الصفحة 48 من 50« الصفحة الأولي...102030...4647484950

حديث الشيخ (4)

في بيت الجارية

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
لم يكن أما يسار إلا أن يغير طريق ذهابه إلى محل أبيه ، لكي يتجنب رؤية الجارية ، سيسلك الطريق المعاكس ، وإن كان طويلاً ، ولم يتعود على سلوكه من قبل .
ولكن .. ما العمل ..
ومضى في الطريق المعاكس ، فرأى كثيرًا من الأشخاص الذين يعرفهم ، ومر بأبي الفداء ، حاملاً طفله فداء الدين وقفًا أمام بيته . وكان طفله قد تماثل للشفاء ، فأخذ يبتسم للمارة وهو يحرك يده ويتلفت برأسه الصغير ووجهه المتورد المتفتح كزهرة القداح .. وكانت بعض الأشجار قد خلعت أرديتها وأخذت تتهيأ لاستقبال الربيع .
ومضى يسار ، وحمد الله على السلامة ، فد مر اليوم الأول والثاني والثالث دون أن يراها . ولكن صورتها لم تغادر خياله .. وصوتها يهمس في أذنه ، ونظرتها .. وفي كل يوم يزداد شوقًا وتلهفًا .. والمكان الذي احتلته في قلبه بدأ يتسع . ولكنه كان يقاوم ويحاول أن يأسو جراح قلبه .
قال أبو الحسن الورَّاق : في مساء اليوم الرابع ، ذهب يسار بعد صلاة العشاء ، إلى بيت القاضي الشيخ محمد صالح ، وكان مجلس الشيخ عامرًا بالمسائل الفقهية الجلية ، والحكم الثاقبة ، والنوادر اللطيفة ، وأقباس من جنائن الحديث والتاريخ والأدب . وكان الشيخ المفوه ، يدير الحديث ويأتي بكل طريف وحديث .
وقد تأخر ذلك المساء في بيت القاضي ، فلما خرج ، كانت السماء قد ادلهمت بالغيوم ، وأخذت ترسل رذاذًا ، فأسرع يسار إلى منزله ، خشية أن يدركه المطر . وقبل أن يصل إلى البيت بخطوات ، برز من زاوية مظلمة ، رجل متوسط القامة ، أسود ، وقال بصوت هادئ :
– هل تسمح يا سيدي ؟
ونظر إليه يسار ، وتين ملامحه ، إنه خادم الجارية .. مريد .. وعاد هذا يقول مرة أخرى :
– إن سيدتي مريضة .. وهي تود أن تراك .
لقد ظن أنه تخلص منها نهائيًا ، وظن أنها لن تعترض طريقه . ولكن هاهو خادمها العربيد يأتي ليذكِّره بها ، ليجذبه إليها .
قال يسار وقد تملكه الغضب :
– اغرب عن وجهي .
ولكن الخادم بقي في مكانه وقال بصوت خفيض :
– إنها مريضة يا سيدي ..
وهتف يسار قائلاً :
– ويحك يا رجل . وما شأني بمرضها ؟
وسكت قليلاً ثم أضاف :
– ادع لها طبيبًا .
فأجاب الخادم بلهجة صادقة :
– لم أجد الطبيب في بيته يا سيدي . فأرسلتني أدعوك .
ولما نظر إليه يسار متعجبًا ومستغربًا ، أضاف الخادم يقول :
– ربما تريد أن تسرُّك بأمر يا سيدي .
قال يسار وقد رفع يده يهم بطرق الباب :
– لتسر واحدًا من معارفها .
وتأخر الخادم خطوة وقال :
ولكنها لا تثق إلا بك .
وهتف يسار وهو يريد أن يتخلص :
– من أين تعرفني يا رجل ؟
فأجاب الخادم بكل جدية :
– من من الناس من لا يعرفك يا سيدي .. من من الناس في بغداد من لا يعرف يسارًا ..
ولما رآه ساكتًا مضى في كلامه :
– إنها يا سيدي في حالة يرثى لها .. إنك لو رأيتها يا سيدي ، لرق لها قلبك ..
من يدري .. ربما لا تعيش إلى الغد .!
ولم برق في السماء ، ومسَّت قلبه العبارة الأخيرة ، فهتف مأخوذًا :
– لا تعيش إلى الغد ؟
وهزَّ الخادم رأسه وهو يؤكد :
– الأعمار بيد الله يا سيدي .
استوضح قائلاً :
– وماذا تظنها تريد ؟
فطأطأ رأسه ، وقال بصوت يَنُمُّ عن التأثر والحزن العميق :
– ربما تريد أن تتوب .
وغمَغم يسار ، وكأنه لا يصدق ما يسمع :
– وما الذي يمنعها من التوبة ؟
الله يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن كثير .
قال وهو يرفع رأسه الذي تساقط عليه الرذاذ ، وقال :
– ربما تريد أن تبوح لك بسر ..
ودق قلب يسار وهو يحرك شفتيه :
– سر ؟
ولم يشعر يسار إلا كما يشعر السابح الذي ألقي في اليم ، فنال منه الجهد والتعب ، وأخذت الأمواج تتقاذفه إلى حيث تشتهي ولا يشتهي ..!!
قال أبو العرفان : وفي الطريق سأله الخادم قائلاً :
– لقد قلت لي مرة .. اتق الله واجتنب المعاصي .
والتفت يسار ، ليرى مدى الصدق في سؤاله ، فلم يستطع أن يتبين من معالم وجهه . ولكن نبرات صوته أوحت بأكثر مما يستطيع وجهه الملفوف بالظلام أن يوحي . وكان الرذاذ الخفيف اللطيف ينزل متمهلاً وكأن السماء تداعب به وجه الأرض .
وأجاب يسار بعد أن سار خطوات وقال :
– اترك ما أنت فيه ..
وقبل أن يسأله الخادم ، وقف وأضاف :
– إن أرض الله واسعة .
كانت الفوانيس تبدو باسمة مستسلمة مسرورة بما ترسل السماء من رذاذ ، وكان بعضها يبدو خائفًا وجلاً قد انخنس نوره مترقبًا لما قد تأتي به بعد ذلك ، ولاسيما في هذا الموسم من آخر الشتاء .
ولما اقتربا من بيت الجارية ، قال يسار :
– لا تتركني وحدي ..
ولم يفهم الخادم ما يريد .. فأضاف موضحًا :
– لا يجوز لرجل أن يختلي بامرأة غريبة عنه .
عندما فتح الخادم باب الغرفة التي ترقد فيها الفتاة ، طارت إلى أنف يسار رائحة مسك فتيق ، وبدت الغرفة في تأثيث فاخر ، وفي صدرها سرير قرطبي ، يتدلى فوقه سراجان يقال أن حكيم بن محمود قد أتى بهما من بلاد الفرنك ، في آخر سفرة له إلى تلك البقاع . وقد تمددت الجارية على ذلك السرير القرطبي بعد أن وصل الغطاء الأبيض الموشى بخيط الموصلين إلى صدرها .. وارتاح شعرها الأسود الطويل على ترائبها .
كانت الجارية تئن وتتأوه ، وتتلوى من الألم . ولم يصدق يسار أول الأمر ، وقد تسمرت قدماه في أول الغرفة ، وظن أنه قد خدع ! ولكن تردده لم يطل .. فقد التفتت إليه بعينيها المتضرعتين ، فخفق فؤاده وانجذب إليها كالمسحور ، حتى إذا صار قريبًا منها قال بصوت اجتهد أن يكون خافتًا كأنه من دنيا الأحلام :
– سرشير ..
وأجابته بعينيها ، وهي تصغي إليه ، تستمع لألحان صوته العذب ، وصدرها الذي يغطي بعضه شعرها الطويل الأسود اللامع ، يعلو ويهبط .. وراح يسار يردد كالنائم :
– كيف حالك يا سرشير ؟
وتبسمت وهي تغالب دمعة متألمة ، وقالت بصوت يشبه الأنين :
– لقد خشيت أن أموت ولا أسمع اسمي يتردد على لسانك ..
فهتف كالمأخوذ :
– سرشير ..
وأجابته وقد نسيت أنها مريضة :
– يسار ..
قال :
– أنت ملء القلب يا سرشير .
وتحرجت الدمعة على خدها طربًا ، وقالت والابتسامة تشرق على وجهها :
– يسار .. أنا ..
وهتف مرة أخرى :
– أنت يا سرشير .. أنت ملء القلب .
وانتقلت على أنغام صوته ، إلى عالم مملوء بالرياحين ، فتحركت في مكانها وأرادت أن تجلس ، ولكن الألم عاودها .. فتأوَّهت ، وتلوت في فراشها وأخذت تئن أنينًا يشبه النحيب . وكان ينظر إليها ، ويحس بقلبه الغض يتلوى معها ، ويئن ، ويتمنى لو زال عنها الألم .
كانت جدران الغرفة مصبوغة باللون الوردي الفاتح والسراجان المتدليان فوق السرير يضيفان على الغرفة بهاءً ورونقًا ، والموقد الصيني في جانب الغرفة يشيع الدفء .
وعندما خفَّت عنها وطأة الألم ، نظرت إليه بعينين تنطق بالندم وقالت :
– إنني ..
وتطلَّع إليها ، إلى شفتيها القرمزيتين ، إلى حبات العرق التي تصببت على جبينها نتيجة الحمى ، يريد أن يسمع ما تقول ..
ولكن الدموع غلبتها ..
لقد أرادت أن تخبره بكل شيء ، بكل ما جرى ، أرادت أن تعتذر .. أن تقول له إنها لم تكن تدري أنها ستواجه فتى من نور ينهزم أمامه الظلام ، لو أراد أن يسلك فجًا لسلك الشيطان فجًا غيره ..
لقد تساقط حولها كثيرون ..
انهالوا على أقدامها ..
تمنى الواحد منهم لو يحظى منها بنظرة ، بابتسامة ، بكلمة ..
أية كلمة تنطق بها ..
أمَّا هو ..
هذا الفتى الراهب ..
وعادت تنظر إلى وجهه الجميل الذي تحتضنه بكل حنان لحية دافئة تزيده جاذبية وجمالاً .. وأخذت تشتار لذيذ الشهد من عينيه التي تومض ببريقٍ يخطف القلوب ..
وكان لا يزال يتطلع إلى شفتيها القرمزيتين يريد أن يسمع ما تقول ..
عندما قال لها بصوته المتألم :
– أنتِ تبكين يا سرشير .
قالت وهي تنظر إليه متشبثة :
– إنني أخشى أن أموت .
وهتف دون وعي :
– عافاك الله يا سرشير .
ثم أضاف يطمئنها :
– إن صحتك جيدة .
قالت ، وقد سرها أن تنظر إلى عينيه اللتين روَّعهما كلامها :
– هل تريدني أن أعيش ؟
قال :
– إنها إرادة الله ..
وبقلب ينبض بالإيمان والتقوى أضاف :
– والحياة ليست بأيدينا .. إنه مالكنا .
قالت وهي تتألم :
– ولكني مثقلة بالذنوب .
فهتف من صميم قلبه الموجع :
– توبي إلى الله .. اسأليه أن يغفر لك .
ونظرت إليه بضراعة ، وقالت :
– لماذا لا تدعو لي يا يسار ..
وقبل أن يحرك شفتيه قالت :
– أنت مستجاب الدعاء ..
وهزَّ رأسه وهو يجب ، بأسلوب العارف :
– إن الله يجيب المضطر إذا دعاه .
وأدارت رأسها إلى الناحية الأخرى ، وهي تبكي بصمت فلما رأى الدموع تنساب على خدِّها ، تحطمت جميع الأقفال التي أقامها على قلبه ، وفتحت الأبواب كلها دفعة واحدة .. وهتف كالمجنون :
– سرشير ..
وأضاف متضرعًا :
– كفكفي دموعك يا عزيزتي .. ارحمي قلبي .
والتفتت إليه وقالت :
– أنت تحبني .. أليس كذلك ؟
وتولَّت العيون الجواب ، وسكتت لغة الكلام ، من أين للألسن أن تفهم لغة العيون ؟!
وأرادت مرة أخرى أن تبوح له بما في نفسها ، أن تخبره بكل ما جرى .. ولكن في اللحظة التي فتحت فيها فمها لتتكلم ، دخل الخادم يحمل الدواء في قدح .
– هذا الدواء يفيد يا سيدتي ..
وكانت لا تزال تنظر إلى يسار .. فأسرع يتناول الدواء من الخادم ، واعتدلت في الفراش ، وتمنت لو يسقيها الدواء بيده ..
وقرب يده بالقدح ، وانتظر أن تمد يدها لتأخذه وقال :
– خذي .. بسم الله المشافي ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم .
– وتناولت القدح ، وشربته على دفعات .. ثم بقيت لحظات رافعة رأسها ، تنظر إلى سطر منقوش على حائط الغرفة لم تتبين معالم كلماته ، ثم عادت فتمددت ، وسحبت الغطاء ، وأخذ صدرها يعلو ويهبط ، وسمعها تئن أنينًا خافتًا وتتوجع ..
ثم هدأ صدرها ، واستسلمت للنوم ..
وبقي يسار ينظر إليها وكأنه في حلم .. ثم التفت إلى الخادم ، وسأله بصوت خافت :
– منذ متى وهي على هذه الحال ؟
فأجاب الخادم ، وكان يبدو على ضوء القناديل الخافتة فاحم السواد :
– منذ يومين يا سيدي .
قال يسار :
– وهل تناولت دواء خلال اليومين ؟
فهز رأسه قائلاً :
– هذه أول مرة تتناول فيها الدواء .. من يدك .
وسكت مريد قليلاً ثم أضاف :
– لقد كانت تلح علي أن أدعوك .. منذ اليوم الأول لمرضها ، كانت تقول : لابد أن يعلم .. أريد أن أحدثه بكل شيء .
ونهض يسار ، وهو يلقي عليها نظرة عطف وحنان ، وقال :
– سأعودها غدًا .. إن شاء الله .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (4) مغلقة

(تربية الإبداع)

مقدمة : لايزال ينقصنا الكثير في فهم آليات العمل والدراسات المعمقة وقد تكرم أحد الإخوة الأفاضل (الدكتور حازم أبوسعد ) بتلخيص كتاب عن الإبداع وتربيته ونظراً لأهميته فإننا نضع الملخص بين أيدي الإخوة والأخوات الأفاضل لافتين النظر إلى أن العديد من الأمور تحتاج إلى ربطها بواقع كل بيئة على حدة.

الإبْداعُ و تربيتُه

الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس في جامعة دمشق- عميد كلية التربية – سابقاً

دار العلم للملايين الطبعة الثانية آذار (مارس) 1979

الفصل الأول الإبداع: ماهيته و عوامله

أولاً: الإبداع أمس و اليوم و غداً:

• 1950: يعتبر نقطة تحول في دراسة الإبداع بسبب الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، فطالبت الأمم مربيها و مدارسها بتهيئة أكبر عدد ممكن من المبدعين و المخترعين.

• 1952: البحوث البدئية ذات طبيعة تلمسية لا تستند إلى فرضيات إختبارية، رأت أن: – المبدعون يميلون إلى الإهتمام الشديد بالأمور الجمالية والنظرية. – معظمهم شديدو الذكاء. – يمكن أن يكونوا حدسيين وانطوائيين. – لا يوجد ترابط بين حاصل الذكاء ومستوى الإنجاز الإبداعي.

• غيلفورد درس الإبداع بطريقة التحليل العامليFactor Analysis ووضع مشروع بحث القدراتThe Aptitude Research Project : – رفض النظريةالقائلة أن الذكاء قابلية واحدة موحدة. – هناك عدة قابليات ممكنة التميز يشتمل عليها الإبداع. – المواهب الإبداعية ربما كانت موزعة على جميع الناس ولكن بدرجات متفاوتة.

• توصل غليفورد ومعاونوه إلى نظرية في الذكاء سموها بناء العقل Structure of Intellect هذه النظرية أشارت إلى وجود قدرات قابلة التمييز وأخرى لم تحددها بعد، وبعض هذه القدرات أساسية في الإنجاز المبدع.

• غليفورد: القدرات الأكثر أهمية في التفكير المبدع تقع في زمرتين:

1. القدرات ذات النتاج المفرق Divergent Production Abilities: وهي قدرات تعمل على توليد الأفكار كما هو الحال عند حل مشكلة ما. و قد وصفت بعض هذه القدرات بأنها أنواع من الطلاقة و بعضها وصف بأنه أنواع من المرونة و بعضها وصف بأنه أنواع من القدرات التوسعية.

2. زمرة القدرات التحويلية Transformation Abilities: إعادة النظر فيما يعرفه الفرد و إنتاج صيغ وأنماط جديدة. إن تنوع القدرات بنوعيها السابقين يتوقف على نوع المعلومات أو الوسطاء الذين يتعامل المبدع معهم.

• تورانس: النمو لا يحدث بنسبة موحدة وأول التغيرات يحدث في الصف الرابع الإبتدائي.

• هناك إختبارات أظهرت مزيد من النمو حتى عمر الثلاثين.

• بعض العلماء أشاروا إلى أنه يمكن تحسين القدرات من خلال تحسين المحيط.

• ثبت للعلماء أن الصلة بين القدرات الإبداعية الكامنة و الإنتاج الإبداعي من جهة و حاصل الذكاء من جهة أخرى قريبة من الصفر، و ذلك حين يكون الأمر مختصاً بفرق من الأناس الذي يكون حاصل ذكائهم مرتفعاً. أما في النسب المتدنية من حاصل الذكاء فهناك علاقة واضحة بين حاصل الذكاء و القدرات الإبداعية. أي أن الذكاء شرط لازم للإبداع ولكنه غير كافي.

• الحياة معناها مصادفة المشكلات، و حل المشكلات معناه النمو العقلي و قد آن للتربية أن تتبنى حل المشكلات طريقة لتنمية العقل و تصعيد الإبداع. ثانياً، ثالثاً: ماهية الإبداع، و العوامل التي تعين عليه أو تعيقه:

• الإبدع بمعناه الضيق يشير إلى القدرات المميزة للأشخاص المبدعين (غليفورد).

• يتجلى الإبداع من خلال السلوك الإبدعي فيشمل الإختراع والتصميم والتأليف والتخطيط.

• هناك قناعة بأن جميع الأفراد يملكون كل القدرات بغض النظر عن الحالات المرضية، و بقطع النظر عن مقدارها و مقدار قوتها و تكرارها. يتوقع العلماء الإبداع من الأذكياء أكثر من الناس العاديين.

• التربية و الحياة المدرسية تقتل الموهبة الإبداعية.

• يرى غليفورد أن القدرات الأولية التي تساهم في الجهود الإبداعية للعلماء و التكنولوجيين هي عوامل المحاكمة Reasoning factors و نخص بالذكر:

1. الإحساس بالمشكلات: شعور العالم بوجود مشكلة غير مفسرة يدفعه للبحث.

2. عامل الطلاقة: و هي على ثلاثة أنواع: طلاقة فكرية، طلاقة ترابطية و طلاقة تعبيرية. و لا يعني هذا أن المبدعين يجب أن يعملوا تحت ضغط الوقت و لكن الشخص القادر على إنتاج عدد كبير من الأفكار في وحدة زمنية ما يكون صاحب حظ أكبر في الإبداع. 3. تملك قدرة التجديد.

4. درجة المرونة: الذي يقف عند فكرة أو طريقة و يتصلب أقل قدرة على الإبداع. و هناك نوعان من المرونة: • مرونة عفوية: عدد المرات التي تتغير فيها زمرة الاستعمالات. • مرونة تكيفية: يقوم بتغيير في السير و الاستراتيجية و المقاربة.

5. وجود قدرة تركيبية و قدرة تحليلية.

6. أهمية وجود عامل إعادة التنظيم أو إعادة التعريف (علم النفس الشكلي).

7. وجود قدرة لها علاقة بدرجة التعقيد للبناء المفهومي الذي يستطيعه الفرد.

8. العمل الإبداعي الواقعي يكون تحت درجة من الضبط و التقويم. يمكن أن نضيف الجو الجماعي (أو الفردي عند البعض) كعامل يعين على الإبداع:

9. التفكير الجماعي و التفكير الفردي: • العصف الذهني: الواحد يستثير الآخرين (غليفورد). • تورانس: المبدع يميل للعمل و التفكير لوحده، و الصحيح أن لا الطريقة الفردية و لا الطريقة الجماعية صالحة لكل الظروف. سياق الإبداع: نادراً ما يكون الشخص مبدع و بدرجة متساوية في كل الميادين و لكن ذلك ممكن الحدوث. في ميدان القدرات ذات النتاج المفرق وحده نجد أن الأفراد قد يكونون غير متكافئين في معالجة المواد اللفظية و المواد الحسية و المواد الرمزية. غليفورد افترض أن المبدع لديه قدرة أكبر على الإحساس بالمشكلات فيلاحظ على أن هناك شيئاً خاطئاً بينما الآخرون لا يشعرون بذلك. ملاحظة النقص تدفع للسير نحو الإبداع لكن غير المبدع يتوقف في منتصف الطريق.

الزمر الرئيسة للعوامل: 1. القدرات ذات النتاج المفرق. 2. القدرات ذات النتاج المجمع. 3. التقويم و الإحساس بالمشكلة. 4. القدرات التمييزية (الاكتشاف و إدراك المعلومات بصيغ مختلفة). 5. قدرات الذاكرة: الذاكرة الجيدة تساهم في التفكير الجيد. و الحق أن الذاكرة الطيبة تساهم في التفكير الجيد مساهمة كبرى. الصفات و الفروق غير الاستعدادية (المكتسبة): من الصعب جداً تحديد الصفات المشتركة بين الزمر المختلفة:

• طلاب الآداب و الفنون الأكثر إبداعاً أكثر ملاحظةً لما يجري و لكنهم أقل مشاركة، بينما طلاب العلوم الأكثر إبداعاً أكثر مشاركةً في الأمور.

• الثقة بالنفس -لعل ذلك بسبب الأصالة-، فتدفع صاحبها إلى حل مشكلات قد يحجم عنها آخرون، و في بعض الأحيان تسبب غرور و عجب.

• الشخص المبدع يتمتع بقدر من الاكتفاء الذاتي و يعتقد أن الأفكار أهم من الأشخاص.

• هناك دراسات دلت على أن الأشخاص الذين يسجلون معدلات عالية في الطلاقة يكونون مندفعين، مرحين و مسترخين. و الأشخاص ذوو المعدلات العالية في الأصالة تكون لهم إهتمامات جمالية و ينغمسون في التفكير المغرق.

• غتزلس و جاكسون: ذوو العلامات العالية في التفكير المفرق هم أصحاب روح مرح قوية.

• ما من صفة من الصفات السابقة تعتبر دلالة قاطعة على الإبداع. و إذا وجدت بمجموعها فذلك ليس دليل على الإبداع.

رابعاً: دراسة ماكينكون للإبداع:

كانت طريقة ماكينكون و معاونوه هي طريقة تقدير الشخصية Personality Assessment ، و هي في الواقع ليست طريقة واحدة و إنما هي مجموعة طرائق و تطبيقات و عمليات صممت و اختيرت بشكل يسمح بإعطاء أشمل الصور عن الأشخاص الذين اختيروا للدراسة. فافترض وجود أنواع مختلفة من الإبداع : إبداع فني، إبداع علمي، و إبداع فني و علمي معاً. وضع ماكينكون و معاونوه تعريفاً للشخص المبدع في كل مجال. فتعريف الإبداع المعماري مثلاً: (هو الأصالة في التفكير و الجدة في مقاربة المشكلات الهندسية، و الخلق البناء و القدرة على تمييز الأمور الصالحة و قابلية إقتراح الأمور التنفيذية الأصيلة أللازمة في الهندسة المعمارية مثل التكنولوجيا و الصور البصرية و التخطيط و الانتباه إلى الغرض الاجتماعي). استخلص غف و معاونوه ثمانية نماذج من الباحثين العلميين و وصفها كما يلي:

• النموذج الأول: المتحمس: باحث مندفع لا يتعب.

• النموذج الثاني: المستهل: يستجيب مباشرة ويبدأ حالاً بتوليد الأفكار.

• النموذج الثالث: المشخص: يحسن التقويم قادر على تشخيص النقاط القوية والضعيفة.

• النموذج الرابع: الباحث: يتمتع بقدرة على تمييز التفاصيل.

• النموذج الخامس: الصناع.

• النموذج السادس: الجمالي: يفضل الفكر التحليلي.

• النموذج السابع: النظامي.

• النموذج الثامن: المستقل. المبدع: إنسان يحقق نفسه ولا يحرص على ما يريده الناس، حسن الرأي في نفسه ولا يهتم برأيهم فيه وانطباعهم عنه. و من أهم صفات الشخص المبدع الشجاعة الأدبية (المعنوية). المبدعون أظهروا درجات أعلى من غير المبدعين تدل على التعبير عن الإنفتاح على المشاعر والإنفعالات الخاصة وأنه ذو عقل حساس وفهم واعي وإحساس ذاتي وإهتمام واسع ( صفات تعتبر خاصة بالنساء في المجتمع الأمريكي). كما شدد ماكينكون على أن الشخص المبدع مدرك و مفتوح النفس و مستعد لتقبل الخبرات الجديدة. إن صفات الشخص المبدع التي ذكرناها من قبل تدل على أن مثل هذا الشخص في ضبطه لاندفاعاته و صوره و أفكاره يتجنب الآليات الدفاعية الشخصية للكبت و الكظم. و هو بذلك يكون عرضة للقلق أكثر من غيره. كما وجد ماكينكون و زملاؤه أن 90% أو أكثر من الفرق المبدعة التي درسوها أظهرت تفضيلاُ للإدراك الحسي. أما من حيث القيم فقد تبين لماكينكون أن جميع المبدعين الذين درسهم يجعلون من القيمتين النظرية و الجمالية أعلى القيم.

خامساً: دراسة تورانس للإبداع: الإبداع:

هو عملية التحسس للمشكلات والنقائص والثغرات في المعرفة وعدم التناسق ثم تحديد الصعوبة وتبين هويتها ثم البحث عن الحلول و إجراء التخمينات أو صياغة الفرضيات عن النقائص والعيوب ثم اختبار هذه الفرضيات وإعادة إختبارها. و لو تفحص الإنسان بدقة البحوث الخاصة بالعلاقات المتبادلة بين أنواع القدرات و طرائق التعليم لظهرت له صورة معجبة. ذلك بأنه حين يحصل الإنسان على معلوماته بطريقة التسلط فإن مقياس العمر العقلي أو الذكاء يكون دليلاً أهم على الإنجاز من مقاييس الأصالة و الطلاقة و ما شابهها. أما حين يتم الحصول على المعرفة بطريقة إبداعية (بطريقة الاكتشاف أو التجريب) فإن مقاييس الأصالة و الطلاقة و ما شابهها تكون دلائل أحسن من اختبارات الذكاء. يزعم تورانس أنه هو جماعته قد تجاوزوا مقولات التربية التقدمية التي يلخصها فيما يلي:

1. يجب الاعتراف بالفروق الفردية بين الأطفال.

2. إن تعلمنا يتحسن بالعمل و بالإهتمام الحيوي بما نعمل.

3. التربية هي إعادة بناء مستمرة للخبرة الحياتية التي تتجاوز جدران الصف.

4. غرفة الصف يجب أن تكون مختبراً للديمقراطية.

5. لا تقل الأهداف الاجتماعية أهميةً عن الأهداف العقلية.

6. يجب أن يُعلّم الطفل كيف يفكر بصورة نقادة بدلاً من أن يتقبل الأفكار بصورة عمياء. طرائق التعليم المبدع ليست الطرائق الوحيدة و بالنسبة لكل الأطفال أو بالنسبة للطفل الواحد حتى و لو كان هذا الطفل يفضل التعلم بالطرق الإبداعية. لايكفي أن يكون الإنسان قادراً على نقد أفكار الآخرين بل من الضروري أن يستطيع الطلاب إنتاج أفكار خاصة بهم وأن ينقدوها وأن يستعملوا مقاييس واختبارات تمنعهم من غش أنفسهم.

سادساً: العملية الإبداعية في رأي ليتون:

يرى ليتون أن خير تعريف لطبيعة العمل الإبداعي هو تعريف برونر 1962Bruner الذي يصفه بأنه الدهشة الفعالة فيقول: (المعجب في الدهشة الفعالة هو أنها لا تحتاج لأن تكون نادرة أو قليلة الحدوث أو غريبة، فهي في معظم الأحيان ليست كذالك. هي تبدو متمتعة بصفة الوضوح وهي تسبب صدمة التمييز التي لا يتلوها أي انبهار فيما بعد.) هذا التحديد للفعل المبدع ينجم عنه أمران: 1. أن الصفة الإبداعية يمكن أن تضفى على أي نوع من الفاعلية البشرية. 2. أن العباقرة ليسوا وحدهم في القيام بالأعمال المبدعة، بل إن هذه الصفة يمكن أن تتوفر في أعمال أقل أهمية و في مستويات مختلفة من مستويات الكفاية أو الذكاء. يجب أن تتوفر في نتاج الإبداع الموضوعي شروط معينة:

• المناسبة: أي يجب أن يكون مناسباً لمتطلبات الوضع والشروط المحيطة.

• الجدة : قدرة النتاج المبدع على تحويل القيود التقليدية إلى منظار جديد تماماً. أما الإبداع الشخصي فبحكم عليه بمعايير مختلفة: فهو يمكن أن يحدث حين يمزج شخص بين أشياء بطرائق فردية خاصة به و حين لا يكتفي بمجرد التقليد بل يعيد تصنيف المؤثرات المعينة و تجميع المعلومات بواسطة أفكاره و أفعاله الخاصة به و بقطع النظر عن تأثير إبداعه على الآخرين. التخيل تصور أمور غير موجودة أمام العين مما حدث في الماضي أو سوف يحدث في المستقبل. الصور المتخيلة متصلة بالواقع بأجزاء من عالمنا الواقعي. و قد نعني بكلمة التخيل أن الأمور جرت بشيئ من الاختراع فنقول أن خيال فلان قد جمح به، كما أننا نصف الإبداع الفني بالتخيل و نعني بذلك الابتكار و الخلق. يمكن للوهلة الأولى القول بالتضاد بين التفكير المنطقي المنتظم و بين التفكير الخيالي. في التفكير النظامي (التفكير ضمن دوائر مغلقة) يكون الهدف و المشكلة و الطريقة معروفة بوضوح كما تكون العملية مدروسة و منهجية و تكون المشكلة مما يمكن للمفكر أن يفكر فيه (مثل وضع الخطط)، أما التفكير المغامر (التبصر) فيحدث في حل المشكلات المحيرة و يكون مصحوباً ببزوغٍ غير متوقع و ذلك في البداية بشعورٍ بالاحباط ثم محاولة التوحيد و مشاعر الاندهاش و أخيراً الإكتشاف و الإنجاز. هتشنسون و بارتلت يرون هذين النموذجين هما نهايتا مقياس التفكير. قد يغري الانسان أن يوحد بينهما و لكن هذا التوحيد غير مضبوط. يمكن أن نسمي النمط الثاني من التفكير هو التفكير المبدع حيث يقول بارتلت: (المفكر في النظام المغلق يكون في وضعٍ يتأمل فيه البناء منتهياً، و في كثيرٍ من الأحيان يكون البناء معقداً إلى حدٍ بعيدٍ و مدروس و تكون قواعد بنائه صعبة التقدير. و مع ذلك فإن المفكر يكون في وضع المشاهد يبحث عن شيئٍ يعتبره دائماً موجوداً، أما المفكر التجريبي فهو في وضع شخصٍ يجب عليه أن يستعمل كل ما يقع تحت يده من أدوات ليكمل بناء لم يكتمل بعد و لن يستطيع هو نفسه أن يكمله). اللحظات المبدعة في قلب العملية الإبداعية نفسها نوجد اللحظة المبدعة و الإلحاح الإبداعي، و هما الخبرتان الشخصيتان الأكثر عمقاً اللتان يستشعرهما الفرد. و هنا تختبر الأنا أعمق اختباراتها و ذلك على اعتبار أن الإبداع يعني الإدراك و العمل.

يقترح والاس تقسيم العملية الإبداعية إلى أربع مراحل:

1. التهيؤ: هي المرحلة التي تُبحث خلالها المشكلة من جميع جوانبها.

2. التفريخ: هي المرحلة التي لا يشعر الفرد خلالها بالانشغال بصورة شعورية، و تكون الفكرة في أثنائها آخذة بالتخمر في نفس الفرد.

3. الإلهام: تشمل هذه المرحلة الحوادث النفسية التي تسبق ظهور التبصر أو تصاحبه.

4. التحقيق: هي المرحلة التي يتم أثنائها التحقق من صحة الفكرة التي تعطي صيغة دقيقة و مقبولة في النهاية. يقول كوستلر 1959: إن عملية انتزاع شيئ أو مفهوم من سياقه العادي و النظر إليه في سياق جديد هي جزء أساسي من العملية الإبداعية. فهو تخريب و خلق في آنٍ واحد لأنه يتطلب كسر عادة عقلية و صهر عناصرها من أجل تركيبٍ جديد، أي أنه عملية تراجع من أجل قفزةٍ أحسن. إلهام الشاعر يوجد شحنة عاطفية و هوى وهوس في لحظة الإبداع. ثمة شروط ثانوية يمكن أن تكون ضرورية للإبداع. (هدوء الريف و عزلته، رائحة التفاح، القهوة، المناشف الرطبة، الشاي). تبصر العالم إن العملية الإبداعية في الفنون عملية طويلة و شاقة، أما في العلوم فإن ما يتلو عملية التبصر يبدو عملية تافهة. إنها مسألة تحقيق الفكرة و صياغتها و قد يكون هذا العمل طويلاً و مملاً و لكنه قد يكون سريعاً و روتينياً. سابعاً: كيف يكون المبدعون: إن المكتشف يدرك أنماطاً من العلاقات الوظيفية المتماثلة حيث لا يدرك ذلك أحداً سواه، حتى أن الشاعر يرى صورة جمل في سحابة راكضة. (كوستلر 1959).

الإستقلالية: كان المبدعون في المدرسة يفضلون المعلم الذي يتركهم أحراراً لأنفسهم في موقفهم من الدين و في علاقاتهم الشخصية و في سرورهم بمهنة يتركون فيها لاتجاهاتهم و تقديراتهم الخاصة. المهندس المعماري المبدع يجمع بين الحساسية الجمالية و الكفاية التقنية المعرفية. الكتاب و المهندسون المعماريون منتجون و قادرون على عمل أشياء و لهم قدر كبير من الاهتمامات. قوة الأنا: الفرقاء الثلاثة فوق المتوسط بكثير و يفوقون زملائهم الأقل إبداعاً في قدرتهم على الانجازمن خلال الاستقلالية بدلاً من الالتزام. كما يفوقونهم في الصفات التي تقود إلى التميز الإجتماعي والانفتاح على مشاعر الآخرين ولهم حساسيات وصفات منسوبة إلى النساء. هم جميعاً يسجلون حد أدنى من الإنطباق الإجتماعى (الإجتماعية) ومن ضبط النفس في القيم المتصلة بالإجتماعية التقليدية. أو هم متحررون من الكبت والمنع ويظهرون نزعتهم هذه من خلال عدم رغبتهم أن يتركوا انطباعاً حسناً عند الآخرين وباستعدادهم لتحدي الأمور الشائعة والمقبولة. المرونة: لقد اقتُرح أن المرونة الخلاقة هي التمكن من النكوص من العمليات الثانوية السوية إلى العمليات البدائية ثم العودة إلى العمليات التفكيرية الثانوية مرة أخرى. و بذلك تتمازج الصيغتان من التفكير. المبدعون الأحداث حين نتكلم عن المبدعين الصغار إنما نتكلم عن شخصيات المفرقين بوصفها مضادة لشخصيات المجمعين. لقد وجد عتزلس و جاكسون أن مفرقيهم كانوا ضد القيم السائدة في حضارتهم، مظهرين بذلك عدم الالتزام و حرية الفكر. فهم لم يكونوا معنيين بالصفات التي تسبب النجاح بين الناس و التي يقدرها معلموهم تقديراً كبيراً. إنهم على العكس عنوا بالصفات التي اعتبروها ذات قيمة لهم كأشخاص مع أنهم كانوا يعلمون أن هذه الصفات قد لا تسبب لهم إحترام العالم من حولهم. و من هنا فالمبدعين حقاً من الأطفال كانوا أقل شعبية عند المعلمين من غيرهم من الأطفال ذوي حاصل الذكاء العالي. المجمّعون كان والدوهم مهنيين و جامعيين، في حين أن المفرقين جاءوا من بيوت أصحابها رجال أعمال. لقد وجد هدسون أن المجمعين يظهرون احتراماً للسلطة و مستعدون لقبول رأي الخبراء و أنهم على استعداد لإظهار الطاعة أكثر من المفرقين. الجنون و العبقرية هناك بعض الدراسات الي أظهرت ميلاً لدى المبدعين للإصابة بأمراض مثل الهمود و الوساوس و الهستيريا و البارانويا و النحرافات النفسية و الذهانات إلخ…. يزيد قليلاً على الميل لدى الناس العاديّون. نقول هذا بالرغم من أن هؤلاء المبدعين لم يكونوا نزلاء في مستشفيات الأمراض العقلية بل على العكس كانوا مشاهير في مهنهم و كانت لهم إنجازات رائعة. إنهم قلبوا ضعفهم إلى قوة و منبع إنتاج. لقد ظهر أنهم يتمتعون بقوة للأناEgo Strength باهرة، و أنهم مزجوا بين الضغط النفسي و الكفاية الشخصية حتى لكأن الأول كان مصدر الثانية. ثامناً: التفكير المفرق و التفكير المجمع: الذكاء و الإبداع لقد افترض أن فوق مستوى معين للذكاء (و لنقل مثلاً حاصل ذكاء قدره 120) لا تعود الكفايات المبدعة متوقفة على أي زيادة في حاصل الذكا.ء و أن التفكير المفرق و التفكير المجمع فوق هذا المستوى يكونان منفصلين أحدهما عن الآخر. بيد أنه في غياب مقدار معين من الذكاء العام لا يمكن حدوث الإبداع. يقترح هدسون 1968 أن الترابط الضعيف بين الاختبارات المفرقة يمكن تفسيره بميل المفرقين إلى أن يكونوا أكثر إرادة و حساسيةً و تذبذباً في جهدهم الذي يبذلونه في المهام المفرقة. و الفروق بين المفرقين و المجمعين في المسائل التي لا تتصل بالاختبارات مثل الشخصية أو الخلفية البيتية تميل إلى توكيد حقيقة التمييز بينهما.

الفصل الثاني تربية الإبداع

1.آ- تربية الإبداع: غليفورد 1958 وجه سؤال للذين يتمتعون بمسؤلية تعليم الفنون: 1. هل يمكن تنمية عادات الإبداع من خلال دروس الفن؟ 2. هل من الممكن جعل هذه العادات قابلة للانتقال بحيث تصبح مؤثرة في الميادين الأخرى؟ من طرق تنمية الابداع التي اتبعت طريقة إمطار الدماغ (ألكس أوزبورن). طريقة حفظ الكتاب عند الطلاب تتيح جمع المعلومات مع عدم القدرة على معالجة المشكلات الجديدة. الحصول على المعلومات غير مضر بعملية الابداع على اعتبار أن الإختراع يتوقف على المعلومات السابقة، ولكن الموقف المتخذ هو الذي يعيق التفكير المبدع. و مثل هذا يمكن أن يقال عن الطرائق، فقد يكون لدى الطالب مبالغة قي احترام قداسة الطرائق. بل من واجب المعلم أن يشجع الأصالة عند طلابه و أن لا يقسرهم على طرائق الكتاب. هناك حقيقة علمية ترى أن الأشخاص المبدعين المتميزين يملكون بدرجة عالية نفس القدرات التي نملكها جميعاً إلى حدٍ ما. كجواب للسؤال الثاني يرى غليفورد وجود دلائل على أن التعلم قابل للتعميم أكثر مما حسب بعض العلماء. و الحق أن الفن يجب أن ينظر إليه على أنه وجه من وجوه الحياة، و في هذا تحفيز للمعلم و المربي للوصل بين الفن و العلم و بين الفن و الحياة.

1.ب- المشكلات الأساسية في التعليم من أجل الإبداع: وضع غليفورد بعض المبادئ الموجهة لتنمية الإبداع:

1. تقرير ما يجب تعلمه: وضع الأولويات و البحث عن الوسائل التعليمية الضرورية للتعلم.

2. تحديد ما يجب من أجل الإبداع: يجب فهم طبيعة الظاهرة العقلية التي نتعامل معها و أنواع الصفات التي تميز المبدعين (الاستراتيجية الفكرية، الاهتمامات و المواقف، الطبع و المزاج).

3. تقرير الصفات التي تستجيب أكثر من سواها للتدريب: هناك حاجة ملحة لاختيار ما نصب فيه جهودنا الأولى. أمثلة:

• الصفات الطبيعية أكثر ثباتاً و بالتالي فهي أقل تقبلاً للتدريب. • الصفات الإثارية أكثر تقبلاً للتغيير. • التغيير في القدرات (بما في ذلك المهارات العقلية) ممكن من خلال أنواع الخبرة المناسبة.

4. معظم التدريب يجب أن يكون عاماً لا خاصاً: إن المعلومات و الخبرات تُستدعى و تستعمل في أماكن و ميادين جديدة و بذلك تختلف عما كانت كانت قد استعملت فيه في السابق و بذلك تكون جديدة. معنى ذلك أنه من الممكن الإفادة من المعلومات و تطبيقها في مواضع جديدة عند تعلم استراتيجيات عامة. أي يجب التشديد على الوجوه العامة للمعلومات في عملية التعليم و يجب تعلم استراتيجيات عامة تمكن من الإفادة من المعلومات و تطبيقها في مواضع جديدة.

5. يجب الاهتمام بالوجوه العقلية الأوسع: الذكاء شرط لازم للإبداع غير كافي، روائز الذكاء التقليدية تشير إلى المعلومات التي يملكها الفرد، أي أن المبدع لا بد أن يملك القدر الكافي من المعلومات في ذاكرته. المشكلة بالتعريف: وضع عقلي إدراكي لا يملك الإنسان استراتيجية واضحة لمواجهته، فالحل يكون بوضع استراتيجية جديدة أو استراتيجية معروفة لم يستعملها بالطريقة نفسها فيكون قد أظهر نوعاً من السلوك الجديد أو نوع من الإبداع. بعض العمليات الحاسمة: الدور الأساسي للإبداع هو عملية توليد الأفكار كماً و كيفاً. كمية إنتاج الأفكار على صلة بعوامل الطلاقة في حين أن كيفيته على صلة بعوامل المرونة. أما من حيث المعلومات فإن إنتاج الأفكار يكون استرجاعاً للمعلوملت من مخزن الذكريات.

1. أسترجاع المعلومات :Recall أهم نوع هو الاسترجاع الإنتقالي.

2. بعض الشروط التقليدية للاسترجاع: • كمال الإشارة: له علاقة مباشرة بالإسترجاع الإنتقالي، نستطيع الإفادة منه إذا استبدلت الإشارات بأنموذج البحث. • المبالغة في التعلم: تعمق التمييز و التفريق وبهذا يتحسن ترميز المعلومات و نقلل من إمكانية تشوش المعلومات و حدوث الانتقال السلبي. • حداثة التدريب: تكون أقوى من اللازم حين لا نريد استرجاع تلك المعلومات، و قد تكون عائقاً في سبيل استرجاع معلوماتٍ نريدها. • الإسترخاء: الإرسال في طلب المعلومات ثم الإسترخاء في انتظار و رودها. 3. بعض الشروط الجديدة التي تحتاج لإعمال نظر: • نموذج البحث قائم على نموذجه لبناء العقل و هو مكون من خمس عمليات: التقويم و النتاج المفرق و الإنتاج المجمع و الذاكرة و التمييز. و من ستة نتاجات: الوحدات و الصنوف و العلاقات و المنظومات و التحولات و التضمينات، و من أربعة محتويات: الصوري و الرمزي و السلوكي و الدلالي (الزمر الأساسية الأربع للمعلومات). • لكي نستطيع الوصول بسهولة إلى المعلومة عن طريق نموذج البحث المحدد لا بد للمعلومة المختزنة من أن تكون مرمزة و مصنفة بطريقة متماثلة، فالكثير يتوقف على طريقة تخزين المعلومة ثم طريقة التعليم. و يرى غليفورد أن على المتعلم أن يأخذ المبادرة في تبين الأمور و اكتشافها بنفسه ما أمكن. و يجب عدم عزل المعلومات بل ربطها بالمعلومات الأخرى بواسطة التضمينات و العلاقات و التصنيف و التنظيم.

4. الحدس: القدرة على استرجاع المعلومات بشكل منظم حتى و لو كان هناك انتقال هو أمر آخر غير استرجاعها وفق نموذج بحث. و في بعض الأحيان تكون المعلومة الناتجة مختلفة عما كانت قبلاً لدرجة لا بد من تسمية العملية بالحدس.

5. التوسيع: هي الخطوة النهائية في الإنتاج الإبداعي، و تعني إيجاد التفصيلات للنتاج الكلي. فهو اقتراح زيادات و تكميلات قد تقود إلى أخرى.

6. التحويل: هو التغيير في المعلومات. وهو إعادة تعريف أو مراجعة أو إعادة صياغة.

7. بناء منظومة: هي العمود الفقري في الإبداع. قد تأخذ شكل قطعة موسيقية أو قصيدة او معادلة.

2.التربية للإبداع: خلاصة: المبدعون هم أناس استقلاليون، غير اتفاقيين، مسيطرون منفتحون للخبرة، مرنون، مندفعون في أعمالهم، يؤثرون الإدراك المنظم، لهم أهتمامات أنثوية و يتمتعون بروح النكتة. أبرز الملاحظات على أسر المبدعين: • كون والدي الأطفال يظهرون احتراماً لهؤلاء الأطفال كأفراد و يثقون بهم ثقة مطلقة و يعطونهم حرية و استقلالاً في اكتشاف العالم من حولهم فهم يميلون إلى القليل من الضبط و المراقبة. • والدو الأطفال الذين يتمتعون بتفكيرٍ مفرقٍ عالٍ أظهروا انفتاحاً في الصلات الإنسانية بالإضافة لعدم التحكم في أطفالهم. و كان هؤلاء الوالدون يتسامحون مع النزعات النكوصية. • الترابط بين الآباء و التفكير المفرق ترابط عالٍ جداً. • بيوت المفرقين كانت أقل تديناً. • الحرية و لاستقلال كانت لا تعني التسامح المطلق و انعدام الإنضباط. • لوحظ أن جميع أسر المفرّقين تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو المتوسطة العليا (أي غياب الصعوبات المالية عن البيت). إستقلال الأب مهنياً مرتبط إرتباطاً عالياً بالقابليات المفرّقة. بصورة عامة المجمعون لهم آباء ذوو مهن بيروقراطية، بينما المفرّفون أباؤهم رجال أعمال، أي الوالدان لا يضغطان على الولد و يشجعانه على البحث و الاستكشاف. • العلاقات في أسر المبدعين دافئة. و ليس من الضروري أن تكون الأسر منسجمة كل الإنسحام. أبرز الملاحظات على الحضارة: • دراسات مقارنة بين الشعوب: لوحظ مثلاً أن الأسكيمو قد حصلوا في بعض الدراسات على تسجيلات في كثير من المتحولات الأصيلة مشابهة لما حصل عليه الأنكليز. و هذا يناسب ما هو معروف عن الأسكيمو من قدرة على التكيف و روح المبادرة بالمقارنة مع أطفال الهنود. • نظرية هارفي: جميع الأنظمة و العضويات الطبيعية تتطور بواسطة عمليتي التفريق و التوحيد بحيث أن الأجزاء غير المميزة أصلاً في النظام تصبح بالتدريج أكثر تميزاً و تكيفاً بالنسبة لغرضها، وهي في الوقت نفسه تصبح مترابطة مع بعضها البعض كأجزاء من منظومة أعلى مستوىً. إن عمليتي التميز و التوحد توجِد مستويات مختلفة من التنظيم في المنظومات يمكن أن ترتب على مقياس يتراوح بين الحسية و التجريد. التربية قبل المدرسة يجب أن نعوض نقص مناخ الإثارة في حياة الطفل قبل المدرسة. نستثير دماغ الطفل للتجريب و الإختبار بالرمل و الماء و الغضار و الأسلاك. كما نشجع التعبير عن المشاعر لا من خلال التمثيل فحسب بل من خلال الرسم و التصوير و صنع النماذج. الأساس الفكري قائم على فكرة إغناء الإثارة المحيطية التي تقود إلى نمو عقلي و التي تقود بدورها لتفكير مفرق. تنوعت برامج الأطفال في الروضات و حرصت على أن يترك للطفل الإكتشاف بنفسه. أعتمدت هذه الفكرة على فكرة بياجيه: (إذا أردنا للطفل أن يكتسب مفاهيم جديدة و يرتفع إلى مستويات إدراكية أعلى وجب علينا أن نضعه على طريق الإكتشاف بنفسه و أن يقتصر عملنا على مجرد التوجيه). عمل المعلم وفق هذا الرأي أن يخلق الوضع المشكل و يسأل السؤال المناسب و يقدم المعلومات اللازمة –و المتضاربة إذا لزم الأمر- و يترك للطفل أن يجد الجواب الأحسن، و أن ينمي فضوله و حسه الريادي. تنمية التفكير المبدع: مبدأ فصل عملية إنتاج الأفكار عن عملية تقويمها (عملية إمطار الدماغ). بارنس: • أهمية حفظ سجل للأفكار التي تطرأ على الذهن في كل وقت. • عدم تحديد مواعيد زمنية لإنتاج الأفكار.

3.الطفل المبدع في المدرسة: • مناهج التعليم تقتل الإبداع و تشجع على الببغائية. • المؤسسات (و من ضمنها المدارس) وضعت لحفظ قواعد و أهداف معينة فهي بطيئة التغير و لا تتسامح إلا بقدر محدود من الإنحراف عن القواعد التي يعتقد مؤسسوها أنها خلقت من أجلها. المؤسسات و الأفراد المبدعون عدوان طبيعيان. • موقف المعلمين: المعلمون يرغبون بالطلاب ذوي الذكاء العالي، أما المبدعون بدرجة عالية فقد صنفوا في مستوى متوسط مع أن إنجازاتهم المدرسية لم تكن تقل عن إنجازات الصف الأول، ذلك أن تحررهم العقلي و قيمهم المختلفة قد تقودهم إلى أن يكونوا معيقين و غريبي الأطوار. و الإعاقة (الشيطنة) قد تكون من إشعاع الإبداع. بالعموم المعلمون يتخذون موقفاً أقل عطفاً مع المبدع و يفضلون عليه الطالب العادي الملتزم. • شعبية المفرقين بين الطلاب في المدارس التقليدية قليلة بعكس الأذكياء. بينما تتماشى مع القدرة الإبداعية في المدارس التي تقيم وزناً للطرق غير الرسمية و للتعليم المبدع.

إقتراح تورانس:

1. إحترام الأسئلة غير العادية.

2. إحترام أفكار الأطفال عير العادية.

3. أظهر للأطفال أن لأفكارهم قيمة.

4. قدم فرصاً للتعليم الذاتي و قدّره.

5. إسمح بالعمل و التعلم غير المقوم. التعليم من أجل الإبداع ما يجب أن نحرص عليه هو انتقال التعلم و هذا لا يحدث إلا إذا كان تعليمنا مبنياً على أساس من فهم البناءات و المبادئ الأساسية و دفع التلميذ إلى تطبيق ما فهمه من أسس و بناءات و ما تعلمه من مبادئ في أمكنة و مواقف أخرى. يجب ألا نكتفي بتعميم المبادئ بل نتعداها إلى تعميم المهارات و لا سيما في حل المشكلات. الحرص ليس فقط على حفظ الحقائق، بل على المهارات و لا سيما في حل المشكلات. يجب أن نحث الطلاب على الربط بين الرموز الحسية المختلفة، نشجعهم على اللعب بالأفكار و أن يكونوا حساسين للمشكلات. التعليم الإكتشافي و التعليم الحفظي ليسا متضادين. الدراسات أكدت على أننا إذا أردنا إحداث تغيرات أبداعية في المدرسة فعلينا أن نبدأ لا بالطرائق المستعملة في التعليم و لكن بالأشخاص الذين يعلمون و أن نقنعهم بتغيير مفاهيمهم و مواقفهم.

4.التربية من أجل الإبداع في العلوم: يذكر جيروم وايسنر أن التوسع السريع للميادين العلمية و التقنية و نسبة التغير المتسارعة في هذه الميادين قد خلقت مشكلات محيرة بالنسبة للمجتمع بعامة و للمجتمع التقني بخاصة. إن غزارة المفاهيم و النظريات الحديثة و الطرائق الجديدة ينتج عنها نتاجات و طرائق سريعة التغير و متزايدة التعقد. كل ما سبق يشير إلى أهمية إعادة النظر في النظم التربوية و جعلها قادرة على إبقاء المتخصصين مواكبين لتقدم العلوم و التكنولوجيا. لا بد للمنتج الإبداعي في المجال العلمي أن يتصف بالصلة المنطقية، الممكنة التعريف كمياً بالمعارف العلمية الموجودة سابقاً. فبالرغم من أن الصفة الانفعالية أو الحدسية للفكرة أو المفهوم الجديد أو غناه الجمالي فلا بد له من أن يكون ممكن الاتصال منطقياً و بشكل كمي بمجموع العلوم من أجل اعتباره منتجاً علمياً. الإنتاجية في العلوم هي مجموعة الفاعليات العقلية التي تساهم في توسيع المعارف العلمية و التقنية. حين نستخدم مصطلح الإبداع في العلوم و التكنولوجيا فمن المفترض أن يشمل النواحي الإنتاجية أيضاً. نجمع الفاعلية العلمية المبدعة في الزمر الثلاث الآتية:

1. البحث العلمي المهتم بالمشاكل التي تزيد فهمنا للطبيعة.

2. البحث العلمي و التكنولوجي المطبق المهتم بتطوير أدوات جديدة و التوفيق بين هذه الأدوات من أجل حل المشكلات الخاصة ذات الأهداف العملية.

3. التصاميم الهندسية المعنية بالدرجة الأولى بتكييف التقنية المتيسرة مع الأهداف الاجتماعية الخاصة جمالياً و مادياً و اقتصادياً. للمبدعين من الباحثين العلميين صفات مشتركة أهمها:

• محيط طفولي غني بالنسبة لقيمة المعرفة و الجهد العقلي، يغرس في نفوسهم عادة القراءة و الدرس لحد الإدمان و ذلك في عمر مبكر.

• ذكاءٍ عالٍ (و إن كان من غير الضروري أن يكون ذكاؤهم عالياً جداً).

• الحدس يلعب دوراً كبيراً في الإبداع. إن الوجوه الإبداعية لعملية البحث تبدو متحررة نسبياً و غير متقيدة بالقواعد و شخصية و لا تشبه كثيراً الصياغة المنطقية النهائية للنتائج. و يبدو أن هذه العملية المتحررة و الشعورية -جزئياً فقط- هي التي تنتهي بخلق أفكار و تبصرات جديدة. الصفات الأساسية للعملية التربوية التي تصمم لزيادة الإنتاجية في العلوم:

• يجب أن نغرس في نفس المتعلم عادة التشكك و نقد المعلومات و الآراء.

• يجب أن نشجع الأفكار الجديدة.

• التوكيد على المبادئ و القوانين و العلاقات البنائية و أمثالها.

• تشجيع تنمية العادات و المهارات في البحث عن الأفكار و إمكان ترابطها و الاهتمام بتحقيق النتائج.

• مساعدة الفرد خلال فترة النضوج على تنمية طريقة متكاملة متناسبة مع شخصيته و قدراته و معارفه.

5.تحضير الهيئات التدريسية الجامعية المبدعة: صفات (المعلم – الباحث) المبدع

1. العقل المتسائل: تلعب كل من الوراثة و البيئة دورها في إظهار هذه الصفة. التربية الحرة أقدر على تنميتها و الحفاظ عليها.

2. القدرة على التحليل و التجميع: يقصد براون بهذه القدرة الحصول على المعلومات و فهمها و تقويمها بشكل منظم. المعلم-الباحث المبدع لا يحصل على خبرته على شكل أنطباعات عابرة فقط و لكنها خبرات و معارف تحلل و تقوم و تفهم و تصبح بذلك جزءاً لا يتجزأ من موارده العقلية. و نؤكد هنا على أن مجرد التجميع مضر و لا بد من التحليل.

3. الحدس: هو صفة من صفات الترابط اللاشعوري، ترابط الأفكار و تمازجها لتكوين أفكار جديدة. لا بد للحدس من مخزون واسع من المعلومات التي جمعها عقل متسائل ثم قومها و حللها فيما مضى من عمره. إن الحدس بحاجة للشجاعة، كما أن أساساً راسخاً من التربية الحرة ينبوع ثرٍ من ينابيع الإبداع. إن احتكاك الأفكار و تفاعلها و غنى الخبرة و ثرائها أمور تغني الإبداع و تقويه. 4. النقد الذاتي: لا بد للعمل المبدع من أن يُتبع بالتركيز من أجل تقويم الفكرة المبدعة و تصنيفها.

5. النزوع إلى الكمال: إن الاكتشاف المبدع في أي ميدان يجب أن يكون أنيقاً، بسيطاً، متناسقاً و متكاملاً. المعلم-الباحث المبدع ينزع إلى الكمال ليس فقط في حقل اختصاصه وحده بل في كل مناحي الحياة.

6. النزوع إلى الاستبطان: المعلم-الباحث المبدع له موقف من ذاته و هو يحاول ألّا يعتمد إلا على هذه الذات؛ و ذلك أمرٌ لا يبعث على السعادة خاصةً حين يكون الإنسان نزّاعاً إلى الكمال، ناقداً لذاته و ذا حدس.

7. النزوع إلى مقاومة السلطة الخارجية: يميل المعلم-الباحث المبدع إلى مقاومة أحكام الآخرين و مقاييسهم و انتقاداتهم إلا إذا كان يحترم مساهماتهم العقلية السابقة. لذلك يجب أن يكون رؤساءه هم أنفسهم من الباحثين الذين وصلوا إلى مراكزهم عن إستحقاقٍ و جدارة.

كُتب في المناهج | التعليقات على (تربية الإبداع) مغلقة

حديث الشيخ (5)

إني صائم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
لم تتساقط الأقفال كلها كما ذكر الشيخ أبو العرفان ، فقد استمر يسار يقاوم مقاومة الأبطال ، ولكن أنَّى له الثبات ، وهو الفتى الذي لم يجرب حيل النساء !!
قال أبو العرفان : وانقطع عن الذهاب إلى المسجد الذي يصلي فيه صلاة الفجر ، ولم يعد يحضر حديث الشيخ ، وتلقفه حكيم بن محمود ، وحشى أذنه بخيالات وأوهام وحكايات ، أقل ما فيها يقسي القلب ولا يذكر بالرب .
قال أبو الحسن الورَّاق : وكان أبو محمود هذا ، واسع الحيلة عظيم المكر ، شديد الدهاء ، وكان يجد في ألاعيبه هذه لذة وتسلية لا يجدها في غيرها .. ومن ألاعيبه أنه استطاع أن ينتزع سعيد بن منصور من بيته ويضمه إلى فرقته !!
فقد نشأ سعيد في بيت علم وتقى ، وأبو الشيخ رحمه الله ، كان عـالمًا فاضلاً ، تفجر ينبوع الحكمة على لسانه .. إلا أنه لم يكن به ميل إلى التأليف .
في هذا البيت الكريم نشأ سعيد ، وكان يُضرب به المثل في السلوك الحسن . وقبل سنتين أصيب بمرض ألزمه الفراش عددًا من الشهور ، فأخذ حكيم هذا يتردد عليه ، ويتودد إليه ، وصار يقص عليه حكايات أهل الفسق والمجون ، حتى توطَّدت العلاقة بينهما ، وازداد تعلق سعيد بحكيم .. وعندما نفض عن ثوب المرض ، صار لا يخرج إلا معه ، ولا يجد الراحة إلا بمجالسته .
قال : وظني الذي أكاد أقطع به ، أنه لا يستمر معه طويلاً وسيأتي اليوم الذي يحن فيه إلى منازله الأولى ، وقد ترك له أبوه رحمه الله وصية ، ولكنه لم يلق عليها نظرة إلى يومنا هذا .!
قال أبو العرفان : ولم يذهب يسار إلى بيت الجارية كما وعد ، فقد استيقظ في اليوم التالي بعد أذان الفجر بمدة طويلة .. وسابق قرص الشمس في الصلاة ، فاعتبر هذا دليل الهبوط في إيمانه ، وجعله يعيد النظر في نفسه ..
أتكون الجارية قد خدعته ؟!
ربما .. بل من المحتمل جدًا .
ولكنه سمعها تئن .. وتتأوه .
لقد رآها تتلوى من الألم ..
تتساقط الدموع على خديها .
وتمثلت له كأنها تنظر في عينيه وتقول :
– هل تريدني أن أعيش ..
ثم وهي تقول :
– أنت تحبني أليس كذلك ؟
لاشك أنه تسرع ، وتسرع كثيرًا ..
أيكون قد كتب عليه أن يمتحن بهذه الجارية ؟!
وعادت قصة يوسف الصديق تتمثل أمامه .. كما سمعها من فم الشيخ .. شاب ، في عز قوته وفتوته وجماله ..
تدعوه امرأة .. نبيلة عزيزة جميلة ..
فيقول لها بكل إباء :
– لا ..
ويسجل القرآن موقفه هذا بحروف من نور ، ترددها الأجيال إلى قيام الساعة ، وكلما استجدت حادثة مثلها ، أو قريبً منها : } إنه كان من عبادنا المخلصين { .
وصرخ يسار وه يكاد يتمزق من الألم :
– أنا أبلغ مرتبة الإخلاص ؟!
كيف استطاع يوسف أن يصبر ..
وكل شيء .. كل شيء ..
حتى الجدران الأربعة ، والأبواب الموصدة ، المرأة العاشقة ، تبذل له كل شيء ..
تتودد إليه .. تتوسل ..
تتمرغ على قدميه ..
ولكنه قال كلمته : لا ..
أي قوة إيمانية كان يتمتع بها ؟
لابد أن يكون ما قام في قلبه ، أعظم وأجل مما تستطيع امرأة مهما بلغت من الحسن والحيلة والدهاء ، أن تصل إليه وتنال منه !!
لقد غسل قلبه من هذه المرأة .. وملأه بمعان أخرى ، مادتها من نور ، ومصدرها السماء ، فهو دائم التحليق عاليًا عاليًا ولا ينزل إلى الأرض إلا بمقدار ما يتناول منها ما يعينه على الصعود والصمود ..
وتنهَّد يسار وهو يردد بصوت مسموع :
– ذلك مثل ضربه الله للفتية المؤمنين : } إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين { .
إن المؤمن ليمتحن بالغنى والفقر والمرض والسجن ..
ولكن هذا الامتحان ..
آه يا ربي ..
لا أستطيع .. لا أستطيع يا رب .
ومر يوم ، ويوم ، ويوم .. وبعد صلاة العصر من أحد الأيام ، رأى يسار أن يذهب إلى المقبرة ، يستمد من صمت القبور حديثًا بليغًا يعينه على مواصلة السير ..
كيف وصل العارفون إلى ما وصلوا إليه ؟
إنه يتذكر عندما ذهب مرة ، وقرأ بعض ما كتب على القبور ، لقد أمدته تلك الزيارة بطاقة إيمانية دفعته إلى مضاعفة الجهد ومواصلة السير .. لاسيما عندما التفت إلى صاحبه يسأله :
– لماذا ترتفع المقبرة عن الأرض المحيطة بها ؟
فأجابه أبو الحسين وهو يتنهَّد :
– رب قبر قد صار قبرًا مرارًا ..
مستشهدًا بقول الشاعر ، دون أن يأتي على الشطر الثاني من البيت .
ليذهب هذا اليوم .. فلعل هذه الزيارة تستطيع أن تغسل من قلبه صورة الفتاة ..
الفتاة ..
الفتاة ..
المريضة المسكينة التي كانت تتألم ، تتوجع ، تئن ..
وعادت الصور تعرض في مخيلته ..
لم تكن تقوى على النهوض ، كانت تنظر إليه بعينيها الجميلتين وكأنها تستغيث ودمعة متوسلة من عصارة القلب تدحرجت على خدها ..
لقد أحب تلك الليلة .. أحب كل ما فيها ..
أحب الرذاذ المتساقط الذي أرسلته السماء برفق كأنها تخشى أن توقظ الأرض النائمة ..
والخادم الذي لم يرد أن يغادر دون أن يصحبه إليها ..
حتى جدران الغرفة ، والسرير القرطبي الذي يقال أن أميرات الأندلس يستعملنه ، والقناديل المتألقة .. والقدح الذي تناولت منه الدواء ..
ولم يشعر إلا وهو يقف على باب بيتها في نهاية سوق الخبازين ، وكان الوقت قد قارب المغرب ..
ورفع يده يهم بطرق الباب ..
ولكنه توقف ..
وأخذت يده تهبط بهدوء ، حتى استقرت إلى جانبه .
ثم استدار عائدًا .. من حيث أتى ..
ومشى خطوات ..
بطيئة ، ثقيلة ، متمهلة ..
ثم وقف ..
لقد شعر بشيء خفي يشده إلى الخلف .. إلى بيت الجارية ، فالتفت ينظر إلى الدار ..
هذه نخلة باسقة تقف أمام الباب باعتزاز ، وقد تعلَّقت الشمس بجدائلها .. كيـف لم يرهـا من قبل ؟!
وهناك أطفال يلعبون بكرات من الصوف يتقاذفون بها بأرجلهم .. وصبية صغيرة ترتدي ثوبًا أزرق تنتشر عليه خطوط بيضاء ، تسير إلى جانب أمها وهي تنظر إلى الأطفال وتضحك .
وطفل أشقر أطل من النافذة وقد أرسل تفاحة ربطها بخيط وأخذ يؤرجحها فهو يتسلى بهذه اللعبة ..
السماء تبدو صافية ..
كان كل شيء في هذه المحلة يبدو لعينيه جميلاً ومحببًا ..
البيوت المتلاصقة على الجانبين ..
والزهور التي تطل من الشرفات ..
والدكان القديم الذي يقع في نهاية الشارع .
وأطفال المحلة ..
والناس الذين يتكلمون بهمس .
وبيت الجارية ..
إنه يضم أجمل فتاة في الدنيا ..
وعاد مرة أخرى ، وقد عزم على أن يطرق الباب ، لقد أيقظت هذه الأحلام مشاعره ، وازدادت رغبته ، وملأت حواسه فأقبل ملهوفًا يريد أن يطرق الباب ..
ولكنه قبل أن يتقدم إلى الخطوة الثالثة تذكر ..
تذكر حديث الشيخ في آخر مرة حضر فيها إلى المسجد ، كان يتحدث وعيناه تتألقان بالنور ، ونظراته تنفذ إلى الأعماق .. وعبدالله بن الشيخ إبراهيم ، ومحمد الذهب ، وأبو الحسن علي بن حسين ، وعبود وسلمان النجدي ، وغيرهم . كلهم يستمعون إليه .. أما هو فقد استطاع أن يتحاشى النظر إلى الشيخ طول الوقت لئلا يفتضح ..
وتذكر كيف ضرب الشيخ مثلاً للسائرين إلى الله ..
ترى أين مكانه ؟
هل هو في حال المتحرج من الجبل ؟!
وإلى أين وصل ؟
أتقف هذه المرأة في طريقه ؟
وغضب يسار وهو يرى أنه قد أهين بجره إلى هذا الطريق .. وعزم على أن يقابل الجارية ليرى ماذا كانت تريد أن تقوله .. ولكي يصرخ في وجهها ، سيقول لها صراحة :
– أنا أكرهك .
سوف يتخلص منها بلا ريب ..
وأسرع الخطو ..
وطرق الباب ..
وانتظر ..
انتظر طويلاً .. فلم يفتح الباب !
وطرق مرة أخرى .. وتمنى لو سمع صوتًا .. أي صوت .. فلم يسمع إلا شقشقة العصافير على النخلة الباسقة التي تجاوزت في ارتفاعها سطح الدار .. وأراد أن يعود .. ولكن ..
وتذكر أن الطرق المسموح به ثلاث مرات ، وقد طرق مرتين .. ورفع يده ..
قال أبو العرفان : أخبرني من أثق به ، أن الجارية كانت قد أبصرت بيسار عندما أقبل ، وإنها كنت تقف وراء الباب تنظر إليه من ثقب صغير .. قال : فلما طرق الثالثة ، انتظرت حتى هم بالانصراف ، ثم فتحت الباب .. وبدت له بشعرها الطويل الأسود اللامع الذي أرسلته على كتفيها ، وعينيها الكحيلتين ، وأنفها الصغير المستقيم ، ووجهها الذي عادت إليه العافية فأكسبته بهاءً ورواءً .
ورحبت به بابتسامة غمرت كل أعضائها ، وبصوت كالهمس قالت :
– تفضل ..
وقبل أن يتعذر ، رآها تترك الباب مفتوحًا ، وتتقدمه إلى غرفة الاستقبال .. ولم يشعر إلا وهو هناك ، والجارية تشير إليه بكل رقة وتدعوه للجلوس . ثم تركت الغرفة ، وعادت بعد قليل وقد زيَّنت شعرها بوردة بيضاء ، وحلمت إليه في صينية مستديرة قدحًا من عصير الرمان .
وأمام هذا نسي حديث الشيخ ونسي نفسه ، ونسي كل شيء وعاد لا يعيش إلا هذه اللحظة .. ولا يدري كيف امتدت يده إلى القدح الذي يحاكي لونه لون شفتيها ، وهل كان ينظر إلى القدح أم إليها ! كان ينظر إليها كالمسحور ، ولم ينتبه إلا على صوتها وهي تصبح :
– انتبه يا سيدي .. العصير ..
كانت يده قد مالت بالقدح ، وكاد العصير يتبدد على ثوبه .
ونسي يسار الغرض الذي جاء من أجله .. ولم يشعر إلا وهو يقول لها بصوت خافت متقطع :
– كيف حالك ؟
قالت وهي تنظر في عينيه ، وكأنها تريد أن تنفذ إلى قلبه :
– الحمد لله .
قال :
– أنت أحسن حالاً .. أليس كذلك ؟
فاهتزت الوردة التي تزين شعرها ، وقالت :
– بفضلك يا سيدي .
قال وكأنه يهمس في أذنها التي يزينها القرط اللؤلؤي :
– الفضل لله وحده .
قالت وابتسامة السرور تملأ وجهها :
– أنت ناولتني الدواء .. وكان فيه الشفاء .
وغض بصره .. وبقي صامتًا لحظات .. والقلوب تتحدث بدقَّاتها الرتيبة .. ثم نظر إليها كالولهان وقال :
– لم أعد أصبر يا سرشير ..
وأجابته وعطر أنفاسها يلامس وجهه :
– ولا أنا ..
وكان لا يزال يحمل القدح بيده عندما قالت :
– لقد صنعته لك ..
قال بنفس الصوت الخافت الحالم :
– وما يدريك أنني سأجيء ؟
قالت وهي تشير بأطراف أناملها الخضبة :
– قلبي حدثني ..
ورفع القدح إلى فمه ..
والتقت العيون في عناق طويل ..
وأدنت كرسيها وهي تقول :
– اشرب .. أنا صنعته .. بيدي ..
ومدت يدها .. تريد أن تسقيه .
واقتربت من يده ..
ولم تبق إلا مسافة قصيرة .. قصيرة ..
وارتفع صوت المؤذن لصلاة المغرب ..
الله أكبر ..
الله أكبر ..
فألقى يسار بالقدح وكأنه أصيب بلذع .. ونهض وهو يقول :
– إني صائم ..
قالت :
إنه أذان المغرب .
ولكنه أسرع نحو الباب وهو يقول :
– يجب أن أنصرف .
وخرج يسار ، والدنيا تميد به ، ولا يدري كيف قادته قدماه إلى هنا .. إلى بيت الجارية ..!
قال أبو الحسن الورَّاق : ومنذ ذلك اليوم تغيَّر يسار ..
لم يعد كما كان .. لم يعد ذلك العابد الزاهد الذي تملأ عليه العبادة أقطار حياته .
قال الشيخ جواد : قد يعزف الرجل عن نساء الدنيا كلها ، ولكن امرأة واحدة تستطيع أن تتسلل إلى قلبه وتحتل مكانًا فيه فلا تغادره .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (5) مغلقة

حديث الشيخ (6)

سر الجارية

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
لم تمض على خروج يسار ساعة من الزمن ، حتى سمعت الجارية طرقًا قويًا على الباب اهتزت اه جنبات الدار ، فأسرعت تفتحه لترى من الطارق .
وطالعها رجل طويل عريض كبير الأنف صغير العينين ، قد كور فوق رأسه عمامة قديمة مهملة ، واشتمل برداء من الجلد مما يستعمله المسافرون . وقال الرجل بصوت جهوري ضخم :
– أين مريد ؟
وقبل أن تجيب ، ودون أن ينتظر جوابها قال :
– أخبريه بأن القافلة ستغادر غدًا ، بعد صلاة الفجر .
ثم أداره ظهره ومضى دون أن يلقي عليها نظرة، أو يحاول سماع الجواب. لكنها صاحت تقول:
– إلى أين ستغادر القافلة ؟
ودون أن يلتفت ، أو يكلف نفسه عناء الوقوف ، قال :
– إلى الشام .
قال أبو الحسن الورَّاق : واهتزت الجارية لسماع الخبر ، وقد فوجئت به .. إلى الشام ..!!
ماذا يريد مريد من الشام ؟!
أتراه يريد أن يتركها .. دون أن يخبرها أو يطلعها على موضوع سفره ؟!
هل نسي مريد يوم جاء به أبوها طريدًا شريدًا عاريًا ..
كان ذلك منذ سنين مضت ..
يوم كانت سرشير صغيرة تلعب في حديقة البيت عندما أقبل أبوها على جواد أدهم ، وأقد أردف خلفه غلامًا نحيفًا في غير هزال لا يستر جسمه البرونزي إلا خرقة تستر عورته . كان الغلام يبدو غريبًا متوحشًا ، تلمع عيناه ببريق مخيف . فلما رأته تملكها رعب مفاجئ ، فهربت صارخة إلى أحضان أمها التي طوقتها بذراعيها وهي تقول :
– لا تخافي .. لا تخافي يا بنتي .
ثم ترجل أبوها ، وأمر بأن يؤخذ الغلام إلى الحمام . وحاول أن يتمرد ، فكلمه بلطف ، وربت على رأسه ، فانصاع الغلام . ثم كساه بدلة بيضاء أضفت عليه سمتًا مقبولاً ، وأحضر له مؤدبًا علَّمه كثيرًا مما يحتاج إليه أمثاله ، وبقيت مدة لم تحاول الاقتراب منه أو الكلام معه . وكان هو أيضًا ينعزل في ركن من الحديقة الكبيرة التي تطرز حواشيها الأزهار من كل نوع ، وتنتشر في أرجائها الطيور الصغيرة الملونة ، طيور الجنة ، وعدد من البط يختال قرب حوض الماء .
ولم تمض أيام حتى تغير الغلام تمامًا .. لم يعد ذلك الغلام النحيف العري الجسم الموحش .. كانت تسترق إليه النظر وهو يأكل ، وتسترق إليه النظر وهو يجلس أمام مؤدبه . وقد كانت ترميه بكرة الصوف أحيانًا أو ببقايا التفاح ، فإذا نظر إليه شزرًا لاذت بأمها ..
وتجرأت يومًا على الاقتراب منه ، وحدثته .. فلم يرد عليها بكلمة واحدة ، وكان ينظر إليها ، وكأنه ينظر إلى طير صغير جميل .
وبعد ما يقارب الشهر على مجيئه ، أشار إليه أبوها يومًا .. فتبعه طائعًا ، بعد أن ارتدى ثوبًا جديدًا جميلاً . وفي المساء عاد الوالد يتبعه الغلام ، وكان في أشد حالات الانفعال والهياج .. وأخذ يتحدث بلا حذر . وكأنه فقد صوابه :
– لا أدري كيف يثق السلطان بهذا الرجل ؟
ومضى يخاطب أمها :
– كان هناك الوزير مندلي ، قال للسلطان إن هؤلاء لا يؤمن جانبهم يا مولاي ، لا يكن قصرك مأوى لأمثال هذا .
قلت للسلطان :
– أنا أتكفل به يا مولاي .. أنا أستطيع أن أجعل منه شخصًا آخر ، سأعلمه كل ما تريد .
ولكن الوزير الوثني استطاع أن يقنعه .. فأشار بيده يقول :
– أرى أن تضمه إليك .
وضرب كفًا بكف وهو يقول متغيضًا :
– أتذهب جهودي عبثًا ؟
وأشارت الوالدة ، وكانت جارية شقراء فاتنة ، من بلاد التركستان قالت :
– وماذا في ذلك ؟
فأجابها وهو ينفث لهيبًا من النار المتأججة في صدره :
– إن قلبي لا يطمئن إلى هذا الوزير .. إنه مخادع . إني أخشى أن يدبر مكيدة تؤدي بنا وبالسلطان وبالمملكة كلها ..
ثم سكت حتى هدأت ثائرته ، وقال بصوت متألم :
– أردت أن أجعله في خدمة السلطان .. لعله ينفعه .
لم تكن تدرك معنى لما يقوله أبوها ، ولكنها تشعر بأن هناك ما يشير إلى خطر متوقع الحدوث ، وأنا أباها كان يحذر السلطان ملك الهند من هذا الخطر ، ولكنه لم يلتفت إليه ، ولم يعره أهمية .
كيف يستطيع أبوها أن يقنع السلطان وهو لا يتقن إلا صناعة الغناء ! كان أبوها مغني السلطان ، وكان يطربه في ليالي الأعياد والمناسبات .. وكان مقربًا محظوظًا من جميع الذين يترددون على القصر .. إلا الوزير ! فلم يكن يرتاح إلى وجوده ، ولولا مكانته في الغناء ، لاستطاع إبعاده بسهولة .
ومضت سنون ، وارتاحت إلى الغلام الذي شب قويًا ذكيًا مخلصًا . وحدث ما توقعه أبوها . ففي إحدى المرَّات ، عندما خرج السلطان إلى الصيد كعادته في كل عام ، استولى الوزير مندلي على كرسي المملكة ، وطلب عون المماليك الهندية الوثنية فلبت نداءه . وأخذ يتعقب أعوان السلطان محمود الخلجي بالقتل والسجن والتعذيب .
فقتل أبوها .. وماتت أمها غمًا ..
واستطاع أن ينفذ وصية سيده ، فقد كان يوصيه في كل مرة :
– إذا وقع مكروه فلا تبق في هذه البلاد ، خذ سرشير وأمها وغادر البلاد بسرعة .
ولكن الوالدة أبت إلا أن تموت إلى جانب زوجها ، وأخذ الخادم سرشير وغادر المدينة سرًا ، بعد أن جعلها ترتدي ملابس غلام جركسي . ولما علم مندلي بهروبهم ، أمر خمسة من رجاله بأن يتبعوهما .
وعلى مسافة يومين أدركهم رجال الوزير . فوقف عربيد بانتظار القوم . وشعرت الجارية بأن نهايتها قد اقتربت .. فصرخت تقول :
– لماذا وقفت .. هل نسلم أنفسنا ؟
ولم يجب .. فقد وصل الجنود ، وترجَّلوا عن ظهور الخيل ، وتقدَّموا للقبض عليهما ..
كانت تقف قريبًا منها شجرة عظيمة ، حط عليها عدد من الطيور والعصافير ، وصاحت سرشير مرة أخرى وهي تلوذ بالشجرة :
– هل نسلم أنفسنا .. إنه الذبح ..
وحدث ما لم تتوقع ..
فقد ألقى الخادم بنفسه على الجنود ، واستولى على سيف أحدهم ، ثم أخذ يقاتلهم بشجاعة نادرة أذهلتها ، وأثارت إعجابها ، وجعلت الطيور تجفل مخلقة في السماء .. وكان خفيفًا نشيطًا ، سريع الحركة ، استطاع في أقل من ساعة واحدة أن يجندل ثلاثة منهم ، ولاذ الاثنان الآخران بالهرب .
وقف عربيد وصدره العريض يعلو ويهبط ، والسيف في يده يقطر دمًا وقد شعر بهمٍّ عظيم يزاح عن صدره .. فقد انتقم لسيده .
واحتفلت به الجارية بإعجاب وقالت :
– أنت بطل ..
ولم يرد عليها ، وإنما اتجه إلى الخيل ، فأمسك بجوادين ، امتطى أحدهما وأمرها أن تمتطي الآخر ، ثم انطلقا ينهبان الأرض ، حتى وصلا إلى بلاد فارس . فأقاما هناك سنين ، استطاعت الجارية خلالها أن تتقن اللغة الفارسية . وانقطعت عنهما أخبار الهند . ولم يصل إلى علم الخادم إلا أن السلطان محمود الخلجي قد لجأ إلى السطان عبدالحليم ، وقد وعد الأخير بنصرته ، ثم بلغه أن الوزير مندلي قد أرسل وراءهم من يتعقبهم ، وأقسم لينتقمن من عربيد شر انتقام . وأشارت عليه الجارية بالسفر إلى بغداد .. وفي هذه الرحلة أنفقوا كل ما لديهم من مال ومتاع ، حتى إذا وصلا إلى بغداد قالت الجارية :
– هل فكرت في أمرنا يا عربيد ؟
فأومأ برأسه وقال :
– إنني أعرف رجلاً تاجرًا، كان صديقًا لوالدك رحمه الله، وكان يتردد عليه عندما يزور منداو..
فانبسطت أساريرها وقالت :
– من هو .. ما اسمه ؟
ودون أن يلتفت إليها قال :
– أنسيته .
واصطحب الجارية ، وذهب يسأل ويتطلع في الوجوه في سوق التجار لعله يجده .. وهناك رآهما حكيم بن محمود ، وعلم أنهما غريبان يبحثان عن مأوى ، فرحب بهما ، وقدَّم لهما هذا الدار بكل ما فيه من أثاث ومتاع .. وكانت الجارية قد تعلَّمت اللغة العربية عندما تعلمت القرآن في منداو ، وكانت لغة الطبقة الراقية في الهند .. وتعلَّمها عربيد أيضًا لاتصاله بعدد من التجار العرب الذين كانوا يفدون على الهند لغرض التجارة .
ولم تمض في تأملاتها بعيدًا .. فقد أقبل مريد ، وكانت تبدو عليه السرعة والاهتمام .. ودخل دون أين يتلفت إليها ، وتوجه إلى غرفته .. فأسرعت في أثره . فإذا به قد أعدَّ كل شيء ، وحزم أمتعته ولم يبق إلا أن يحملها ويذهب .
فارتاعت لهذا ، ولم تصدق عينيها ، وهتفت بجنون :
– إلى أين يا مريد ؟
ودون أن ينظر إليها قال :
– سأغادر بغداد .
وهتفت به :
– وتتركني يا مريد ؟
فأجاب بكل هدوء :
– نعم .
وصرخت دون وعي :
– لماذا ؟ لماذا يا مريد .. هل آذيتك ؟
ووقف مريد وصدره العريض يعلو ويهبط ، وقد بدا قويًا رائعًا في تناسق جسمه ولون وجهه ، وقال بصوت هادئ :
– لقد قضيت ما مضى من حياتي عبدًا لك .. فأردت أن أقضي ما بقي منها عبدًا لله .
فهتفت به وهي تمسكه من يده :
– ما الذي يمنعك وأنت هنا ؟
فأبعد يدها بلطف وقال :
– أريد أن أذهب إلى بلد لا يعرفني فيه أحد .. أريد أن أهجر الماضي بكل ما فيه من تعاسة وهوان ..
واستعطفته بنظراتها وقالت :
– منذ متى وأنت تعيش في هذه الأفكار ؟
فتنهَّد وقال :
– من يوم التقيت بالشاب العابد الزاهد يسار ..
ومضى يتكلم عنه بصوت عميق يوحي بشدة تأثُّره :
– أنت لا تدرين أي رجل هذا ! إنني أنظر إليه من بعيد ، فأراه كأنه ذهب إلى الآخرة ، واطَّلع على ما فيها ثم عاد إلى الدنيا ، فهو دائم الرغبة والرهبة .. لا تغادره صورة المعذبين في النار ، ولا صور المتنعمين في جنات النعيم ..
إنه رجل .. لا يعرفه كثير من الناس .
كانت تصغي إليه ، وتود لو مضى في وصفه أكثر مما وصف .. إنها تدري أي رجل هو .. فمنذ اللحظة الأولى ، منذ رأته في بيت حكيم بن محمود ، عرفت أنه لا كالرجال الذين رأتهم ، إنه نسيج وحده .. ولذلك فقد أشفقت عليه من نفسها ، وأشفقت على نفسها منه .
ومضى مريد يقول :
– منذ التقيت به لأول مرة ، وأنا أفكر في الكلمات التي قالها لي .. قال : بل أنت مريد .. المريد هو صاحب الإرادة القوية .. اتق الله واجتنب المعاصي .. وفكرت في نفسي ، وفكرت فيك ، وفكرت في يسار .. هذا الفتى الذي يملك المال والقوة والجمال .. مَنْ مِن النساء من لا ترغب في يسار ..؟
ولكنه الفتى النظيف الذي لا يدع شيئًا يلوِّث قلبه الأبيض . لا يغرنك بعض ما ترين من نزوله .. فإنه لا ينزل إلا ليعلو ، ولا يدنو إلا ليبتعد ، ولا يهبط إلا ليحلِّق .. إنه رجل يحاسب نفسه بعد كل هفوة يرتكبها .. ولا يزال بها حتى يقيمها على الجادة البيضاء .
وسكت مريد ، وظل صدره العريض يعلو ويهبط ، وكان يبدو كالبركان الذي ضاق بالنار المتأججة في صدره فأراد أن يقذفها ..
قالت :
– ولكن يا عربيد ..
فقاطعها بحدة :
– لقد سماني يسار ( مريد ) ، ولا أريد أن أستبدل به غيره حتى ولا واسمي القديم .. وقد رضيت أنت به .
وعادت تقول مرة أخرى :
– ولكن يا مريد ..
وقاطعها أيضًا :
– أريد أن تسمعي كلامي أولاً .. ماذا ينفعك هذا المدعو حكيم ، إن ألاعيبه ستعود بالشر العظيم ..
وصاحت قبل أن يستمر :
– مريد .. اسمعني ..
قال :
– لا فائدة يا سيدتي .. لقد دفعت الأجرة ، وسأغادر غدًا .
وصرخت مرة أخرى وقد اعتراها الغضب :
– اسمعني يا مريد .. اسمعني .
ثم سكتت قليلاً ، لتستعيد هدوءها .. ثم قالت بصوت اجتهدت أن يكون في غاية الرقة :
– هل تستطيع أن تنتظر لعدة أيام .. فلعلي أجيء معك .
فهزَّ رأسه بإصرار وقال :
– أبدًا .. لقد تقطَّعت العلاقة بيننا .. إنني لم أعد أصلح لك ، ابحثي عن غيري .. إنني أريد أن أسلك الطريق الذي سلكه يسار .. لقد تبت يا سيدتي . أتفهمين معنى كلمة تبت ..؟
وهمست تقول :
– أنا أيضًا سأتوب .. أقسم لك .
وحمل أمتعته وهو يقول :
– كلا .. هذا آخر لقاء بيننا ..
وقبل أن يخرج ، هتفت تقول :
– انتظر ..
وغابت قليلاً ، ثم عادت وهي تقول :
– خذ هذا .. استعن به على قضاء حوائجك .
ونظر إليها نظرة جامدة .. كانت تحمل كيسًا من النقود مدت يدها به إليه ، وظنت أنه خير ما يقدم لهذا الخادم المخلص الأمين .
ولكنه قال :
– لا يا سيدتي .. أنا لا أريد أن أصل إلى الله بالمال الحرام .. المال الحرام لا يوصل إلى الله يا سيدتي .. لقد كسبت بعض ما حصلت عليه بكدِّ يدي .. بتعبي .. ليالي طويلة مرت علي وأنا لم أذق طعم النوم .. أريد أن أقف بين يدي ربي وأنا نقي الثوب ، نقي الجسد ، نقي القلب . لا يلوثني أثر من آثار المعصية ..
أفهمت يا سيدتي ..
إني مهاجر إلى ربي ..
ومضى مريد يحمل أمتعته في حزمة كبيرة على كتفه ، وتبعته الجارية إلى الباب ، ثم وقفت تشيعه بنظراتها ، حتى احتواه الظلام الذي بدأ يزحف محتلاً مواقع النهار .. ولم تشعر إلا والدموع تنهمر على وجنتيها ..
لقد ذهب مريد ..
لقد فهم إشارة يسار عندما قال له : إن أرض الله واسعة ..
وشعرت الجارية كأن شيئًا عزيزًا قد انتزع منها .. شخص كان يشاركها آمالها وآلامها ، تقاسمت معه السرَّاء والضرَّاء ، حتى إذا كانت في أحوج اللحظات إليه .. تركها ..
تاب ..
وتنهَّدت وهي تنظر إلى الطريق الطويل الذي أخفاه ، فرأت شيخًا عجوزًا مقبلاً يتوكأ على عصا ، وسمعت طفلاً يغني فتردد الجدران صدى صوته .
وردت الباب بلطف ..
ودخلت وهي تفكر في مصيرها ..
ويسار ..
لا .. إنه لا يتزوجها .. إن فورة حبه ستنطفئ إنه كما قال مريد .. سوف يحاسب نفسه حتى يقيمها على الجادة ..
إنه ليس لها ..
إنه ليس من عالمها ..
إنها لا تستطيع أن ترتفع إلى عالمه ، فهل تستطيع أن تدنيه إلى عالمها ؟!
وخيِّل إليها كأنها تسمع صوت حبيب بن مسعود يهمس : لا تفعلي .. بالله عليك .
ثم وهو يقول :
– إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد .
لماذا تركض وراء السراب ؟
من الخير لها أن تنسحب وهي عزيزة مطلوبة مرغوبة ، قبل أن تضطر على الانسجام وهي …!
سوف تبتعد عن طريقه .. تتهرب منه ..
لن تفتح الباب إذا أتى .
ولكن .. هل تستطيع ؟

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (6) مغلقة

حديث الشيخ (7)

القلب المهزوم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
لم يدر يسار كيف أدَّى صلاة المغرب والعشاء ..
لم يدر كيف قادته رجلاه إلى بيت الجارية .. لم يدر كيف سمح لنفسه أن يقول لها ما قال ..
كان في طريقه إلى البيت بعد صلاة العشاء ، وكان القمر كئيبًا حزينًا ، والهواء باردًا ، وغيوم مبعثرة في السماء ..
كيف ذهب إلى بيت الجارية ؟
كان يريد أن يذهب إلى المقبرة .. يريد أن يقرأ بعض ما كتب عليها .. ليستمد منها العزم والصبر والتصميم ، فهي الواعظ المفلق !
ولكن أين وجد نفسه ؟
كانت هناك .. استقبلته .. سمع صوتها .. تحدَّثت إليه بعينيها .. بهمسها .. بقلبها ..
حملت إليه كأس العصير ..
حملته بيدها ..
بنفسها ..
وانتبه إلى نفسه ، فإذا به يقف على باب بيتها ..
هل يصدق ما قيل عن مجنون بني عامر !! ووضع يده على الباب ، لابد أنها وضعت يدها هنا ..
وتلفت حوله ..
هذه النخلة الباسقة التي يتوجها سعف أخضر ، تنظر إليه في صمت وهدوء ، تدغدها الريح أحيانًا فيسمع حفيفها كأنه الهمس ..
وتنهَّد وهو يستند بظهره على الباب .
واشتدَّت الريح ، وانطفأت الفوانيس ، وبدأ وجه القمر شاحبًا لا أثر فيه للجمال .
وعاد يسار يجر الخطى وقلبه يلتفت إلى بيت الجارية ..
وعندما وصل إلى البيت ، واحتوته الغرفة ، شعر بضيق شديد ، شعر كأن جدران الغرفة تشدد الحصار على قلبه المهزوم .. فأسرع يفتح النافذة . وهجم الهواء ، وتنفَّس يسار ملء صدره ، ولم يشعر إلا وهو يردد ما كتبه له الشيخ في يوم من الأيام ، وطلب إليه أن يردده كثيرًا : } رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين { .
وبقي الهواء المغسول بماء النهر يرطب فؤاده ، فشعر بشيء من الراحة .. ثم عزم على أن لا يعود إلى بيت الجارية ، لن تتكرر حادثة اليوم أبدًا .. إنه من الخير أن لا يعود ، سيغسلها من قلبه ، سوف لا يدع لها أثرًا على بساطه .. وإلا ..
قال أبو الحسن الورَّاق : كانت أمه تنظر إليه وتتألم ..
تشعر أن ابنها هذا يعيش مشكلة عظيمة قد أحاطت به ولا يستطيع التخلص منها ..
ولكن ما هي هذه المشكلة ؟
إنها تستطيع أن تتصور كل مشكلة يمكن أن يقع فيها إلا هذه المشكلة !! إن عاصفة قوية قد هبَّت على قلبه فأشاعت فيه الحيرة والقلق ، ولكنه أسدل عليها ستارًا من التصبُّر والتجمُّل محاولاً كتمانها وعدم ظهورها للعيان .. ولكنها ظهرت ..
رغم كل ما كان يبذله من مقاومة .
أما أبوه ، فلم يلتفت على حاله ، فقد كان مشغولاً بالسوق طول يومه ، حتى إذا عاد إلى البيت ، عاد متعبًا منهوك القوى ، لا يود سماع شيء يكدر عليه هدوءه وراحته !
ولم يغب حاله عن أخته الصغيرة اللطيفة الوديعة سناء ، فكانت تنظر إليه وتتألم .. وتسأله في كل مرة :
– ماذا ألمَّ بك ؟
فلا يجيب إلا بتنهدة عميقة ، أو زفرة حارة ، أو يشح بوجهه عنها ، فتنطلق وراء قطتها ..
وكان يسار قد استنفد قواه ، ونال منه الجهد ، ولم يعد يحتمل مجاهدة نفسه ، فقد استطاعت الجارية أن تتغلغل إلى شغاف قلبه .. فلما انجذب إليها ذلك الانجذاب العجيب .. أخذت تتهرب منه !!
فاضطرمت النار في أحشائه ، وتغيرت حاله ، وصار لا يقر له قرار ، وشعر بوحشة قاتلة ، ويأس مرير ، ولم يعرف كيف يداوي ما به ، ولا يريد أن يداوي ما به !
لم يعد له ذلك الهدوء اللطيف ، والطمأنينة التي يجدها في جنب الشيخ وهو يستمع إلى حديثه الذي يملأ القلب نورًا وبهجة ، وإيمانًا ويقينًا ..
وصار يتلوَّى كما يتلوى السقيم ..
ولم يرحم أبو محمود حاله ، فأخذ يشير عليه أن يداوي ما به بشرب الخمر !!
وأجابه بكل عزم وتصميم :
– معاذ الله .. لا كان ذلك اليوم الذي أقارف فيه هذا المنكر .
وأصبحت صلاته خفيفة جافة ، ليس لها جذور في القلب .. كأنها أوراق يابسة على شجرة في طريقها إلى الذبول !
وأخذ يحس في قعر قلبه بنار متأججة ، واضطراب وعدم راحة ، وعرف السر الذي يدعو هؤلاء إلى انتهاب اللذات ، والانغماس في الشهوات ومقارفة المنكرات .
تكشف له سر ذلك كأجلى وأوضح ما يكون ..
إنهم يعيشون حياة قلقة ، جافة ، لا أثر فيها للهدوء أو الراحة ، إنهم يسيرون في طريق متعثر شائك ، يهربون منه إلى طريق أشق منه وأوعر .. إنهم ينتقلون بين النار والرمضاء ..
وعلى كليهما لا يجدون الراحة ولا الهدوء ولا الطمأنينة !!
تكشف له كل هذا .. ولكنه هاهو معهم ..
فلماذا لا يتركهم ..
إلى أين يذهب ؟
إنه لم يعد يصلح للعودة إلى أصحابه ، إلى إخوته الأطهار ، الذين يخشى الواحد منهم أن يتلكم بالكلمة الواحدة إلا بعد تقليبها على وجوهها لئلا يكون فيها شيء من مساخط الله ..
إنهم ينقون الكلام كما ينقي الواحد منا التمر ..
إنهم يصدرون في معظم أمورهم وكأن النار لم تخلق إلا لهم !
أما هؤلاء ..
السادرون في لهوهم وعبثهم .. فكأن الجنة لم تخلق إلا لهم .
ولكن ..
هاهم يكتوون بنار الدنيا ، فلا يجدون لذة للحياة .. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يظن أن طريق الخلاص لا يكون إلا بقتل نفسه !!
والجارية ..
لم يعد يدعو الله بأن يبعدها عن طريقه ، بل أخذ يتلهف لرؤيتها ، وينتظر الساعة تلو الساعة لكي يراها .. وأخذ يتصورها في حركتها ، في مشتها ، في ضحكتها ..
في كل شأن من شؤونها !!

 

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (7) مغلقة

حديث الشيخ (8)

زهد وحسان

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
وسر أبو محمود لما رأى من تغيُّر يسار ، وصفَّق وهو يقول :
– ألم أقل لكم ، سأسقيه الخمر بيدي .
وكان أبو محمد يظن أنه يستطيع أن يغوي أي شخص مهما كان من علو المنزلة ، والمكانة والزهد والعفاف .. ومهما أحاط بذلك الشخص نفسه ، بأسوار تقيه شر الموسوسين من الجنة والناس أجمعين ! وأن الشيطان لو عجز عن أحدهم ، فلن يعجزه .
قال أبو العرفان : كان حسَّان بن معيقيب أحد هؤلاء الذين سقطوا تحت تأثير حيكم . وقصته كما حدثنا بها غير واحد ، أنه كانت له ابنة عمة ، وكان يحبها كأشد ما يحب الرجال النساء ، وكانت جميلة ، تقيَّة ، مؤدَّبة ، ذات خلق ودين .
عاش معها في بيت واحد ..
ترعرعا سوية .
كانا يلعبان سوية ..
يتذاكران قصار السور من القرآن الكريم ..
كانت تسبقه دائمًا في الحفظ .. وإذا تأخر في قراءة آية أو أخطأ أخذت تنظر إليه وتضحك .
وكانت تعجبه ضحكاتها ..
ولاسيما إذا احتوى فمها الصغير قطعة من الخبز ..
ولكنه كان يغضب كثيرًا إذا استرسلت في الضحك ، وجاوزت الحد الذي يرضيه .
وقد يضربها .. فتذهب إلى أمها تبكي . وإذا غضبت أمها فلا يقوم لها شيء ، فقد تنهال عليه تعنيفًا ، وقد تمنعه من اللعب مع ابنتها زهد . وذلك أقسى عقاب بالنسبة له ..
فهو لا يصبر عنها ..
ولا يجد لذة للعب مع غيرها ..
ولا يعوضه أحد من أطفال المحلة عنها ..
وإنه ليتذكر كيف كانا يحتالان على اللقاء واللعب .. كان يقف في زاوية من الدار ، وتقف هي في زاوية بعيدة ، ويتقاذفان كرة من الصوف ، أو يتحدثان بالإشارة ..
كانا يضحكان كثيرًا ..
إنه لا ينسى ضحكتها أبدًا ، ولا ينسى عندما ترفع يدها الصغيرة وتخط على الحائط كلمة التحذير : أمي ..
فيهرع إلى أقرب مكان يختبئ فيه .
كانت تسرق منه غطاء الرأس وتهرب في المحلة ، فيتبعها يركض وراءها ، يحاول أن يمسكها من ضفائرها التي تتراقص على ظهرها . ولكنها تروغ من بين يديه بكل خفة . فإذا أوشكت على التعب عادت إلى البيت ولاذت بأمها .. فيقف لاهثًا يتمنى لو ظفر بها ! ولكنها تقف وراء أمها ، وتضع الغطاء على رأسها ، وتخرج لسانها الأحمر الصغير .. شامتة ومتحدية ..
كانت أمها قوية شديدة صارمة ، وكانت عبوسًا متجهِّمة ينضح الحنظل من وجهها .. إذا رأت بقعة أو وسخًا على ثوب ابنتها زهد ، عنَّفتها ، وألقت اللوم على حسَّان ..
لا يدري لماذا كانت تكرهه .. ولماذا تحاول النيل منه أمام والده ..
ومع كل ما كان يقاسي من أمها ..
فإنها كانت تلك .. تلك هي الأيام الحلوة في طفولته ..
ثم استيقظ ذات يوم فلم يجدها ..
لم تدغدغ ضفيرة شعرها وجهه ..
ولم يسمع زقزقتها ..
قيل إنها سافرت مع أمها ..
وقيل أن أمها قد تزوجت .. وأنها انتقلت إلى بيت الزوج ..
وقالت له أمه وهي تمسح دموعه :
– لا تبك يا بني .. إنها ستأتي .. ستزورنا مع أمها ..
وأخذ يعد اللحظات والساعات والأيام ..
وطالت غيبتها ..
وكان يبكي كلما خلا إلى نفسه ..
وكان يحتفظ ببعض اللعب ، والأشياء الصغيرة الجميلة التي تركتها .. ولم ينسها .. ولن ينساها أبدًا .
ثم علم أنها زارتهم مرتين .. ولكنه كان نائمًا وقت الظهر !
فعزم على أن لا ينام وقت الظهيرة ما دام حيًا ..
ولكنه لم يرها ..
ومرت سنوات ..
وشبَّ الفتى .. تقيًا صالحًا يتردد على مجالس أهل العلم ..
وبقيت صورة زهد مستقرة في نفسه .. في قلبه ..
حتى عاد ذات يوم من المسجد .. بعد أن أدَّى صلاة الجمعة ..
وعندما دخل البيت ، سمع صوتًا يقول :
– هاهو قد عاد .
ووقف مكانه ..
لقد رأى على بعد خطوات منه فتاة طويلة نحيفة متوردة متفتحة رائعة ..
كانت تنظر إليه ..
كأنها لا تصدق ..
وأخذ قلبه يدق بسرعة ..
وأراد أن يتكلم ..
فاحتبست الكلمات في فمه ..
ورأى الدموع تطفر من عينيها ..
فهتف بكل قلبه :
– زهد .
وتقدمت خطوة ، ومدت يدها وهي تجيب :
– حسَّان .
ولم تتحدث الألسن .. ولا العيون ..
وتشابكت الأيدي في لهفة وشوق ..
وانهمرت الدموع ..
ونسي حسَّان كل ما حوله ، ولم ينتبه إلى وجود أمها وأمه وأخته وأبيه ..
وقال وهو ينظر في عينيها الواسعتين الكحيلتين :
– زهد .
فهتفت ملبية :
– حسَّان .
قال وهو لا يكاد يصدق عينيه :
– أنت كبرت يا زهد .
قالت :
– وأنت يا حسَّان .
قال :
– لقد بكيت وراءك يا زهد .
قالت :
– وأنا يا حسَّان .
قال :
– كدت أموت يا زهد .
قالت :
– وأن يا حسَّان .
قال :
– لماذا لم تأت يا زهد .
قالت :
– لم أستطع يا حسَّان .
قال :
– كنت أتضرع إلى الله أن يجمعني بك يا زهد .
قالت :
وأنا يا حسَّان .
قال وهو ينظر إلى ضفائر شعرها اللتين تدلتا على صدرها :
– أنت جميلة يا زهد .
وتورَّدت خدودها وهي تقول :
– وأنت يا حسَّان .
كانت القلوب تتحدث بأكثر من هذا ..
والعيون بريد القلب إلى القلب ، تروي أحاديث السنين التي مضت واللسان لا يفصح إلا بالقليل .. القليل .
وبقيت الأيدي في عناقها الطويل .
وسألها بلهفة :
– ستبقين هنا زهد ..
فهزَّت رأسها وهي تنظر في عينيه :
– أجل يا حسَّان .
ثم سمع أمها تقول :
– نعم يا حسَّان .. ستبقى كما تشاء .
وسبحت يدها في رفق بالغ .. فتركها ..
وقد أحس في صوت أمها مزيجًا م الحزن واليأس .. ثم نظر إليها ، وأقبل يسلم عليها ..
ولم تكن كما تصورها في طفولته .. فقد نهضت واعتنقته .. وأخذت تنظر إليه وتثني عليه . لم تكن طويلة ولا ضخمة ولا صارمة ، كانت امرأة عادية كباقي النساء ، تحمل قلبًا طيبًا ، يتأثر ويبكي ، ويحب ويكره .
لقد توفي زوجها الثاني .. فعادت إلى بيت أخيها ..
وستقيم ..
وستبقى زهد إلى جانبه ..
وفي المساء ، عاد حسَّان بعد صلاة العشاء ، ولم يتأخر كعادته كل ليلة .. لم يذهب إلى مجلس الشيخ أبي الوفاء ، بل أسرع إلى البيت ليرى ، وليتحدث مع زهد .. كانت الدنيا لا تسعه من شدة الفرح .
ولكن فرحته لم تقف عند هذا الحد ..
فقد سمع أباه يحدث عمته في أمر زواجه من زهد ..
وأخذ قلبه يدق بشدة ، وتلهَّف لسماع الجواب ، ولكنه لم يسمع شيئًا .. فبات تلك الليلة ساجدًا ، ورافعًا يديه إلى السماء سائلاً المولى الكريم الرحيم أن يمنَّ عليه بزهد .. وعندما ارتفع صوت المؤذن لصلاة الفجر ، خرج مع أبيه إلى المسجد .
وتمنى لو حدَّثه أبوه ..
لو أخبره بما قالته عمته ..
ولكن أباه مضى يردد أدعية الصباح ، ودعاء المشي إلى المسجد ..
حتى همَّ بأن يسأله !
ووقف أبوه فجأة ..
والتفت إليه ، وقال :
– لقد وافقت بعد إلحاح طويل ..
ولم يصدق حسَّان أذنيه ، وتمنى لو كرر أبوه العبارة ، وأراد أن يصيح : ماذا يا أبي .
وتمهل أبوه ، وقد اختار ناحية مظلمة من الزقاق ، لكي تستر الانفعال الذي يظهر على وجه ابنه حسَّان .. ثم عاد يقول :
– لقد وافقت ..
وتنحنح قبل أن يضيف :
– ستتزوج ابنة عمتك يا حسَّان .
هكذا هجمت عليه السعادة مرة واحدة .. وهجم حسَّان على أبيه يقبله من وجهه ويده .. ثم خرَّ على الأرض ساجدًا لله شكرًا على ما أنعم عليه .
وتزوجها ..
وعاش معها تسعة أشهر ..
تسعة أشهر كأنها رؤيا ..
كانت تحدثه برؤى كثيرة لطيفة تراها في منامها ، وكانت تلك الرؤى تتحقق كما تراها ..
وكان يستيقظ بعد منتصف الليل فلا يجدها إلى جانبه ، ثم يراها قد وقفت في ناحية تصلي ..
كأنها رابعة العدوية ..
أو إحدى العابدات الصالحات ..
كانت تعيش في عالم الملائكة ..
كانت كأنَّها حورية من حور الجنان ، جاءت في زيارة قصيرة إلى الدنيا ثم عادت إليها خفيفة مسرعة ..
تسعة أشهر ..
تسعة أشهر فقط ..
ثم ماتت ..
وأظلمت الدنيا في عينيه ، وهام على وجهه ..
كانت الشمس الذي تضيء له دنياه ..
كانت الابتسامة الحلوة التي تملأ نفسه نورًا وبهجة ..
كانت اللحن الجميل الذي يطربه بأنغامه ..
كانت ..
وكاد يجن .. لولا أنه كان يراها في منامه .. وتواسيه وتصبِّره ، وتقول له :
– لا تيأس يا حسَّان .. إنني أنتظرك .
وقالت له مرة :
– ارحم نفسك يا حسَّان ..
ولم يجد أبوه وسيلة أو حيلة لتسليته ..
وفي تلك الأيام التقى به حكيم بن محمود ، فأخذ يشير عليه بأن يداوي ما به بشرب الخمر .. وهاله أول الأمر سماع هذه الكلمة ! ونظر إلى حكيم بغضب .. ولكنه تقبلها بعد ذلك .. وذهب معه إلى الأماكن المنزوية .
وفي المساء الذي قارف فيه هذا المنكر .. رأى زوجته في المنام .. رآها تهرب منه إلى مروج بعيدة خضراء .. أما هو فقد رأى نفسه واقفًا في خرائب سوداء مهدَّمة ..
ثم لم يعد يراها بعد ذلك ..
لم تعد تواسيه ..
لم تعد تصبره ..
لم تعد .. لم تعد !!
وغرق فيما هو فيه إلى أذنيه ..

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (8) مغلقة

دعوة إلى المشروع الخاص – 2005-12-08

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة محمد وعلى آله الأطهار وصحبه وكل أهل الحق في كل البلاد.

إخواننا الأحبة …. أخواتنا الغاليات ….. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : فشكر الله لكم جميعاً حسن أخوتكم الصادقة وطيب مشاركاتكم وجميل نصحكم ، ونرجو أن نبقى دائما على تواد في الله وتناصح وإخاء ، وهذه الكلمة الثانية في موقعنا الصغير وأسأل الله فيها الصواب والسداد.

إخوتي الكرام .. أخواتي الفاضلات :

إن المقدمات غير الصحيحة لا تثمر إلا عواقب وخيمة ، وسنن الله تعالى لا تحابي أحداً ، وعلى المؤمنين أن لايقعوا في فخاخ الجهل السنني، وعندما تقدمت جحافل التتار نحو بغداد لاحتلالها كان جيش الخلافة قد أصبح في غاية الهزال والذلة ولا يزيد تعداده عن عشرة آلاف كثيرون منهم يتسولون أرزاقهم على أبواب المساجد وفي الأسواق، واهتم الحكام بمكاسب الدنيا وأهملوا النظر في الشأن العام واشتد ظلم العمال واشتغلوا بنهب الناس (والملك قد يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم) كما يقول المؤرخ أبي الحسن الخزرجي.

لقد أدى الرعب الذي انتشر في العالم عقب سقوط بغداد إلى خوف الصيادين القاطنين على سواحل السويدِ! من الخروج إلى البحر للصيد! فما بالكم بمن عاش المذبحة الرهيبة!

لايوجد في قلوب المسلمين اليوم عموماً رعب من الغرب بل تحد وغضب وشعور مرير بالظلم، ولكن هذه الأمور قد تستخدم مرة ثانية لإهدار طاقة الأمة وإبقائها في دوامة الحيرة والضياع.

ليشق الخطباء حناجرهم في لعن أعدائنا، وليمتلئ الشارع بالهتافات، وليُصعد الإعلام سخطه واستنفاره فكل ذلك لايقفز فوق المقدمات الصحيحة، وأنا أزعم أن الأقدام الغازية لم تأت بسبب قوتها بل بسبب الظلم الذي عشعش في بلاد العرب والمسلمين فقتل الألوف المؤلفة وهجرها وشردها وسجنها وعطل الطاقات ونهب الشعوب وقتل الإبداع والمبادرة، وضيق على كل ذي نشاط وفعالية، ثم قام الظلم بكل صفاقة يتغنى بالبناء والنهضة والتطور ، بعد أن تفرجت الأمم الذبيحة برعب ولعقود على فلذات أكبادها يذبح الواحد منهم وراء الآخر ولا يجرؤ أحد على الكلام في بلاد الصمت الطويل، وإن سمح بشيء فهو من تتمات أصول اللعب والتدويخ والاستيعاب للشعوب المسكينة الغافلة.

لقد حاول البعض الخروج من هذه المتاهات المرعبة حقاً فوقع بعضهم في فكر تكفيري دموي (وهو مانرفضه تماماً) أراق حتى الآن من دماء المسلمين الأبرياء مالم يصبه من دماء المحتلين والغاصبين ؛ هذا عمل من قد يُظن ببعضهم الإخلاص فما بالك بمن هم ضحايا الاختراقات المخابراتية التي لم تعد خافية على متتبع للأمور ، والتي تتعمد كل يوم إعطاء المبرر لزيادة توحش الظالمين وزج الأمم والشعوب التي تجهل الإسلام ورائهم من خلال زرع الكراهية للإسلام وأهله في قلوب أبناء تلك الشعوب وتنفيرهم من الإسلام وأهله ، وبين يدي تلك الأجهزة المخابراتية أطراف ساذجة متقدة العاطفة سقيمة الإدراك تقوم بما عجزت عنه أصابع الحاقدين على الأمة خلال عقود.

ليس ما يصيب الأمة من نكبات اليوم هو أول بلاء أصابها خلال تاريخها ، وقد مر في أرضنا الغزاة والطامعون والمحتلون وخرجوا صاغرين وتعافت الأمة بعد سقم، ولكن ذلك كان لأسباب يجب استنطاق التاريخ وتجاربه لنقف عند سنن ضرورية في المعركة الطاحنة ومنها:

هناك أسباب للقوة ومفاتيح للنصر الدنيوي وهي شيء غير النجاة في الآخرة، ولابد أن ندركها ونجعلها بين أيدينا “بل لاتتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبِّبَاتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل …” كما يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد 4/15.

2- عدم الوقوع في أخلاق الخصم: تقليد الأمة المسلمة لغيرها في العادات الفاسدة شيء مرفوض وذميم ولكن الأخطر منه بكثير التقليد في أصول الأمور، ولقد جاء في الصحيح عندما َقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: z”أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ” (صحيح البخاري/ المناقب 3518) وجاء في شرح النووي على مسلم (البر والصلة، 2584) في فقه الحديث: “وفيه ترك بعض الأمور المختارة , والصبر على بعض المفاسد خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه , وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس , ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين , وتتم دعوة الإسلام , ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة , ويرغب غيرهم في الإسلام …” ومن أعظم المفاسد أن يذوب المسلم في كيان الخصم الفاسد وأخلاقه الحربية والسياسية فيصبح الدم هدفه ووسيلته والنسف والتفجير والاعتداء على البشر ديدنه ، فيسود صحائف الأمة كلها بقتل الناس بالجملة دون أن يعلم أن دماء الناس كلهم معصومة في الأصل وأن مايصيبنا من الظلم لا يكون دفعه بظلم أعظم وجهل أفضح نشوه به ديننا وننفر الناس عنه وصلاح النية هنا لا يلغي فساد العمل، وجنود الاحتلال البغيض لايتمترسون في مطعم للعمال وفرن تأتي إليه النساء ولا في دائرة حكومية موظفوها ومراجعوها من لحمنا ودمنا

3- لابد للأمة من مرجعية : وقد أصبح تهديم مرجعيات الأمة المسلمة واضحاً لا يخفى وعلى يد فريقين: فريق من الخصوم صادروا للأمة كل قرار ومنعوا عنها حتى أبسط الحقوق وفرضوا عليها حتى مرجعياتها الدينية بالقرار السياسي لا بالكفاءة ولا بالرضى، وفريق آخر من أبناء الأمة سبب أذى شديداً بضيق أفقه وحصره الإسلام فيما يرى فلا يُبقي لغيره نصيباً في صواب ولا يدعي هو الصواب ويزعم خطأ غيره بل يزعم الإيمان ويدعي كفر مخالفيه وبالتالي فقد شارك هذا الطرف في تدمير مرجعبات الأمة بما لايقل عما فعله أنكى الأعداء فيها ، وكأنه نسي قوله تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون، الآية 52) ، وسنعود لموضوع المرجعية في بحث قادم بإذن الله.

يحق لنا ان نسأل: كيف ولماذا؟ فإن التباكي الذي عودتنا عليه وسائل الإعلام حتى قتلت في النفوس كلمات كثيرة لكثرة مضغها له، كل ذلك لم يقدم للأمة ولا حتى رأس دبوس تعتمد عليه، وإذا كنا نرفض الفكر الدموي والتكفيري، وإذا كنا ضعفاء عاجزين فماذا نفعل وهل نترك الشلل والقلق والخمول يضرب جذوره فينا؟ اللهم لا!

انهارت الأمة عسكرياً وسياسياً في أوقات مختلفة ولكن لم يستطع أحد تدميرها حضاريا وأخلاقياً وإنسانياً، فقد بقيت تضخ الخير والإيمان والحضارة في جلسة علم، وموقف حق ومساعدة محتاج، ومؤسسة وقفية وسبيل ماء وتحقيق مسألة وإكرام جار وعابر سبيل وبر والدين وحنو على رحم وأخت وضعيف وصغير وبائس، وكرم فطري وإشفاق من معصية الله بنعمه، وبقيت الأمة تتنفس الإسلام روحاً اجتماعية وتسامحاً وتديناً فطرياً لاتعقيد فيه ولاتكفير، وبقيت فطرتها نقية النسب كريمة الأصول لاترضى الظلم ولكنها تسلك لدفعه بدل الشتم والصياح الذي عودنا البعض عليه في هذا الزمن الأعجف، والفكر التكفيري الذي ينتسب إليه آخرون، تسلك الصبر والعمل البطيء والإصرار العنيد، وتبث روحها في إتقان عملها وسلامة صدرها وابتداعها أساليب البحث عن البقاء لا في الجحور بل في ساحة مسجد وشموخ مئذنة وقدوة من عالم صالح يأبى النفاق، وفي مصلح هنا ومؤلف هناك وصانع وسباك وزارع وتاجر أمين وفلاح نشيط، وفي وشوشات مشربية خشبية عتيقة وعناق سيباط لآخر ودفء حارة وهمسات ساقية واستقامة شباب وعفة فتيات، وفي فوح زنبقة وأريج ليمونة شامية تهفو لنخلة في بغداد، وإباء لأهل المغرب قارفه حنين ترعة مصرية مع طيب أهل السودان ورقة أهل اليمن إلى النبع الأول في بطاح مكة معقد الخير والضياء.

ليكن لكل منا مشروعه الخاص الصغير ، ودعونا لاننتظر الأمور الخارقة لأن حركة التاريخ كما يقول مالك بن نبي رحمه الله إنما تصنعها آلاف الجهود الصغيرة التي لانلقي لها بالاً، وليكن مشروعنا الخاص الصغير في أي درب مباح فإن موعود الله تعالى حق (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة، 7-8)،
أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على دعوة إلى المشروع الخاص – 2005-12-08 مغلقة

حديث الشيخ (9)

الزائر الجديد

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
شتان ما بين معلم الناس الخير ، وبين من نصَّب نفسه داعيًا إلى النار ، هاديًا إلى الضلال ، دالاً الناس على طريق المغضوب عليهم أو الضالين ، ممن ذمهم الله في كتابه الكريم .
وحكيم بن محمود ، فيه خصلة من النوع الثاني .. ولعله لم يتلقَّ في صغره ما يمنعه من الانزلاق إلى مهاوي الرذيلة في كبره !
قال : والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجر من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .. كما جاء في الحديث .
قال أبو العرفان وفي إحدى الأمسيات ، وبعد صلاة المغرب .. التقى هؤلاء في بيت الجارية ، فلما اكتمل الجمع ، سأل أبو محمود :
– أين الخادم ؟
قال سعيد بن منصور :
– لقد علمت أنه ترك الخدمة ..
فقاطعه حبيب بن مسعود وقال :
– إنه تاب .. إنه لم يرض لنفسه هذا العمل !
وصرخ حكيم بن محمود وهو ينهض غاضبًا :
– هل تريد أن تنغِّص علينا ليلتنا يا حبيب ؟
فهز حبيب رأسه ، وأجابه بصوت هادئ :
– كلا .. إنما تكلمت بما علمت .. ودونك سرشير فاسألها ..
قال سعيد :
– من الأفضل أن نعيده إلى خدمتها ، سنغريه بالمال ..
فضحك حبيب وقال :
– إنك لن تجده ، ولن يأتي ..
وقبل أن يسأله واحد منهم مضى يقول :
– إنه ترك بغداد .. ولا أحد يدري إلى أين ذهب ، لقد أراد أن يذهب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد .. أراد أن يبدأ حياة جديدة بيضاء ..
فهتف سعيد مؤيدًا :
– لقد أحسن والله صنعًا ..
وسأل أبو محمود :
– وما يدريك أنه قد ذهب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد ؟
قال حبيب مؤكدًا :
– رأيته عشية اليوم الذي ترك فيه هذا البيت ، فاستوقفته وسألته أين يريد .. فأجابني بأنه يريد التفرغ للعبادة ، يريد أن يبدأ حياة جديدة لا تشوبها معصية .
فضحك أبو محمود وقال باستخفاف :
سيعود إلينا .. سوف يندم .
فأجابه سعيد .
– لا يا أبا محمود .. إنه لا يعود ..
فضرب أبو محمود بقبضة يده على المائدة ، وقال مؤكدًا :
– بل يعود .. وسوف ينحني على أيدينا يقبِّلها يسألنا أن نعفو عنه .
فرفع حسَّان بن معيقيب رأسه ، وكان قد ظل صامتًا طول الوقت ، ونظر إلى حيكم وقال :
– لا أظن ذلك .
وضحك أبو محمود ، وقال وهو يحوِّل وجهة الحديث :
– ليذهب .. لا حاجة لنا به .
ثم نظر وجه حبيب ، وأدنى رأسه وقال بصوت خفيض وكأنه يريد أن يبوح بسر خطير :
– سوف يأتينا من هو خير منه .
وهتف سعيد بن منصور :
– من هو ؟
أما حبيب بن مسعود ، فقد خشي أن يتكلم ، لئلا يكون ..
ونظر أبو محمود في وجه حبيب وهو يقول :
– من تظنه يا حبيب ؟
أما هذا ، فقد روعته لهجة حكيم ، وبقي صامتًا جامدًا ينظر إليه . لعل الشيطان قد عملها ..
ونقر أبو محمود على المائدة بإصبعه وهو يقول :
– قد وقع صاحبك يا حبيب ؟
ولم يصدق حبيب ما سمع ، وقال بكل ثقة وهو يردُّ عليه .. ولم يكن قد علم بما جرى من الأمور :
– هيهات ..
قال أبو محمود ، وهو ينقر على المائدة بشكلٍ رتيب :
– إنه سيأتي ..
فرفع حبيب يده اليمنى ، وقال وهو يحرِّك إصبعه في وجه حكيم :
– هذا محال .. إن يسارًا لا يقع ، إنه كالنسر لا يحلق إلا عاليًا .
وضحك أبو محمود وهو يقول متحديًا :
– وإذا جاء هذه الليلة ؟
قال حبيب جازمًا :
– إنه لن يأتي ..
وعاد أبو محمود يستثيره ، وينقر على المائدة ويقول :
– وإذا حضر ؟
– إنه لن يحضر .
ولم يعلِّق حسَّان بن معيقيب ، أما سعيد بن منصور فقد هزَّ رأسه وقال :
– لننتظر .
وقال حبيب بانفعال :
– إن يسارًا لا يقع .. أنتم لا تعلمون أي رجل هو ..
وراح يتحدث عن يسار :
– كان يصوم يومين في الأسبوع ، عدا رمضان ، وكان يقوم كل ليلة .. إنه يعيش في هذه الدنيا ومع الناس ، ولكن قلبه ، ولكن روحه لا تعيش إلا في السماء ..
من مثل يسار ..
وتنهَّد وهو ينظر إلى القناديل التي أضاءت المكان ، وقال وكأنه يخاطب نفيه :
– من في الدنيا مثل يسار ..
وضحك أبو محمود بتهكُّم وقال :
– كذلك كنت أن يا حبيب .
وأجاب حبيب بصوت كأنه الهمس ، وقال بأسف وندم :
– كلا .. لم أكن مثل يسار .. ولا نصفه .. ومع ذلك فأنت السبب ، وعليك الوزر .
وصاح أبو محمود وهو يتصنَّع الغضب :
– اذهب يا أخي .. اذهب إلى صلاتك وعبادتك وزهدك ..
وتنهَّد حسان بتوجع ، وقد أثارته كلمة زهد .. وراح يردد وهو يتطلع في وجه حكيم :
– نداء دعا زهدًا فخف له قلبي ..
ثم نكس رأسه وراح يدمدم مع نفسه بصوت خفيف لا يتبينه أحد . وكان سعيد ينظر إلى حسَّان ويتألم لحاله ..
وقال حبيب ، وكأنه يخاطب نفسه :
– لا يا أبا محمود .. ليس كما قلت .. لقد كنت أنت السبب في كل ما نحن عليه الآن .. أنت تعلم أنني لا أستطيع أن أترككم .. لأني تلوثت معكم .
وضحك أبو محمود ، وقد سرَّه ما رأى من حال حبيب وقال :
– لماذا لا تعود إلى سابق عهدك ؟
قال حبيب وقد أطرق مفكرًا :
– قلت لك لا أستطيع ..
وقبل أن ينتهي حبيب من جملته الأخيرة ، طرق الباب طرقًا خفيفًا فانبسطت أسارير حكيم ، ونهض مزهوًا وهو يشير إلى حبيب ويقول :
– هذا هو صاحبك قد حضر .
وخرج من الغرفة .. ولم يصدق حبيب ، وبقي معلقًا نظره بالباب ، وانفرج فم سعيد بن منصور عن ابتسامة حائرة ، وتعلقت العيون بالباب تنظر من القادم ..
وعاد أبو محمود وهو يجر وراءه شابًا تطوق وجهه لحية سوداء وتسبقه رائحة عطر زكي ..
وهتف أبو محمود بسرور :
– أقدِّم لكم ضيفنا الجديد .. يسار .
وشهق حبيب بن مسعود ، ولم يصدق عينه ما ترى ، ونهض سعيد وقد مد يده مرحـبًا .. أما حسَّان بن معيقيب ، فقد بقي في مكانه تحيط بفمه ابتسامة حزينة .
ودخل يسار مطرقًا خجلاًا ، ولم يرفع نظره إلى أحد من الحاضرين .. وجلس دون أن يتحرك ..
ومضى حكيم يدير الحديث ، وينثر الدعابة والنكتة ، فيضج الجميع بالضحك ، ما عدا حبيبًا الذي أخذ بما رأى .. وما عدا يسارًا أيضًا .. الذي لم يشارك إلا بابتسامة حيية تمر على شفتيه .
ولم يشعر يسار بوجود حبيب .. ومضى أبو محمود وقد أطربه ما أحرزه من ظفر لم يكن يتوقعه ، واجتاحته موجة من السرور أفقدته رشده .
وانحنى على يسار يسأله عن حاله ..
فأجاب يسار بهمس :
– إنني في أسوأ حال ..
وضحك أبو محمود وهو يقول :
– إنه الحب يا أخي ..
وأطرق يسار ، وقد التهب وجهه بحمرة الخجل .. ثم همس في أذن حكيم :
– إنني لم أرها منذ مدة ..
فنهض أبو محمود وقد استخفَّه الطرق وقال :
– ستراها اليوم .. إنها ستأتي .
ولم يصبر حبيب ، فصرخ محتجًّا :
– هذا محال .. إن هذا لا يكون ..
والتفت يسار فرآه !
وكاد يذوب خجلاً ..
إنه يحتج ..
حبيب بن مسعود يحتج ..
وعلى من ؟
على يسار .. الذي طالما نصح حبيبًا بالإقلاع عمَّا هو فيه ، وكان يذكره ويقص عليه كثيرًا من أخبار المتقدمين ، وكان حبيب يشعر بالندم ، وقد يبكي .. إن حبيبًا هو الذي يحتج . إنه يلتقي معه في المكان الذي كان يحذره منه !
وصرخ حبيب مرة أخرى :
– ما الذي جاء بك يا يسار ؟
ونهض أبو محمود فدفعه زاجرًا :
– وأنت ما الذي جاء بك ؟
وتنهَّد يسار ، وشعر بالامتنان العظيم لحكيم ، لقد أنقذه في الوقت المناسب . ولكن هذا صرخ مرة أخرى :
– إن هذا ليس مكانك يا يسار .. إن هذا لا يليق بك .. أنت لا تنزل إلى هذا المنحدر .
وكاد يهب حكيم وسعيد في وجهه ، لولا أن طرق الباب طرقًا عنيفًا . فسكت الجميع ، ولم يتحرك أحد منهم ، وتعلَّقت الأنظار بحكيم ، فهزَّ هذا رأسه وهو يقول :
– لا أدري من الطارق ، سوف تفتحه هي ..
وكانت الجارية في الداخل ، فأسرعت تفتح الباب .. ولما رأت القادم هتفت بكل جوارحها :
– مريد .. أنت عدت يا مريد ..
وأفسحت له وهي تقول :
– لقد كان قلبي يحدثني بأنك ستعود .. تفضَّل .
وسكتت ريثما تلتقط أنفاسها وقالت :
– إن مثلك لا يفرِّط في الأمانة .. لقد كانت ثقة أبي رحمه الله في محلها ..
فأجاب مريد دون أن يتحرك من مكانه :
– جئت أدعوك للعودة إلى الهند .
وبينما وقفت تنظر إليه وعلامات التعجُّب والاستفهام على وجهها ، مضى يقول :
– جمعتني القافلة برجل رحَّالة قادم من هناك .. وأخبرني ..
فقاطعته مستعجلة :
– ماذا أخبرك ؟
قال :
– أخبرني بأن السلطان عبدالحليم قد جهَّز جيشًا كبيرًا ، استطاع أن يدحر جيوش الممالك الوثنية التي خفت لنجدة الوزير الغادر ..
وأعاد السلطان محمود على مملكته في منداو .
وهتفت فرحة ومستبشرة :
– أتراه صادقًا فيما قال ؟
فأجاب مؤكدًا :
– كل الصدق .. لقد رأى ذلك بعينيه ، وأخبرني بأن كثيرًا من الذين هربوا قد عادوا إلى منداو ، وعادت لهم أملاكهم .
واستبد بها الفرح ، فأرادت أن تجذبه من يده لكي يدخل ويحدثها بكل شيء .. لكنها تذكرت .. أنه إذا رأى هؤلاء القوم مرة أخرى فسوف يغضب ، وربما يذهب ويتركها ولا يعود إليها بعد ذلك .
وسألته قائلة :
– متى تريد أن نذهب ؟
فأجاب :
– غدًا صباحًا .. إن شاء الله .
ثم أضاف قائلاً :
– نذهب أولاً في قارب من بغداد إلى البصرة ، ومن هناك تركب البحر في سفينة إلى الهند ..
قالت ، وقد غمرتها الفرحة ، فتنفست ملء صدرها وقالت :
– الله .. كم كنت أتمنى أن أرى البحر ، وأن أشمَّ نسيمه .
قال ، وكأنه يريد أن ينصرف :
– سأمر عليك غدًا صباحًا بعد ارتفاع الشمس فلا تتأخري .
قالت وهي تحاول إرضاءه :
– كما تشاء .. ولكن أين ستنام هذه الليلة ؟
فأجاب وهو يتنفس بارتياح :
– في المسجد ..
وسكت قليلاً ، وكأنه يريد أن يستحضر شيئًا غاب عنه وقال :
– إنه خير مكان يجد فيه المرء الراحة لنفسه وقلبه .
ثم ودَّعها وهو يقول :
– أرجو أن تكوني على استعداد .. غدًا صباحًا .
فلوَّحت بيدها وهي تقول :
– سأكون في انتظارك .
وقبل أن ترد الباب ، رفعت رأسها إلى السماء ، فرأت سربًا من الطيور محلقًا ، عائدًا إلى عشه ، يتغنى بصوت فيه معنى الحث والاستعجال لبلوغ المكان قبل أن يرخي الليل سدوله .
وخيَّمت عليها موجة من الحزن ..
إنها ستعود إلى الهند ..
ستكون وحيدة .. بلا أب ولا أم ..
حتى مريد .. ربما سيرى من واجبه أن يوصلها فقط ، ثم يتركها ويذهب إلى إحدى التكايا التي يتعبد فيها الزهاد . إنه يبدو وكأنه طلَّق الدنيا ثلاثًا .. نفضها من قلبه ، فلا يعود إليها ، ولا يسمح لها بالعودة إليه ، مهما أغرته بمباهجها .
يقال إن البحر واسع واسع أوسع من دجلة ، وأوسع من أي نهر رأته في حياتها ..
أصحيح أنها ستذهب في البحر .. في الطريق الذي سلكه السندباد في رحلاته السبع .. وهل سترسو السفينة على جزيرة تقف على ظهر سمكة !!
لابد أنها سترى من عجائب الدنيا أكثر مما قرأته في قصة السندباد .
ومريد .. هذا الأسود الذي يحاكي الليل في سواده ، إنه يحمل قلبًا أشد بياضًا من النهار .. مع نقاء سريرة وصفاء ذهن وإخلاص ليس له مثيل .
وردَّت الباب ثم عادت لتأخذ زينتها ، ثم تقضي بقية الليل مع القوم الذين حضروا .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (9) مغلقة

من أعماقنا بداية الطريق – 2005-12-07

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الكرام والتابعين وبعد:

فقد كنت أعجب لكثرة ما تحدث بعض الكتاب عن الإمام الغزالي رحمه الله وتقصيره في الكلام عن الجهاد في سبيل الله في كتاب الإحياء رغم معاصرته لأهوال تشيب لها الولدان ، ففي عصره اجتاح الصليبيون أنطاكية ثم معرة النعمان وذبحوا فيها مايقارب مائة ألف من الناس ثم اقتحموا القدس سنة 495هـ وجرت سيول دماء المسلمين في أزقتها (وعمر الغزالي وقتها يقارب الخامسة والأربعين) ولكنه بقي مستغرقاً في عزلته ، وحاول بعض العلماء إدراك السبب فذكر العلامة القرضاوي على سبيل المثال أنه (لعل عذر الإمام الجليل أن شغله الشاغل كان الإصلاح من الداخل أولاً ، وأن الفساد الداخلي هو الذي يمهد للغزو الخارجي ….. لقد وجه أكبر همه إلى إصلاح الفرد … وهذا هو أساس التغيير الاجتماعي) ، وشن عليه آخرون حملة شعواء فذكر الأستاذ محمد يوسف موسى أن الغزالي وأمثاله كان من الأنانيين الذين يبحثون عن سعادتهم الخاصة ..و(لم يكن … يعنيه الصالح العام) ..
لسنا بصدد تحليل دور حجة الإسلام الغزالي وآثار فكره سلباً وإيجاباً ، ولكننا بدأنا نعي الحالة التي كان يعيشها فهي قريبة إلى ظروف اليوم.
أوضاع صعبة وتراجع في السيادة وهيمنة خارجية وأنواع مخيفة من الاحتلال ؛ من احتلال السوق والثقافة والعقول إلى احتلال الأرض والنفط فالماء ، والحديث عن المقاومة حديث عاطفي وتسخير معيب للمنابر من دون جذور عميقة له ولايوجد من مقدماته الحقيقية شيء.
نحن مساكين حقيقة عندما نقع تحت قبضة الظالمين سواء كانوا من الخارج أو الداخل وإذا كنا على مذهب المعتمد بن عباد من أن رعي جمال يوسف بن تاشفين أفضل من رعي خنازير الأذفونش فإننا نقول أيضاً بأن ظلم ذوي القربى أشد على النفس من وقع الحسام المهند.
ولكن لنكن صرحاء: الجهاد مع من وضد من ولماذا؟ تلك هي الحيرة التي تطوف في عقول الكثيرين! إن الأنظمة الركيكة في بعض بلاد العرب مستعدة للركوب على أي موجة عند تدارك الغرق، وهي مستعدة دائماً لإيجاد زخم عاطفي من أجل ديمومة استمرارها … ويحتار الإنسان المجرد حقيقة عندما يبحث عن رصيد حقيقي لتلك الأنظمة من أجل بناء الأمة بعيداً عن مصالح القبيلة والأسرة والآل … فلا يكاد يجد.
صارت للشعوب المسكينة مهما أعطيت من المهدئات ذكريات مريرة ومن نماذجها المؤلمة قائد إحدى الجبهات الثورية العربية الذي فر (بالبيجاما) وعلى حمار عند الكر عليه بدل أن يكون أول الاستشهاديين!
عندما تحصل حالات الرخاء تنشغل الأنظمة في البناء! لذا فليصمت الجميع لأن البناء شغال وأي محاولة لطلب حق ما إنما هي تحصيل حاصل واستعجال لخير قريب، وتمضي السنوات في عالم متسارع بشكل خطير والبناء لا يزال في غاية اللطف والتواضع ، وتأتي الأزمات فيظهر الحجم الفعلي للبناء البديع! (تبارك الله أحسن الخالقين) ، ويحاول البعض رفع الصوت مطالباً بالتغيير فتشتعل ساحة النضال الثوري حوله! وهل في مثل هذه الأوقات يكون الحديث عن حقوق الأمة والمعتقلين ومايفعله أبناء الذوات والأموال المنهوبة والاضطهاد الديني! يحتاج الأمر إلى تقوى! لنفوت الفرصة على كل طامع وغدار وماكر ومحتل!
انتهت تلك اللعبة أيها الحكام الكرام ، باختصار نريد حقوقنا … التي حرمتمونا منها دهوراً … وثقوا تماماً أننا نحن الذين نحميكم ونحن الذين سنفدي البلاد بأرواحنا ودمائنا وجهدنا وبذلنا وعرقنا ودمعنا … ولكن نرجوكم …. كفى متاجرة بنا … كفى …
إن أعمار الدول مثل أعمار البشر ، والكل إلى الفناء المحتوم! ولا غالب إلا الله رب العالمين.
من الصور المحببة إلى العوام قصة عنترة بن شداد وقد كان فارس قومه ولكنه اعتبر عبداً وقيدت حريته وعندما أغار الأعداء أمره سيده بالغارة فقال: العبد لايحسن الكر! فقال سيده: كُرّ وأنت حر .. والعبيد لايقاتلون .. والحكام الذين اعتبروا الشعوب قطيعاً من النعاج يسمنونه ليختاروا منه من يشاؤون ليعلفوه أو يحسوه مرقاً وينهشوه لحماً ويشربوه دماً … تلك الشعوب إن لم تعط الحرية فسيكون أكبر خاسر هم الحكام! فلم يبق عند الشعوب ماتخسره بعد سنوات المحق الثوري الطويل والمحكم والدقيق.
إن الحالة الراهنة لربما تدفع إلى اليأس عند البعض لعدم إدراكهم ماهو الفعل المطلوب ، فالقرارات الكبرى ليست بأيديهم ، والمؤسسات مصادرة من (بابوج إلى طربوش المجتمع) والأمور الصغيرة تافهة لن تفيد في المرحلة الخطرة والحساسة (بقايا فكر الثورة العصماء) والطريق الأقصر هو الهزيمة النفسية واليأس والانسحاب.

لنعد إلى الإمام الغزالي فلعل لديه جواباً! فهو لم يترك الجهاد كما ظن البعض وحاولوا تلمس العذر له ؛ فقد تحدث عن ذلك في كتبه الفقهية وصرح بأنه فرض عين! ولكن من غاص في إحيائه وخاصة في الكتاب التاسع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يرى كيف أدرك الغزالي أن تضعضع الأمة سببه المنكرات الداخلية العظيمة لذا فإن البدء بها هو مفتاح الثبات والقوة في المجتمعات (فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد ..) ويضع الغزالي ضوابط واضحة وفقهاً دقيقاً كي يكون الأمر أداة صلاح ووقاية للمجتمع ولايكون باباً للفوضى والاضطراب ، ولكنه يأتي بأمر عجيب حقاً! فيقول: ( بل كل من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضياً به فذاك ، وإن كان ساخطاً له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه! فكيف يُحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه) .
لقد قرر الغزالي مبدأ أن الإصلاح هو مؤسسة اجتماعية للكل حق في العمل داخلها ، وليست منحة يتكرم بها الحكام على الشعوب المستعبدة.
إن الحرية شرط لابد منه في أي عمل ، ولا تعحبني العقلية التي تبدأ بوضع الشروط قبل طلب الحرية، فإن سد الدروب هو أول آلات الظالم والمستبد، فلنبحث عن الحرية وبعدها نناقش التفاصيل.
لقد كان في كل مجتمع حي مرجعيات عفوية يلجأ إليها الناس دون إكراه وقد أدت دوراً عظيماً في الحفاظ على المجتمع ، وقد ظنت الأنظمة الثورية العربية بالمرجعيات شراً فعملت على تهديمها ظانة أنها بقية الرجعية والظلامية والورائية! والتخلف والجهل المبين حتى إذا لم تُبق في الناس كبيراً ظنت أنها قد صارت هي الكبير! غافلة عن حرمانها من أغلب مقومات الامتداد والاحترام بين الناس! ومن الطرائف في ذلك ماذكره فخري البارودي في مذكراته من أن الحكومة العثمانية ( وفي أيام احتضارها) قد فتحت محكمة تجارية لدرء المنازعات بين التجار! وبقيت تلك المحكمة ثلاث سنوات لم يدخلها شاك واحد ، فقد كان المجتمع قوياً في داخله رغم الضعف المحيط به .
ولقد انكسرت ألمانية واليابان عسكريا في الحرب العالمية الثانية ولكنها بقيت شامخة في بنيتها الداخلية وكالت الصاع لمن احتلها اقتصاداً وفعالية دولية وحركة علمية ودوراً سياسياً له ثقله في العالم.
عندما يتخلى الناس عن حريتهم فإنهم يقبرون أنفسهم ومجتمعاتهم بأيديهم ، فدعونا نحيي المرجعيات وليبدأ كل من حيث يقدر، ومن أولى المرجعيات بالإحياء المرجعية الاجتماعية حيث كان لكل عائلة أو أصحاب مهنة جلسة (من الأسبوعية إلى الشهرية) دون تكلف ولا رسميات؛ بها تتجدد نفوسهم وتتبلور أفكارهم وتتراحم أنسابهم وتنسجم أعمالهم وتُحل منازعاتهم ويكسوهم من الإيمان الفطري رداء ومن العمل الصالح نور).
ليست مقاومة الاحتلال والعدو الخارجي بالصياح ولا بالسلاح المادي وحده فطالما ارتشعت أيدي الجبناء.
من أولى مهماتنا تمتين النسيج الداخلي لمجتمعنا وتقريب الناس من بعضهم وجمعهم على الخير وحثهم على البر ببعضهم والتسامح فيما بينهم وتذكيرهم بحقوقهم وحثهم على رفض الظلم، وعندها فستتكسر سفن الطامعين على شواطئنا المحمية بالإيمان والترابط والوعي العميق.

أحمد معاذ الخطيب الحسني

1 – يوسف القرضاوي ، الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه ، ط4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1414هـ/1994م ، ص 174.
2 – المرجع نفسه ، ص162.
3 – أبي حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، القاهرة ، المكتبة التجارية الكبرى ، 2/ص 306.
4 – المرجع نفسه ، 2/ص 315.
5 – فخري البارودي، أوراق ومذكرات، تحقبيق : دعد الحكيم ، دمشق ، 1999، 2/ص 48.

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على من أعماقنا بداية الطريق – 2005-12-07 مغلقة

حديث الشيخ (10)

تذكرة الشيخ

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
قال أبو العرفان : كانت الجارية ترتدي حلة وردية زاهية ، وقد تقدمها عطرها الفواح ، واكتملت زينتها ، ولكنها بدت حزينة أسيفة على غير عادتها .
وألقت نظرة سريعة على الحاضرين ، فلما رأت يسارًا وجمت وتسمَّرت في مكانها .. وبدا عليها وكأنها فوجئت .. كـأنها لم تكن تعلم بمجيئه .. وحولت نظرها إلى حكيم .. فضحك هذا وقال :
– إنه يسار .. ألا تعرفينه ؟
وتقدَّمت على مهل ، فسلمت على يسار ، ومالت إليه ، ورحَّبت به ، ولكن بتحفظ واحترام كثير ..
وجلست إلى جانبه .
فلم يتحمل حبيب هذا ، فترك المجلس وخرج وهو ينفخ من شدة التأثر ، ولما رأى القلق الذي اعترى يسارًا ، بادر يقول :
– لا عليك .. إنه سيعود .. وسيشرب الخمر حتى ينسى نفسه .
وكان يسار يتمنى ألا يعود حبيب .. لأنه شعر بأشد الحرج في حضوره ، وهنا رفع حكيم كأسًا ، قدَّمه إلى يسار وهو يقول :
– خذ .. اشرب ..
وهزَّ هذا رأسه ، ونظر في عيني الجارية كأنَّه يستنجد بها ، فلم يجد لديها الرغبة في ذلك ، وأشارت بيدها تمنعه ..
فالتفت يقول :
– أنا لا أشرب الخمر ..
وضحك أبو محمود وهو يمد يده بالكأس ويقول :
– اشرب .. اشرب يا يسار ..
إنها تزيل عنك الخجل ، وتذهب الهم ، وتنسيك الدنيا ، ولا تعيش إلا هذه اللحظات .
وتردد يسار .. وقال مرة أخرى :
– لا .. أنا لا أشرب الخمر .
وخيل إليه في تلك الساعة ، أن الدنيا تدور به .. فقد نما إليه أن صاحبه أبا الحسين عندما سمع بما آل إليه أمره ، قال :
– اتركوه .. فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ، متمثلاً بالحديث .
وطرق سمعه قول أبي أنس :
– كنت والله أظن أن أساسه أقوى من هذا ..
ولم يعلق ناقل الخبر .. وكأنه يؤيد ما قاله !
والتفت يسار ينظر إلى هذا الواقف على الذي يحمل كأس الخمر بيده ، ويحثه على الشرب ..
– اشرب .. اشرب .. خذه يا يسار .
وطالعه وجه أمه الحزينة المتألمة ، وهي تنظر إليه ولا تستطيع شيئًا ، وأخته الصغيرة سناء ، وهل تحمل قطتها الكبيرة ، تنظر إليه بإشفاق ..
وعاد صوت حكيم يقول بإلحاح :
– أين أنت يا يسار .. خذ .
وقرَّبه منه ، فتناوله يسار .. وبقي الكأس في يده ..
وهنا أطلق أبو محمود ضحكة عالية ، وكأنه قد نال غاية ما كان يتمناه .. وصرخ وقد استبد به الفرح :
– عليَّ بحبيب بن مسعود .. أين هو .. ألم أقل له .. سأسقيه الخمر بيدي ؟
ولم يفهم يسار معنى لما قال حكيم ، وظلَّ يدور في دوَّامة من الأفكار ، وأخذت صور أصحابه الفتية الذين كان قد قضى شطر حياته معهم في المسجد وكان الشيخ يحدثهم ..
أخذت صور هؤلاء تتعاقب عليه ..
فإذا بأبي الذهب يعض على يده ..
وتخيل أبا الحسين ، علي بن حسين ، بوجهه المستدير ، وشعره القصير ، وهدوئه المعتاد ، وابتسامته الخفيفة اللطيفة ، وإيماءاته القريبة البعيدة .. تخيَّله وكأنه يقول :
– إنه لم يبتعد كثيرًا ، ومهما ابتعد فسوف يعود ..
أما أبو محمود ، فقد مضى يهذي في نشوة المنتصر :
– لقد بذلت للجارية ألف دينار لكي تأتي بك إلى هنا ..
لقد أقسمت أن أسقيك الخمر بيدي ..
اشرب .. اشرب يا يسار ..
أين حبيب بن مسعود ؟
والتفت يسار ينظر إلى سرشير ..
أحقًا ما يقول هذا ؟
إنه لا يكاد يصدق مما يسمع ..
ألف دينار من أجل أن يسلبوه دينه ؟!
من أجل الإيقاع به بين فكي الشيطان !
ونظر في عيني الجارية ، فروَّعها منظره .. وهزَّت رأسها تنفي بكل شدة وتقول :
– لا تصدقه .. لا تصدقه يا يسار .. إنه ..
كان سعيد بن منصور ، قد وضع الكأس أمامه ، وبسط ذراعيه على المائدة ، وجلس يتسلَّى بالنظر إلى ما يدور ..
وبقي حسَّان بن معيقيب ساكتًا ، سارحًا في تأملاته وأحزانه التي لا تنتهي مردِّدًا بين فترة وأخرى بصوت خفيض رتيب :
– مناد دعا زهدًا فخف له قلبي ..
وتذكر يسار في تلك اللحظة ..
كان أبو أنس قد التقى به عصر هذا اليوم في السوق الكبير ، وسلَّمه رقعة مطوية قال إن الشيخ قد بعثها له ..
وحوَّل الكأس من يده اليمنى إلى اليسرى ، وخفضها حتى لامست المائدة ، ثم مدَّ يده يتحسس الرقعة في جيبه ، فأخرجها ، وفضَّها ، فقرأ فيها :
(( إني أذكِّرك .. إن الشيطان سوف يدخل عليك من أبواب شتى ، وعلى رأسها المرأة .. فاعتصم منه بذكر الله الدائم ، وبغض نظرك ، وتلاوة القرآن .
وذكر نفسك ، أن وجه المرأة الجميل هذا ، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود ، وأن في الجنة من الحور العين ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) .
كانت الرقعة بخط الشيخ نفسه ..
إن الشيخ لم ينسه ولم يهجره كما خيل له ..
هاهو يذكِّره ..
ويحذِّره ..
وكان أبو محمود مستمرًا في الضحك ، مستمرًا في إغرائه على شرب الكأس .
أما الجارية ، فقد لاحظت التغير الذي طرأ على وجهه ، فسحب نفسها قليلاً قليلاً ، ولاذت بقرب حسَّان . وأخذ سعيد بن منصور ينظر إلى القناديل التي بدأ نورها يسطع ..
ومضى أبو محمود يحثُّه ويغريه :
– اشرب .. لابد أن تشرب ..
أنا الذي جئت بك إلى هنا .. أنا الذي أخرجتك مما كنت فيه من العبادة .. أنا الذي أخرجتك من المسجد ..!
متِّع نفسك .. انس الدنيا .. فغدًا نموت .. نموت ونترك الدنيا لغيرنا ..
وزادت كلمات حكيم في يقظته ..
غدًا نموت .. ونقف بين يدي الله للحساب .. سيحاسبنا على كل شيء .. على كل خطوة ، كل كلمة ، كل معصية ، وسوف يهتف كثير من الناس : } يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا { .
ونكس رأسه ينظر في الرقعة ، وخيل إليه كأنه يسمع صوت الشيخ يحدِّثه .. يحذِّره .. يطرق أذنيه : (( إني أذكِّرك .. إن الشيطان سوف يدخل عليك من أبواب شتى ، وعلى رأسها المرأة .. فاعتصم منه بذكر الله الدائم … )) .
وقبض أبو محمود على يد يسار التي تحمل الكأس ، وأراد أن يرفعها إلى فمه وهو يقول :
– اشرب .. اشرب يا يسار .
وعاد حبيب بن مسعود كما ذكر سعيد ، وصرخ من مكانه محذِّرًا :
– لا .. لا تشرب يا يسار .. لا تشرب .
سر أبو محمود لرؤية حبيب ، وأراد أن يريه كيف يستطيع أن يسقيه الخمر بيده .. وراح يلح على يسار وهو يقبض على يده يريد أن يرفعها بالكأس إلى فمه .. وكان في عمله هذا فرحًا مزهوًا كأنه يقوم بما يستحق عليه الثناء والتقدير ..!!
وهتف يخاطب حبيبًا :
– انظر .. ها أنا أسقيه الخمر بيدي .. ألم أقل لك ؟
وكان يسار قد وصل إلى حدٍّ لا يطيق معه الصبر .. فانفجر غاضبًا ، ونهض ثائرًا ..
ورمى الكأس في وجه حكيم .
وركل المائدة بقدمه .. فتحطَّم كل ما كان عليها .
وانهال على حكيم ضربًا ..
وأظلمت الدنيا في عينيه ..
وانقلبت المائدة .
وهربت الجارية وقد أصابتها شظايا كأس تحطم بالقرب منها فجرح ساقها .. ولم يقف في وجه يسار شيء .
لقد قذف بكل ما في نفسه ..
مرة واحدة ..
لقد جمع الران الذي تراكم على قلبه ، وكوَّره وألقى به في وجه حكيم .. وفرح حبيب بن مسعود ..
وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وهو يجلس صامتًا مبتسمًا وقد أعجبه المشهد .. ولم يحاول سعيد بن منصور شيئًا يقلل من هياج يسار ..
وخرج يسار .. وصوت الشيخ يرن في أذنيه :
(( إن وجـه المرأة الجميل هذا ، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود ، وإن في الجنة من الحور ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) .
واهتزَّت النخلة طربًا وهي تشيع يسارًا ..
ولمعت الفوانيس بنور جميل ..
وشعر كأن الجدران ، والبيوت ، والدنيا ..
الدنيا كلها ، ترحب به ..
أين كان كل هذه المدة ؟
ومضى في طريقه إلى المسجد ..
إنه يريد أن يرى الشيخ ..
أن يجلس بين يديه ..
أن يعترف بتقصيره ..
وكان الطريق طويلاً ، والمنعطفات كثيرة ، والبيوت تقف على الجانبين .. ولم يسمع أصوات المسلمين عليه ..
ولا الفقير الذي مد يده يسأله الصدقة ..
ولا أحدًا من الناس ..
كان يريد أن يصل إلى المسجد ..
أن يعود إلى سابق عهده ..
أن يعود إلى الله بقلب تائب خاشع منيب ..
لم يكن يظن أنه يستطيع أن يفارق أحدًا من أصحابه ..
لم يكن يظن انه يستطيع أن يبتعد عنهم ..
كيف ابتعد كل هذه المدة ؟
لقد كان في رحلة خطرة .. المحظوظ فيها من يعود منها سالمًا .. لا له ولا عليه ..
لقد كان صغيرًا يوم بدأ يعتاد المساجد .
وكان صغيرًا يوم أخذ يتردد على حديث الشيخ .
كان أبو الذهب يطرق عليه الباب كل يوم .. يوقظه ، ثم يقوده من يده في طريقه إلى المسجد . كان يحنو عليه ، كما يحنو الأخ الكبير على أخيه الصغير ..
إنه يتذكر تلك الأيام ، وتلك اللحظات .
لقد كانت ملء السمع وملء البصر ..
وعبود .. الفتى الطويل الأسمر ، الذي أمضى سنوات عديدة وهو يحاول العثور على فتاة لكي يخطبها لنفسه . فلم يوفق !
لأنه لم يجد الفتاة التي تناسبه ، أو التي تناسب أمه كما يقول أخوه !!
وعبدالله بن الشيخ إبراهيم ، الفتي الطيب .. اللطيف الوديع ، الذي ذهب يدرس الطب .. والذي كان يراه يذرع ساحة المسجد ذهابًا وإيابًا وهو يحاول حفظ سورة التوبة ..
وأبو أنس .. وخلاصاته التي لا تنتهي ، ودعاباته ، وروحه المرحة ، ومشاريعه الكثيرة التي يبنيها في الهواء ، وحكاياته عن أمه ، وكم مرة تخطئ في العد .
وأبو الحسن .. علي بن حسين .. وسمته الهادئ اللطيف ، ودروسه الفقهية التي تعلمها في المدرسة المستنصرية .. وصاحبه جاسم الذي لم يكن يفارقه في ذهابه وإيابه ، وقصته مع الشاب الذي سخر من صلاته ، فرأى ذلك الشاب رجلاً يأتيه في المنام وينهال على ظهره ضربًا بالسياط ، حتى استيقظ وأثر السياط ظاهر على ظهره !!
وغيرهم .. وغيرهم ..
كانوا يحيطون به .. يحبونه .
بل يراه بعضهم قدوة له .. ويتمنى لو بلغ مبلغه !
أيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟!!
ومضى يسار يريد أن يصل إلى المسجد قبل انفضاض الجماعة من صلاة العشاء .. إنه لا يريد أن يطرق على الشيخ باب بيته .. لأنه لم يتعود أن يزوره في الليل ..
وتمنَّى لو استطاع أن يطير .. أن يصل ..
وتذكر العم عثمان ( أبو البحر ) .. هذا الذي تجاوز المائة من العمر .. والذي وقف مرة يخاطبه ويقول :
– ليتني نشأت في طاعة الله كما نشأت يا يسار .. فهنيئًا لك ..
ثم رفع المنديل يسمح دمعة ترقرقت بها عينه وقال :
– لقد طال أجلي وقلَّ عملي ..
إنه لا ينسى هذا ..
ولا ينسى والده ، وكان يتمتم بعد صلاة الفجر فيقول :
– الحمد لله الذي رزقني ولدًا صالحًا تصل دعواته إلى قبري .
وأمه الحزينة المسكينة .. التي كانت تنظر إليه وتبكي بصمت ، والتي سمعها قبل أيام تقول لأبيه بصوت خافت :
– لا أدري ما الذي جرى ليسار .. كلمه يا رجل .. كلمه لعله يحدثك .
وأخته الصغيرة سناء .. لم يعد يداعبها .. ولا يسألها عن قطتها .. حتى شكت لأمها فقالت :
– لماذا لا يكلمني يسار ؟ هل هو مريض ؟
والشيخ ..
لقد كان يحبه كثيرًا ، كان لا يمل سماع حديثه . كان يرغب بالمزيد المزيد ..
وهل لدى الشيخ إلا كل نافع مفيد ؟ كان يتحدث وكأنه يغرف من بحر ليس له ساحل ..
إنه في طريقه إليه ..
سيقص عليه ما جرى ..
سيقول له ..
ماذا يقول ..؟
ورأى المسجد أمامه .. ببنائه القديم ، وجدرانه التي يخيل للناظر إليها أنها توشك على التداعي ، ومئذنته المتواضعة ..
وتقدم بخطوات بطيئة مترددة ..
لقد شعر كأن حجارة المسجد تنظر إليه بعتاب ..
وكأن جدرانه التي تتطلع إليه بصمت قد فرحت بقدومه ..
إن هذا المسجد يعرفه .. إن كل حجارة فيه تعرفه ..
كم مرة حضر إلى المسجد قبل أن يحضر أي إنسان ..
كم مرة قضى الساعات الطوال .. قائمًا مصليًا ، أو قارئًا للقرآن .. أو ذاكرًا لله تعالى ..
لقد كان مكانه في الصف الأول من صلاة الجماعة ..
ومع التكبيرة الأولى ..
وتعدى باب المسجد وهو يقدم رجله اليمنى ويقول :
– اللهم افتح لي أبواب رحمتك ..
إن أبواب رحمة الله مفتوحة دائمًا ، لم تغلق في ساعة من ليل أو نهار ..
أين التائبون .. الآيبون .. النادمون ..
هذه الشجرة الكبيرة في ساحة المسجد .. في مكانها لم تتحرك .
والفوانيس المضيئة ..
وزير الماء ..
وخادم المسجد .. حميد بن سلوم الرقاق .
وتقدَّم يسار ..
كان المصلون قد خرجوا ..
ولكنه لم ييأس .. فلعل الشيخ تخلَّف بعد صلاة العشاء ..
وصدق ظنه ..
كان الشيخ واقفًا ، مستندًا بظهره إلى الدعامة الوسطى من المسجد ، وكان ينظر إلى يسار ، بعين الوالد الرفيق الرحيم ..
وتقدم يسار ..
خجلاً مترددًا كأنه يحمل أوزار الدنيا ..
واقترب منه ..
فسلَّم عليه ..
وهيئ له كأنه سمع الشيخ يرد عليه ..
وشعر بيده توضع على كتفه ..
وسمع صوته المضمخ بعبير القرآن وهو يتلو :
} قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعًا . إنه هو الغفور الرحيم { .
وهشَّ قلبه لهذه الآية.. وشعر كأنه يسمعها لأول مرة.. تحملها الملائكة.. ويهتف بها المسجد..
وشعر كأن كل شيء ..
حتى الفوانيس الكبيرة ..
وحتى النخلة الواقفة هناك ..
وكل حجر في هذا البناء الطاهر ..
استقبله .. فرح به .. سر بعودته .. فتح ذراعيه له ..
وأراد يسار أن يقول شيئًا أن يتكلم ..
أن يقص على الشيخ ما جرى له ..
ولكنه لم يستطع ..
لقد تحوَّلت كلماته إلى دموع .
وعاد صوت الشيخ ، الهادئ الوقور يتلو من القرآن الكريم .. ما وجد فيه يسار ، شفاء ، وأملاً ، ورحمة ، ورغبة في العودة إلى الله : } وإني لغفَّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى { .

 

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (10) مغلقة
الصفحة 48 من 50« الصفحة الأولي...102030...4647484950