال منه الجهد ، ولم يعد يحتمل مجاهدة نفسه ، فقد استطاعت الجارية أن تتغلغل إلى شغاف قلبه .. فلما انجذب إليها ذلك الانجذاب العجيب .. أخذت تتهرب منه !!
فاضطرمت النار في أحشائه ، وتغيرت حاله ، وصار لا يقر له قرار ، وشعر بوحشة قاتلة ، ويأس مرير ، ولم يعرف كيف يداوي ما به ، ولا يريد أن يداوي ما به !
لم يعد له ذلك الهدوء اللطيف ، والطمأنينة التي يجدها في جنب الشيخ وهو يستمع إلى حديثه الذي يملأ القلب نورًا وبهجة ، وإيمانًا ويقينًا ..
وصار يتلوَّى كما يتلوى السقيم ..
ولم يرحم أبو محمود حاله ، فأخذ يشير عليه أن يداوي ما به بشرب الخمر !!
وأجابه بكل عزم وتصميم :
– معاذ الله .. لا كان ذلك اليوم الذي أقارف فيه هذا المنكر .
وأصبحت صلاته خفيفة جافة ، ليس لها جذور في القلب .. كأنها أوراق يابسة على شجرة في طريقها إلى الذبول !
وأخذ يحس في قعر قلبه بنار متأججة ، واضطراب وعدم راحة ، وعرف السر الذي يدعو هؤلاء إلى انتهاب اللذات ، والانغماس في الشهوات ومقارفة المنكرات .
تكشف له سر ذلك كأجلى وأوضح ما يكون ..
إنهم يعيشون حياة قلقة ، جافة ، لا أثر فيها للهدوء أو الراحة ، إنهم يسيرون في طريق متعثر شائك ، يهربون منه إلى طريق أشق منه وأوعر .. إنهم ينتقلون بين النار والرمضاء ..
وعلى كليهما لا يجدون الراحة ولا الهدوء ولا الطمأنينة !!
تكشف له كل هذا .. ولكنه هاهو معهم ..
فلماذا لا يتركهم ..
إلى أين يذهب ؟
إنه لم يعد يصلح للعودة إلى أصحابه ، إلى إخوته الأطهار ، الذين يخشى الواحد منهم أن يتلكم بالكلمة الواحدة إلا بعد تقليبها على وجوهها لئلا يكون فيها شيء من مساخط الله ..
إنهم ينقون الكلام كما ينقي الواحد منا التمر ..
إنهم يصدرون في معظم أمورهم وكأن النار لم تخلق إلا لهم !
أما هؤلاء ..
السادرون في لهوهم وعبثهم .. فكأن الجنة لم تخلق إلا لهم .
ولكن ..
هاهم يكتوون بنار الدنيا ، فلا يجدون لذة للحياة .. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يظن أن طريق الخلاص لا يكون إلا بقتل نفسه !!
والجارية ..
لم يعد يدعو الله بأن يبعدها عن طريقه ، بل أخذ يتلهف لرؤيتها ، وينتظر الساعة تلو الساعة لكي يراها .. وأخذ يتصورها في حركتها ، في مشتها ، في ضحكتها ..
في كل شأن من شؤونها !!

 

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (7) مغلقة