الصفحة 49 من 51« الصفحة الأولي...102030...4748495051

دعوة إلى المشروع الخاص – 2005-12-08

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة محمد وعلى آله الأطهار وصحبه وكل أهل الحق في كل البلاد.

إخواننا الأحبة …. أخواتنا الغاليات ….. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : فشكر الله لكم جميعاً حسن أخوتكم الصادقة وطيب مشاركاتكم وجميل نصحكم ، ونرجو أن نبقى دائما على تواد في الله وتناصح وإخاء ، وهذه الكلمة الثانية في موقعنا الصغير وأسأل الله فيها الصواب والسداد.

إخوتي الكرام .. أخواتي الفاضلات :

إن المقدمات غير الصحيحة لا تثمر إلا عواقب وخيمة ، وسنن الله تعالى لا تحابي أحداً ، وعلى المؤمنين أن لايقعوا في فخاخ الجهل السنني، وعندما تقدمت جحافل التتار نحو بغداد لاحتلالها كان جيش الخلافة قد أصبح في غاية الهزال والذلة ولا يزيد تعداده عن عشرة آلاف كثيرون منهم يتسولون أرزاقهم على أبواب المساجد وفي الأسواق، واهتم الحكام بمكاسب الدنيا وأهملوا النظر في الشأن العام واشتد ظلم العمال واشتغلوا بنهب الناس (والملك قد يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم) كما يقول المؤرخ أبي الحسن الخزرجي.

لقد أدى الرعب الذي انتشر في العالم عقب سقوط بغداد إلى خوف الصيادين القاطنين على سواحل السويدِ! من الخروج إلى البحر للصيد! فما بالكم بمن عاش المذبحة الرهيبة!

لايوجد في قلوب المسلمين اليوم عموماً رعب من الغرب بل تحد وغضب وشعور مرير بالظلم، ولكن هذه الأمور قد تستخدم مرة ثانية لإهدار طاقة الأمة وإبقائها في دوامة الحيرة والضياع.

ليشق الخطباء حناجرهم في لعن أعدائنا، وليمتلئ الشارع بالهتافات، وليُصعد الإعلام سخطه واستنفاره فكل ذلك لايقفز فوق المقدمات الصحيحة، وأنا أزعم أن الأقدام الغازية لم تأت بسبب قوتها بل بسبب الظلم الذي عشعش في بلاد العرب والمسلمين فقتل الألوف المؤلفة وهجرها وشردها وسجنها وعطل الطاقات ونهب الشعوب وقتل الإبداع والمبادرة، وضيق على كل ذي نشاط وفعالية، ثم قام الظلم بكل صفاقة يتغنى بالبناء والنهضة والتطور ، بعد أن تفرجت الأمم الذبيحة برعب ولعقود على فلذات أكبادها يذبح الواحد منهم وراء الآخر ولا يجرؤ أحد على الكلام في بلاد الصمت الطويل، وإن سمح بشيء فهو من تتمات أصول اللعب والتدويخ والاستيعاب للشعوب المسكينة الغافلة.

لقد حاول البعض الخروج من هذه المتاهات المرعبة حقاً فوقع بعضهم في فكر تكفيري دموي (وهو مانرفضه تماماً) أراق حتى الآن من دماء المسلمين الأبرياء مالم يصبه من دماء المحتلين والغاصبين ؛ هذا عمل من قد يُظن ببعضهم الإخلاص فما بالك بمن هم ضحايا الاختراقات المخابراتية التي لم تعد خافية على متتبع للأمور ، والتي تتعمد كل يوم إعطاء المبرر لزيادة توحش الظالمين وزج الأمم والشعوب التي تجهل الإسلام ورائهم من خلال زرع الكراهية للإسلام وأهله في قلوب أبناء تلك الشعوب وتنفيرهم من الإسلام وأهله ، وبين يدي تلك الأجهزة المخابراتية أطراف ساذجة متقدة العاطفة سقيمة الإدراك تقوم بما عجزت عنه أصابع الحاقدين على الأمة خلال عقود.

ليس ما يصيب الأمة من نكبات اليوم هو أول بلاء أصابها خلال تاريخها ، وقد مر في أرضنا الغزاة والطامعون والمحتلون وخرجوا صاغرين وتعافت الأمة بعد سقم، ولكن ذلك كان لأسباب يجب استنطاق التاريخ وتجاربه لنقف عند سنن ضرورية في المعركة الطاحنة ومنها:

هناك أسباب للقوة ومفاتيح للنصر الدنيوي وهي شيء غير النجاة في الآخرة، ولابد أن ندركها ونجعلها بين أيدينا “بل لاتتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبِّبَاتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل …” كما يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد 4/15.

2- عدم الوقوع في أخلاق الخصم: تقليد الأمة المسلمة لغيرها في العادات الفاسدة شيء مرفوض وذميم ولكن الأخطر منه بكثير التقليد في أصول الأمور، ولقد جاء في الصحيح عندما َقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: z”أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ” (صحيح البخاري/ المناقب 3518) وجاء في شرح النووي على مسلم (البر والصلة، 2584) في فقه الحديث: “وفيه ترك بعض الأمور المختارة , والصبر على بعض المفاسد خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه , وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس , ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين , وتتم دعوة الإسلام , ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة , ويرغب غيرهم في الإسلام …” ومن أعظم المفاسد أن يذوب المسلم في كيان الخصم الفاسد وأخلاقه الحربية والسياسية فيصبح الدم هدفه ووسيلته والنسف والتفجير والاعتداء على البشر ديدنه ، فيسود صحائف الأمة كلها بقتل الناس بالجملة دون أن يعلم أن دماء الناس كلهم معصومة في الأصل وأن مايصيبنا من الظلم لا يكون دفعه بظلم أعظم وجهل أفضح نشوه به ديننا وننفر الناس عنه وصلاح النية هنا لا يلغي فساد العمل، وجنود الاحتلال البغيض لايتمترسون في مطعم للعمال وفرن تأتي إليه النساء ولا في دائرة حكومية موظفوها ومراجعوها من لحمنا ودمنا

3- لابد للأمة من مرجعية : وقد أصبح تهديم مرجعيات الأمة المسلمة واضحاً لا يخفى وعلى يد فريقين: فريق من الخصوم صادروا للأمة كل قرار ومنعوا عنها حتى أبسط الحقوق وفرضوا عليها حتى مرجعياتها الدينية بالقرار السياسي لا بالكفاءة ولا بالرضى، وفريق آخر من أبناء الأمة سبب أذى شديداً بضيق أفقه وحصره الإسلام فيما يرى فلا يُبقي لغيره نصيباً في صواب ولا يدعي هو الصواب ويزعم خطأ غيره بل يزعم الإيمان ويدعي كفر مخالفيه وبالتالي فقد شارك هذا الطرف في تدمير مرجعبات الأمة بما لايقل عما فعله أنكى الأعداء فيها ، وكأنه نسي قوله تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون، الآية 52) ، وسنعود لموضوع المرجعية في بحث قادم بإذن الله.

يحق لنا ان نسأل: كيف ولماذا؟ فإن التباكي الذي عودتنا عليه وسائل الإعلام حتى قتلت في النفوس كلمات كثيرة لكثرة مضغها له، كل ذلك لم يقدم للأمة ولا حتى رأس دبوس تعتمد عليه، وإذا كنا نرفض الفكر الدموي والتكفيري، وإذا كنا ضعفاء عاجزين فماذا نفعل وهل نترك الشلل والقلق والخمول يضرب جذوره فينا؟ اللهم لا!

انهارت الأمة عسكرياً وسياسياً في أوقات مختلفة ولكن لم يستطع أحد تدميرها حضاريا وأخلاقياً وإنسانياً، فقد بقيت تضخ الخير والإيمان والحضارة في جلسة علم، وموقف حق ومساعدة محتاج، ومؤسسة وقفية وسبيل ماء وتحقيق مسألة وإكرام جار وعابر سبيل وبر والدين وحنو على رحم وأخت وضعيف وصغير وبائس، وكرم فطري وإشفاق من معصية الله بنعمه، وبقيت الأمة تتنفس الإسلام روحاً اجتماعية وتسامحاً وتديناً فطرياً لاتعقيد فيه ولاتكفير، وبقيت فطرتها نقية النسب كريمة الأصول لاترضى الظلم ولكنها تسلك لدفعه بدل الشتم والصياح الذي عودنا البعض عليه في هذا الزمن الأعجف، والفكر التكفيري الذي ينتسب إليه آخرون، تسلك الصبر والعمل البطيء والإصرار العنيد، وتبث روحها في إتقان عملها وسلامة صدرها وابتداعها أساليب البحث عن البقاء لا في الجحور بل في ساحة مسجد وشموخ مئذنة وقدوة من عالم صالح يأبى النفاق، وفي مصلح هنا ومؤلف هناك وصانع وسباك وزارع وتاجر أمين وفلاح نشيط، وفي وشوشات مشربية خشبية عتيقة وعناق سيباط لآخر ودفء حارة وهمسات ساقية واستقامة شباب وعفة فتيات، وفي فوح زنبقة وأريج ليمونة شامية تهفو لنخلة في بغداد، وإباء لأهل المغرب قارفه حنين ترعة مصرية مع طيب أهل السودان ورقة أهل اليمن إلى النبع الأول في بطاح مكة معقد الخير والضياء.

ليكن لكل منا مشروعه الخاص الصغير ، ودعونا لاننتظر الأمور الخارقة لأن حركة التاريخ كما يقول مالك بن نبي رحمه الله إنما تصنعها آلاف الجهود الصغيرة التي لانلقي لها بالاً، وليكن مشروعنا الخاص الصغير في أي درب مباح فإن موعود الله تعالى حق (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة، 7-8)،
أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على دعوة إلى المشروع الخاص – 2005-12-08 مغلقة

حديث الشيخ (9)

الزائر الجديد

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
شتان ما بين معلم الناس الخير ، وبين من نصَّب نفسه داعيًا إلى النار ، هاديًا إلى الضلال ، دالاً الناس على طريق المغضوب عليهم أو الضالين ، ممن ذمهم الله في كتابه الكريم .
وحكيم بن محمود ، فيه خصلة من النوع الثاني .. ولعله لم يتلقَّ في صغره ما يمنعه من الانزلاق إلى مهاوي الرذيلة في كبره !
قال : والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجر من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .. كما جاء في الحديث .
قال أبو العرفان وفي إحدى الأمسيات ، وبعد صلاة المغرب .. التقى هؤلاء في بيت الجارية ، فلما اكتمل الجمع ، سأل أبو محمود :
– أين الخادم ؟
قال سعيد بن منصور :
– لقد علمت أنه ترك الخدمة ..
فقاطعه حبيب بن مسعود وقال :
– إنه تاب .. إنه لم يرض لنفسه هذا العمل !
وصرخ حكيم بن محمود وهو ينهض غاضبًا :
– هل تريد أن تنغِّص علينا ليلتنا يا حبيب ؟
فهز حبيب رأسه ، وأجابه بصوت هادئ :
– كلا .. إنما تكلمت بما علمت .. ودونك سرشير فاسألها ..
قال سعيد :
– من الأفضل أن نعيده إلى خدمتها ، سنغريه بالمال ..
فضحك حبيب وقال :
– إنك لن تجده ، ولن يأتي ..
وقبل أن يسأله واحد منهم مضى يقول :
– إنه ترك بغداد .. ولا أحد يدري إلى أين ذهب ، لقد أراد أن يذهب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد .. أراد أن يبدأ حياة جديدة بيضاء ..
فهتف سعيد مؤيدًا :
– لقد أحسن والله صنعًا ..
وسأل أبو محمود :
– وما يدريك أنه قد ذهب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد ؟
قال حبيب مؤكدًا :
– رأيته عشية اليوم الذي ترك فيه هذا البيت ، فاستوقفته وسألته أين يريد .. فأجابني بأنه يريد التفرغ للعبادة ، يريد أن يبدأ حياة جديدة لا تشوبها معصية .
فضحك أبو محمود وقال باستخفاف :
سيعود إلينا .. سوف يندم .
فأجابه سعيد .
– لا يا أبا محمود .. إنه لا يعود ..
فضرب أبو محمود بقبضة يده على المائدة ، وقال مؤكدًا :
– بل يعود .. وسوف ينحني على أيدينا يقبِّلها يسألنا أن نعفو عنه .
فرفع حسَّان بن معيقيب رأسه ، وكان قد ظل صامتًا طول الوقت ، ونظر إلى حيكم وقال :
– لا أظن ذلك .
وضحك أبو محمود ، وقال وهو يحوِّل وجهة الحديث :
– ليذهب .. لا حاجة لنا به .
ثم نظر وجه حبيب ، وأدنى رأسه وقال بصوت خفيض وكأنه يريد أن يبوح بسر خطير :
– سوف يأتينا من هو خير منه .
وهتف سعيد بن منصور :
– من هو ؟
أما حبيب بن مسعود ، فقد خشي أن يتكلم ، لئلا يكون ..
ونظر أبو محمود في وجه حبيب وهو يقول :
– من تظنه يا حبيب ؟
أما هذا ، فقد روعته لهجة حكيم ، وبقي صامتًا جامدًا ينظر إليه . لعل الشيطان قد عملها ..
ونقر أبو محمود على المائدة بإصبعه وهو يقول :
– قد وقع صاحبك يا حبيب ؟
ولم يصدق حبيب ما سمع ، وقال بكل ثقة وهو يردُّ عليه .. ولم يكن قد علم بما جرى من الأمور :
– هيهات ..
قال أبو محمود ، وهو ينقر على المائدة بشكلٍ رتيب :
– إنه سيأتي ..
فرفع حبيب يده اليمنى ، وقال وهو يحرِّك إصبعه في وجه حكيم :
– هذا محال .. إن يسارًا لا يقع ، إنه كالنسر لا يحلق إلا عاليًا .
وضحك أبو محمود وهو يقول متحديًا :
– وإذا جاء هذه الليلة ؟
قال حبيب جازمًا :
– إنه لن يأتي ..
وعاد أبو محمود يستثيره ، وينقر على المائدة ويقول :
– وإذا حضر ؟
– إنه لن يحضر .
ولم يعلِّق حسَّان بن معيقيب ، أما سعيد بن منصور فقد هزَّ رأسه وقال :
– لننتظر .
وقال حبيب بانفعال :
– إن يسارًا لا يقع .. أنتم لا تعلمون أي رجل هو ..
وراح يتحدث عن يسار :
– كان يصوم يومين في الأسبوع ، عدا رمضان ، وكان يقوم كل ليلة .. إنه يعيش في هذه الدنيا ومع الناس ، ولكن قلبه ، ولكن روحه لا تعيش إلا في السماء ..
من مثل يسار ..
وتنهَّد وهو ينظر إلى القناديل التي أضاءت المكان ، وقال وكأنه يخاطب نفيه :
– من في الدنيا مثل يسار ..
وضحك أبو محمود بتهكُّم وقال :
– كذلك كنت أن يا حبيب .
وأجاب حبيب بصوت كأنه الهمس ، وقال بأسف وندم :
– كلا .. لم أكن مثل يسار .. ولا نصفه .. ومع ذلك فأنت السبب ، وعليك الوزر .
وصاح أبو محمود وهو يتصنَّع الغضب :
– اذهب يا أخي .. اذهب إلى صلاتك وعبادتك وزهدك ..
وتنهَّد حسان بتوجع ، وقد أثارته كلمة زهد .. وراح يردد وهو يتطلع في وجه حكيم :
– نداء دعا زهدًا فخف له قلبي ..
ثم نكس رأسه وراح يدمدم مع نفسه بصوت خفيف لا يتبينه أحد . وكان سعيد ينظر إلى حسَّان ويتألم لحاله ..
وقال حبيب ، وكأنه يخاطب نفسه :
– لا يا أبا محمود .. ليس كما قلت .. لقد كنت أنت السبب في كل ما نحن عليه الآن .. أنت تعلم أنني لا أستطيع أن أترككم .. لأني تلوثت معكم .
وضحك أبو محمود ، وقد سرَّه ما رأى من حال حبيب وقال :
– لماذا لا تعود إلى سابق عهدك ؟
قال حبيب وقد أطرق مفكرًا :
– قلت لك لا أستطيع ..
وقبل أن ينتهي حبيب من جملته الأخيرة ، طرق الباب طرقًا خفيفًا فانبسطت أسارير حكيم ، ونهض مزهوًا وهو يشير إلى حبيب ويقول :
– هذا هو صاحبك قد حضر .
وخرج من الغرفة .. ولم يصدق حبيب ، وبقي معلقًا نظره بالباب ، وانفرج فم سعيد بن منصور عن ابتسامة حائرة ، وتعلقت العيون بالباب تنظر من القادم ..
وعاد أبو محمود وهو يجر وراءه شابًا تطوق وجهه لحية سوداء وتسبقه رائحة عطر زكي ..
وهتف أبو محمود بسرور :
– أقدِّم لكم ضيفنا الجديد .. يسار .
وشهق حبيب بن مسعود ، ولم يصدق عينه ما ترى ، ونهض سعيد وقد مد يده مرحـبًا .. أما حسَّان بن معيقيب ، فقد بقي في مكانه تحيط بفمه ابتسامة حزينة .
ودخل يسار مطرقًا خجلاًا ، ولم يرفع نظره إلى أحد من الحاضرين .. وجلس دون أن يتحرك ..
ومضى حكيم يدير الحديث ، وينثر الدعابة والنكتة ، فيضج الجميع بالضحك ، ما عدا حبيبًا الذي أخذ بما رأى .. وما عدا يسارًا أيضًا .. الذي لم يشارك إلا بابتسامة حيية تمر على شفتيه .
ولم يشعر يسار بوجود حبيب .. ومضى أبو محمود وقد أطربه ما أحرزه من ظفر لم يكن يتوقعه ، واجتاحته موجة من السرور أفقدته رشده .
وانحنى على يسار يسأله عن حاله ..
فأجاب يسار بهمس :
– إنني في أسوأ حال ..
وضحك أبو محمود وهو يقول :
– إنه الحب يا أخي ..
وأطرق يسار ، وقد التهب وجهه بحمرة الخجل .. ثم همس في أذن حكيم :
– إنني لم أرها منذ مدة ..
فنهض أبو محمود وقد استخفَّه الطرق وقال :
– ستراها اليوم .. إنها ستأتي .
ولم يصبر حبيب ، فصرخ محتجًّا :
– هذا محال .. إن هذا لا يكون ..
والتفت يسار فرآه !
وكاد يذوب خجلاً ..
إنه يحتج ..
حبيب بن مسعود يحتج ..
وعلى من ؟
على يسار .. الذي طالما نصح حبيبًا بالإقلاع عمَّا هو فيه ، وكان يذكره ويقص عليه كثيرًا من أخبار المتقدمين ، وكان حبيب يشعر بالندم ، وقد يبكي .. إن حبيبًا هو الذي يحتج . إنه يلتقي معه في المكان الذي كان يحذره منه !
وصرخ حبيب مرة أخرى :
– ما الذي جاء بك يا يسار ؟
ونهض أبو محمود فدفعه زاجرًا :
– وأنت ما الذي جاء بك ؟
وتنهَّد يسار ، وشعر بالامتنان العظيم لحكيم ، لقد أنقذه في الوقت المناسب . ولكن هذا صرخ مرة أخرى :
– إن هذا ليس مكانك يا يسار .. إن هذا لا يليق بك .. أنت لا تنزل إلى هذا المنحدر .
وكاد يهب حكيم وسعيد في وجهه ، لولا أن طرق الباب طرقًا عنيفًا . فسكت الجميع ، ولم يتحرك أحد منهم ، وتعلَّقت الأنظار بحكيم ، فهزَّ هذا رأسه وهو يقول :
– لا أدري من الطارق ، سوف تفتحه هي ..
وكانت الجارية في الداخل ، فأسرعت تفتح الباب .. ولما رأت القادم هتفت بكل جوارحها :
– مريد .. أنت عدت يا مريد ..
وأفسحت له وهي تقول :
– لقد كان قلبي يحدثني بأنك ستعود .. تفضَّل .
وسكتت ريثما تلتقط أنفاسها وقالت :
– إن مثلك لا يفرِّط في الأمانة .. لقد كانت ثقة أبي رحمه الله في محلها ..
فأجاب مريد دون أن يتحرك من مكانه :
– جئت أدعوك للعودة إلى الهند .
وبينما وقفت تنظر إليه وعلامات التعجُّب والاستفهام على وجهها ، مضى يقول :
– جمعتني القافلة برجل رحَّالة قادم من هناك .. وأخبرني ..
فقاطعته مستعجلة :
– ماذا أخبرك ؟
قال :
– أخبرني بأن السلطان عبدالحليم قد جهَّز جيشًا كبيرًا ، استطاع أن يدحر جيوش الممالك الوثنية التي خفت لنجدة الوزير الغادر ..
وأعاد السلطان محمود على مملكته في منداو .
وهتفت فرحة ومستبشرة :
– أتراه صادقًا فيما قال ؟
فأجاب مؤكدًا :
– كل الصدق .. لقد رأى ذلك بعينيه ، وأخبرني بأن كثيرًا من الذين هربوا قد عادوا إلى منداو ، وعادت لهم أملاكهم .
واستبد بها الفرح ، فأرادت أن تجذبه من يده لكي يدخل ويحدثها بكل شيء .. لكنها تذكرت .. أنه إذا رأى هؤلاء القوم مرة أخرى فسوف يغضب ، وربما يذهب ويتركها ولا يعود إليها بعد ذلك .
وسألته قائلة :
– متى تريد أن نذهب ؟
فأجاب :
– غدًا صباحًا .. إن شاء الله .
ثم أضاف قائلاً :
– نذهب أولاً في قارب من بغداد إلى البصرة ، ومن هناك تركب البحر في سفينة إلى الهند ..
قالت ، وقد غمرتها الفرحة ، فتنفست ملء صدرها وقالت :
– الله .. كم كنت أتمنى أن أرى البحر ، وأن أشمَّ نسيمه .
قال ، وكأنه يريد أن ينصرف :
– سأمر عليك غدًا صباحًا بعد ارتفاع الشمس فلا تتأخري .
قالت وهي تحاول إرضاءه :
– كما تشاء .. ولكن أين ستنام هذه الليلة ؟
فأجاب وهو يتنفس بارتياح :
– في المسجد ..
وسكت قليلاً ، وكأنه يريد أن يستحضر شيئًا غاب عنه وقال :
– إنه خير مكان يجد فيه المرء الراحة لنفسه وقلبه .
ثم ودَّعها وهو يقول :
– أرجو أن تكوني على استعداد .. غدًا صباحًا .
فلوَّحت بيدها وهي تقول :
– سأكون في انتظارك .
وقبل أن ترد الباب ، رفعت رأسها إلى السماء ، فرأت سربًا من الطيور محلقًا ، عائدًا إلى عشه ، يتغنى بصوت فيه معنى الحث والاستعجال لبلوغ المكان قبل أن يرخي الليل سدوله .
وخيَّمت عليها موجة من الحزن ..
إنها ستعود إلى الهند ..
ستكون وحيدة .. بلا أب ولا أم ..
حتى مريد .. ربما سيرى من واجبه أن يوصلها فقط ، ثم يتركها ويذهب إلى إحدى التكايا التي يتعبد فيها الزهاد . إنه يبدو وكأنه طلَّق الدنيا ثلاثًا .. نفضها من قلبه ، فلا يعود إليها ، ولا يسمح لها بالعودة إليه ، مهما أغرته بمباهجها .
يقال إن البحر واسع واسع أوسع من دجلة ، وأوسع من أي نهر رأته في حياتها ..
أصحيح أنها ستذهب في البحر .. في الطريق الذي سلكه السندباد في رحلاته السبع .. وهل سترسو السفينة على جزيرة تقف على ظهر سمكة !!
لابد أنها سترى من عجائب الدنيا أكثر مما قرأته في قصة السندباد .
ومريد .. هذا الأسود الذي يحاكي الليل في سواده ، إنه يحمل قلبًا أشد بياضًا من النهار .. مع نقاء سريرة وصفاء ذهن وإخلاص ليس له مثيل .
وردَّت الباب ثم عادت لتأخذ زينتها ، ثم تقضي بقية الليل مع القوم الذين حضروا .

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (9) مغلقة

من أعماقنا بداية الطريق – 2005-12-07

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الكرام والتابعين وبعد:

فقد كنت أعجب لكثرة ما تحدث بعض الكتاب عن الإمام الغزالي رحمه الله وتقصيره في الكلام عن الجهاد في سبيل الله في كتاب الإحياء رغم معاصرته لأهوال تشيب لها الولدان ، ففي عصره اجتاح الصليبيون أنطاكية ثم معرة النعمان وذبحوا فيها مايقارب مائة ألف من الناس ثم اقتحموا القدس سنة 495هـ وجرت سيول دماء المسلمين في أزقتها (وعمر الغزالي وقتها يقارب الخامسة والأربعين) ولكنه بقي مستغرقاً في عزلته ، وحاول بعض العلماء إدراك السبب فذكر العلامة القرضاوي على سبيل المثال أنه (لعل عذر الإمام الجليل أن شغله الشاغل كان الإصلاح من الداخل أولاً ، وأن الفساد الداخلي هو الذي يمهد للغزو الخارجي ….. لقد وجه أكبر همه إلى إصلاح الفرد … وهذا هو أساس التغيير الاجتماعي) ، وشن عليه آخرون حملة شعواء فذكر الأستاذ محمد يوسف موسى أن الغزالي وأمثاله كان من الأنانيين الذين يبحثون عن سعادتهم الخاصة ..و(لم يكن … يعنيه الصالح العام) ..
لسنا بصدد تحليل دور حجة الإسلام الغزالي وآثار فكره سلباً وإيجاباً ، ولكننا بدأنا نعي الحالة التي كان يعيشها فهي قريبة إلى ظروف اليوم.
أوضاع صعبة وتراجع في السيادة وهيمنة خارجية وأنواع مخيفة من الاحتلال ؛ من احتلال السوق والثقافة والعقول إلى احتلال الأرض والنفط فالماء ، والحديث عن المقاومة حديث عاطفي وتسخير معيب للمنابر من دون جذور عميقة له ولايوجد من مقدماته الحقيقية شيء.
نحن مساكين حقيقة عندما نقع تحت قبضة الظالمين سواء كانوا من الخارج أو الداخل وإذا كنا على مذهب المعتمد بن عباد من أن رعي جمال يوسف بن تاشفين أفضل من رعي خنازير الأذفونش فإننا نقول أيضاً بأن ظلم ذوي القربى أشد على النفس من وقع الحسام المهند.
ولكن لنكن صرحاء: الجهاد مع من وضد من ولماذا؟ تلك هي الحيرة التي تطوف في عقول الكثيرين! إن الأنظمة الركيكة في بعض بلاد العرب مستعدة للركوب على أي موجة عند تدارك الغرق، وهي مستعدة دائماً لإيجاد زخم عاطفي من أجل ديمومة استمرارها … ويحتار الإنسان المجرد حقيقة عندما يبحث عن رصيد حقيقي لتلك الأنظمة من أجل بناء الأمة بعيداً عن مصالح القبيلة والأسرة والآل … فلا يكاد يجد.
صارت للشعوب المسكينة مهما أعطيت من المهدئات ذكريات مريرة ومن نماذجها المؤلمة قائد إحدى الجبهات الثورية العربية الذي فر (بالبيجاما) وعلى حمار عند الكر عليه بدل أن يكون أول الاستشهاديين!
عندما تحصل حالات الرخاء تنشغل الأنظمة في البناء! لذا فليصمت الجميع لأن البناء شغال وأي محاولة لطلب حق ما إنما هي تحصيل حاصل واستعجال لخير قريب، وتمضي السنوات في عالم متسارع بشكل خطير والبناء لا يزال في غاية اللطف والتواضع ، وتأتي الأزمات فيظهر الحجم الفعلي للبناء البديع! (تبارك الله أحسن الخالقين) ، ويحاول البعض رفع الصوت مطالباً بالتغيير فتشتعل ساحة النضال الثوري حوله! وهل في مثل هذه الأوقات يكون الحديث عن حقوق الأمة والمعتقلين ومايفعله أبناء الذوات والأموال المنهوبة والاضطهاد الديني! يحتاج الأمر إلى تقوى! لنفوت الفرصة على كل طامع وغدار وماكر ومحتل!
انتهت تلك اللعبة أيها الحكام الكرام ، باختصار نريد حقوقنا … التي حرمتمونا منها دهوراً … وثقوا تماماً أننا نحن الذين نحميكم ونحن الذين سنفدي البلاد بأرواحنا ودمائنا وجهدنا وبذلنا وعرقنا ودمعنا … ولكن نرجوكم …. كفى متاجرة بنا … كفى …
إن أعمار الدول مثل أعمار البشر ، والكل إلى الفناء المحتوم! ولا غالب إلا الله رب العالمين.
من الصور المحببة إلى العوام قصة عنترة بن شداد وقد كان فارس قومه ولكنه اعتبر عبداً وقيدت حريته وعندما أغار الأعداء أمره سيده بالغارة فقال: العبد لايحسن الكر! فقال سيده: كُرّ وأنت حر .. والعبيد لايقاتلون .. والحكام الذين اعتبروا الشعوب قطيعاً من النعاج يسمنونه ليختاروا منه من يشاؤون ليعلفوه أو يحسوه مرقاً وينهشوه لحماً ويشربوه دماً … تلك الشعوب إن لم تعط الحرية فسيكون أكبر خاسر هم الحكام! فلم يبق عند الشعوب ماتخسره بعد سنوات المحق الثوري الطويل والمحكم والدقيق.
إن الحالة الراهنة لربما تدفع إلى اليأس عند البعض لعدم إدراكهم ماهو الفعل المطلوب ، فالقرارات الكبرى ليست بأيديهم ، والمؤسسات مصادرة من (بابوج إلى طربوش المجتمع) والأمور الصغيرة تافهة لن تفيد في المرحلة الخطرة والحساسة (بقايا فكر الثورة العصماء) والطريق الأقصر هو الهزيمة النفسية واليأس والانسحاب.

لنعد إلى الإمام الغزالي فلعل لديه جواباً! فهو لم يترك الجهاد كما ظن البعض وحاولوا تلمس العذر له ؛ فقد تحدث عن ذلك في كتبه الفقهية وصرح بأنه فرض عين! ولكن من غاص في إحيائه وخاصة في الكتاب التاسع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يرى كيف أدرك الغزالي أن تضعضع الأمة سببه المنكرات الداخلية العظيمة لذا فإن البدء بها هو مفتاح الثبات والقوة في المجتمعات (فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد ..) ويضع الغزالي ضوابط واضحة وفقهاً دقيقاً كي يكون الأمر أداة صلاح ووقاية للمجتمع ولايكون باباً للفوضى والاضطراب ، ولكنه يأتي بأمر عجيب حقاً! فيقول: ( بل كل من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضياً به فذاك ، وإن كان ساخطاً له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه! فكيف يُحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه) .
لقد قرر الغزالي مبدأ أن الإصلاح هو مؤسسة اجتماعية للكل حق في العمل داخلها ، وليست منحة يتكرم بها الحكام على الشعوب المستعبدة.
إن الحرية شرط لابد منه في أي عمل ، ولا تعحبني العقلية التي تبدأ بوضع الشروط قبل طلب الحرية، فإن سد الدروب هو أول آلات الظالم والمستبد، فلنبحث عن الحرية وبعدها نناقش التفاصيل.
لقد كان في كل مجتمع حي مرجعيات عفوية يلجأ إليها الناس دون إكراه وقد أدت دوراً عظيماً في الحفاظ على المجتمع ، وقد ظنت الأنظمة الثورية العربية بالمرجعيات شراً فعملت على تهديمها ظانة أنها بقية الرجعية والظلامية والورائية! والتخلف والجهل المبين حتى إذا لم تُبق في الناس كبيراً ظنت أنها قد صارت هي الكبير! غافلة عن حرمانها من أغلب مقومات الامتداد والاحترام بين الناس! ومن الطرائف في ذلك ماذكره فخري البارودي في مذكراته من أن الحكومة العثمانية ( وفي أيام احتضارها) قد فتحت محكمة تجارية لدرء المنازعات بين التجار! وبقيت تلك المحكمة ثلاث سنوات لم يدخلها شاك واحد ، فقد كان المجتمع قوياً في داخله رغم الضعف المحيط به .
ولقد انكسرت ألمانية واليابان عسكريا في الحرب العالمية الثانية ولكنها بقيت شامخة في بنيتها الداخلية وكالت الصاع لمن احتلها اقتصاداً وفعالية دولية وحركة علمية ودوراً سياسياً له ثقله في العالم.
عندما يتخلى الناس عن حريتهم فإنهم يقبرون أنفسهم ومجتمعاتهم بأيديهم ، فدعونا نحيي المرجعيات وليبدأ كل من حيث يقدر، ومن أولى المرجعيات بالإحياء المرجعية الاجتماعية حيث كان لكل عائلة أو أصحاب مهنة جلسة (من الأسبوعية إلى الشهرية) دون تكلف ولا رسميات؛ بها تتجدد نفوسهم وتتبلور أفكارهم وتتراحم أنسابهم وتنسجم أعمالهم وتُحل منازعاتهم ويكسوهم من الإيمان الفطري رداء ومن العمل الصالح نور).
ليست مقاومة الاحتلال والعدو الخارجي بالصياح ولا بالسلاح المادي وحده فطالما ارتشعت أيدي الجبناء.
من أولى مهماتنا تمتين النسيج الداخلي لمجتمعنا وتقريب الناس من بعضهم وجمعهم على الخير وحثهم على البر ببعضهم والتسامح فيما بينهم وتذكيرهم بحقوقهم وحثهم على رفض الظلم، وعندها فستتكسر سفن الطامعين على شواطئنا المحمية بالإيمان والترابط والوعي العميق.

أحمد معاذ الخطيب الحسني

1 – يوسف القرضاوي ، الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه ، ط4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1414هـ/1994م ، ص 174.
2 – المرجع نفسه ، ص162.
3 – أبي حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، القاهرة ، المكتبة التجارية الكبرى ، 2/ص 306.
4 – المرجع نفسه ، 2/ص 315.
5 – فخري البارودي، أوراق ومذكرات، تحقبيق : دعد الحكيم ، دمشق ، 1999، 2/ص 48.

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على من أعماقنا بداية الطريق – 2005-12-07 مغلقة

حديث الشيخ (10)

تذكرة الشيخ

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
قال أبو العرفان : كانت الجارية ترتدي حلة وردية زاهية ، وقد تقدمها عطرها الفواح ، واكتملت زينتها ، ولكنها بدت حزينة أسيفة على غير عادتها .
وألقت نظرة سريعة على الحاضرين ، فلما رأت يسارًا وجمت وتسمَّرت في مكانها .. وبدا عليها وكأنها فوجئت .. كـأنها لم تكن تعلم بمجيئه .. وحولت نظرها إلى حكيم .. فضحك هذا وقال :
– إنه يسار .. ألا تعرفينه ؟
وتقدَّمت على مهل ، فسلمت على يسار ، ومالت إليه ، ورحَّبت به ، ولكن بتحفظ واحترام كثير ..
وجلست إلى جانبه .
فلم يتحمل حبيب هذا ، فترك المجلس وخرج وهو ينفخ من شدة التأثر ، ولما رأى القلق الذي اعترى يسارًا ، بادر يقول :
– لا عليك .. إنه سيعود .. وسيشرب الخمر حتى ينسى نفسه .
وكان يسار يتمنى ألا يعود حبيب .. لأنه شعر بأشد الحرج في حضوره ، وهنا رفع حكيم كأسًا ، قدَّمه إلى يسار وهو يقول :
– خذ .. اشرب ..
وهزَّ هذا رأسه ، ونظر في عيني الجارية كأنَّه يستنجد بها ، فلم يجد لديها الرغبة في ذلك ، وأشارت بيدها تمنعه ..
فالتفت يقول :
– أنا لا أشرب الخمر ..
وضحك أبو محمود وهو يمد يده بالكأس ويقول :
– اشرب .. اشرب يا يسار ..
إنها تزيل عنك الخجل ، وتذهب الهم ، وتنسيك الدنيا ، ولا تعيش إلا هذه اللحظات .
وتردد يسار .. وقال مرة أخرى :
– لا .. أنا لا أشرب الخمر .
وخيل إليه في تلك الساعة ، أن الدنيا تدور به .. فقد نما إليه أن صاحبه أبا الحسين عندما سمع بما آل إليه أمره ، قال :
– اتركوه .. فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ، متمثلاً بالحديث .
وطرق سمعه قول أبي أنس :
– كنت والله أظن أن أساسه أقوى من هذا ..
ولم يعلق ناقل الخبر .. وكأنه يؤيد ما قاله !
والتفت يسار ينظر إلى هذا الواقف على الذي يحمل كأس الخمر بيده ، ويحثه على الشرب ..
– اشرب .. اشرب .. خذه يا يسار .
وطالعه وجه أمه الحزينة المتألمة ، وهي تنظر إليه ولا تستطيع شيئًا ، وأخته الصغيرة سناء ، وهل تحمل قطتها الكبيرة ، تنظر إليه بإشفاق ..
وعاد صوت حكيم يقول بإلحاح :
– أين أنت يا يسار .. خذ .
وقرَّبه منه ، فتناوله يسار .. وبقي الكأس في يده ..
وهنا أطلق أبو محمود ضحكة عالية ، وكأنه قد نال غاية ما كان يتمناه .. وصرخ وقد استبد به الفرح :
– عليَّ بحبيب بن مسعود .. أين هو .. ألم أقل له .. سأسقيه الخمر بيدي ؟
ولم يفهم يسار معنى لما قال حكيم ، وظلَّ يدور في دوَّامة من الأفكار ، وأخذت صور أصحابه الفتية الذين كان قد قضى شطر حياته معهم في المسجد وكان الشيخ يحدثهم ..
أخذت صور هؤلاء تتعاقب عليه ..
فإذا بأبي الذهب يعض على يده ..
وتخيل أبا الحسين ، علي بن حسين ، بوجهه المستدير ، وشعره القصير ، وهدوئه المعتاد ، وابتسامته الخفيفة اللطيفة ، وإيماءاته القريبة البعيدة .. تخيَّله وكأنه يقول :
– إنه لم يبتعد كثيرًا ، ومهما ابتعد فسوف يعود ..
أما أبو محمود ، فقد مضى يهذي في نشوة المنتصر :
– لقد بذلت للجارية ألف دينار لكي تأتي بك إلى هنا ..
لقد أقسمت أن أسقيك الخمر بيدي ..
اشرب .. اشرب يا يسار ..
أين حبيب بن مسعود ؟
والتفت يسار ينظر إلى سرشير ..
أحقًا ما يقول هذا ؟
إنه لا يكاد يصدق مما يسمع ..
ألف دينار من أجل أن يسلبوه دينه ؟!
من أجل الإيقاع به بين فكي الشيطان !
ونظر في عيني الجارية ، فروَّعها منظره .. وهزَّت رأسها تنفي بكل شدة وتقول :
– لا تصدقه .. لا تصدقه يا يسار .. إنه ..
كان سعيد بن منصور ، قد وضع الكأس أمامه ، وبسط ذراعيه على المائدة ، وجلس يتسلَّى بالنظر إلى ما يدور ..
وبقي حسَّان بن معيقيب ساكتًا ، سارحًا في تأملاته وأحزانه التي لا تنتهي مردِّدًا بين فترة وأخرى بصوت خفيض رتيب :
– مناد دعا زهدًا فخف له قلبي ..
وتذكر يسار في تلك اللحظة ..
كان أبو أنس قد التقى به عصر هذا اليوم في السوق الكبير ، وسلَّمه رقعة مطوية قال إن الشيخ قد بعثها له ..
وحوَّل الكأس من يده اليمنى إلى اليسرى ، وخفضها حتى لامست المائدة ، ثم مدَّ يده يتحسس الرقعة في جيبه ، فأخرجها ، وفضَّها ، فقرأ فيها :
(( إني أذكِّرك .. إن الشيطان سوف يدخل عليك من أبواب شتى ، وعلى رأسها المرأة .. فاعتصم منه بذكر الله الدائم ، وبغض نظرك ، وتلاوة القرآن .
وذكر نفسك ، أن وجه المرأة الجميل هذا ، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود ، وأن في الجنة من الحور العين ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) .
كانت الرقعة بخط الشيخ نفسه ..
إن الشيخ لم ينسه ولم يهجره كما خيل له ..
هاهو يذكِّره ..
ويحذِّره ..
وكان أبو محمود مستمرًا في الضحك ، مستمرًا في إغرائه على شرب الكأس .
أما الجارية ، فقد لاحظت التغير الذي طرأ على وجهه ، فسحب نفسها قليلاً قليلاً ، ولاذت بقرب حسَّان . وأخذ سعيد بن منصور ينظر إلى القناديل التي بدأ نورها يسطع ..
ومضى أبو محمود يحثُّه ويغريه :
– اشرب .. لابد أن تشرب ..
أنا الذي جئت بك إلى هنا .. أنا الذي أخرجتك مما كنت فيه من العبادة .. أنا الذي أخرجتك من المسجد ..!
متِّع نفسك .. انس الدنيا .. فغدًا نموت .. نموت ونترك الدنيا لغيرنا ..
وزادت كلمات حكيم في يقظته ..
غدًا نموت .. ونقف بين يدي الله للحساب .. سيحاسبنا على كل شيء .. على كل خطوة ، كل كلمة ، كل معصية ، وسوف يهتف كثير من الناس : } يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا { .
ونكس رأسه ينظر في الرقعة ، وخيل إليه كأنه يسمع صوت الشيخ يحدِّثه .. يحذِّره .. يطرق أذنيه : (( إني أذكِّرك .. إن الشيطان سوف يدخل عليك من أبواب شتى ، وعلى رأسها المرأة .. فاعتصم منه بذكر الله الدائم … )) .
وقبض أبو محمود على يد يسار التي تحمل الكأس ، وأراد أن يرفعها إلى فمه وهو يقول :
– اشرب .. اشرب يا يسار .
وعاد حبيب بن مسعود كما ذكر سعيد ، وصرخ من مكانه محذِّرًا :
– لا .. لا تشرب يا يسار .. لا تشرب .
سر أبو محمود لرؤية حبيب ، وأراد أن يريه كيف يستطيع أن يسقيه الخمر بيده .. وراح يلح على يسار وهو يقبض على يده يريد أن يرفعها بالكأس إلى فمه .. وكان في عمله هذا فرحًا مزهوًا كأنه يقوم بما يستحق عليه الثناء والتقدير ..!!
وهتف يخاطب حبيبًا :
– انظر .. ها أنا أسقيه الخمر بيدي .. ألم أقل لك ؟
وكان يسار قد وصل إلى حدٍّ لا يطيق معه الصبر .. فانفجر غاضبًا ، ونهض ثائرًا ..
ورمى الكأس في وجه حكيم .
وركل المائدة بقدمه .. فتحطَّم كل ما كان عليها .
وانهال على حكيم ضربًا ..
وأظلمت الدنيا في عينيه ..
وانقلبت المائدة .
وهربت الجارية وقد أصابتها شظايا كأس تحطم بالقرب منها فجرح ساقها .. ولم يقف في وجه يسار شيء .
لقد قذف بكل ما في نفسه ..
مرة واحدة ..
لقد جمع الران الذي تراكم على قلبه ، وكوَّره وألقى به في وجه حكيم .. وفرح حبيب بن مسعود ..
وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وهو يجلس صامتًا مبتسمًا وقد أعجبه المشهد .. ولم يحاول سعيد بن منصور شيئًا يقلل من هياج يسار ..
وخرج يسار .. وصوت الشيخ يرن في أذنيه :
(( إن وجـه المرأة الجميل هذا ، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود ، وإن في الجنة من الحور ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) .
واهتزَّت النخلة طربًا وهي تشيع يسارًا ..
ولمعت الفوانيس بنور جميل ..
وشعر كأن الجدران ، والبيوت ، والدنيا ..
الدنيا كلها ، ترحب به ..
أين كان كل هذه المدة ؟
ومضى في طريقه إلى المسجد ..
إنه يريد أن يرى الشيخ ..
أن يجلس بين يديه ..
أن يعترف بتقصيره ..
وكان الطريق طويلاً ، والمنعطفات كثيرة ، والبيوت تقف على الجانبين .. ولم يسمع أصوات المسلمين عليه ..
ولا الفقير الذي مد يده يسأله الصدقة ..
ولا أحدًا من الناس ..
كان يريد أن يصل إلى المسجد ..
أن يعود إلى سابق عهده ..
أن يعود إلى الله بقلب تائب خاشع منيب ..
لم يكن يظن أنه يستطيع أن يفارق أحدًا من أصحابه ..
لم يكن يظن انه يستطيع أن يبتعد عنهم ..
كيف ابتعد كل هذه المدة ؟
لقد كان في رحلة خطرة .. المحظوظ فيها من يعود منها سالمًا .. لا له ولا عليه ..
لقد كان صغيرًا يوم بدأ يعتاد المساجد .
وكان صغيرًا يوم أخذ يتردد على حديث الشيخ .
كان أبو الذهب يطرق عليه الباب كل يوم .. يوقظه ، ثم يقوده من يده في طريقه إلى المسجد . كان يحنو عليه ، كما يحنو الأخ الكبير على أخيه الصغير ..
إنه يتذكر تلك الأيام ، وتلك اللحظات .
لقد كانت ملء السمع وملء البصر ..
وعبود .. الفتى الطويل الأسمر ، الذي أمضى سنوات عديدة وهو يحاول العثور على فتاة لكي يخطبها لنفسه . فلم يوفق !
لأنه لم يجد الفتاة التي تناسبه ، أو التي تناسب أمه كما يقول أخوه !!
وعبدالله بن الشيخ إبراهيم ، الفتي الطيب .. اللطيف الوديع ، الذي ذهب يدرس الطب .. والذي كان يراه يذرع ساحة المسجد ذهابًا وإيابًا وهو يحاول حفظ سورة التوبة ..
وأبو أنس .. وخلاصاته التي لا تنتهي ، ودعاباته ، وروحه المرحة ، ومشاريعه الكثيرة التي يبنيها في الهواء ، وحكاياته عن أمه ، وكم مرة تخطئ في العد .
وأبو الحسن .. علي بن حسين .. وسمته الهادئ اللطيف ، ودروسه الفقهية التي تعلمها في المدرسة المستنصرية .. وصاحبه جاسم الذي لم يكن يفارقه في ذهابه وإيابه ، وقصته مع الشاب الذي سخر من صلاته ، فرأى ذلك الشاب رجلاً يأتيه في المنام وينهال على ظهره ضربًا بالسياط ، حتى استيقظ وأثر السياط ظاهر على ظهره !!
وغيرهم .. وغيرهم ..
كانوا يحيطون به .. يحبونه .
بل يراه بعضهم قدوة له .. ويتمنى لو بلغ مبلغه !
أيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟!!
ومضى يسار يريد أن يصل إلى المسجد قبل انفضاض الجماعة من صلاة العشاء .. إنه لا يريد أن يطرق على الشيخ باب بيته .. لأنه لم يتعود أن يزوره في الليل ..
وتمنَّى لو استطاع أن يطير .. أن يصل ..
وتذكر العم عثمان ( أبو البحر ) .. هذا الذي تجاوز المائة من العمر .. والذي وقف مرة يخاطبه ويقول :
– ليتني نشأت في طاعة الله كما نشأت يا يسار .. فهنيئًا لك ..
ثم رفع المنديل يسمح دمعة ترقرقت بها عينه وقال :
– لقد طال أجلي وقلَّ عملي ..
إنه لا ينسى هذا ..
ولا ينسى والده ، وكان يتمتم بعد صلاة الفجر فيقول :
– الحمد لله الذي رزقني ولدًا صالحًا تصل دعواته إلى قبري .
وأمه الحزينة المسكينة .. التي كانت تنظر إليه وتبكي بصمت ، والتي سمعها قبل أيام تقول لأبيه بصوت خافت :
– لا أدري ما الذي جرى ليسار .. كلمه يا رجل .. كلمه لعله يحدثك .
وأخته الصغيرة سناء .. لم يعد يداعبها .. ولا يسألها عن قطتها .. حتى شكت لأمها فقالت :
– لماذا لا يكلمني يسار ؟ هل هو مريض ؟
والشيخ ..
لقد كان يحبه كثيرًا ، كان لا يمل سماع حديثه . كان يرغب بالمزيد المزيد ..
وهل لدى الشيخ إلا كل نافع مفيد ؟ كان يتحدث وكأنه يغرف من بحر ليس له ساحل ..
إنه في طريقه إليه ..
سيقص عليه ما جرى ..
سيقول له ..
ماذا يقول ..؟
ورأى المسجد أمامه .. ببنائه القديم ، وجدرانه التي يخيل للناظر إليها أنها توشك على التداعي ، ومئذنته المتواضعة ..
وتقدم بخطوات بطيئة مترددة ..
لقد شعر كأن حجارة المسجد تنظر إليه بعتاب ..
وكأن جدرانه التي تتطلع إليه بصمت قد فرحت بقدومه ..
إن هذا المسجد يعرفه .. إن كل حجارة فيه تعرفه ..
كم مرة حضر إلى المسجد قبل أن يحضر أي إنسان ..
كم مرة قضى الساعات الطوال .. قائمًا مصليًا ، أو قارئًا للقرآن .. أو ذاكرًا لله تعالى ..
لقد كان مكانه في الصف الأول من صلاة الجماعة ..
ومع التكبيرة الأولى ..
وتعدى باب المسجد وهو يقدم رجله اليمنى ويقول :
– اللهم افتح لي أبواب رحمتك ..
إن أبواب رحمة الله مفتوحة دائمًا ، لم تغلق في ساعة من ليل أو نهار ..
أين التائبون .. الآيبون .. النادمون ..
هذه الشجرة الكبيرة في ساحة المسجد .. في مكانها لم تتحرك .
والفوانيس المضيئة ..
وزير الماء ..
وخادم المسجد .. حميد بن سلوم الرقاق .
وتقدَّم يسار ..
كان المصلون قد خرجوا ..
ولكنه لم ييأس .. فلعل الشيخ تخلَّف بعد صلاة العشاء ..
وصدق ظنه ..
كان الشيخ واقفًا ، مستندًا بظهره إلى الدعامة الوسطى من المسجد ، وكان ينظر إلى يسار ، بعين الوالد الرفيق الرحيم ..
وتقدم يسار ..
خجلاً مترددًا كأنه يحمل أوزار الدنيا ..
واقترب منه ..
فسلَّم عليه ..
وهيئ له كأنه سمع الشيخ يرد عليه ..
وشعر بيده توضع على كتفه ..
وسمع صوته المضمخ بعبير القرآن وهو يتلو :
} قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعًا . إنه هو الغفور الرحيم { .
وهشَّ قلبه لهذه الآية.. وشعر كأنه يسمعها لأول مرة.. تحملها الملائكة.. ويهتف بها المسجد..
وشعر كأن كل شيء ..
حتى الفوانيس الكبيرة ..
وحتى النخلة الواقفة هناك ..
وكل حجر في هذا البناء الطاهر ..
استقبله .. فرح به .. سر بعودته .. فتح ذراعيه له ..
وأراد يسار أن يقول شيئًا أن يتكلم ..
أن يقص على الشيخ ما جرى له ..
ولكنه لم يستطع ..
لقد تحوَّلت كلماته إلى دموع .
وعاد صوت الشيخ ، الهادئ الوقور يتلو من القرآن الكريم .. ما وجد فيه يسار ، شفاء ، وأملاً ، ورحمة ، ورغبة في العودة إلى الله : } وإني لغفَّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى { .

 

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على حديث الشيخ (10) مغلقة

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب
سماحة القاضي الشيخ فيصل مولوي
المرشد الأعلى لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوربة

رغم أن العنوان يتحدث عن الدعوة إلى الله في بلاد الغرب إلا أن الموضوع مفيد في سائر الأوقات والبلدان ويعمق الفقه الدعوي لذا نلفت أنظار الإخوة والأخوات إليه ونرجو الله أن ينفعنا به.

موقع دربنا
مقـدّمـــة – الفصل الأوَل : العاطفة – الفصل الثاني : الفكر – الفصل الثالث : أحكام متعلَقة بالقتال – الفصل الرابع : الإسلام أو الجزية أو القتال – الإكتفاء بالدعوة

المقدّمـــة
الحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
يعيش المسلمون اليوم في بلاد الغرب أزمة فكرية شديدة ناتجة عن قناعتهم بكثير من الأفكار التي تلقّوها في بلادهم الشرقية، وهي تتعارض تماماً مع ظروفهم الجديدة في ديار الغرب، ومع مصالحهم الكثيرة فيها. وقد حصل الكثيرون منهم على جنسية تلك البلاد، فلم يعد من السهل مطالبتهم بالرجوع إلى بلادهم. كما أنّ الكثير منهم أصبح يقيم هناك بشكل دائم لسبب أو لآخر، فضلاً عن أنّ كثيراً من أبناء الغرب الأصليين قد اهتدوا إلى الإسلام، وليس من المعقول أن نطالبهم بترك أوطانهم في ظروف الحرية التي يتمتّعون بها هناك وأن يلتحقوا ببلاد المسلمين.
وجميع هؤلاء بحاجة إلى ثقافة إسلامية أصيلة تنظّم عيشهم في مجتمعات غير إسلامية.
وهذه دراسة متواضعة حول هذا الموضوع، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنّه سميع مجيب.

نحن جزء من المجتمع الذي نعيش فيه:
إنّ المسلم جزء من أمّته الإسلامية، وعلى هذا الأساس فمن الطبيعي أن يفكّر بمشاكلها، وأن يشعر بهمومها وأحزانها، وأن يتفاعل معها.
ولكنه حين اختار العيش في ديار الغرب، اختار أن يكون جزءاً من هذا المجتمع الذي يعيش فيه، فيجب عليه أيضاً أن يفكّر في هذا المجتمع: في قضاياه وهمومه ومشاكله من وجهة نظره الإسلامية، وهذا هو الذي يفرض عليه أن يبحث في شؤون الدعوة الإسلامية في هذه البلاد.
إن الاهتمام بقضايا الأمّة الإسلامية في الشرق سيكون عند الكثيرين هنا مجرّد اهتمام نظري لا طائل من ورائه، طالما أننا لا نستطيع أن نقدّم لبلادنا شيئاً ملموساً، بينما الواقع الذي نعيشه في بلاد الغرب إذا تفاعلنا معه يمكننا أن نقدّم له ولدعوتنا فيه شيئاً ملموساً. إننا إذا أغفلنا هذا الواقع، وبقينا مشدودين إلى بلادنا الأصلية، فسيكون الخسران نصيبنا في الحالتين: نتكلّم عن بلادنا ولا نقدّم لها شيئاً يذكر، ونهمل واقعنا ولا نقدّم لدعوتنا فيه شيئاً أيضاً.

نحن لا ندعو – بل لا نفكّر – أن نتخلّى عن أيّة قضية من قضايا أمّتنا، لكننا نريد أن نحسّ بالواقع الذي نعيش فيه، وأن ندرك أن هذا الواقع يفرض علينا ممارسة دعوية هامّة جداً، يمكن أن يكون لها أثر على مستقبلنا في هذه البلاد، أو على مستقبل هذه البلاد بالنسبة للدعوة الإسلامية.

تراث مخلوط بشوائب:
لقد جاء المسلمون من بلادهم بتراث هائل جداً، فيه من الإسلام النقي الشيء الكثير، ولكن فيه أيضاً الشيء الكثير مما ورثوه عن أجدادهم من عصور التعصّب والتخلّف. هناك الكثير من المواقف والمشاعر والأفكار التي لا تعبّر عن الإسلام في هذا العصر. وقد تكون مفيدة في وقتها ومناسبة له، لكنها لا يمكن أن تكون صورة الإسلام في هذا العصر، ومع ذلك حملناها في قلوبنا وعقولنا إلى هذه البلاد ونحن نظنّ أنها جزء من الإسـلام لا ينفكّ عنه، بينما هي في الحقيقة جزء من تاريخنا لا أكثر، وإذا كانت مقبولة من أجيال الأمّة السابقة فليس حتماً علينا أن نقبلها في هذا العصر، اللهمّ إلاّ لو كانت من ثوابت الإسلام القاطعة، وأنّى لها أن تكون؟

لقد ظلّت أفكارنا وعواطفنا مشدودة إلى أمور خلافية كثيرة في المجالات التاريخية والفكرية والفقهيّة، ولا يمكن أن نتحرّك في هذا المجتمع بهذا الركام من التراث تحرّكاً دعوياً مثمراً. إنّ هدفي في هذه الدراسة هو أن أوضح أهم الأسس التي تتناول الدعوة في بلاد الغرب. هناك إشكالات شرعية كثيرة، وكذلك هناك مئات وآلاف من الأسئلة، تدور حول تعامل المسلم في الغرب مع المجتمع الذي يعيش فيه، فلو اختصرنا الجواب وأوضحنا الأساسيات لهان الأمر، واستطاع كلّ منّا أن يفتي لنفسه في كثير من المسائل. إنَ ممارسة الدعوة في هذه البلاد تحتاج إلى فهم صحيح لمسألتين أساسيتين، لا يمكن بدونهما أن تكون هناك دعوة. المسألة الأولى: العاطفة، والمسألة الثانية: الفكر.

الفصل الأول: العاطفة
هل يمكنك أن تتصوّر نشوء عاطفة بينك كمسلم وبين غير المسلم – في هذه البلاد – تكون أساساً للدعوة؟
هل يمكنك أن تدعو إنساناً وأنت تحقد عليه؟ وأنت كاره له؟ بل تخطّط لحربه؟ هل يمكن أن تدعوه في هذه الحالة بالحكمة والموعظة الحسنة؟
إذا كنت تريد أن تدعو إنساناً، وأنت ترفض أن تسلّم عليه ابتداء، التزاماً بما تعارفنا على فهمه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو وضع للحديث في غير موضعه: “لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام” . فهذا الحديث الخاص الذي قاله النبي الكريم في ظرف خاص، عندما كان اليهود في المدينة يتآمرون ويحقدون على المسلمين، وكان المسلمون إذا بدؤوهم بالسلام لا يردّون السلام عليهم، وإنّما يردّون بمزيد من الحقد والتآمر: (السام عليكم) أي الموت.. في هذا الجو، قال عليه الصلاة والسلام:”لا تبدؤوهم بالسلام”. فأصبح هذا الحديث في كتبنا أساس العلاقة بين المسلم وغير المسلم في جميع الظروف، ونسينا العشرات من الآيات الكريمة والمئات من الأحاديث الصحيحة التي تأمر بالسلام، وبردّ التحية بمثلها أو بأحسن منها، وغير ذلك.
أقول: كيف يمكن للمسلم أن يكون داعية لإنسان يتحرّج أن يبدأه بالسلام، أو يتكلّم معه بكلمة طيّبة، حتّى يظنّ غير المسلم أنّه ليس في قلب المسلم أيّة عاطفة نحو إنسان غير مسلم.
والسؤال مرة أخرى: هل يمكن أن تقوم علاقة حب بين المسلم وغير المسلم؟
أولاً : مراحل العلاقة بين المسلم وغير المسلم:
ولكي أجيب على هذا السؤال، سأركّز على تحديد العلاقة بين المسلم وغير المسلم في مراحل ثلاث، وردت جميعها في كتاب الله عزّ وجلّ وهي:
المرحلة الأولى: التعارف:
يقول المولى عزّ وجلّ: {يا أيّها النّاسُ إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير}.
إذاً لا يمكن أن أرى إنساناً غير مسلم، وتكون أول بادرة منّي هي أن أدير له ظهري وأهرب منه، ليس لسبب سوى أنه غير مسلم، فلا أكلّمه، بينما لا توجد أية مشكلة بيني وبينه.
إذا كنت أيها الأخ المسلم داعية، فهذه أرض الله خصبة لدعوتك، والله عزّ وجلّ سخّرها لك كي تقوم بواجب الدعوة إلى الله، وتحقّق فيها نجاحاً وفلاحاً، إرضاءً لله ولرسوله.
فأقبِل على غير المسلم، وتعرّف عليه وعلى مشاكله إن لزم الأمر، فلعلّ هذا التعرّف يقرّب قلبه منك، ولعلّه يرتاح إليك، فتكون فرصة سانحة لدعوته إلى الله عزّ وجلّ. فالتعارف بين المسلم وغير المسلم مرحلة أساسية لا بدّ منها.

المرحلة الثانية: التعايش:
هل يجوز للمسلم أن يعيش مع غير المسلمين؟
الجواب: نعم ..
فهذه مسألة أساسية، تشهد لها الكثير من النصوص والآيات والأحاديث الشريفة والواقع. إذ ليس من المعقول أن لا يعيش المسلم إلاّ في جوّ إسلامي. وليس ذلك مطلوباً في شريعة الله إلاّ حين يخاف المسلم على نفسه أو على دينه. ولم يفعل ذلك المسلمون بل فعلوا عكسه، وكانوا يسافرون إلى البلاد غير الإسلامية ويتعايشون مع أهلها بأخلاق الإسلام، وكان ذلك سبباً في دخول كثير من هذه الشعوب في الإسلام. وقد حدّد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إنّ الله يحبّ المقسطين}.
إذا لم يبدأك غير المسلم بحرب، ولا أخرجك من ديارك، ولا ظاهر على إخراجك، فهذا إنسان يجوز أن تعيش معه، وعند ذلك يجب عليك أن تلتزم بالبرّ والقسط.

البرّ أعلى درجات حسن الخلق:
انظروا إلى هذا المعنى القرآني العظيم (البرّ) وهو أعلى درجات حسن الخلق، ومنه برّ الإنسان لأمّه وأبيه، فهو أعلى درجات حسن الخلق، والمطلوب منّا كمسلمين أن نتعامل بهذا البرّ مع غير المسلمين، وأن نتعامل معهم أيضاً بالقسط وهو العدل، فلا يجوز لك أن تظلم غير المسلم، بل يجب عليك أن تقف إلى جانبه إذا كان الحقّ معه، ولو كان الخصم أخاك المسلم.

هذه قِيَم أخلاقية عظيمة ومسائل شرعية أساسية نتعايش بها مع غير المسلمين. والله تعالى لم يفرضها علينا كي ندير ظهورنا لغير المسلمين، ولا نتعامل معهم، وإنّما فرضها علينا كي تكون هي الأساس لهذا التعايش الذي يقتضيه الواقع.
لقد خلق الله – عزّ وجلّ – البشر هكذا: متنوّعين، متعدّدين، ولو شاء سبحانه لجعلهم أمّة واحدة، {.. ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك، ولذلك خلقهم ..} ثم طلب منهم أن يتعارفوا، وأن يتعايشوا بهذا البرّ والقسط.

المرحلة الثالثة: التعاون:
تتعارف أولاً مع غير المسلمين ..
ثمّ تتعايش بمحبة وانفتاح معهم ..
ثم .. أليس عندك مسائل شرعية محددة؟ ..
هل يصعب أن تجد بعض هذه المسائل الشرعية تحقّق مصلحتك، وفي نفس الوقت تحقّق مصالح غير المسلمين؟
إذا وقع الانسجام في مسألة ما، فمن الممكن أن يقع التعاون، ما المانع في ذلك؟ والرسول صلى الله عليه وسلم – كما نعرف جميعاً – تحدّث عن”حِلف الفضول” وكان ذلك في الجاهلية، حيث اجتمع رؤساء قريش وزعماؤها وتعاهدوا فيما بينهم على: مساعدة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، إلى ما هنالك من مكارم الأخلاق، وحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في الإسلام بعد ذلك: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمر النِّعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت” .
يجوز لنا إذاً أن نلبّي دعوة لغير المسلمين، إذا كانت على أساس يرضي الله عزّ وجلّ، فإذا كانت لدينا مسائل نعتبرها شرعية، وغير المسلمين يتبنّونها لأسباب أخرى، فإننا يمكن أن نتعاون معهم على تحقيقها طالما أنها تعتبر مشروعة عندنا، وما أكثر أمثال هذه المسائل

إذاً فالمراحل التي تحدّد ملامح العلاقة بين المسلم وغير المسلم هي: التعارف .. ثمّ التعايش على أسس شرعية .. ثمّ التعاون على الأمور المتفق عليها المشروعة في ديننا.

ثانياً: الروابط الاجتماعية بين البشر:
أنتقل بعد ذلك إلى ناحية أخرى في تحديد العلاقة بين المسلم وغير المسلم.
خلق الله سبحانه وتعالى البشر وأقام بينهم روابط متعددة، يتعاونون بها على شؤون الحياة، وحولها يتلاقون.
من هذه الروابط:
أولاً : رابطة الإنسانية :
وهي التي تربط بينك وبين كل إنسان على وجه الأرض، شئت هذا أم أبيت، فأنت من ذريّة آدم وهو من ذريّة آدم، وأنت إنسان وهو إنسان كذلك. والإنسان مكلّف من عند الله بتكليف واحد، سواء امتثل لهذا التكليف أم لا. ولذلـك تجد الكثير من آيات القرآن الكريم توجّه الخطـاب للناس جميعاً: {.. يا أيها الناس ..}. وقد ورد لفظ (الناس) أكثر من مائتي مرة في كتاب الله، فضلاً عن غيرها من الألفاظ التي تعبّر عن وحدة الجنس البشري، وتشير بالتالي إلى وجود رابطة بين هؤلاء الناس، وهي التي نسمّيها الرابطة الإنسانية. لأنها موجودة عند أي إنسان تجاه جميع الناس. هذه الرابطة بالنسبة لنا كمسلمين ترتّب علينا واجبات وحقوقاً شرعية تجدها مفصّلة في كتب الفقه والأخلاق والدعوة، ولا حاجة إلى ذكرها في هذا المقام.

ثانياً : رابطة القوميّة :
وهي أقوى من الرابطة الأولى، فالإنسان يلتقي مع قومه – وهم مجموعة من الناس – على أمور أكثر من مجرّد الرابطة الإنسانية. إنه يعيش عادة مع قومه، ويتكلّم بلسانهم، وله معهم مصالح مشتركة، وبينه وبينهم في الغالب قواسم مشتركة كثيرة. ولا شكّ أنّ هذه الرابطة موجودة ولها تأثيرها في واقع الفرد ودنيا الناس. ولذلك فقد ورد ذكر لفظ (القوم) ومشتقّاته في القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة وأربعين مرة.

ثالثاً : رابطة العائلة :
وهي تمتدّ على ثلاث دوائر:
الأولى: وتشمل الوالدين والأولاد والزوجة ومن يسكن معهم من الأقارب في نفس الدار.
الثانية: تشمل سائر الأقرباء من العصَبات والنساء وذوي الأرحام.
الثالثة: تشمل سائر الأقرباء الذين ينتسبون إلى جدّ واحد مهما كان بعيداً.
هذه الرابطة تترتّب عليها آثار أكبر في حياة الإنسان، ولذلك خصّتها الشريعة بقدر كبير من الأحكام، سواء ما يتعلّق بالأبوين والزوجة والأولاد، أو بالمحارم، أو بالمواريث، أو بالعاقلة (وهم الأقرباء الذين يلتزمون بمساعدة أحدهم في دفع الدّية إذا ارتكب جريمة قتل خطأ)، أو غير ذلك.

رابعاً : رابطة المصلحة :
وهي التي تربط مجموعة من الناس بمصالح مشتركة يريد كل واحد منهم الحفاظ عليها ودعمها، كالنقابات التي تربط بين العاملين في مجال واحد، وقد لا يكون بينهم رابط آخر.
فهذا التعايش الدائم والمصالح المتبادلة تولّد رابطة بينك وبين هؤلاء القوم.

خامساً : رابطة الإقامة :
فالذي يقيم في بلد ما يشعر تجاه هذا البلد برابطة تشدّه إلى مكان إقامته الجديدة. فالمسلم إذا أقام ببلد غير إسلامي، والعربي حين يقيم في بلد غير عربي، والمسيحي حين يقيم في بلد إسلامي _ غير بلده _ كل هؤلاء يشعرون برابطة خاصة تجاه بلد الإقامة الجديد، قد يكون فيها شيء من الحب والاحترام، وقد تكون نوعاً من الحقد والكراهية بحسب المعاملة التي يلقاها في هذا البلد الجديد، وهذه الروابط هي مشاعر فطرية بشرية طبيعية.

سادساً : الرابطة الإسلامية :
أما الرابطة الإسلامية فهي التي تربط المسلم بأخيه المسلم، وهي تشمل كل من يقول: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. إنها الرابطة العقائدية التي تهيمن على ما سواها من الروابط جميعاً وتغلبها عند التنازع، لكنها مع ذلك لا تلغي أية رابطة منها على الإطلاق. والإشكالية الحاصلة هنا هي أنّ بعض المسلمين يظنّ أنّ هذه الرابطة تلغي جميع الروابط الأخرى ولا يعترف إلاّ بها، مع أنّ هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. فالله عزّ وجلّ يقول: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشَوْن كسادها ومساكنُ ترضَوْنها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتيَ الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: (وفي الآية دليل على وجوب حبّ الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمّة، وأنّ ذلك مقدّم على كلّ محبوب). ومعنى ذلك أنّ حبّ الله ورسوله لم يلغِ أنواع الحب الأخرى، ولكنّه يقدَّم عليها فقط.
لقد أشارت الآية الكريمة إلى رابطة الأبوّة والبنوّة والأخوّة والزوجية والعشيرة (القومية) والمصالح المتمثّلة بالأموال والتجارة ورابطة المساكن أي الإقامة، واستعملت كلمة (أحبّ إليكم)، فالله تعالى لم يُنكر علينا هذه الروابط وما ينشأ عنها من حب، ولكنه أنكر علينا أن يكون هذا الحب أكبر من حبّنا لله ورسوله، فالمطلوب أن يكون الحب لله أكبر من أيّ حب آخر. وحين التعارض فإن المسلم يغلب حبّه لله والتزامه بأحكام شريعته على مقتضيات جميع الروابط الأخرى. أمّا إذا لم يقع التعارض فأنت تعيش وفي قلبك حب لهذه العناصر الدنيوية طالما أنها لا تتعارض مع حبّك لله أو حبّك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً لا بدّ أن ينشأ عن هذه الروابط التي أشار إليها ربّ العالمين حبّ، لأنّ الإنسان يعيش مع الإنسان الآخر إمّا بحبّ أو ببغض. والحبّ درجات والبغض درجات. فالحبّ قد يكون في أدنى الدرجات أو أعلاها، والبغض كذلك، ولا يمكن أن يرتبط أي إنسان بآخر إلاّ بأحد هذين الشعورين بشكل من الأشكال.
هنا أجد من الواجب أن أنتقل إلى توضيح مسألة أخرى في غاية الأهمية، وخاصة بالنسبة لمن يعيش مع غير المسلمين فأقول:

ثالثاً: حبّ المسلم لغير المسلم:
هل يجوز لمسلم أن يشعر بحب نحو غير المسلمين؟ اسمعوا لقول الله عزّ وجلّ: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبّونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه، وإذا رأوكم عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم} . المقصود بهذه الآية اليهود على رأي أكثر المفسّرين، والمنافقون على رأي بعضهم. يقول الطبري في تفسير هذه الآية: (.. فأنتم إذا كنتم أيها المؤمنون تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أنّ الذي نهيتكم عنه أن تتخذوهم بطانة من دونكم هم كفار بجحودهم ذلك كله، من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه، أولى بعداوتكم إيّاهم وبغضائهم وغشّهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم ..). (.. وفي هذه الآية إبانة من الله عزّ وجلّ عن حال الفريقين، أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان، كما حدّثنا بشر عن … قتادة قوله: [هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور].آل عمران 19
، فوالله إن المؤمن ليحبّ المنافق ويأوي له – أي يرقّ له – ويرحمه، ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن لأباد خضراءه) .
ويقول السيد محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية: (فالقرآن ينطق بأفصح عبارة وأصرحها، واصفاً المسلمين بهذا الوصف، الذي هو أثر من آثار الإسلام، وهو أنهم يحبّون أشدّ الناس عداوة لهم، الذين لا يقصّرون في إفساد أمرهم وتمنّي عنتهم، على أن بغضاءهم لهم ظاهرة، وما خفي منها أكبر مما ظهر .. أليس حبّ المؤمنين لأولئك اليهود الغادرين الكائدين، وإقرار القرآن إيّاهم على ذلك لأنه أثر من آثار الإسلام في نفوسهم، هو أقوى البراهين على أنّ هذا الدين دين حبّ ورحمة وتسامح، لا يمكن أن يصوّب العقل نظره إلى أعلى منه في ذلك). وبعد كلام طويل يقول السيد رضا: (ونتيجة هذا كله: إن الإنسان يكون في التساهل والمحبة والرحمة لإخوانه البشر على قدر تمسّكه بالإيمان الصحيح، وقربه من الحق والصواب فيه. وكيف لا يكون كذلك، والله يقول لخيار المؤمنين: {ها أنتم أولاء تحبّونهم ولا يحبّونكم}، فبهذا نحتج على من يزعم أن ديننا يغرينا ببغض المخالف لنا ..) .
وإيّاك أن تفهم من ذلك أنّ حبّك للمسلم هو كحبّك لغير المسلم، هناك فارق كبير، فالمسلم إنما تحبّه لإيمانه بالله ورسوله، ولالتزامه بالعقيدة الصافية الصحيحة، حتى وإن لم تلقه، ولم تكن بينك وبينه مصلحة، لأنك إنما تحبه لأجل الله الذي ربط الإيمان به بينكما، حتى لو وقع بينك وبينه خلاف، فليس ذلك بمزيل لمحبّته من قلبك أبداً.
كما أنّه لا يمكن أن يكون في قلبك حبّ لغير المسلم بسبب كفره، فهذا أمر محال، لكن قد يكون في قلبك حبّ له لاعتبارات أخـرى. قد يكون صادقاً فتحبّ فيه صدقه، وقد يكون وفياً فتحبّ فيه وفاء العهد، وقد يكون معك أميناً في التجارة فتحبّ فيه هذه الأمانة، وأنت تحبّ له الهداية في كلّ الأحوال. هذه المشاعر قد توجد بينك وبين غير المسلم، وهي تختلف عن الحب في الله الذي لا يمكن أن يكون إلاّ لإنسان مسلم، والذي يكون مجرّداً من كل الاعتبارات الأخرى، بينما حب الكافر حين يوجد لا بدّ أن يكون مرتبطاً بأسباب أخرى. وقد ورد في أسرى بدر من المشركين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كان المطعم بن عديّ حياً ثمّ كلّمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له” . وهو دليل على وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطعم بن عدي لدوره في حمايته عندما عاد من الطائف، ولدوره في تمزيق صحيفة المقاطعة، وكان مشركاً في الحالتين. هذا الشعور من النبي عليه الصلاة والسلام نحو المطعم يحمل في طيّاته نوعاً من الحبّ الفطري لقيم الشهامة والشجاعة، وليس أبداً من نوع الحب العقائدي.

حبّ المسلم لزوجته الكتابية:
ومما يؤيّد هذه الفكرة أنّ الله عزّ وجلّ أباح للمسلمين الزواج بالكتابيات كما هو معروف. وقد خلق الله تعالى نوعاً من الحبّ والمودة بين الزوجين تكفل استمرار الحياة الزوجية، رغم كل الإشكالات. قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودَّة ورحمة، إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون}.
فالرجل المسلم يحبّ زوجته الكتابية، والله تعالى هو الذي خلق هذه المحبة في قلبه، فهل يجوز أن ينهاه عنها؟ أعني هل يمكن أن يباح للمسلم الزواج من كتابية ثم يطلب منه أن لا يودّها ويحبّها؟ هذا غير معقول، فلو كان لا يجوز له مودّتها، لنهاه عزّ وجلّ عن الزواج منها.
إذاً يمكن أن تكون هناك مودّة بين المسلم وغير المسلم، ولكن ليس لكفره وضلاله _ معاذ الله _ ولكن لاعتبارات أخرى مشروعة، منها رابطة الزوجية، فإن الزوجة ولو كانت كتابية تشارك زوجها في كثير من المشاعر، ويمكن أن يتفاهما فيها معاً.
كما يمكن أن تكون هناك مشاعر فطرية وروابط اجتماعية بين المسلم وغير المسلم، إذا وجدت مثل هذه الاعتبارات المشروعة كالعهد والجوار والتعامل وغيرها. إنه إذا لم يكن هناك نوع من المحبّة أو نوع من الاحترام أو الخلق الطيّب بينك وبين غير المسلم، فلا يمكن أن تنجح في دعوتك أبداً. قال تعالى: {أُدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن..} .
هذا أساس من أسس الدعوة، وهو أن يكون هناك حوار بالتي هي أحسن، وأن تكون هناك حكمة، وموعظة حسنة. هذه كلها لا تتوفّر إلاّ بوجود مشاعر بين الداعي والمدعو، قد تسميها حباً باعتبار، وقد تسميها مودة باعتبار آخر. وليس هو بلا شكّ من الحب في الله، وليس من المودة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها في كتابه الكريم.

المودة المنهي عنها:
قال تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}.
فالمودة التي نهى الله عنها في هذه الآية هي لمن كفر وحادّ الله ورسوله، وليس فقط لمن كفر، بل هو من زاد على كفره أنّه يحادّ الله ورسوله، ويحارب الإسلام والمسلمين، لكن لو افترضنا أنّ هناك إنساناً كافراً غير محارب لله ورسوله، ولم يحادّ الله ورسـوله – وقد تتوفّر فيه بعض الصفات الطيّبة والقيم الراقية – فلا بأس أن نقدّر فيه هذه الصفات أو القيم أو الاعتبارات لأنها بقية من رصيد الفطرة عنده، وهي مقبولة من الناحية الشرعية، بل إنّ الرسول صلىّ الله عليه وسلّم يجعل هذه القيم أساس رسالته حين يقول: “بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق” .
ذكر الشوكاني في تفسيره أنّ هذه الآية { لا تجدُ قوماً يؤمنون ..} نزلت في أبي عُبيدة بن الجرّاح عندما قتل والده في غزوة بدر، وقد أخرج ذلك ابن أبي حاتم والطبري والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه. وذكر القرطبي مثل هذا القول عن ابن مسعود. كما ذكر أنّ هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة لمّا كتب إلى أهل مكّة بمسير النبي صلى الله عليه وسلّم إليهم عام الفتح. وذكر من سبب نزولها أو تفسيراً لها موقف أبي بكر عندما دعا ابنه عبد الله للمبارزة، وموقف مصعب بن عمير عندما قتل أخاه عبيد بن عمير. وموقف عمر بن الخطاب عندما قتل خاله العاص بن هشام، وموقف عليّ وحمزة عندما قتلا عقبة وشيبة والوليد. وكلّ هذه المواقف تؤكّد أنّ المودّة المنهيّ عنها في هذه الآية هي لمن جمع مع الكفر المحاربة. يؤيد ذلك ما سبق أن ذكرناه من جواز مودة المسلم لزوجته الكتابية وفق نص القرآن الكريم، لأنها لا يمكن أن تكون محاربة بسبب رباط الزوجية، فإذا حصلت الحرب منها فينبغي أن تزول المودة لأنها تصبح غير مشروعة.
نستنتج من هذا أنّ العاطفة يمكن ويجب أن تكون موجودة تجاه إنسان تريد أن تدعوه إلى الله عزّ وجلّ، وهذه العاطفة هي جزء صغير من عاطفة الحب التي أرادها الله عزّ وجلّ خالصة له، وأراد أن يكون الحبّ والبغض للناس الآخرين خالصاً أيضاً له سبحانه. هذا هو الأساس الذي يعتبر أقوى من كل ما عداه، ويغلب كلّ ما عداه .. لكن يمكن أن يكون ضمن هذا الحب الكبير جزء يبذل لغير المسلمين في حدود ما يرضي الله، إمّا عاطفة وإمّا حواراً بالتي هي أحسن، أو موعظة، أو خدمة، أو تضحية، أو تعاوناً على أمر مشروع، فهذه كلها جزئيات، لكن لا بدّ أن تكون موجودة لأنها تعبّر عن حقيقة الرسالة الإسلامية التي جعلها الله {رحمة للعالمين} وتساعد على نجاح الدعوة إلى الله.

الإسلام جاء رحمة للناس جميعاً:
إذا أعلن الكافر الحرب عليّ ، فلا يمكن أن يكون في قلبي ذرة حبّ نحوه ، لكننا نعيش – في بلاد الغرب – اليوم في وسط مسالم ولو كان مخالفاً لنا في الدين، وعندنا رفاق وجيران من غير المسلمين، وقد يكون من بين هؤلاء من هو قريب جداً منّا، وقد تشعر أيها الأخ المسلم بنوع من العلاقة بينك وبين هؤلاء، وقد تستحي أو تتحرّج أن تسمّيها حباً أو مودة، إنه لا حرج في ذلك حسب الفهم الصحيح للآيات التي مرّت بنا وفق أسباب نزولها، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فهذه عواطف لا علاقة لها بالإيمان، وإنما هي عواطف متصلة باعتبارات مشروعة بالنسبة لنا نحن المسلمين، ومثل هذه الاعتبارات المشروعة، قد تنشأ عنها عواطف فطرية، وهذه لا يمكن ولا يُتصوّر أن تتعارض مع الحبّ في الله، فضلاً عن أن تتغلّب على ذلك الحب الذي يعتبر أصلاً من أصول الإيمان. إن أوثق عرى الإيمان هو: الحب في الله والبغض في الله. ومما يؤكّد مشروعيّة هذه العواطف أنّ الله عزّ وجلّ أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “لن تؤمنوا حتى تراحموا. قالوا يا رسول الله كلّنا رحيم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس، رحمة عامة” . وقال أيضاً: “إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” . وهل الرحمة تجاه الناس جميعاً إلاّ نوع من العاطفة؟!

الحب الفطري والحب العقائدي:
من كل ما تقدّم يتبيّن لنا أنّ هناك نوعين من الحبّ. حبّ فطري وحبّ عقائدي.
– الحبّ الفطري: وهو أثر من آثار الشهوات، قال تعالى: {زُيِّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “حُبِّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجُعِلت قُرّة عيني في الصلاة” .
يقول الإمام الغزالي عن هذا النوع من الحب: (هو حبّ بالطبع وشهوة النفس، ويتصوّر ذلك ممّن لا يؤمن بالله. إلاّ أنه إن اتصل به غرض مذموم صار مذموماً، وإن لم يتصل به غرض مذموم فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذمّ). فالحب الذي نتحدّث عنه مع غير المسلمين لا يكون إلاّ من هذا النوع الفطري. فقد تحبّ امرأة غير مسلمة لجمالها أو خلقها، هذا أمر فطري. ويكون مذموماً إذا اتصل به أمر حرام كالخلوة أو الاختلاط المحرّم أو الزنى، ويكون مباحاً إذا اتصل به غرض مباح كالزواج. وقد تحبّ إنساناً غير مسلم لحسن خلقه، أو كمال عقله، أو لقرابة بينك وبينه، أو لمصلحة لك عنده، أو لألفة بينكما أو غير ذلك. فإذا لم يتصل بهذا الحب أمر مذموم فهو مباح، وعلى المسلم أن يستفيد من هذا الحب في دعوة هذا الإنسان إلى الله تعالى. كما ورد عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، الصحابي الصالح الذي كان أبوه منافقاً، وكان يحبّه لأنه والده، ويحبّ له الهداية، والرسول يأمره بحسن معاملة أبيه رغم نفاقه، لكن هذا الحب الفطري لم يدفعه للانتصار لأبيه ضدّ المسلمين، ولو حصل ذلك لكان حباً مذموماً، ولكنه انتصر للإسلام ضدّ أبيه كما حدث بعد غزوة بني المصطلق.
– الحب العقائدي: وهو حب الله ورسوله، والحب في الله ولله. وهو ثمرة من ثمرات الإيمان، وجزء من عقيدة المسلم. وبه يتعلّق التكليف الشرعي، لأنّ واجب المسلم أن يحب أخاه المسلم ولو لم يكن بينهما تناسب أو انسجام أو قرابة أو مصلحة، بل يحبّه لأنّه مسلم. ولذلك اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلاوة الإيمان “أن يحبَّ المرء لا يحبّه إلاّ لله” . وتحدّث عن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه ومنهم: “رجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه” . وقال:”لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا ..” . ومثل هذه الأحاديث كثير.

هل يعتبر غير المسلمين (إخوة):
وقد يتحرّج بعض المسلمين من اعتبار غير المسلمين إخواناً لهم، وإذا استعمل البعض كلمة (إخواننا النصارى)، ترى الكثير من الشباب المسلم يهيج ويثور قائلاً: كيف تسمّون النصارى إخواناً لنا والله عزّ وجلّ يقول: {إنّما المؤمنون إخوة}.
إنهم يفهمون من هذه الآية أنّ الأخوّة محصورة بين المؤمنين، ولا يمكن أن تشمل غيرهم، وهذا ليس صحيحاً، للأدلّة التالية:
1. لقد وصف الله عزّ وجلّ الأنبياء بأنهم إخوة لأقوامهم الكفّار. قال تعالى:
{وإلى عادٍ أخاهم هوداً}.
{وإلى مدين أخاهم شعيباً}.
{وإلى ثمود أخاهم صالحاً}.
وقال تعالى:
{إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون؟}.
{إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتّقون؟}.
{إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون؟}.

هؤلاء الأنبياء: نوح وهود وصالح وشعيب، اعتبرهم الله إخواناً لأقوامهم، فهذا تصريح من القرآن بوجود أخوّة قوميّة رغم اختلاف الدين.
2. وقد أبقى الله تعالى وصف الأخوّة حتّى مع الإنسان الكافر المحارب، وذلك في قوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ..}. فالأخوّة الإنسانية موجودة، والأخوّة القومية موجودة، والأخوّة النسبية موجودة، وقد يكون معها أخوّة الإسلام فتزداد قوّة ومتانة، وقد لا يكون معها أخوّة إسلامية، فتبقى كل أنواع هذه الأخوّة إلى جانب بعضها، وعند التعارض يغلّب المسلم أخوّته الإسلامية على كل ما عداها.

أمّا الآية الكريمة {إنّما المؤمنون إخوة} فمعناها أنّ العلاقة بين المؤمنين لا يمكن أن تكون إلاّ علاقة أخوّة في الله، ولكنها لا تحصر الأخوّة فقط بين المؤمنين. إذ الأخوّة قد يكون لها سبب آخر بين المؤمنين وغير المؤمنين، فقد تكون أخوّة قومية أو أخوّة بشرية أو قد تكون صداقة مبنية على المصالح المشروعة.
ومن جهة أخرى فقد تكون العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين حرباً أو عداوة أو أحقاداً، أمّا بين المسلمين فالعلاقة ينبغي أن تكون دائماً قائمة على الأخوّة في الله.
إذا نظرنا إلى هذه الآية في ضوء الآيات الأخرى، فإننا نتوصّل إلى النتيجة التالية: أنّ كل هذه الروابط البشرية روابط فطرية، غير أنّ أقوى رابطة تربطني ببشر هي رابطة الأخوّة في الله، وهذه لا يمكن التنازل عنها أو التفريط فيها أو الاستحياء منها.

لكن هذه الرابطة القوية ليست وحيدة ولا تمنع أن يكون بيني وبين غير المسلمين أخوّة من نوع آخر، أقدّر فيها القرابة النسبية أو القومية أو الإنسانية، فهذه لها قدرها وتلك لها قدرها، والذي يغلّب واحدة على أخرى عند التعارض أمر الله تعالى وشريعته.

هل كل كافر حربي؟ – ليسوا سواء – علة القتال: الحرابة وليس الكفر – السلم هو الأصل

الفصل الثاني: الفكر
أكثر من ثلث المسلمين يعيشون اليوم في بلاد غير إسلامية، وتنتشر بينهم مجموعة من الأفكار ورثوها من تراث الإسلام الزاخر، لكن بعضها كان متأثراً بظروف الأمة التاريخية، ويحتاج اليوم إلى الكثير من النقد والتصحيح، حتى يكون منسجماً مع المبادئ الشرعية الثابتة.
من هذه المفاهيم اعتبار كل كافر حربياً، وبالتالي إباحة دمه وماله، ومعاملته بأخلاق الحرب من جواز الكذب والاحتيال فضلاً عن الحقد والكراهية. وقد سمعت مثل هذا الكلام بنفسي من أحد المشايخ الذين تقلّدهم مجموعة من الناس.
وأسارع إلى القول بأن كثيراً من الفقهاء وإن كانوا يعتبرون الكافر حربياً من حيث المبدأ – وهذا ما سنناقشه فيما بعد – إلاّ أنهم لا يرون جواز معاملته بأخلاق الحرب إلاّ حين تقع الحرب فعلاً بيننا وبينه. وكل النصوص الواردة في إباحة الكذب والاحتيال في الحرب محصورة بقيام الحرب الفعلية، وقد ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم عند الكلام عن حديث “الحرب خدعة”: (اتفق العلماء على جواز خداع الكفّار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحلّ) ، فضلاً عن أنّ المجاهد المسلم يظلّ متمسّكاً بأخلاق الإسلام حتّى أثناء القتال فلا يجوز له قتل الأطفال أو النسـاء غير المقاتلات، أو الشيوخ غير المقاتلين، أو الرهبان في الصوامع، أو العسفاء – أي الخدم الأجراء – أو التجار، وفي كل ذلك وردت نصوص صريحة، وقد قاس عليها جمهور الفقهاء كل من لا يقدر على القتال أو لم يقاتل فعلاً كالأعمى والمريض المزمن والمعتوه والفلاح. ولا يجوز للمجاهدين التمثيل بجثث الأعداء إلاّ إذا كان معاملة بالمثل، والأفضل لهم العفو وعدم التمثيل. ولا يجوز التخريب والتحريق إلاّ إذا كان من ضرورات القتال. وتلخّص وصيّة أبي بكر لأول جيش خرج من الجزيرة العربية لقتال الروم كل هذه المعاني: (لا تمثّلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكلة. وسوف تمرّون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) . وبما أن حالة الحرب الفعلية ليست قائمة بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، فإن كل حديث عن استباحة الدماء والأموال – للأفراد أو الدولة – مناقض لمبادئ الإسلام وأخلاقه ولا يبيحه أحد من العلماء على الإطلاق.

هل كل كافر حربي؟
1. لا يكون الكافر حربياً إلاّ إذا أعلن هو- أو دولته – الحرب على المسلمين أو إذا أعلن المسلمون الحرب عليه أو على دولته، لأسباب مشروعة. وعند ذلك فقط يمكن أن نطبّق في معاملته أحكام الحرب.
2. إذا لم يقع إعلان الحرب كما ذكرنا في البند السابق، فإن كل كافر يمكن أن يكون حربياً، وهذا ما يعنيه الفقهاء عندما يتحدّثون عن الكافر بأنه حربي، وبالتالي فيجب على المسـلمين أن يكونوا حذرين منه حتى تنقطع حربيّته بعهد، فيلتزم المسلمون معه بأحكام العهد.
3. يمكن أن يقع بين الكافر والمسلم عهد فردي فيجب الالتزام به بينهما.
وقد يقع العهد بين الكافر ودولة مسلمة، فيجب الوفاء به أيضاً من قبل جميع المسلمين رعايا هذه الدولة. ومنه عقد الذمة وهو عهد مؤبّد وعقد الأمان الذي يدخل بموجبه الكافر دار الإسلام وهو عهد مؤقّت.
وقد يقع بين المسلم ودولة كافرة، فيجب على المسلم الوفاء به كذلك، كما لو دخل المسلم دار الكفر للتجارة قديماً، وكما يدخل اليوم بالتأشيرة.
وقد يقع بين دولة مسلمة ودولة كافرة، فيجب الالتزام به كصلح الحديبية قديماً، وميثاق الأمم المتحدة اليوم.
وكتب الفقهاء غنيّة بذكر تفاصيل هذه الحالات الثلاث، التي يحكمها جميعاً قوله تعالى: {.. وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولاً ..}. وقد اعتبر الله تعالى نقض العهود من أخلاق اليهود {.. أوَ كلّما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم ..؟} ومن أخلاق المشركين {.. الذين عاهدتَ منهم ثمّ ينقضون عهدهم في كلّ مرّة وهم لا يتّقون}. أمّا المسلمون فمن أخلاقهم الوفاء بالعهود {.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ..} {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}.

ليسوا سواء ..
إذاً، فإن غير المسلمين من الناحية القانونية، يكونون تجاه المسلمين في إحدى الحالات: الحرب الفعلية، احتمال الحرب، العهد. ولا يصح أن نعتبرهم دائماً محاربين فعلاً حتى نبرّر معاملتنا إياهم بأحكام الحرب.
بل إن القرآن الكريم ميّز غير المسلمين، حتى من جهة قربهم أو بعدهم عن الإسلام كدين، وعن المسلمين كأمّة. قال تعالى: {لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً، وأنهم لا يستكبرون} وقال تعالى: {ليسوا سواءً. من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ..}.
ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية قول الإمام محمد عبده أنّ هذه الآية (دليل على أنّ دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء، وأنّ كلّ من أخذه بإذعان، وعمل فيه بإخلاص، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو من الصالحين ..). وعقّب على ذلك بقوله: (وظاهر أنّ هذا كالذي قبله، في أهل الكتاب حال كونهم على دينهم، خلافاً لمفسّرنا “الجلال” وغيره، الذين حملوا المدح على من أسلم منهم، فإن المسلمين لا يُمدحون بوصف أنّهم من أهل الكتاب، وإنّما يُمدحون بعنوان المؤمنين). وختم الشيخ رضا بقوله: (إنّ استقامة بعض أهل الكتاب على الحقّ من دينهم لا ينافي ما حقّقناه في تفسير التوراة والإنجيل في أوّل السورة من ضياع كتبهم وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها).
وهذا يعني أنّه حتى من الناحية العاطفية، فإن المسلم يشعر أن النصراني أقرب إليه من اليهودي. ويشعر أن الكتابي إجمالاً أقرب إليه من المجوسي أو الوثني. وقد عبّر القرآن عن ذلك بالإشارة إلى فرح المسلمين يوم ينتصر الروم وهم أهل كتاب على الفرس المجوس. قال تعالى: {الم. غُلبت الرومُ في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلَبِهم سيُغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو القوي العزيز}

علَة القتال: الحرابة وليس الكفر
بحث الفقهاء في مباحث الجهاد عن العلة التي تبيح للمسلمين قتل الأعداء، فقال جمهورهم من المالكية والحنفية والحنابلة أن علة القتال هي الحرابة – أي المحاربة – والمقاتلة والاعتداء، وليس مجرد الكفر ، بينما يرى الشافعي في أحد قوليه أن علة القتال هي الكفر. ورأي الجمهور في هذه المسألة هو الراجح، وقد بنوه على الأدلة التالية:
1. آيات كثيرة صريحة تؤكّد أن سبب قتال المسلمين لغيرهم هو العدوان الصادر منهم. {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين} {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة} {وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة ..} {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحبّ المقسطين} . وقد اتفق أكثر المحققين أن هذه الآيات محكمة وليست من المنسوخ.
2. الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تمنع قتل كثير من الكفّار لأنّهم لم يحاربوا أو لعدم قدرتهم على القتال، منها الأحاديث التي تمنع قتل المرأة لأنها لا تقاتل والصبيان لأنهم لا يقاتلون، وقد ورد هذا المعنى عند البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه وغيرهم. وقد ذكر أبو داود وابن ماجه منع قتل العسيف وصحح الألباني الروايتين (صحيح سنن أبي داود رقم 2324 وصحيح سنن ابن ماجه2294) والعسيف هو الأجير المستخدم في أمور لا تتصل بالقتال كالفلاحين والعمال في المصانع، وعمال النظافة في الطرقات والأطباء والممرضين وموظفي المستشفيات. وورد في سنن أبي داود منع قتل الشيخ الفاني، كما ورد فيها الأمر بقتل شيوخ المشركين، وجمع الشوكاني بين الروايتين بأن الشيخ المنهي عن قتله هو الفاني الذي لم يبق فيه نفع للكفار، والشيخ المأمور بقتله هو من بقي فيه نفع للكفار ولو بالرأي كدريد بن الصمة الذي كان صاحب رأي في الحرب فقتل وقد نيّف عن المائة .
ولأن علة القتل هي المحاربة وليست الكفر فقد أوصى أبو بكر جيشه أن لا يتعرّضوا لمن حبسوا أنفسهم في الصوامع وأن لا يقتلوا امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً . ومع أن الإمام الشافعي يجيز قتل غير النساء والأطفال ولو لم يشتركوا في القتال، إلاّ أنه لا يرى قتل الرهبان اتباعاً لأبي بكر.
وقد ورد في مصنّف أبن أبي شيبة (أنهم كانوا لا يقتلون تجار المشركين) .
وقد قاس الفقهاء – الذين يرون أن علة القتال هي الحرابة وليس الكفر – على هذه النصوص كل من كان غير قادر على القتال كالمقعد والأعمى ويابس الشق – أي المشلول – والأعمى ومقطوع الرجل واليد من خلاف ومقطوع اليمنى والمعتوه والراهب في صومعته والسائح الذي لا يخالط الناس والرهبان في الكنائس والأديرة . ويرى المالكية منع قتل سبعة هم: المرأة والصبي والمعتوه والشيخ الفاني والزمن – أي المصاب بمرض مزمن – والأعمى والراهب المنعزل بالدير أو الصومعة وعند الحنابلة لا يجوز قتل الصبي ولا المرأة ولا الشيخ الفاني ولا زمِن ولا أعمى ولا راهب .
3. أنه لو كان القتل لمجرّد الكفر جائزاً، لكان هذا مناقضاً لعدم الإكراه على الدين. وهذه مسألة لا خلاف عليها بين جميع العلماء، والنصوص القاطعة الصريحة في القرآن الكريم تؤكّدها. قال تعالى: {لا إكراه في الدين ..} وقال لنبيّه {أفأنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين؟} {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ..} {لكم دينكم ولي دين}.
كما أن الثابت في سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم أنه أسر الكثير من المشركين ولكنه لم يكره أحداً على الإسلام. وقد قتل بعضهم لأسباب أخرى غير الكفر، وفدى بعضهم، وأطلق سراح البعض. ولو كان القتل واجباً لمجرّد الكفر لم يكن يجوز تركهم. والله تعالى عندما ذكر حكم الأسرى قال: {فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداءً ..} وهذه من أواخر ما نزل من القرآن، ولم يأمر فيها بقتل الأسرى، بل لم يجعل هذا الأمر أحد الاحتمالات الأساسية، مما يعني استبعاده إلاّ إذا وجد ظرف خاص يبرره، ولذلك اتفق جمهور الفقهاء على تخيير الإمام عند تحديد مصير الأسرى بين المنّ أو الفداء أو القتل حسب مصلحة المسلمين، مستندين في ذلك إلى أنّ الرسول (ص) أمر بقتل بعض الأسرى لأسباب خاصّة تتعلّق بجرائم وممارسات ارتكبوها وليس لمجرّد الكفر، وإلاّ لأمر بقتل الجميع ولم يكن للتخيير معنى.

السلم هو الأصل:
ولقد كثرت مباحث الفقهاء حول أحكام الحرب، فلا تكاد تجد كتاباً فقهياً إلاً ويتناولها بشيء من التفصيل. ونحن نلاحظ أن جميع آراء الفقهاء تنطلق من نصوص ثابتة في القرآن الكريم أو السنّة المطهرة، ولكنها تعالج واقعاً تاريخياً معيناً. بل إن النصوص نفسها قسمان:
– منها ما يرتبط بالواقع الذي وردت فيه هذه النصوص فهو علاج لها، ولا تعبّر بالضرورة عن أحكام مطلقة.
– ومنها ما يتعلّق بالمبادئ والقيم الإسلامية التي نزل القرآن لنشرها بين الناس، وإقامة الحياة الإنسانية وفقها، فهي تعتبر أحكاماً مطلقة.
إن الواقع البشري الذي وردت فيه نصوص القرآن الكريم والسنّة المطهرة المتعلّقة بالقتال، ثم جاءت آراء الفقهاء تعالجه منذ العصر الأول حتى انهيار الخلافة العثمانية في أوائل هذا القرن يتميّز بما يلي:
1. سيطرة الأنظمة الاستبدادية على جميع الشعوب المحيطة. هذه الأنظمة كانت تمنع على الناس حرية اختيار الدين الذي يشاؤون، بل وتلزمهم بمذهب الدولة الرسمي، وتبيح قتل المخالف حتى ولو كان مواطناً. ولم يكن هذا الأمر مقتصراً على بلاد الروم وفارس في العصور الإسلامية الأولى، بل امتدّ ليشمل الدول الأوروبية حتى هذا القرن. وإذا كان الإكراه الديني لم يعد موجوداً تجاه المواطنين في نفس الدولة بسبب انتشار الفكر العلماني، إلاّ أن الحقد الديني لا يزال يشكّل خلفيّة أساسية في التفكير الأوروبي والغربي – عند الشعوب أو عند الحكّام – ضد الإسلام والمسلمين بشكل خاص. ويظهر بين الحين والآخر في ممارسات ضد الإسلام والمسلمين تتجاوز حتى مسائل الحريات الشخصية وحقوق الإنسان كمسألة الحجاب.
2. سيطرة فكرة الحرب والقتل والعنف بشكل عام، وضدّ الإسلام والمسلمين بشكل خاص. نلاحظ ذلك عند بداية البعثة النبوية في المرحلة المكّية، واستمر الأمر على هذا المنوال في المرحلة المدنية، ثم بدأ العدوان على الجزيرة العربية من قبل الروم والفرس، وظهر إصرار الحكّام على منع شعوبهم من الدخول في الإسلام، فكانت الحروب الإسلامية كلها إمّا رداً لعدوان واقع، أو منعاً لعدوان متوقّع، أو رغبة في تخليص الشعوب من الأنظمة المستبدة لتختار ما تريد بحرية كاملة. إن هذا الجو المسيطر على العالم كله، جو الحرب والتآمر والكيد ومنع الحريات كان له أثره الكبير على كثير من الأحكام الفقهية التفصيلية المتعلّقة بالجهاد.
ورغم الضغوط الهائلة لهذه الظروف التاريخية على التفكير الإسلامي الفقهي، إلاّ أننا نجد عند فقهائنا دائماً التزاماً بالقيم الإسلامية المطلقة وحرصاً عليها وتغليباً لها في كل الظروف. من ذلك:
بعض الأحكام الفقهية المتعلّقة بالقتال:
1. اعتبار المحاربة هي علة القتل والقتال، وليس مجرّد الكفر كما مرّ بنا آنفاً.
2. تأكيد الحرية الدينية لجميع الناس، انطلاقاً من الآية الكريمة {لا إكراه في الدين ..}. وجمهور المحقّقين من الفقهاء والمفسّرين على أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة ولا مخصوصة، وهذا ما ذكره ابن تيمية في رسالة القتال. وهذا ما اختاره ابن كثير والطبري والألوسي والجصاص والقرطبي وأبو حيان وغيرهم. بالإضافة إلى أن معنى عدم الإكراه مؤيد بعشرات من الآيات والأحاديث الصحيحة، وبفعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، وبممارسة حكّام المسلمين منذ الخلافة الراشدة حتى انهيار الدولة العثمانية، حيث لم يذكر التاريخ عملية إكراه واحدة في أي عصر من هذه العصور.
3. يذكر كثير من الفقهاء أن (الأصل في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين الحرب) ولكنهم لم يريدوا بذلك ما يتوهّمه كثير من الناس اليوم. ولو أردنا أن نمحّص مقصود الفقهاء في عصرهم حسب لغة عصرنا لقلنا أنهم يقصدون بتلك العبارة (أن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين احتمال الحرب) وليس حتمية الحرب. وذلك واضح مما يذكرونه من أحكام تتعلّق بنزع صفة الحربي لأقل سبب.
– فالحربي يحصل على الأمان من أي مسلم بالغ عاقل، بل حتى من الصبي المميّز وهو الذي جاوز السبع سنوات عند مالك وأحمد ومحمد بن الحسن .
– وإذا دخل الحربي دار الإسلام بغير أمان، ماذا يحصل له؟ الفهم المتبادر عندنا أن يقتل لأنه حربي وليس عنده أمان. لكن الفقهاء يقولون: لو قال – أي الحربي – دخلت لسماع كلام الله تعالى، أو دخلت رسولاً – سواء كان معه كتاب أو لم يكن – أو دخلت بأمان مسلم دون أن يأتي ببيّنة على ذلك صُدِّق ولم يتعرّض له لاحتمال ما يدّعيه، ولأن قصده ذلك يؤمنه من غير احتياج إلى تأمين. هذا قول الشافعية والحنابلة. وعند المالكية يُردّ إلى مأمنه إلاّ أن توجد قرينة كذب. وعند الأحناف يطالب بالبيّنة لإمكانها غالباً . ولم يقل أحد من الفقهاء إنّه يُقتل لمجرّد أنّه كافر حربي، مع أنّه يُعتبر حربياً في نظر الجميع.
– والحربي يمكن أن يصير ذمياً بالتراضي، أو بالإقامة مدة سنة في دار الإسلام .
إذاً فالحربي في مثل هذه الحالات لا يعامل بأخلاق الحرب ولا تطبّق عليه أحكامها.
إنه لا يعتبر حربياً بالفعل وتطبّق عليه أحكام الحرب، إلاّ عند قيام الحرب الفعلية بينه وبين المسلمين. لكن بما أن الراجح في التاريخ الماضي أن الكفار الحربيين كانوا دائماً يستعدون لحرب المسلمين ويخوضون هذه الحرب كلّما أمكنهم ذلك، وحتى لا يقصّر المسلمون في الاستعداد المقابل، اعتبر الفقهاء أن (أحكام الحرب) واقعياً ترجّح قيام حالة الحرب من جانبهم، مهما كنّا نفضّل السلام. ولذلك قالوا باعتبار الحرب هي الأصل في العلاقات مع الكفّار، بناءً على هذا الواقع.
4. وانطلاقاً من ذلك فإننا نرى أن ما ينسب إلى جمهور الفقهاء من (أن الأصل في العلاقات الحرب) يفهم في هذا العصر على غير ما قصده الفقهاء في عصورهم. بل إننا نقول إن عبارة (الأصل في العلاقات السلم) هي التي تعبّر عن نظرة الإسلام الأساسية للعلاقات الإنسانية، وهي تنسجم مع ما قصده فقهاؤنا في عصورهم ولنا على ذلك الأدلة التالية:
أ. إنّ الله تعالى خلق الإنسان، وكلّفه بالإيمان به وبعبادته، وسمح له إن شاء أن يكفر، وجعل عاقبة كفره شقاء في الدنيا وعذاباً في الآخرة، ولم يعاقبه على كفره بالقتل، قال تعالى:
{يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلّكم تتقون ..}
{والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}
{ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى ..}
{وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنّا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سُرادقها، وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمُهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقاً}
ب. إنّ الله تعالى أرسل الرسل لجميع الناس { وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذير } ، وحصر مهمّة الرسل بالبلاغ فقط { فهل على الرسل إلاّ البلاغ المبين؟}. وأضاف لسيدنا محمد خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم مهمّة التعليم والتزكية، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين}.
ث وممّا لا يشكّ فيه عاقل أنّ السلم هو الوضع الأمثل مع الكافرين لقيام الرسل بواجب التبليغ والتعليم والتزكية.
. عندما شرع الله تعالى الجهاد للمسلمين، وأمر به نبيّه صلى الله عليه وسلم، وذلك من أجل حماية المسلمين وحماية الدعوة لإسلامية، أمر المسلمين قبل الحرب وبعدها بالدعوة لأنّها الأصل، وهي المهمّة الأولى لهم.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميراً على جيش أوصاه إذا لقي عدوّه من المشركين: “أُدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ..” وعندما أرسل علي بن أبي طالب لقتال اليهود يوم خيبر قال له: “أُدعهم إل الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر النِّعَم” .
والإيمان بالله وعبادته لا تكون بالإكراه، بل بالدعوة والإقناع، وهذه تكون في جوّ السلم أفضل بكثير من جوّ الحرب، الذي يستثير الغرائز تحت ستار الدفاع عن النفس. ولمّا كان السلم هو أفضل الظروف لانتشار الدعوة، كان هو الأصل في العلاقات الإنسانية.
ث. كلمة (الأصل) في عبارة (الأصل في العلاقات الإنسانية السلم أو الحرب)، إمّا أن تعني الأقدم زماناً، أو الأهمّ، أو الأساس.
– فإن كانت تعني (الأقدم زماناً) فالأصل هو السلم بإجماع الفقهاء الذين يوجبون البدء بالدعوة قبل القتال. وإذا كان القليل من الفقهاء قد أجازوا قتال الكفّار ولو لم تبلغهم الدعوة فقد خالفوا في ذلك أحكاماً شرعية بدهيّة، حتّى قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم تحت هذا الرأي: إنه باطل.
– وإن كانت تعني (الأهمّ)، فإنّ السلم يكون تارة هو الأهمّ بل هو الأوجب أحياناً، كما أنّ الحرب في بعض الظروف تكون هي الأهمّ. وليس هناك خلاف على ذلك بين العقلاء، فكيف يكون هناك خلاف بين الفقهاء؟.
– وإن كان المعنى هو (الأساس) الذي تُبنى عليه العلاقات بين الناس فهو السلم أيضاً، لأنّه أفضل ظرف لتبليغ الدعوة، ولأنّه أساس التعارف الذي أمر به ربّ العالمين {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}، ولأنّه مناط التجارة التي أجمع الفقهاء على إباحتها مع دار الحرب.
ج. إنّ القتال شُرع في الإسلام لسببين، وعلى ذلك أجمع الفقهاء قديماً وحديثاً:
– الدفاع عن المسلمين: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إنّ الله لا يحبّ المعتدين}.
– منع الفتنة، أي الدفاع عن حرية الإنسان في اختيار الدين الذي يشاء {وقاتلوهم حتّى لا تكـون فتنـة..}
ومعنى ذلك أنّه إذا لم يقع أحد هذين السببين فلا يجوز للمسلمين أن يلجأوا إلى القتال، ممّا يؤكّد أنّ الأصل في العلاقات السلم وليس الحرب.
ح. أمّا جواز قتال غير المسلمين من أجل إجبارهم على الخضوع للنظام الإسلامي، مع المحافظة على حرّيتهم في عدم اعتناق الإسلام فهو رأي قال به بعض الفقهاء قديماً وحديثاً، لكنّنا نعتقد خطأ هذا الرأي لمصادمته لمبدأ {لا إكراه في الدين}.
والدين يشمل العقيدة والنظام، والإكراه على الخضوع للنظام الإسلامي لا يجوز في رأينا إلاّ إذا كان نتيجة حرب تسبّب بها غير المسلمين، وبهدف منع تجدّد أسباب الحرب في المستقبل، حرصاً على العلاقات السلمية بين الناس.
فضلاً عن أنّ مثل هذا الرأي – حتّى ولو كان صحيحاً من الناحية النظرية – لا يمكن قبوله شرعاً في العصر الحاضر، حيث يملك غير المسلمين القنابل الذرّية والهيدروجينية وأسلحة الدمار الشامل.
فلو افترضنا أنّنا أقمنا دولة إسلامية من أقوى دول الأرض، وأنّ هذه الدولة استطاعت أن تجمع الشعوب الإسلامية بكلّ إمكانيّاتها البشرية والاقتصادية والعسكرية.
ثمّ أرادت هذه الدولة أن تقوم بواجبها في الدعوة إلى دين الله فما الذي يحصل؟
إنّ الأنظمة الحاكمة اليوم في البلاد الغربية غير المسلمة تعتبر حرّية التفكير والتعبير واعتناق العقيدة من حقوق الإنسان الأساسية، فلو أنّ هذه الدول لم تمنع الدعاة إلى الله، ولم تسجن أو تقتل من دخل في الإسلام من أبنائها كما يحدث حتى الآن، واستطاع المسلمون أن يستعملوا كلّ الوسائل العصرية المتاحة للدعوة، من قنوات فضائية وإنترنت وكتب وأشرطة ومجلاّت.
ماذا يمكن أن يكون موقف الدولة الإسلامية؟

الإسلام أو الجزية أو القتال:
يظنّ البعض أنّ الموقف الشرعي الواجب على هذه الدولة المسلمة أن تخيّر الدول الأخرى بين الإسلام أو الجزية أو القتال التزاماً بظاهر بعض الأحاديث الصحيحة عندما تفهم مقطوعة عن ظروفها التاريخية.
وهذا في رأينا غير صحيح، وتسلسل النصوص الشرعية والأحداث التاريخية يؤيّد ذلك. فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن استقرّ له الأمر في المدينة المنوّرة، كتب رسائل إلى الملوك من حوله يدعوهم إلى الإسلام وإلى الإيمان بالله وحده لا شريك له. فكتب إلى قيصر ملك الروم، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس عظيم القبط، وإلى الحارث ملك تخوم الشام. وطلب من هؤلاء الملوك أن يبلّغوا دعوته إلى شعوبهم، وإلاّ فإنّهم يتحمّلون إثم هؤلاء الناس. وذلك بسبب ما كان معروفاً أنّ الملوك يمنعون شعوبهم أن يدينوا بغير دينهم.
ثمّ كانت الفتوحات الإسلامية، وكان تخيير هؤلاء بين الإسلام أو الجزية أو القتال مبنياً على سببين:
الأول: هو مبادرة بعضهم إلى قتال المسلمين كما حدث مع كسرى الذي مزّق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكتب إلى نائبه في اليمن (باذان) أن يبعث له هذا الذي يدّعي أنّه نبي. وكما حدث مع الحارث الغسّاني الذي رمى كتاب النبي وعزم أن يسير إليه ليقاتله، وكما حدث في غزوة تبوك عندما تجمّع الروم لغزو المدينة، وقتلوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في كتب السيرة.
الثاني: هو منع هؤلاء الملوك لشعوبهم من حرّية قبول الإسلام أو رفضه بناء على العرف العام – في تلك العصور – الذي يمنع الشعوب أن تعتقد ديناً يخالف دين ملوكها. وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حمّل الملوك مسؤولية رعاياهم، وهذه هي الفتنة التي أمر المسلمون بالقتال لرفعها عن جميع الناس.
إذاً فتخيير الشعوب غير المسلمة بين الإسلام أو الجزية أو القتال ليس حكماً إلزامياً مطلقاً في جميع الظروف، إنّما هو حكم شرعي يترتّب على:
البدء بالقتال ضد المسلمين
وعلى فتنة الناس ومنعهم من الدخول في الإسلام.
وحين لا يحصل أيّ من هذين السببين يكون الواجب الدعوة فقط. وهذا ما يؤيّده الحديث المشهور الذي رواه الإمام مالك
دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم” وعندما سُئل عن صحّة هذا الحديث قال: (ما زال الناس يتحامون غزوهم).

الاكتفاء بالدعوة:
ولو أنّ الدولة المسلمة في هذا العصر رأت أن تخيّر الدول الأخرى بين الإسلام أو الجزية أو القتال فماذا يحدث؟
من الطبيعي أن ترفض هذه الدول الدخول في الإسلام طالما أنّ هذه الدعوة تأتيها ضمن تهديد، وليس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولما عندها من شبهات وأحقاد ضدّ الإسلام.

ليس هناك إذاً إلاّ القتال.
إنّ حرباً كهذه لو اندلعت في وجود التقنية الحديثة والرؤوس النووية والأسلحة البيولوجية والكيماوية الفتّاكة، فإنّها ستؤدّي حتماً إلى دمار شامل للبشرية كلّها ومنها المسلمون. فهل هذا هو المقصود؟ وهل من المعقول أن يسعى الإسلام لقتل المسلمين وإنهاء الدعوة إلى الله كلّياً بسبب هذا التصرّف؟
رحم الله فقهاءنا الأقدمين الذين لفتوا النظر إلى العمل بالمآلات ، ومعناه أنّ العمل المباح أصلاً يمكن أن يكون حراماً إذا أدّى في ظرف معيّن إلى الحرام.
ومن أجل ذلك فإنّنا نقول في هذا العصر: طالما أنّ باب الدعوة مفتوح، وطالما أنّ بإمكان غير المسلم أن يدخل في الإسلام دون أن يتعرّض إلى إيذاء أو قتل، فإنّ السبب الشرعي للقتال غير موجود. وأنّ الاكتفاء بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ وإلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هو الواجب الأول والأخير. فالله تعالى استخلف الإنسان في الأرض لعمارتها لا لتخريبها، والإسلام دين الله ينظّم كيفية عمارة الأرض على الوجه المراد.
والدعوة إلى الله تعالى هي أحسن كلمة وأحسن عمل يقوم به المسلم {ومن أحسنُ قولاً ممّن دعا إلى الله وعمِلَ صالحاً وقال: إنّني من المسلمين؟}. ومن الطبيعي أن تواجَه الدعوة بكلّ أنواع التآمر والكيد من أتباع الشيطان، ولكنّ الله تعالى علّمنا كيف نواجه كلّ هذه الحملات المضادة مهما بلغ سوءها فقال: {إدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم}. فالكلمة الطيّبة وردّ السيّئة بالحسنة هو الذي ينتزع من الصدور كلّ أنواع الغلّ والحقد، ويجعلها مستعدّة لقبول هذه الدعوة المباركة. ومثل هذه الدرجة – أي ردّ السيّئة بالحسنة – والتسامح مع الآخرين حتّى عند إساءتهم، هي درجة عالية جداً {وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا، وما يلقّاها إلاّ ذو حظٍ عظيم}.
حشرنا الله تعالى في زمرة هؤلاء الدعاة الصابرين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب مغلقة

العدل عند الدعاة

الداعية الشيخ سلمان بن فهد العودة .

ج- العدل في الحكم على الدعوات و الحركات :
منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات و حركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية و الحكم الإسلامي ، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين ، أو إلى إحياء السنة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .
وهذه الدعوات تختلف في منهاجها و أسسها و أهدافها ، و تختلف في قربها أو بعدها عن منهج الكتاب و السنة.
وقد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات و درسوها من جوانب مختلفة ، و الأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو ‘ العدل ‘ ، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة ، معجب بمناهجها و طرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا ، و يدعي وصلاً بليلى ! و آخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة ، و بين هذا و ذاك تضيع الحقيقة .
والله تعالى يحب العدل ، و يكره الجور ، و من قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصراً في كل جانب ، و لا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .

أحياناً تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيراً يصرفه عن معناه المباشر الظاهر ، و يؤول تصرفاتهم تأويلاً قد يصدق في بعضها و لا يصدقها في كثير منها ، و التعميم في هذا الموضع خطأ ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات و مناهجها التفصيل و الدقة و ضبط العبارة و ذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب المعتمة .
و أئمة أهل السنة و الجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم و يحذرون منهم ، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة ، أو في دعوة بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام ، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين مبتدعين ، و هذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب ، أو في ردّ بعض هجمات الأعداء العسكرية ، أو في أعمال خيرية قاموا بها .
فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور ، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب بدعة ، بل نجمع بين الأمرين .

د – العدل في النظر إلى الجهود و الأعمال الدعوية:
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة ، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين ، أو طوائف منهم ، و هي جهد بشري يخطئ و يصيب ، و ليس له من العصمة نصيب ، و لذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن ‘ تقوّم ‘ هذه الأعمال تقويماً صحيحاً معتدلاً ، يحقق الانتفاع بالإيجابيات و توسيعها و تعميقها ، و تلافي السلبيات و الخلاص منها ، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها و يعود المسلمون من حيث بدؤوا .
و لكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين :
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه ، فيرمي بسهام الاتهام و الشك كل من يوجه نقداً أو ملاحظة .
و طرف لا يبصر إلا العيوب ، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئاً يمكن الانتفاع به !
· خذ مثلاً : الجهاد الأفغاني .. جهاد ما يزيد على عشر سنوات من العرق و الدمع و التضحية و السهر و العناء !
قد تجد من يصوره على أنه خال من الأخطاء ، بريء من العيوب ، حتى كأنه جهاد الصحابة رضوان الله عليهم ، و لا يقبل فيه النقد و التوجيه و الملاحظة .
و في المقابل قد تجد من يتحدث عن المجاهدين فيصمهم بالجهل و البدعة دون تروٍ أو تفصيل ، و يتعلل بأن منهم من يعلق التمائم ! ، أو بأن عندهم بدعاً في بعض المساجد ، بل تجاوز الأمر أن صرّح أحدهم قائلاً :
هؤلاء مشركون يحاربون ملحدين !!
و قرأت بخط أحدهم تعليقاً طائشاً عن إحدى الجماعات السلفية هناك ، بأنّ من لم يكفرهم فهو كافر !!
فإذا كان هذا حكمه على فئة سلفية .. فما بالك بغيرها ؟! و الله المستعان .
أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة ؟
و هل هذا هو الاتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، الذي كان يعرف للناس أقدارهم ، و لا يبخسهم أشياءهم ، و كان يثني على الإنسان بما فيه من خلال الخير ، إذا كان ثم مصلحة – و لو لم يسلم من الأخطاء !
أليس قد أثنى – صلى الله عليه و سلم – على النجاشي ، و وصفه بأنه ‘ ملك لا يظلم عنده أحد ‘(2) مع أنه حينها كان كافراً لم يسلم بعد ؟!
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة ، إما بعين الرضا فتنسى العيوب و الأخطاء التي تعرف لتعالج و تقوم ،و إما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ :
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة *** و لكن عين السخط تبدي المساويا

إذا كان المحبّ قليل حظٍّ *** فما حسناته إلا عيوبا !

و يجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه و تنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلباً أو إيجاباً :
‘ و لا يَجرمنك شنآن قـــــوم على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ‘ [ المائدة : 8 ] .

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على العدل عند الدعاة مغلقة

من روائع حضارتنا

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين

مقدمة الترجمة البوسنية لكتاب من روائع حضارتنا

 

(من روائع حضارتنا) كتاب مدهش ألفه عالم متميز ، ورغم أن الكتاب لطيف الحجم إلا أن مؤلفه جمع فيه خلاصة عشرات المراجع التاريخية ، وبذل في سبيل ذلك جهداً لايخفى.

نلاحظ من خلال دراسة الكتاب أن المؤلف يهمه أن يبين لنا أمرين اثنين :

الأمر الأول منهما : هو ماتنطوي عليه الحضارة الإسلامية من روائع وماقدمته للبشرية من استقرار وتوازن ، ومايحف بها من جمال أخاذ وشمول بديع وروح سامية ويد متقنة في كل دروب الحياة.

يقول أحد كبار العلماء المسلمين وهو الإمام الشافعي أن (من جهل شيئاً عاداه) وهناك عدد غير قليل حتى من المثقفين ، ليست لديهم أية فكرة عن الإسلام وحضارته ، بل لديهم صورة سلبية زرعتها مصادر غير موثوقة في عقولهم ، وتصورات خاصة أقرب إلى الانفعالات النفسية التي بقيت تدور في نفوسهم حتى صدقوا الكثير منها دون أية دراسة منصفة أو بحث عميق.

وبالتالي فقد كانت النتيجة الوحيدة عند أولئك هي زيادة البعد عن الإسلام ونظامه وحضارته لأن الإنسان عدو مايجهل ، لذا يقدم هذا الكتاب صورة شاملة وغير متكلفة ستدهش الكثيرين ولكنها بالتأكيد ستعطيهم أفقاً آخر وبداية جديدة للتعامل مع الإسلام.

ويوجز المؤلف خصائص الحضارة الإسلامية في خمسة محاور:

1- الوحدانية المطلقة : فللكون إله واحد قادر عظيم لايحتاج إلى أحد والكل يحتاجه وهذا الإله لم يلد ولم يولد ولم يكن كفواً له أحد ، وليس بين هذا الإله وعباده أية واسطة وكل الناس سواسية بين يديه ، ويطلبون المغفرة منه مباشرة دون أي وسيط من البشر حتى لو كان نبياً ، وقد طبع هذا التوحيد آثاره في الإسلام بدءاً من الإيمان ومروراً بالفنون الجمالية والعمارة والخط والزخرفة ، بل في كل مناحي الحياة.

2- النزعة الإنسانية : فقد أعلن كتاب المسلمين المقدس (القرآن الكريم) وحدة النوع الإنساني وأن البشر كلهم من أصل واحد ولافضل لفرد أوشعب على آخر إلا بالتقوى ، وأن الأساس في العلاقة بين الناس هو التعارف واللقاء .

كما أن القرآن الكريم حدد بشكل دقيق الهدف من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

3- الأخلاقية : فللأخلاق في الحضارة الإسلامية المحل الأول في كل نظمها ، وهذا المبدأ مقدم على كل مصلحة ، وقد أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

4- الإيمان بالعلم : فلم يكن في الإسلام يوماً أي تضاد أو عداء بين الدين والعلم ، بل العلم اليقيني يقوي الإيمان ، والعقيدة الإسلامية تجعل طلب أي علم من العلوم النافعة (من كل الاختصاصات الدنيوية) فريضة على الأمة ، وبذا فقد جمعت الحضارة الإسلامية بين العقل والقلب ، والدين والعلم ، والفرد والجماعة.

5- التسامح الديني : إن الكثيرين ممن لم يعيشوا بين المسلمين لديهم أفكار بعيدة عن الصواب تماماً ، وسواء في التاريخ أو الحاضر فإن أي احتكاك بالمجتمعات المسلمة سيوضح بشكل سافر تماماً تلك الروح المتسامحة التي يحملها المسلمون تجاه الآخرين ولو خالفوهم في عقيدتهم ودينهم ، وكتب التاريخ حافلة بحرص المسلمين على رعاياهم من غير المسلمين والذين وصلوا إلى أعلى المراتب وعاشوا بين المسلمين في غاية الأمن والاحترام.

الأمر الثاني : الذي حرص المؤلف على بيانه هو حاجة البشرية كلها اليوم إلى أساس تقوم عليه ، فلقد أُنهكت البشرية ضمن عالم المادة التي احتل فيها كل شيء ، وكاد بل ألغى في كثير من الأحيان خصيصة البشر الأساسية وهي الروح.

لقد وصلت البشرية إلى مستوى متقدم جداً في النواحي التقنية والمادية ، ولكنها في الوقت نفسه وصلت إلى مستوى مزر من الضياع الروحي والتأزم الأخلاقي والإفلاس الإيماني ، وإن الإيمان الذي يفترض فيه أن يهذب الروح ، ويكبح الغرائز ، ويجعل الحياة مثل جنة لله في الأرض ؛ هذا الإيمان أقصي من ساحة الحياة فانتشرت أمراض الروح ، وبدأ الاضطراب يزحف دون أن يقف عند حدود.

إن التفكك الاجتماعي ومشاكل الكحول والمخدرات ، والنزعات الفردية والأنانية ، والجشع والظلم والعدوان مهما وضعت لها القوانين فلاشيء يصد هجومها ويقي من غوائلها غير الإيمان. بل إن جنون التسلح والعدوان المرعب على البيئة والنزاعات المسلحة ، والكراهية بين الأمم وسرقة الشعوب الضعيفة والنهم الاقتصادي للدول الصناعية وغير ذلك من الكوارث لا علاج له أبداً من دون الحضارة الإيمانية الشاملة لكل أنشطة البشر المشروعة ، والتي يدعو المؤلف الجميع إلى البحث عنها في الإسلام وحضارته المتميزة.

إن هذا الكتاب لم يكتب من أجل المتعة التاريخية فقط بل ليقول للبشرية : أنت تغرقين وفي الإسلام مشروع إنقاذ فادرسيه بموضوعية وإنصاف.

تكلمنا عن الكتاب ولكننا لم نتكلم عن العالم الذي كتبه؟

إن المؤلف عالم شهير في العالم الإسلامي ، وهو المرحوم الدكتور مصطفى السباعي ، وقد ولد في بلاد الشام من أسرة علمية عريقة (مدينة حمص عام 1915م) وقد حفظ القرآن الكريم صغيراً ثم التحق بالثانوية الشرعية وتخرج منها عام بتفوق باهر لفت أنظار أساتذته وبعدها سافر إلى مصر وانتسب إلى كلية أصول الدين ثم حصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1949بدرجة الامتيازحول (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي).

عين السباعي أستاذاً في كلية الحقوق عام 1950م فكان من ألمع الأساتذة فيها وأكثرهم إنتاجاً ونشاطاً ، وقد بذل جهوداً مضنية حتى استطاع تأسيس أول كلية للشريعة في سورية عام 1955 وكان أول عميد لها وأنشأ موسوعة للفقه الإسلامي وكان يريد إخراج علماء دعاة محيطين بالواقع الذي حولهم ، ورغم مرضه الشديد فقد بقي حتى آخر أيامه يزرع الهمة في نفوس من حوله.

أما حياته الميدانية فقد كانت عجيبة ، فقد ألف جمعية لمقاومة جهود السلطات الفرنسية التي كانت تحتل سورية ثم بدأ يقود المظاهرات ويخطب في الناس فاعتقله الفرنسيون ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره ، وتحت الضغط الشعبي أفرجوا عنه فعاد إلى العمل ضدهم فاعتقل ثانية لعدة أشهر وبعد الإفراج عنه عاد إلى محاربة الفرنسيين وشارك في المقاومة العسكرية ضدهم لتحرير سورية.

وبعد الاستقلال كان نائباً في البرلمان (1949-1954م) وكان نائب الرئيس ورفض الكثير من العروض لاستلام مناصب في الدولة.

أسس السباعي منذ كان شاباً صغيراً العديد من الجمعيات الإسلامية ، ولكن سفره إلى مصر أحدث تغييراً جذرياً لديه من خلال اجتماعه مع الأستاذ حسن البنا ، وقد بلغ نشاط السباعي إلى درجة أن القيادة البريطانية في مصر قد اعتقلته ثم سلمته إلى سلطات الاحتلال البريطاني في فلسطين فبقي في السجن أربعة أشهر ثم تم تسليمه إلى السلطات الفرنسية في سورية والتي سجنته لمدة سنتين ونصف وتعرض خلالها للأذى والتعذيب!

لما اغتيل البنا عام 1948م تولى السباعي قيادة الحركة كلها لفترة قصيرة ، وقد حاولت السلطات الإنكليزية اعتقاله لكنها لم تفلح ، وقد عاد بعدها إلى سورية ليتابع عمله الذي أسسه من قبل تحت نفس الاسم الذي عمل من خلاله مع الأستاذ البنا.

كانت للقضية الفلسطينية أهمية خاصة لدى السباعي وقد قاد فصائل مسلحة في فلسطين وأسس أعمال مقاومة واسعة وقام بجولات واسعة للتعريف بالخطر الصهيوني.

في عام 1951 رأس السباعي وفد سورية إلى المؤتمر العالمي في باكستان ، وعام 1954 رأس وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي المسيحي في لبنان ، كما أوفدته الجامعة السورية عام 1956 إلى أوربة فزار أغلب دولها واجتمع مع كبار المستشرقين ، ودحض حججهم وشبهاتهم عن الإسلام ، كما ألقى عشرات الدروس والخطب في المساجد والجامعات ، وفي عام 1957 زار السباعي معظم الجامعات الروسية والتقى مع علماء الدراسات الشرقية وأعلن رأيه بصراحة في وجه شبهاتهم ، وموقف المسلمين من الشيوعية.

أما في ميادين الخدمة الاجتماعية فقد تبنى السباعي حركة العمال وطالب بإنصافهم ، وأدخل قضيتهم بقوة إلى المجلس النيابي ، كما ساهم في إنشاء مدارس مجانية للعمال في كل أنحاء سورية قامت بتخريج أكثر من ثلاثة آلاف عامل ، كما ألف لجاناً لدعم القرية والقيام بالخدمات الطبية والتعليمية فيها ، وأنشأ مدرسة ثانوية للشباب وأخرى للبنات ، كما ساهم في تأسيس العديد من النوادي الرياضية ، وفضلاً عن العديد من الجمعيات الخيرية التي ساهم فيها ، فقد نظم يوماً سنوياً للفقير ، ودعم إنشاء العديد من المستوصفات المجانية والخيرية للفقراء.

عمل الأستاذ السباعي في ميدان الصحافة فأنشأ جريدة المنار عام 1947 ولما أوقفت أسس بعد سنوات جريدة الشهاب وفي نفس الوقت أصدر مجلة المسلمون التي كانت تصدر في مصر ثم غير اسمها إلى حضارة الإسلام والتي كانت في طليعة المجلات الإسلامية في العالم الإسلامي لأكثر من عشرين عاماً قبل إيقافها.

أما على صعيد التأليف فله أكثر من عشرة كتب قيمة (الكتاب الذي بين أيديكم أحدها) ومن أعظمها كتابه في الدفاع عن السنة النبوية ، وللأستاذ شعر جميل رائق ، وفيه حلق عالياً وخصوصاً في مناجاته لله تعالى أو في محبته للنبي الهادي صلى الله عليه وسلم.

أما أخلاقه فقد كان شديد الغيرة على الإسلام لايخشى في الله لومة لائم ، فيه حدة ودعابة ومرح ، وفي غاية الكرم والجود مع ضيوفه ، كما كان رجاعاً إلى الحق واسع الصدر مع المخالفين ، قوي الحجة والبيان خطيباً مصقعاً قل نظيره.

كان عند العلامة السباعي شوق عظيم إلى بلاد الحرمين وكان الحج يوصله إلى مراتب من السمو الروحي لايمكن وصفها وقد حج ثلاث مرات واعتمر مرتين ، وكتب عن رحلاته نثراً وشعراً بما لايمكن للعين إلا أن تدمع وهي تقرأ عن شدة محبته لله ورسوله.

يلاحظ أن الكثيرين ممن يعملون في النشاط السياسي والدعوي تقسو قلوبهم مع الوقت وقد يزدادون خشونة ؛ إلا السباعي وأمثاله فهم يزدادون رقة ولوعة مع الأيام ، ويحسون تماماً أن عملهم الدعوي والتربوي إنما هومحفوف بفضل الله ورحمته ، محفوظ بعنايته فيزدادون حرصاً عليه ويلجأون إلى الله في كل حال من أحوالهم.

وبسبب استغراقه الشديد في حمل هموم المسلمين فقد كان يخطب أحياناً في المسجد الأقصى في القدس أيام الجهاد ولمدة ساعة ثم يلقي بعدها درساً لاينتهي إلا قبل العصر بقليل ناسياً أن يأخذ دواء مرض السكري أو الضغط ، حتى ينفجر الدم من أنفه!

ربما يظن البعض أن السباعي كان وافر الصحة متين الجسم ، عاش لسنوات طويلة حتى بنى كل ذلك البناء!

الحقيقة أن السباعي مر بمحنة قاسية بعد أمراض عديدة ، فقد أصابه مايشابه الشلل النصفي عام 1957 فتمرد على آلامه وبقي يقود ويدعو ويحاضر ويكتب ويوجه ويربي ؛ حتى أن محاضرته عن (اشتراكية الإسلام) استغرقت أكثر من ثلاث ساعات (وهو مريض!) ثم طبعت بعدها في كتاب كبير أحدث دوياً وجدلاً لم ينته! وكذلك محاضرته الرائعة عن (المرأة بين الفقه والقانون) ، وبقي السباعي خلال ثماني سنوات يصارع المرض ولايسمع منه أحد إلا كلمات الحمد لله والشكر على نعمائه!

وقد تعرض السباعي لمحاولة اغتيال فشلت ، ولكن الأمر الأكثر قسوة هو الانشقاقات التي قامت بها جهات معروفة والتي كانت تريد جر العمل الإسلامي وشبابه إلى المذبحة ، وتشيع فكر الصدام المسلح مع الحكام ، وهو الشيء الذي كان السباعي يرفضه ، ويرى أن بيان الحق وحمله والصبر عليه هو سبيل الأنبياء والدعاة.

وعندما أحس السباعي أن وطأة المرض لن تسمح له بمتابعة قيادة العمل الذي أسسه مد يده يبايع الأستاذ عصام العطار لقيادة العمل من بعده ..

وأخيراً وبعد رحلة محفوفة بالعناء والتعب وفي يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964م استراح السباعي من هذه الدنيا المضنية ، وانطفأت فيه شعلة الحياة ولم يتجاوز الخمسين من العمر!

مضى السباعي (الذي كان أمة في رجل) ليلقى وجه الله تعالى الذي كان يعمل دائماً في سبيله ، وترك وراءه نموذجاً متقناً فريداً وعينة نادرة وقدوة لاتغيب من صنع الإسلام العظيم.

وما الكتاب الذي بين أيديكم أيها القراء الكرام إلا نموذج عما يصنعه الإسلام ويقدمه للبشرية سواء على مستوى الحضارة الإسلامية الفريدة أو على مستوى فرد متميز صنعه الإيمان ، مثل مصطفى السباعي رجل الإسلام الأول في بلاد الشام.

أحمد معاذ الخطيب الحسني

خطيب جامع بني أمية الكبير سابقاً

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على من روائع حضارتنا مغلقة

تذكرة

أخوكم : أحمد معاذ الخطيب الحسني

أخي الغالي …. سلام الله عليك وألف رحمة تغمرك وخير بركة تحيط بك ..

تمضي الأيامُ يا أخي وتفتحُ الدنيا لنا أبوابها … حتى كأنا خُلقنا لها وخُلقت لنا ، ومن تحتِ رُكامها ينبثقُ فرعُ نبتةٍ عنيدةٍ ، وعليه وريقات أخوة ما استطاعت الدنيا أن تُحيلها حَطباً ويَبَسا ، ومن نُسغها الأخضر السرمدي تتجددُ عزائمنا مرةً بعد مرةٍ ، وبتلك الوريقات نستعيدُ من مكنون أخوتنا ظلال خير وارفٍ ، ودوحةَ إيمان ما نسيناها وإليها المرجع ،ولو أغرقت الدنيا كل مراكبنا وأقبلت أعاصيراً تجتاح شواطينا.

مازال حُبُّ الله في دمنا والإيمان يرسو في مَوانئنا ومازالت القباب والمآذن تشهدُ لنا بأنا من أهاليها، وفي بلاد بعيدةٍ … في الشام أرض الطهر… مازالت محاريبٌ ومساجدُ تذكرنا وكلها شوق إلينا فتبكينا.

ودعنا الشام وفي دمنا عشق الصلاة والتوحيد حادينا.

كم لنا عبرة إذ بالأمس كان (يوسف الإدلبي)[1] حياً يربينا بهمته، واليوم صار في ديار الحق ينادينا: أن هلموا إلى الخير وذروا حب الدنيا ونزغَ الشيطان، وذروا التمرغ في الأوحال والطينا.

ياأيها القوم: بالأمس كان المؤذن الكهل في حسرة يذكركم، وكان حصير المسجد، وأهل المرؤة والجيران، وكتاب الفقه … كلهم في لهفة يُصغونَ.

فيا إخوة الدرب القديم جددوا درب الرشاد، وللخير في رمضان كونوا قادة وأئمة وساعينا .

صوم العامة عن الشهوات معلوم، وأخص منه أن تكونوا لحفظ الجوارح مُتِمِّينا، وقال الغزالي صوم خصوص الخصوص فوق ذلك عن الهمم الدنيئة، وأن تكونوا لرضى الرحمن راجينا.

ذكريات الابتداء تعيدكم إلى الشكر بعد الفتور، فلا تنسوها أحبتنا، أتذكرون السير الأول إلى المسجد، وأول مرة بكى واحدنا فيها من خشية الله، وأول مرة صافحت وجوهنا جباهُ إخوةٍ مثلَ البدورِ وقد تلألأت بأنوارِ السجود، وأول مرة تاب فيها أحدنا وأنابَ بعدَ هفوةٍ وعثرة، وأولُ مرةٍ اهتز قلبه فيها لنداوة التوحيد فإذا كل ذرة فيه تشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، والمسجد العتيق، وصوت الأذان الندي، ووشوشات الأحبة وصيحات الشباب فرحين، وذلك القيام في الليالي المعتمات، وتلك الرحلة وذلك الوادي، ولمسة الرفق من المربي، وألسن الأحباب تردد الأذكار العِذاب، والنشيدُ الهادرُ، وضجيج الصغار خلف الصفوف، وخرير الماء في بركة المسجد، والسيرُ إلى الصلواتِ تحت حباتِ المطر أوفي الحر الشديد.

ألا تذكرون كيف كانت قلوبكم …. طهراً وسكينة وبراءة وصفاءً ….

يا إخوتاه، عودوا كما كنتم ، فاملئوا الأرض إيماناً وأُخوةً وطيوباً وعطراً، ولا تَدعوا بالله عليكم عكَرَ الدنيا يسكن القلوب، فإن لنا مع كل درب طاعة سببٌ ونسبٌ ومع كل سبيل خير رَحِماً وقربى…

تغافروا فيما بينكم وأحيوا السمت الأول بالإخاء وليقُم واحدنا فليصل إخوانه كما يصل أرحامَه، وليراجع كلٌّ منا نفسه ولنتُب جميعاً إلى الله؛ فإنه ما تحابَّ أخَوانِ في الله فيُفرَّقَ بينهما إلا بذنب يُحدثه أحدهما.

اللهم أعنا على التراحم فيك ، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم ، وتقبل منا صالح أعمالنا ، اللهم وأعنا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان …

وبارك الله لكم في شهركم ولا تنسونا من صالح الدعاء.
الهوامش:

[1] – الأستاذ يوسف الإدلبي ، أبو عبد الرحمن ، من قدماء الدعاة في دمشق ، كان يشد إخوانه بهمته ، صبر وأوذي ، وبقي على الطريق ثم افترسه المرض ولقي ربه قبل أشهر (توفي الخميس 14 نيسان 2005م) رحمه الله ، رحمه الله، رحمه الله ، وقد فتحت بموته ثغرة لانعرف من يسدها بعده

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على تذكرة مغلقة

قل هو من عند أنفسكم

من أسباب ضياع الأمة

قال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في كتاب : تأويل مختلف الحديث : (وحدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور سمر ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم ، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصدَ الشهوات ، وإيثار اللذات ، والدخول في معاصي الله عز وجل ومساخطه ؛ جهلا منهم باستدراج لله تعالى وأمنا من مكره تعالى فسلبهم الله تعالى الملك والعز ونقل عنهم النعمة ، فقال له صالح بن علي : يا أمير المؤمنين إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هارباً فيمن اتبعه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر ، فركب إلى عبيد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ،ويسأله عن ذلك ؛ فأمر المنصور باحضاره وسأله عن القصة فقال :
ياأمير المؤمنين قدمت أرض النوبة بأثاث سَلِم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثاً فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا ، فدخل عليَ رجل طوال أقنى حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب فقلت : مايمنعك أن تقعد على ثيابنا ، فقال : إني ملك ، وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله عز وجل إذ رفعه الله ، ثم أقبل علي فقال لي : لم تشربون الخمور وهي محرمة ، فقلت : اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا . قال : فلم تطؤون الزرع بدوابكم والفساد حرام ؟ قلت : يفعل ذلك جهالنا . قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم ، فقلت : زال عنا الملك ، وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. فأطرق ملياً وجعل يقلب يده ، وينكت في الأرض ثم قال : ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ماحرم عليكم وركبتم ماعنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله تعالى العز وألبسكم الذل بذنوبكم وآثامكم ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزودوا مااحتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي ففعلت ذلك).

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على قل هو من عند أنفسكم مغلقة

همسات المعالي

يلحظ المراقب الناقد لصفات الأجيال الدعوية المتعاقبة نوعا من الهبوط في مستوى الالتزام بدقائق الأخلاق الإيمانية والذوقية، إذ ليس اللاحق على مثل جودة السابق، مع احتمال أن يكون أوعى منه سياسيا وعلميا، وأطلق لسانا، وأحكم تنظيما، ولربما وجدت اليوم شيئا من الغيبة، وسوء الظن، وسرعة الغضب، وورود اللفظ الخشن على لسان المتكلم، وعدم إباء أُذُن جليسه السامع لهذا اللفظ، بل وقد تطرب له، وهي أمور لم يبرأ الجيل الأول منها، ولكنها كانت نادرة، تأتي كالفلتات، أو يقل عدد المتورطين بها، بينما تترادف اليوم، ويزداد الاستدراج، بحيث أصابت الصورة المثالية التي كنا عليها ثلمة، وما زالت مثالية بحمد الله تعالى، لكن درجات الإحسان التي ندرج عليها توجب علينا براءة شبه تامة.

 

يظن البعض أن هذا التباين إنما هو ظاهرة طبيعية ناتجة من ارتفاع همة من يتولى التأسيس، تبعا لمعنى التحدي عند نشوء الدعوة في كل بلد، وهذا سبب صحيح، لكنه ليس السبب الوحيد ولا الأهم، والراجح أن هذه الثلمة إنما هي من تأثر بالمحيط العام والبيئة السياسية والفكرية والإعلامية التي تعقدت بعد التحولات الثورية في كثير من البلاد، فإن الداعية فرد في هذا المجتمع العام قبل انضمامه لتيار الدعوة، خاضع للمؤثرات فيه، ثم هو بعد انضمامه يخالط الفجرة مثلما يخالط البررة، في الجامعة أو عند أداء عمله المهني، وفي السوق والشارع والمنتديات العامة، بل يخالط فجرة من عائلته، من بين شقيق أو ابن عم وخال، فيقلدهم في أشياء، إذا غفل، ويسري إليه عيبهم دون أن يشعر، وتظهر على لسانه عبارات عامية يفترض أن يتعفف عنها طالب العلم وصاحب الفكر، بله المتوضئ، ويفعل النشاز الذي يأباه الذوق أو ترفضه المروءة، إذا شاهد فاجرا يذهب في الإسفاف إلى أبعد منه، كأنه يفتي نفسه بأنه أفضل من ذاك المسف المبعد، بدلالة الاقتصار منه ومدى الاختصار ، ذاهلا عن أن الثلمة الصغيرة التي لم يستكبرها يمكن أن تشوه الصورة وتعكر الصفاء أيضا، وأنها سبب في ضعف الحساسية الإيمانية التي تمنحه الأنفة عن الابتذال، والعزة على أهل السوء.

وليست هي الخلطة فقط، وإنما مثلها ردود الفعل لأساليب الأحزاب العلمانية وأنواع تصرفات منتسبيها وأفكارهم التي يعرضونها، إذ تكون ردود الداعية أحيانا على غير ما فقه صائب إذا استفزه الحزبيون، وكذلك اللغة الصحفية والإذاعية الرديئة المبنى والجرس والنبرة فضلا عما فيها من معنى منحرف وشتيمة وظلم واستهزاء وحشو، كل ذلك يقسي قلب المسلم عن طريق التقليد اللاشعوري لما يسمع ويرى، ويجعل الجرأة على الفاضل مستساغة عنده، فيقل احترام الكبير، من أستاذ أو شيخ مرب أو أمير متقدم، وتكون منه أنواع من المنافسة للقرين المماثل، من حسد خفي أو صريح، وتكذيب، ويصبح يضيق به ذرعا إذا رآه يأتي من العمل ما يعجز عنه أو يكون أفصح في درس أو كتابة مقال ، ولربما تجاوز عدوانه الكبير والقرين ليصيب المستجد والتلميذ والناشئ الصغير، فيتعامل معهم بلا رفق، ويكثر منه الزجر لهم والقسوة عليهم.

 

إنها فلتات لا يبرأ منها رجال منا، ولسنا نتكلف التهمة لهم، وإنما هناك قرائن تشهد وحوادث ترتكب، وابن آدم لا بد أن يلازمه خطأ، والشيطان يستزل، والموفق من لم يغالط نفسه ويغالط الآخرين، وتكون له مسارعة إلى التوبة والعلاج والترميم والاستدراك، بدل المكابرة والإصرار، وإذا كان أحد من منحرفي النفوس يعتاد التشهير بنا معتمدا على مثل هذه المكاشفة فإن المفروض أن لا يصدنا ذلك عن كمال المصارحة، إذ نكله إلى نيته الحائدة عن الحق والإصلاح، ونلوذ بعز التوبة.

إن ظاهرة نقص الأفراد هي من الظواهر المبتوت بصحة وجودها، وإنما أردنا أن نثبت بكلامنا آنفا ما هو أوسع من ذلك، من تأثر جيل بكامله برداءة المحيط والبيئة، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم، وأما الغالبية فقد ألمت أو قارفت، وكأنها تورطت، لكن منهم الموغل المكثار، ومنهم المتخفف، ومنهم صاحب الفلتات النادرة.

إن هذه الملاحظات لا يلاحظها أفراد الأجيال الجديدة، لأنهم لم يعيشوا لذة صفاء الأجيال السابقة القديمة قبل أن تفسد الحزبيات والثورات البقية التي كانت باقية من جمال الحياة، مع قلة حجم تلك البقية، وفاقد الشيء لا يعطيه، ويمكن أن يدرك ما نقول الأخوة القدماء الذين عاصروا بداية الدعوة ومراحلها الأولى، يوم كان الخير في الناس وافرا، وبين الدعاة عامرا، ويوم لم يكن الحاكم يتفنن في أذى الشعب كما يتفنن اليوم ويبتكر، ولا يرغمهم على سماع اللغو منه أو من إذاعته وتلفازه وصحفه كما يرغمهم اليوم.

ويظن البعض أن وجود ضعفاء من الجيل القديم تؤثر عنهم مثل هذه الأدواء ينقض صحة هذا الاستنتاج ويدفع التهمة عن الأجيال الجديدة . وليس هذا الظن على سعته، لأن الذي يرى ضعيفا من القدماء فهو إنما يرى نموذجا واهن التكوين أصابه المحيط الملوث أيضا، واستوى مع الجدد في ذلك، وتلك زيادة تأكيد على صحة ما ذهبنا إليه، فإن فساد البيئة إذا كان ينحت فضل القديم الراسخ فأحرى أن تلين أمامه قناة المستجد الطارئ، وإنما أردنا الإشارة إلى موقف هذا القديم في أيامه القديمة التي هي أقرب إلى النقاء وبيئته التي كانت محافظة على مزايا الصفاء: كيف أنه كان أنزه روحا، وأسلم قلبا، وأجود معدنا، وأشد ركنا.

 

والمتفحص للأمر، المقارن بين قصص الحياة اليومية الحاضرة والماضية، يجد أن التأثر بالسوء حاصل بصورة عامة لدى جميع الناس بصورة أعمق، وأن الخير والفعل الجميل في تناقص، بل أن الذي نسبناه للدعاة ما هو إلا بمقدار عشر المعشار منه، وتولدت في الناس غلظة وجفوة وقطيعة رحم ما كان يعرفها الجيل الذي عاصر حياة ما قبل الحرب العالمية الأولى مثلا، يوم كان العرق الأخير للدولة العثمانية ينبض، حتى أصبحنا نرى من عقوق الوالدين والعدوان على الجيران والغش في التعامل والبخل على الضيف والظلم عند المقدرة أشياء كان يتعفف عنها الناس سابقا، أغلب الناس .. وحتى أصبحت الحكايات الحقيقية لمكارم الأخلاق، والتي كانت اعتيادية: ضربا من الرمز والخيال المستبعد تكراره في تقدير من يسمعها، وهذا الوضع كان وما يزال مستمرا في بلاد عديدة، وبداياته تتزامن مع تطبيق مناهج التعليم الحديثة قبل ما معدله ستين سنة، أو أقل أو أكثر قليلا، ومع ما صاحب ذلك من انفتاح على الغرب والشرق، ومع نشوء الصحافة المقلدة للصحافة العالمية التي يسيطر عليها التوجيه اليهودي، بل نجزم أن بلاد النصارى في الغرب، وبلاد البوذية وأمثالها في الشرق، كانت حياتها الماضية لا تخلو من تراحم بين أهلها، وبقايا عفة، وآثار مروءة، هي خالية منها الآن.

 

إننا لا نريد بهذا الكلام أن نقذف يأسا في قلوب الدعاة، أو نولد إحباطا وشعورا من الأسف أو الزهد بالعمل الإسلامي ونتائجه، ولم نسرد خبر الأمس واليوم من أجل متعة تاريخية أو إثبات حقيقة إحصائية، وإنما أردنا توجيه الغد، وأن يكون لنا في التجربة موعظة.

إن لكلامنا مقاصد خمسة:

· الأول: إيراد نمط من التحليل والتسبيب يوسع آفاق تفكير الدعاة إذا أرادوا فهم ظاهرة معينة في الحياة الدعوية، بحيث تتكشف جذور المسألة وجذور المداخلات التي تحيط بها، وضغط المجتمع، وتأثيرات السياسة.

· الثاني: إخراج الداعية من الإطلاق في الحكم على الأمور، إلى النسبية، ومن الاستعجال، إلى التأمل، ومن العفوية، إلى المنهجية، ومن الغفلة، إلى نقد الذات والتدقيق مع النفس، مع أن هذا المسلك خطر، إذ أن بعض المنافسين والحاسدين سينحرفون بهذا المقصد النقدي الإصلاحي الواعظ إلى جعل كلماتنا وثيقة اتهام لنا يدللون بها على ضعفنا، وما دروا أن الحساسية المفرطة هي التي تنطقنا، وإن صف الدعاة – بحمد الله – أنقى وأرفع من أي صف آخر رغم ملاحظتنا.

· الثالث: الانتصار للأجيال الجديدة! وإعادة الاعتبار لها إزاء أحكام يصدرها عليهم بعض المتشددين من أفراد الجيل القديم، بتقرير ما ذهبنا إلى ترجيحه من أن هذه الأجيال إنما هي ضحية البيئة الملوثة أخلاقيا وفكريا وسياسيا، وأن الخيرية مركوزة فيها أيضا، ولكن تغطى شيئا منها الأوساخ المحيطة أو تميل بها العواصف الداهمة! وأن هذا كله من دلالات الظاهرة التربوية العامة التي تجعل تأثر كل فرد بالمسموع والمنظور محتملا، ومن نتائج تضاد التربيات المتزاحمة.

· الرابع: إثبات وجوب التربية التي تعالج هذه السلبيات الأخلاقية، وضرورة أن يتواضع كل داعية أمام ما تستوجبه هذه الظاهرة من خضوع لمنهج يعظ القلوب بكثافة، ويعيد ذكر بديهيات الطريق وأسس الإيمان والأخلاق ، وليس بصواب أن يضع داعية نفسه فوق التربية، ويستعلي على حديث يزجره عن السوء ولو سمعه مائة مرة، فإن في النفوس – كل النفوس – قابلية لطيش في أوقات الغفلة، فتنزل إلى مستوى العوام، وان استقام صاحبها على دين الخواص الفقهاء العباد دهرا، أو حاز على أعلى شهادة وأرقى منصب وأضخم رصيد مالي، بل وإن ابيضت لحيته وتجاوز الكهولة سنه.

· الخامس: التخطيط الدعوي لإصلاح أخلاق الناس عامة وأذواقهم وأعرافهم، وإعادة إحياء عواطفهم، وتجديد الحس الإيماني بعد ضموره فيهم، ويبدأ هذا التخطيط والتنفيذ له ابتداء من يومنا هذا في مرحلتنا التي نحن فيها، رغم ثقل أحمالنا وجزالة همومنا، ثم يمتد إلى مراحل التمكين، بل يجب أن يتركز هذا التوجه آنذاك ويشتد، وليس من شأننا أن نخطط سياسيا واقتصاديا فقط، أو نبث علم اللسان فحسب، فإن طريقنا يمر قبل السياسة والاقتصاد وخلاف الفقهاء بتطهير الجنان. إن دعوتنا هي دعوة المروءة والنبل والعفة، ورقة التعامل والذوـق الرفيع، قبل أن تكون دعوة سياسية، أو حملة جهادية، أو مدرسة علمية، ولن ينزل الطغاة إلى نهاياتهم ما لم تتسام أخلاقنا صعدا، ونعود إلى بداياتنا..

 

من سلسلة رسائل العين (نحو المعالي) للداعية المجدد الأستاذ عبد المنعم علي صالح العزي (محمد أخمد الراشد).

 

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على همسات المعالي مغلقة
الصفحة 49 من 51« الصفحة الأولي...102030...4748495051