الصفحة 49 من 50« الصفحة الأولي...102030...4647484950

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب

المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب
سماحة القاضي الشيخ فيصل مولوي
المرشد الأعلى لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوربة

رغم أن العنوان يتحدث عن الدعوة إلى الله في بلاد الغرب إلا أن الموضوع مفيد في سائر الأوقات والبلدان ويعمق الفقه الدعوي لذا نلفت أنظار الإخوة والأخوات إليه ونرجو الله أن ينفعنا به.

موقع دربنا
مقـدّمـــة – الفصل الأوَل : العاطفة – الفصل الثاني : الفكر – الفصل الثالث : أحكام متعلَقة بالقتال – الفصل الرابع : الإسلام أو الجزية أو القتال – الإكتفاء بالدعوة

المقدّمـــة
الحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
يعيش المسلمون اليوم في بلاد الغرب أزمة فكرية شديدة ناتجة عن قناعتهم بكثير من الأفكار التي تلقّوها في بلادهم الشرقية، وهي تتعارض تماماً مع ظروفهم الجديدة في ديار الغرب، ومع مصالحهم الكثيرة فيها. وقد حصل الكثيرون منهم على جنسية تلك البلاد، فلم يعد من السهل مطالبتهم بالرجوع إلى بلادهم. كما أنّ الكثير منهم أصبح يقيم هناك بشكل دائم لسبب أو لآخر، فضلاً عن أنّ كثيراً من أبناء الغرب الأصليين قد اهتدوا إلى الإسلام، وليس من المعقول أن نطالبهم بترك أوطانهم في ظروف الحرية التي يتمتّعون بها هناك وأن يلتحقوا ببلاد المسلمين.
وجميع هؤلاء بحاجة إلى ثقافة إسلامية أصيلة تنظّم عيشهم في مجتمعات غير إسلامية.
وهذه دراسة متواضعة حول هذا الموضوع، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنّه سميع مجيب.

نحن جزء من المجتمع الذي نعيش فيه:
إنّ المسلم جزء من أمّته الإسلامية، وعلى هذا الأساس فمن الطبيعي أن يفكّر بمشاكلها، وأن يشعر بهمومها وأحزانها، وأن يتفاعل معها.
ولكنه حين اختار العيش في ديار الغرب، اختار أن يكون جزءاً من هذا المجتمع الذي يعيش فيه، فيجب عليه أيضاً أن يفكّر في هذا المجتمع: في قضاياه وهمومه ومشاكله من وجهة نظره الإسلامية، وهذا هو الذي يفرض عليه أن يبحث في شؤون الدعوة الإسلامية في هذه البلاد.
إن الاهتمام بقضايا الأمّة الإسلامية في الشرق سيكون عند الكثيرين هنا مجرّد اهتمام نظري لا طائل من ورائه، طالما أننا لا نستطيع أن نقدّم لبلادنا شيئاً ملموساً، بينما الواقع الذي نعيشه في بلاد الغرب إذا تفاعلنا معه يمكننا أن نقدّم له ولدعوتنا فيه شيئاً ملموساً. إننا إذا أغفلنا هذا الواقع، وبقينا مشدودين إلى بلادنا الأصلية، فسيكون الخسران نصيبنا في الحالتين: نتكلّم عن بلادنا ولا نقدّم لها شيئاً يذكر، ونهمل واقعنا ولا نقدّم لدعوتنا فيه شيئاً أيضاً.

نحن لا ندعو – بل لا نفكّر – أن نتخلّى عن أيّة قضية من قضايا أمّتنا، لكننا نريد أن نحسّ بالواقع الذي نعيش فيه، وأن ندرك أن هذا الواقع يفرض علينا ممارسة دعوية هامّة جداً، يمكن أن يكون لها أثر على مستقبلنا في هذه البلاد، أو على مستقبل هذه البلاد بالنسبة للدعوة الإسلامية.

تراث مخلوط بشوائب:
لقد جاء المسلمون من بلادهم بتراث هائل جداً، فيه من الإسلام النقي الشيء الكثير، ولكن فيه أيضاً الشيء الكثير مما ورثوه عن أجدادهم من عصور التعصّب والتخلّف. هناك الكثير من المواقف والمشاعر والأفكار التي لا تعبّر عن الإسلام في هذا العصر. وقد تكون مفيدة في وقتها ومناسبة له، لكنها لا يمكن أن تكون صورة الإسلام في هذا العصر، ومع ذلك حملناها في قلوبنا وعقولنا إلى هذه البلاد ونحن نظنّ أنها جزء من الإسـلام لا ينفكّ عنه، بينما هي في الحقيقة جزء من تاريخنا لا أكثر، وإذا كانت مقبولة من أجيال الأمّة السابقة فليس حتماً علينا أن نقبلها في هذا العصر، اللهمّ إلاّ لو كانت من ثوابت الإسلام القاطعة، وأنّى لها أن تكون؟

لقد ظلّت أفكارنا وعواطفنا مشدودة إلى أمور خلافية كثيرة في المجالات التاريخية والفكرية والفقهيّة، ولا يمكن أن نتحرّك في هذا المجتمع بهذا الركام من التراث تحرّكاً دعوياً مثمراً. إنّ هدفي في هذه الدراسة هو أن أوضح أهم الأسس التي تتناول الدعوة في بلاد الغرب. هناك إشكالات شرعية كثيرة، وكذلك هناك مئات وآلاف من الأسئلة، تدور حول تعامل المسلم في الغرب مع المجتمع الذي يعيش فيه، فلو اختصرنا الجواب وأوضحنا الأساسيات لهان الأمر، واستطاع كلّ منّا أن يفتي لنفسه في كثير من المسائل. إنَ ممارسة الدعوة في هذه البلاد تحتاج إلى فهم صحيح لمسألتين أساسيتين، لا يمكن بدونهما أن تكون هناك دعوة. المسألة الأولى: العاطفة، والمسألة الثانية: الفكر.

الفصل الأول: العاطفة
هل يمكنك أن تتصوّر نشوء عاطفة بينك كمسلم وبين غير المسلم – في هذه البلاد – تكون أساساً للدعوة؟
هل يمكنك أن تدعو إنساناً وأنت تحقد عليه؟ وأنت كاره له؟ بل تخطّط لحربه؟ هل يمكن أن تدعوه في هذه الحالة بالحكمة والموعظة الحسنة؟
إذا كنت تريد أن تدعو إنساناً، وأنت ترفض أن تسلّم عليه ابتداء، التزاماً بما تعارفنا على فهمه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو وضع للحديث في غير موضعه: “لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام” . فهذا الحديث الخاص الذي قاله النبي الكريم في ظرف خاص، عندما كان اليهود في المدينة يتآمرون ويحقدون على المسلمين، وكان المسلمون إذا بدؤوهم بالسلام لا يردّون السلام عليهم، وإنّما يردّون بمزيد من الحقد والتآمر: (السام عليكم) أي الموت.. في هذا الجو، قال عليه الصلاة والسلام:”لا تبدؤوهم بالسلام”. فأصبح هذا الحديث في كتبنا أساس العلاقة بين المسلم وغير المسلم في جميع الظروف، ونسينا العشرات من الآيات الكريمة والمئات من الأحاديث الصحيحة التي تأمر بالسلام، وبردّ التحية بمثلها أو بأحسن منها، وغير ذلك.
أقول: كيف يمكن للمسلم أن يكون داعية لإنسان يتحرّج أن يبدأه بالسلام، أو يتكلّم معه بكلمة طيّبة، حتّى يظنّ غير المسلم أنّه ليس في قلب المسلم أيّة عاطفة نحو إنسان غير مسلم.
والسؤال مرة أخرى: هل يمكن أن تقوم علاقة حب بين المسلم وغير المسلم؟
أولاً : مراحل العلاقة بين المسلم وغير المسلم:
ولكي أجيب على هذا السؤال، سأركّز على تحديد العلاقة بين المسلم وغير المسلم في مراحل ثلاث، وردت جميعها في كتاب الله عزّ وجلّ وهي:
المرحلة الأولى: التعارف:
يقول المولى عزّ وجلّ: {يا أيّها النّاسُ إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير}.
إذاً لا يمكن أن أرى إنساناً غير مسلم، وتكون أول بادرة منّي هي أن أدير له ظهري وأهرب منه، ليس لسبب سوى أنه غير مسلم، فلا أكلّمه، بينما لا توجد أية مشكلة بيني وبينه.
إذا كنت أيها الأخ المسلم داعية، فهذه أرض الله خصبة لدعوتك، والله عزّ وجلّ سخّرها لك كي تقوم بواجب الدعوة إلى الله، وتحقّق فيها نجاحاً وفلاحاً، إرضاءً لله ولرسوله.
فأقبِل على غير المسلم، وتعرّف عليه وعلى مشاكله إن لزم الأمر، فلعلّ هذا التعرّف يقرّب قلبه منك، ولعلّه يرتاح إليك، فتكون فرصة سانحة لدعوته إلى الله عزّ وجلّ. فالتعارف بين المسلم وغير المسلم مرحلة أساسية لا بدّ منها.

المرحلة الثانية: التعايش:
هل يجوز للمسلم أن يعيش مع غير المسلمين؟
الجواب: نعم ..
فهذه مسألة أساسية، تشهد لها الكثير من النصوص والآيات والأحاديث الشريفة والواقع. إذ ليس من المعقول أن لا يعيش المسلم إلاّ في جوّ إسلامي. وليس ذلك مطلوباً في شريعة الله إلاّ حين يخاف المسلم على نفسه أو على دينه. ولم يفعل ذلك المسلمون بل فعلوا عكسه، وكانوا يسافرون إلى البلاد غير الإسلامية ويتعايشون مع أهلها بأخلاق الإسلام، وكان ذلك سبباً في دخول كثير من هذه الشعوب في الإسلام. وقد حدّد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إنّ الله يحبّ المقسطين}.
إذا لم يبدأك غير المسلم بحرب، ولا أخرجك من ديارك، ولا ظاهر على إخراجك، فهذا إنسان يجوز أن تعيش معه، وعند ذلك يجب عليك أن تلتزم بالبرّ والقسط.

البرّ أعلى درجات حسن الخلق:
انظروا إلى هذا المعنى القرآني العظيم (البرّ) وهو أعلى درجات حسن الخلق، ومنه برّ الإنسان لأمّه وأبيه، فهو أعلى درجات حسن الخلق، والمطلوب منّا كمسلمين أن نتعامل بهذا البرّ مع غير المسلمين، وأن نتعامل معهم أيضاً بالقسط وهو العدل، فلا يجوز لك أن تظلم غير المسلم، بل يجب عليك أن تقف إلى جانبه إذا كان الحقّ معه، ولو كان الخصم أخاك المسلم.

هذه قِيَم أخلاقية عظيمة ومسائل شرعية أساسية نتعايش بها مع غير المسلمين. والله تعالى لم يفرضها علينا كي ندير ظهورنا لغير المسلمين، ولا نتعامل معهم، وإنّما فرضها علينا كي تكون هي الأساس لهذا التعايش الذي يقتضيه الواقع.
لقد خلق الله – عزّ وجلّ – البشر هكذا: متنوّعين، متعدّدين، ولو شاء سبحانه لجعلهم أمّة واحدة، {.. ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك، ولذلك خلقهم ..} ثم طلب منهم أن يتعارفوا، وأن يتعايشوا بهذا البرّ والقسط.

المرحلة الثالثة: التعاون:
تتعارف أولاً مع غير المسلمين ..
ثمّ تتعايش بمحبة وانفتاح معهم ..
ثم .. أليس عندك مسائل شرعية محددة؟ ..
هل يصعب أن تجد بعض هذه المسائل الشرعية تحقّق مصلحتك، وفي نفس الوقت تحقّق مصالح غير المسلمين؟
إذا وقع الانسجام في مسألة ما، فمن الممكن أن يقع التعاون، ما المانع في ذلك؟ والرسول صلى الله عليه وسلم – كما نعرف جميعاً – تحدّث عن”حِلف الفضول” وكان ذلك في الجاهلية، حيث اجتمع رؤساء قريش وزعماؤها وتعاهدوا فيما بينهم على: مساعدة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، إلى ما هنالك من مكارم الأخلاق، وحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في الإسلام بعد ذلك: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمر النِّعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت” .
يجوز لنا إذاً أن نلبّي دعوة لغير المسلمين، إذا كانت على أساس يرضي الله عزّ وجلّ، فإذا كانت لدينا مسائل نعتبرها شرعية، وغير المسلمين يتبنّونها لأسباب أخرى، فإننا يمكن أن نتعاون معهم على تحقيقها طالما أنها تعتبر مشروعة عندنا، وما أكثر أمثال هذه المسائل

إذاً فالمراحل التي تحدّد ملامح العلاقة بين المسلم وغير المسلم هي: التعارف .. ثمّ التعايش على أسس شرعية .. ثمّ التعاون على الأمور المتفق عليها المشروعة في ديننا.

ثانياً: الروابط الاجتماعية بين البشر:
أنتقل بعد ذلك إلى ناحية أخرى في تحديد العلاقة بين المسلم وغير المسلم.
خلق الله سبحانه وتعالى البشر وأقام بينهم روابط متعددة، يتعاونون بها على شؤون الحياة، وحولها يتلاقون.
من هذه الروابط:
أولاً : رابطة الإنسانية :
وهي التي تربط بينك وبين كل إنسان على وجه الأرض، شئت هذا أم أبيت، فأنت من ذريّة آدم وهو من ذريّة آدم، وأنت إنسان وهو إنسان كذلك. والإنسان مكلّف من عند الله بتكليف واحد، سواء امتثل لهذا التكليف أم لا. ولذلـك تجد الكثير من آيات القرآن الكريم توجّه الخطـاب للناس جميعاً: {.. يا أيها الناس ..}. وقد ورد لفظ (الناس) أكثر من مائتي مرة في كتاب الله، فضلاً عن غيرها من الألفاظ التي تعبّر عن وحدة الجنس البشري، وتشير بالتالي إلى وجود رابطة بين هؤلاء الناس، وهي التي نسمّيها الرابطة الإنسانية. لأنها موجودة عند أي إنسان تجاه جميع الناس. هذه الرابطة بالنسبة لنا كمسلمين ترتّب علينا واجبات وحقوقاً شرعية تجدها مفصّلة في كتب الفقه والأخلاق والدعوة، ولا حاجة إلى ذكرها في هذا المقام.

ثانياً : رابطة القوميّة :
وهي أقوى من الرابطة الأولى، فالإنسان يلتقي مع قومه – وهم مجموعة من الناس – على أمور أكثر من مجرّد الرابطة الإنسانية. إنه يعيش عادة مع قومه، ويتكلّم بلسانهم، وله معهم مصالح مشتركة، وبينه وبينهم في الغالب قواسم مشتركة كثيرة. ولا شكّ أنّ هذه الرابطة موجودة ولها تأثيرها في واقع الفرد ودنيا الناس. ولذلك فقد ورد ذكر لفظ (القوم) ومشتقّاته في القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة وأربعين مرة.

ثالثاً : رابطة العائلة :
وهي تمتدّ على ثلاث دوائر:
الأولى: وتشمل الوالدين والأولاد والزوجة ومن يسكن معهم من الأقارب في نفس الدار.
الثانية: تشمل سائر الأقرباء من العصَبات والنساء وذوي الأرحام.
الثالثة: تشمل سائر الأقرباء الذين ينتسبون إلى جدّ واحد مهما كان بعيداً.
هذه الرابطة تترتّب عليها آثار أكبر في حياة الإنسان، ولذلك خصّتها الشريعة بقدر كبير من الأحكام، سواء ما يتعلّق بالأبوين والزوجة والأولاد، أو بالمحارم، أو بالمواريث، أو بالعاقلة (وهم الأقرباء الذين يلتزمون بمساعدة أحدهم في دفع الدّية إذا ارتكب جريمة قتل خطأ)، أو غير ذلك.

رابعاً : رابطة المصلحة :
وهي التي تربط مجموعة من الناس بمصالح مشتركة يريد كل واحد منهم الحفاظ عليها ودعمها، كالنقابات التي تربط بين العاملين في مجال واحد، وقد لا يكون بينهم رابط آخر.
فهذا التعايش الدائم والمصالح المتبادلة تولّد رابطة بينك وبين هؤلاء القوم.

خامساً : رابطة الإقامة :
فالذي يقيم في بلد ما يشعر تجاه هذا البلد برابطة تشدّه إلى مكان إقامته الجديدة. فالمسلم إذا أقام ببلد غير إسلامي، والعربي حين يقيم في بلد غير عربي، والمسيحي حين يقيم في بلد إسلامي _ غير بلده _ كل هؤلاء يشعرون برابطة خاصة تجاه بلد الإقامة الجديد، قد يكون فيها شيء من الحب والاحترام، وقد تكون نوعاً من الحقد والكراهية بحسب المعاملة التي يلقاها في هذا البلد الجديد، وهذه الروابط هي مشاعر فطرية بشرية طبيعية.

سادساً : الرابطة الإسلامية :
أما الرابطة الإسلامية فهي التي تربط المسلم بأخيه المسلم، وهي تشمل كل من يقول: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. إنها الرابطة العقائدية التي تهيمن على ما سواها من الروابط جميعاً وتغلبها عند التنازع، لكنها مع ذلك لا تلغي أية رابطة منها على الإطلاق. والإشكالية الحاصلة هنا هي أنّ بعض المسلمين يظنّ أنّ هذه الرابطة تلغي جميع الروابط الأخرى ولا يعترف إلاّ بها، مع أنّ هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. فالله عزّ وجلّ يقول: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشَوْن كسادها ومساكنُ ترضَوْنها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتيَ الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: (وفي الآية دليل على وجوب حبّ الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمّة، وأنّ ذلك مقدّم على كلّ محبوب). ومعنى ذلك أنّ حبّ الله ورسوله لم يلغِ أنواع الحب الأخرى، ولكنّه يقدَّم عليها فقط.
لقد أشارت الآية الكريمة إلى رابطة الأبوّة والبنوّة والأخوّة والزوجية والعشيرة (القومية) والمصالح المتمثّلة بالأموال والتجارة ورابطة المساكن أي الإقامة، واستعملت كلمة (أحبّ إليكم)، فالله تعالى لم يُنكر علينا هذه الروابط وما ينشأ عنها من حب، ولكنه أنكر علينا أن يكون هذا الحب أكبر من حبّنا لله ورسوله، فالمطلوب أن يكون الحب لله أكبر من أيّ حب آخر. وحين التعارض فإن المسلم يغلب حبّه لله والتزامه بأحكام شريعته على مقتضيات جميع الروابط الأخرى. أمّا إذا لم يقع التعارض فأنت تعيش وفي قلبك حب لهذه العناصر الدنيوية طالما أنها لا تتعارض مع حبّك لله أو حبّك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً لا بدّ أن ينشأ عن هذه الروابط التي أشار إليها ربّ العالمين حبّ، لأنّ الإنسان يعيش مع الإنسان الآخر إمّا بحبّ أو ببغض. والحبّ درجات والبغض درجات. فالحبّ قد يكون في أدنى الدرجات أو أعلاها، والبغض كذلك، ولا يمكن أن يرتبط أي إنسان بآخر إلاّ بأحد هذين الشعورين بشكل من الأشكال.
هنا أجد من الواجب أن أنتقل إلى توضيح مسألة أخرى في غاية الأهمية، وخاصة بالنسبة لمن يعيش مع غير المسلمين فأقول:

ثالثاً: حبّ المسلم لغير المسلم:
هل يجوز لمسلم أن يشعر بحب نحو غير المسلمين؟ اسمعوا لقول الله عزّ وجلّ: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبّونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه، وإذا رأوكم عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم} . المقصود بهذه الآية اليهود على رأي أكثر المفسّرين، والمنافقون على رأي بعضهم. يقول الطبري في تفسير هذه الآية: (.. فأنتم إذا كنتم أيها المؤمنون تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أنّ الذي نهيتكم عنه أن تتخذوهم بطانة من دونكم هم كفار بجحودهم ذلك كله، من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه، أولى بعداوتكم إيّاهم وبغضائهم وغشّهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم ..). (.. وفي هذه الآية إبانة من الله عزّ وجلّ عن حال الفريقين، أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان، كما حدّثنا بشر عن … قتادة قوله: [هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور].آل عمران 19
، فوالله إن المؤمن ليحبّ المنافق ويأوي له – أي يرقّ له – ويرحمه، ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن لأباد خضراءه) .
ويقول السيد محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية: (فالقرآن ينطق بأفصح عبارة وأصرحها، واصفاً المسلمين بهذا الوصف، الذي هو أثر من آثار الإسلام، وهو أنهم يحبّون أشدّ الناس عداوة لهم، الذين لا يقصّرون في إفساد أمرهم وتمنّي عنتهم، على أن بغضاءهم لهم ظاهرة، وما خفي منها أكبر مما ظهر .. أليس حبّ المؤمنين لأولئك اليهود الغادرين الكائدين، وإقرار القرآن إيّاهم على ذلك لأنه أثر من آثار الإسلام في نفوسهم، هو أقوى البراهين على أنّ هذا الدين دين حبّ ورحمة وتسامح، لا يمكن أن يصوّب العقل نظره إلى أعلى منه في ذلك). وبعد كلام طويل يقول السيد رضا: (ونتيجة هذا كله: إن الإنسان يكون في التساهل والمحبة والرحمة لإخوانه البشر على قدر تمسّكه بالإيمان الصحيح، وقربه من الحق والصواب فيه. وكيف لا يكون كذلك، والله يقول لخيار المؤمنين: {ها أنتم أولاء تحبّونهم ولا يحبّونكم}، فبهذا نحتج على من يزعم أن ديننا يغرينا ببغض المخالف لنا ..) .
وإيّاك أن تفهم من ذلك أنّ حبّك للمسلم هو كحبّك لغير المسلم، هناك فارق كبير، فالمسلم إنما تحبّه لإيمانه بالله ورسوله، ولالتزامه بالعقيدة الصافية الصحيحة، حتى وإن لم تلقه، ولم تكن بينك وبينه مصلحة، لأنك إنما تحبه لأجل الله الذي ربط الإيمان به بينكما، حتى لو وقع بينك وبينه خلاف، فليس ذلك بمزيل لمحبّته من قلبك أبداً.
كما أنّه لا يمكن أن يكون في قلبك حبّ لغير المسلم بسبب كفره، فهذا أمر محال، لكن قد يكون في قلبك حبّ له لاعتبارات أخـرى. قد يكون صادقاً فتحبّ فيه صدقه، وقد يكون وفياً فتحبّ فيه وفاء العهد، وقد يكون معك أميناً في التجارة فتحبّ فيه هذه الأمانة، وأنت تحبّ له الهداية في كلّ الأحوال. هذه المشاعر قد توجد بينك وبين غير المسلم، وهي تختلف عن الحب في الله الذي لا يمكن أن يكون إلاّ لإنسان مسلم، والذي يكون مجرّداً من كل الاعتبارات الأخرى، بينما حب الكافر حين يوجد لا بدّ أن يكون مرتبطاً بأسباب أخرى. وقد ورد في أسرى بدر من المشركين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كان المطعم بن عديّ حياً ثمّ كلّمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له” . وهو دليل على وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطعم بن عدي لدوره في حمايته عندما عاد من الطائف، ولدوره في تمزيق صحيفة المقاطعة، وكان مشركاً في الحالتين. هذا الشعور من النبي عليه الصلاة والسلام نحو المطعم يحمل في طيّاته نوعاً من الحبّ الفطري لقيم الشهامة والشجاعة، وليس أبداً من نوع الحب العقائدي.

حبّ المسلم لزوجته الكتابية:
ومما يؤيّد هذه الفكرة أنّ الله عزّ وجلّ أباح للمسلمين الزواج بالكتابيات كما هو معروف. وقد خلق الله تعالى نوعاً من الحبّ والمودة بين الزوجين تكفل استمرار الحياة الزوجية، رغم كل الإشكالات. قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودَّة ورحمة، إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون}.
فالرجل المسلم يحبّ زوجته الكتابية، والله تعالى هو الذي خلق هذه المحبة في قلبه، فهل يجوز أن ينهاه عنها؟ أعني هل يمكن أن يباح للمسلم الزواج من كتابية ثم يطلب منه أن لا يودّها ويحبّها؟ هذا غير معقول، فلو كان لا يجوز له مودّتها، لنهاه عزّ وجلّ عن الزواج منها.
إذاً يمكن أن تكون هناك مودّة بين المسلم وغير المسلم، ولكن ليس لكفره وضلاله _ معاذ الله _ ولكن لاعتبارات أخرى مشروعة، منها رابطة الزوجية، فإن الزوجة ولو كانت كتابية تشارك زوجها في كثير من المشاعر، ويمكن أن يتفاهما فيها معاً.
كما يمكن أن تكون هناك مشاعر فطرية وروابط اجتماعية بين المسلم وغير المسلم، إذا وجدت مثل هذه الاعتبارات المشروعة كالعهد والجوار والتعامل وغيرها. إنه إذا لم يكن هناك نوع من المحبّة أو نوع من الاحترام أو الخلق الطيّب بينك وبين غير المسلم، فلا يمكن أن تنجح في دعوتك أبداً. قال تعالى: {أُدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن..} .
هذا أساس من أسس الدعوة، وهو أن يكون هناك حوار بالتي هي أحسن، وأن تكون هناك حكمة، وموعظة حسنة. هذه كلها لا تتوفّر إلاّ بوجود مشاعر بين الداعي والمدعو، قد تسميها حباً باعتبار، وقد تسميها مودة باعتبار آخر. وليس هو بلا شكّ من الحب في الله، وليس من المودة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها في كتابه الكريم.

المودة المنهي عنها:
قال تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}.
فالمودة التي نهى الله عنها في هذه الآية هي لمن كفر وحادّ الله ورسوله، وليس فقط لمن كفر، بل هو من زاد على كفره أنّه يحادّ الله ورسوله، ويحارب الإسلام والمسلمين، لكن لو افترضنا أنّ هناك إنساناً كافراً غير محارب لله ورسوله، ولم يحادّ الله ورسـوله – وقد تتوفّر فيه بعض الصفات الطيّبة والقيم الراقية – فلا بأس أن نقدّر فيه هذه الصفات أو القيم أو الاعتبارات لأنها بقية من رصيد الفطرة عنده، وهي مقبولة من الناحية الشرعية، بل إنّ الرسول صلىّ الله عليه وسلّم يجعل هذه القيم أساس رسالته حين يقول: “بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق” .
ذكر الشوكاني في تفسيره أنّ هذه الآية { لا تجدُ قوماً يؤمنون ..} نزلت في أبي عُبيدة بن الجرّاح عندما قتل والده في غزوة بدر، وقد أخرج ذلك ابن أبي حاتم والطبري والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه. وذكر القرطبي مثل هذا القول عن ابن مسعود. كما ذكر أنّ هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة لمّا كتب إلى أهل مكّة بمسير النبي صلى الله عليه وسلّم إليهم عام الفتح. وذكر من سبب نزولها أو تفسيراً لها موقف أبي بكر عندما دعا ابنه عبد الله للمبارزة، وموقف مصعب بن عمير عندما قتل أخاه عبيد بن عمير. وموقف عمر بن الخطاب عندما قتل خاله العاص بن هشام، وموقف عليّ وحمزة عندما قتلا عقبة وشيبة والوليد. وكلّ هذه المواقف تؤكّد أنّ المودّة المنهيّ عنها في هذه الآية هي لمن جمع مع الكفر المحاربة. يؤيد ذلك ما سبق أن ذكرناه من جواز مودة المسلم لزوجته الكتابية وفق نص القرآن الكريم، لأنها لا يمكن أن تكون محاربة بسبب رباط الزوجية، فإذا حصلت الحرب منها فينبغي أن تزول المودة لأنها تصبح غير مشروعة.
نستنتج من هذا أنّ العاطفة يمكن ويجب أن تكون موجودة تجاه إنسان تريد أن تدعوه إلى الله عزّ وجلّ، وهذه العاطفة هي جزء صغير من عاطفة الحب التي أرادها الله عزّ وجلّ خالصة له، وأراد أن يكون الحبّ والبغض للناس الآخرين خالصاً أيضاً له سبحانه. هذا هو الأساس الذي يعتبر أقوى من كل ما عداه، ويغلب كلّ ما عداه .. لكن يمكن أن يكون ضمن هذا الحب الكبير جزء يبذل لغير المسلمين في حدود ما يرضي الله، إمّا عاطفة وإمّا حواراً بالتي هي أحسن، أو موعظة، أو خدمة، أو تضحية، أو تعاوناً على أمر مشروع، فهذه كلها جزئيات، لكن لا بدّ أن تكون موجودة لأنها تعبّر عن حقيقة الرسالة الإسلامية التي جعلها الله {رحمة للعالمين} وتساعد على نجاح الدعوة إلى الله.

الإسلام جاء رحمة للناس جميعاً:
إذا أعلن الكافر الحرب عليّ ، فلا يمكن أن يكون في قلبي ذرة حبّ نحوه ، لكننا نعيش – في بلاد الغرب – اليوم في وسط مسالم ولو كان مخالفاً لنا في الدين، وعندنا رفاق وجيران من غير المسلمين، وقد يكون من بين هؤلاء من هو قريب جداً منّا، وقد تشعر أيها الأخ المسلم بنوع من العلاقة بينك وبين هؤلاء، وقد تستحي أو تتحرّج أن تسمّيها حباً أو مودة، إنه لا حرج في ذلك حسب الفهم الصحيح للآيات التي مرّت بنا وفق أسباب نزولها، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فهذه عواطف لا علاقة لها بالإيمان، وإنما هي عواطف متصلة باعتبارات مشروعة بالنسبة لنا نحن المسلمين، ومثل هذه الاعتبارات المشروعة، قد تنشأ عنها عواطف فطرية، وهذه لا يمكن ولا يُتصوّر أن تتعارض مع الحبّ في الله، فضلاً عن أن تتغلّب على ذلك الحب الذي يعتبر أصلاً من أصول الإيمان. إن أوثق عرى الإيمان هو: الحب في الله والبغض في الله. ومما يؤكّد مشروعيّة هذه العواطف أنّ الله عزّ وجلّ أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “لن تؤمنوا حتى تراحموا. قالوا يا رسول الله كلّنا رحيم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس، رحمة عامة” . وقال أيضاً: “إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” . وهل الرحمة تجاه الناس جميعاً إلاّ نوع من العاطفة؟!

الحب الفطري والحب العقائدي:
من كل ما تقدّم يتبيّن لنا أنّ هناك نوعين من الحبّ. حبّ فطري وحبّ عقائدي.
– الحبّ الفطري: وهو أثر من آثار الشهوات، قال تعالى: {زُيِّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “حُبِّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجُعِلت قُرّة عيني في الصلاة” .
يقول الإمام الغزالي عن هذا النوع من الحب: (هو حبّ بالطبع وشهوة النفس، ويتصوّر ذلك ممّن لا يؤمن بالله. إلاّ أنه إن اتصل به غرض مذموم صار مذموماً، وإن لم يتصل به غرض مذموم فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذمّ). فالحب الذي نتحدّث عنه مع غير المسلمين لا يكون إلاّ من هذا النوع الفطري. فقد تحبّ امرأة غير مسلمة لجمالها أو خلقها، هذا أمر فطري. ويكون مذموماً إذا اتصل به أمر حرام كالخلوة أو الاختلاط المحرّم أو الزنى، ويكون مباحاً إذا اتصل به غرض مباح كالزواج. وقد تحبّ إنساناً غير مسلم لحسن خلقه، أو كمال عقله، أو لقرابة بينك وبينه، أو لمصلحة لك عنده، أو لألفة بينكما أو غير ذلك. فإذا لم يتصل بهذا الحب أمر مذموم فهو مباح، وعلى المسلم أن يستفيد من هذا الحب في دعوة هذا الإنسان إلى الله تعالى. كما ورد عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، الصحابي الصالح الذي كان أبوه منافقاً، وكان يحبّه لأنه والده، ويحبّ له الهداية، والرسول يأمره بحسن معاملة أبيه رغم نفاقه، لكن هذا الحب الفطري لم يدفعه للانتصار لأبيه ضدّ المسلمين، ولو حصل ذلك لكان حباً مذموماً، ولكنه انتصر للإسلام ضدّ أبيه كما حدث بعد غزوة بني المصطلق.
– الحب العقائدي: وهو حب الله ورسوله، والحب في الله ولله. وهو ثمرة من ثمرات الإيمان، وجزء من عقيدة المسلم. وبه يتعلّق التكليف الشرعي، لأنّ واجب المسلم أن يحب أخاه المسلم ولو لم يكن بينهما تناسب أو انسجام أو قرابة أو مصلحة، بل يحبّه لأنّه مسلم. ولذلك اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلاوة الإيمان “أن يحبَّ المرء لا يحبّه إلاّ لله” . وتحدّث عن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه ومنهم: “رجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه” . وقال:”لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا ..” . ومثل هذه الأحاديث كثير.

هل يعتبر غير المسلمين (إخوة):
وقد يتحرّج بعض المسلمين من اعتبار غير المسلمين إخواناً لهم، وإذا استعمل البعض كلمة (إخواننا النصارى)، ترى الكثير من الشباب المسلم يهيج ويثور قائلاً: كيف تسمّون النصارى إخواناً لنا والله عزّ وجلّ يقول: {إنّما المؤمنون إخوة}.
إنهم يفهمون من هذه الآية أنّ الأخوّة محصورة بين المؤمنين، ولا يمكن أن تشمل غيرهم، وهذا ليس صحيحاً، للأدلّة التالية:
1. لقد وصف الله عزّ وجلّ الأنبياء بأنهم إخوة لأقوامهم الكفّار. قال تعالى:
{وإلى عادٍ أخاهم هوداً}.
{وإلى مدين أخاهم شعيباً}.
{وإلى ثمود أخاهم صالحاً}.
وقال تعالى:
{إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون؟}.
{إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتّقون؟}.
{إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون؟}.

هؤلاء الأنبياء: نوح وهود وصالح وشعيب، اعتبرهم الله إخواناً لأقوامهم، فهذا تصريح من القرآن بوجود أخوّة قوميّة رغم اختلاف الدين.
2. وقد أبقى الله تعالى وصف الأخوّة حتّى مع الإنسان الكافر المحارب، وذلك في قوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ..}. فالأخوّة الإنسانية موجودة، والأخوّة القومية موجودة، والأخوّة النسبية موجودة، وقد يكون معها أخوّة الإسلام فتزداد قوّة ومتانة، وقد لا يكون معها أخوّة إسلامية، فتبقى كل أنواع هذه الأخوّة إلى جانب بعضها، وعند التعارض يغلّب المسلم أخوّته الإسلامية على كل ما عداها.

أمّا الآية الكريمة {إنّما المؤمنون إخوة} فمعناها أنّ العلاقة بين المؤمنين لا يمكن أن تكون إلاّ علاقة أخوّة في الله، ولكنها لا تحصر الأخوّة فقط بين المؤمنين. إذ الأخوّة قد يكون لها سبب آخر بين المؤمنين وغير المؤمنين، فقد تكون أخوّة قومية أو أخوّة بشرية أو قد تكون صداقة مبنية على المصالح المشروعة.
ومن جهة أخرى فقد تكون العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين حرباً أو عداوة أو أحقاداً، أمّا بين المسلمين فالعلاقة ينبغي أن تكون دائماً قائمة على الأخوّة في الله.
إذا نظرنا إلى هذه الآية في ضوء الآيات الأخرى، فإننا نتوصّل إلى النتيجة التالية: أنّ كل هذه الروابط البشرية روابط فطرية، غير أنّ أقوى رابطة تربطني ببشر هي رابطة الأخوّة في الله، وهذه لا يمكن التنازل عنها أو التفريط فيها أو الاستحياء منها.

لكن هذه الرابطة القوية ليست وحيدة ولا تمنع أن يكون بيني وبين غير المسلمين أخوّة من نوع آخر، أقدّر فيها القرابة النسبية أو القومية أو الإنسانية، فهذه لها قدرها وتلك لها قدرها، والذي يغلّب واحدة على أخرى عند التعارض أمر الله تعالى وشريعته.

هل كل كافر حربي؟ – ليسوا سواء – علة القتال: الحرابة وليس الكفر – السلم هو الأصل

الفصل الثاني: الفكر
أكثر من ثلث المسلمين يعيشون اليوم في بلاد غير إسلامية، وتنتشر بينهم مجموعة من الأفكار ورثوها من تراث الإسلام الزاخر، لكن بعضها كان متأثراً بظروف الأمة التاريخية، ويحتاج اليوم إلى الكثير من النقد والتصحيح، حتى يكون منسجماً مع المبادئ الشرعية الثابتة.
من هذه المفاهيم اعتبار كل كافر حربياً، وبالتالي إباحة دمه وماله، ومعاملته بأخلاق الحرب من جواز الكذب والاحتيال فضلاً عن الحقد والكراهية. وقد سمعت مثل هذا الكلام بنفسي من أحد المشايخ الذين تقلّدهم مجموعة من الناس.
وأسارع إلى القول بأن كثيراً من الفقهاء وإن كانوا يعتبرون الكافر حربياً من حيث المبدأ – وهذا ما سنناقشه فيما بعد – إلاّ أنهم لا يرون جواز معاملته بأخلاق الحرب إلاّ حين تقع الحرب فعلاً بيننا وبينه. وكل النصوص الواردة في إباحة الكذب والاحتيال في الحرب محصورة بقيام الحرب الفعلية، وقد ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم عند الكلام عن حديث “الحرب خدعة”: (اتفق العلماء على جواز خداع الكفّار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحلّ) ، فضلاً عن أنّ المجاهد المسلم يظلّ متمسّكاً بأخلاق الإسلام حتّى أثناء القتال فلا يجوز له قتل الأطفال أو النسـاء غير المقاتلات، أو الشيوخ غير المقاتلين، أو الرهبان في الصوامع، أو العسفاء – أي الخدم الأجراء – أو التجار، وفي كل ذلك وردت نصوص صريحة، وقد قاس عليها جمهور الفقهاء كل من لا يقدر على القتال أو لم يقاتل فعلاً كالأعمى والمريض المزمن والمعتوه والفلاح. ولا يجوز للمجاهدين التمثيل بجثث الأعداء إلاّ إذا كان معاملة بالمثل، والأفضل لهم العفو وعدم التمثيل. ولا يجوز التخريب والتحريق إلاّ إذا كان من ضرورات القتال. وتلخّص وصيّة أبي بكر لأول جيش خرج من الجزيرة العربية لقتال الروم كل هذه المعاني: (لا تمثّلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكلة. وسوف تمرّون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) . وبما أن حالة الحرب الفعلية ليست قائمة بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، فإن كل حديث عن استباحة الدماء والأموال – للأفراد أو الدولة – مناقض لمبادئ الإسلام وأخلاقه ولا يبيحه أحد من العلماء على الإطلاق.

هل كل كافر حربي؟
1. لا يكون الكافر حربياً إلاّ إذا أعلن هو- أو دولته – الحرب على المسلمين أو إذا أعلن المسلمون الحرب عليه أو على دولته، لأسباب مشروعة. وعند ذلك فقط يمكن أن نطبّق في معاملته أحكام الحرب.
2. إذا لم يقع إعلان الحرب كما ذكرنا في البند السابق، فإن كل كافر يمكن أن يكون حربياً، وهذا ما يعنيه الفقهاء عندما يتحدّثون عن الكافر بأنه حربي، وبالتالي فيجب على المسـلمين أن يكونوا حذرين منه حتى تنقطع حربيّته بعهد، فيلتزم المسلمون معه بأحكام العهد.
3. يمكن أن يقع بين الكافر والمسلم عهد فردي فيجب الالتزام به بينهما.
وقد يقع العهد بين الكافر ودولة مسلمة، فيجب الوفاء به أيضاً من قبل جميع المسلمين رعايا هذه الدولة. ومنه عقد الذمة وهو عهد مؤبّد وعقد الأمان الذي يدخل بموجبه الكافر دار الإسلام وهو عهد مؤقّت.
وقد يقع بين المسلم ودولة كافرة، فيجب على المسلم الوفاء به كذلك، كما لو دخل المسلم دار الكفر للتجارة قديماً، وكما يدخل اليوم بالتأشيرة.
وقد يقع بين دولة مسلمة ودولة كافرة، فيجب الالتزام به كصلح الحديبية قديماً، وميثاق الأمم المتحدة اليوم.
وكتب الفقهاء غنيّة بذكر تفاصيل هذه الحالات الثلاث، التي يحكمها جميعاً قوله تعالى: {.. وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولاً ..}. وقد اعتبر الله تعالى نقض العهود من أخلاق اليهود {.. أوَ كلّما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم ..؟} ومن أخلاق المشركين {.. الذين عاهدتَ منهم ثمّ ينقضون عهدهم في كلّ مرّة وهم لا يتّقون}. أمّا المسلمون فمن أخلاقهم الوفاء بالعهود {.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ..} {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}.

ليسوا سواء ..
إذاً، فإن غير المسلمين من الناحية القانونية، يكونون تجاه المسلمين في إحدى الحالات: الحرب الفعلية، احتمال الحرب، العهد. ولا يصح أن نعتبرهم دائماً محاربين فعلاً حتى نبرّر معاملتنا إياهم بأحكام الحرب.
بل إن القرآن الكريم ميّز غير المسلمين، حتى من جهة قربهم أو بعدهم عن الإسلام كدين، وعن المسلمين كأمّة. قال تعالى: {لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً، وأنهم لا يستكبرون} وقال تعالى: {ليسوا سواءً. من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ..}.
ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية قول الإمام محمد عبده أنّ هذه الآية (دليل على أنّ دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء، وأنّ كلّ من أخذه بإذعان، وعمل فيه بإخلاص، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو من الصالحين ..). وعقّب على ذلك بقوله: (وظاهر أنّ هذا كالذي قبله، في أهل الكتاب حال كونهم على دينهم، خلافاً لمفسّرنا “الجلال” وغيره، الذين حملوا المدح على من أسلم منهم، فإن المسلمين لا يُمدحون بوصف أنّهم من أهل الكتاب، وإنّما يُمدحون بعنوان المؤمنين). وختم الشيخ رضا بقوله: (إنّ استقامة بعض أهل الكتاب على الحقّ من دينهم لا ينافي ما حقّقناه في تفسير التوراة والإنجيل في أوّل السورة من ضياع كتبهم وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها).
وهذا يعني أنّه حتى من الناحية العاطفية، فإن المسلم يشعر أن النصراني أقرب إليه من اليهودي. ويشعر أن الكتابي إجمالاً أقرب إليه من المجوسي أو الوثني. وقد عبّر القرآن عن ذلك بالإشارة إلى فرح المسلمين يوم ينتصر الروم وهم أهل كتاب على الفرس المجوس. قال تعالى: {الم. غُلبت الرومُ في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلَبِهم سيُغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو القوي العزيز}

علَة القتال: الحرابة وليس الكفر
بحث الفقهاء في مباحث الجهاد عن العلة التي تبيح للمسلمين قتل الأعداء، فقال جمهورهم من المالكية والحنفية والحنابلة أن علة القتال هي الحرابة – أي المحاربة – والمقاتلة والاعتداء، وليس مجرد الكفر ، بينما يرى الشافعي في أحد قوليه أن علة القتال هي الكفر. ورأي الجمهور في هذه المسألة هو الراجح، وقد بنوه على الأدلة التالية:
1. آيات كثيرة صريحة تؤكّد أن سبب قتال المسلمين لغيرهم هو العدوان الصادر منهم. {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين} {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة} {وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة ..} {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحبّ المقسطين} . وقد اتفق أكثر المحققين أن هذه الآيات محكمة وليست من المنسوخ.
2. الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تمنع قتل كثير من الكفّار لأنّهم لم يحاربوا أو لعدم قدرتهم على القتال، منها الأحاديث التي تمنع قتل المرأة لأنها لا تقاتل والصبيان لأنهم لا يقاتلون، وقد ورد هذا المعنى عند البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه وغيرهم. وقد ذكر أبو داود وابن ماجه منع قتل العسيف وصحح الألباني الروايتين (صحيح سنن أبي داود رقم 2324 وصحيح سنن ابن ماجه2294) والعسيف هو الأجير المستخدم في أمور لا تتصل بالقتال كالفلاحين والعمال في المصانع، وعمال النظافة في الطرقات والأطباء والممرضين وموظفي المستشفيات. وورد في سنن أبي داود منع قتل الشيخ الفاني، كما ورد فيها الأمر بقتل شيوخ المشركين، وجمع الشوكاني بين الروايتين بأن الشيخ المنهي عن قتله هو الفاني الذي لم يبق فيه نفع للكفار، والشيخ المأمور بقتله هو من بقي فيه نفع للكفار ولو بالرأي كدريد بن الصمة الذي كان صاحب رأي في الحرب فقتل وقد نيّف عن المائة .
ولأن علة القتل هي المحاربة وليست الكفر فقد أوصى أبو بكر جيشه أن لا يتعرّضوا لمن حبسوا أنفسهم في الصوامع وأن لا يقتلوا امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً . ومع أن الإمام الشافعي يجيز قتل غير النساء والأطفال ولو لم يشتركوا في القتال، إلاّ أنه لا يرى قتل الرهبان اتباعاً لأبي بكر.
وقد ورد في مصنّف أبن أبي شيبة (أنهم كانوا لا يقتلون تجار المشركين) .
وقد قاس الفقهاء – الذين يرون أن علة القتال هي الحرابة وليس الكفر – على هذه النصوص كل من كان غير قادر على القتال كالمقعد والأعمى ويابس الشق – أي المشلول – والأعمى ومقطوع الرجل واليد من خلاف ومقطوع اليمنى والمعتوه والراهب في صومعته والسائح الذي لا يخالط الناس والرهبان في الكنائس والأديرة . ويرى المالكية منع قتل سبعة هم: المرأة والصبي والمعتوه والشيخ الفاني والزمن – أي المصاب بمرض مزمن – والأعمى والراهب المنعزل بالدير أو الصومعة وعند الحنابلة لا يجوز قتل الصبي ولا المرأة ولا الشيخ الفاني ولا زمِن ولا أعمى ولا راهب .
3. أنه لو كان القتل لمجرّد الكفر جائزاً، لكان هذا مناقضاً لعدم الإكراه على الدين. وهذه مسألة لا خلاف عليها بين جميع العلماء، والنصوص القاطعة الصريحة في القرآن الكريم تؤكّدها. قال تعالى: {لا إكراه في الدين ..} وقال لنبيّه {أفأنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين؟} {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ..} {لكم دينكم ولي دين}.
كما أن الثابت في سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم أنه أسر الكثير من المشركين ولكنه لم يكره أحداً على الإسلام. وقد قتل بعضهم لأسباب أخرى غير الكفر، وفدى بعضهم، وأطلق سراح البعض. ولو كان القتل واجباً لمجرّد الكفر لم يكن يجوز تركهم. والله تعالى عندما ذكر حكم الأسرى قال: {فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداءً ..} وهذه من أواخر ما نزل من القرآن، ولم يأمر فيها بقتل الأسرى، بل لم يجعل هذا الأمر أحد الاحتمالات الأساسية، مما يعني استبعاده إلاّ إذا وجد ظرف خاص يبرره، ولذلك اتفق جمهور الفقهاء على تخيير الإمام عند تحديد مصير الأسرى بين المنّ أو الفداء أو القتل حسب مصلحة المسلمين، مستندين في ذلك إلى أنّ الرسول (ص) أمر بقتل بعض الأسرى لأسباب خاصّة تتعلّق بجرائم وممارسات ارتكبوها وليس لمجرّد الكفر، وإلاّ لأمر بقتل الجميع ولم يكن للتخيير معنى.

السلم هو الأصل:
ولقد كثرت مباحث الفقهاء حول أحكام الحرب، فلا تكاد تجد كتاباً فقهياً إلاً ويتناولها بشيء من التفصيل. ونحن نلاحظ أن جميع آراء الفقهاء تنطلق من نصوص ثابتة في القرآن الكريم أو السنّة المطهرة، ولكنها تعالج واقعاً تاريخياً معيناً. بل إن النصوص نفسها قسمان:
– منها ما يرتبط بالواقع الذي وردت فيه هذه النصوص فهو علاج لها، ولا تعبّر بالضرورة عن أحكام مطلقة.
– ومنها ما يتعلّق بالمبادئ والقيم الإسلامية التي نزل القرآن لنشرها بين الناس، وإقامة الحياة الإنسانية وفقها، فهي تعتبر أحكاماً مطلقة.
إن الواقع البشري الذي وردت فيه نصوص القرآن الكريم والسنّة المطهرة المتعلّقة بالقتال، ثم جاءت آراء الفقهاء تعالجه منذ العصر الأول حتى انهيار الخلافة العثمانية في أوائل هذا القرن يتميّز بما يلي:
1. سيطرة الأنظمة الاستبدادية على جميع الشعوب المحيطة. هذه الأنظمة كانت تمنع على الناس حرية اختيار الدين الذي يشاؤون، بل وتلزمهم بمذهب الدولة الرسمي، وتبيح قتل المخالف حتى ولو كان مواطناً. ولم يكن هذا الأمر مقتصراً على بلاد الروم وفارس في العصور الإسلامية الأولى، بل امتدّ ليشمل الدول الأوروبية حتى هذا القرن. وإذا كان الإكراه الديني لم يعد موجوداً تجاه المواطنين في نفس الدولة بسبب انتشار الفكر العلماني، إلاّ أن الحقد الديني لا يزال يشكّل خلفيّة أساسية في التفكير الأوروبي والغربي – عند الشعوب أو عند الحكّام – ضد الإسلام والمسلمين بشكل خاص. ويظهر بين الحين والآخر في ممارسات ضد الإسلام والمسلمين تتجاوز حتى مسائل الحريات الشخصية وحقوق الإنسان كمسألة الحجاب.
2. سيطرة فكرة الحرب والقتل والعنف بشكل عام، وضدّ الإسلام والمسلمين بشكل خاص. نلاحظ ذلك عند بداية البعثة النبوية في المرحلة المكّية، واستمر الأمر على هذا المنوال في المرحلة المدنية، ثم بدأ العدوان على الجزيرة العربية من قبل الروم والفرس، وظهر إصرار الحكّام على منع شعوبهم من الدخول في الإسلام، فكانت الحروب الإسلامية كلها إمّا رداً لعدوان واقع، أو منعاً لعدوان متوقّع، أو رغبة في تخليص الشعوب من الأنظمة المستبدة لتختار ما تريد بحرية كاملة. إن هذا الجو المسيطر على العالم كله، جو الحرب والتآمر والكيد ومنع الحريات كان له أثره الكبير على كثير من الأحكام الفقهية التفصيلية المتعلّقة بالجهاد.
ورغم الضغوط الهائلة لهذه الظروف التاريخية على التفكير الإسلامي الفقهي، إلاّ أننا نجد عند فقهائنا دائماً التزاماً بالقيم الإسلامية المطلقة وحرصاً عليها وتغليباً لها في كل الظروف. من ذلك:
بعض الأحكام الفقهية المتعلّقة بالقتال:
1. اعتبار المحاربة هي علة القتل والقتال، وليس مجرّد الكفر كما مرّ بنا آنفاً.
2. تأكيد الحرية الدينية لجميع الناس، انطلاقاً من الآية الكريمة {لا إكراه في الدين ..}. وجمهور المحقّقين من الفقهاء والمفسّرين على أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة ولا مخصوصة، وهذا ما ذكره ابن تيمية في رسالة القتال. وهذا ما اختاره ابن كثير والطبري والألوسي والجصاص والقرطبي وأبو حيان وغيرهم. بالإضافة إلى أن معنى عدم الإكراه مؤيد بعشرات من الآيات والأحاديث الصحيحة، وبفعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، وبممارسة حكّام المسلمين منذ الخلافة الراشدة حتى انهيار الدولة العثمانية، حيث لم يذكر التاريخ عملية إكراه واحدة في أي عصر من هذه العصور.
3. يذكر كثير من الفقهاء أن (الأصل في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين الحرب) ولكنهم لم يريدوا بذلك ما يتوهّمه كثير من الناس اليوم. ولو أردنا أن نمحّص مقصود الفقهاء في عصرهم حسب لغة عصرنا لقلنا أنهم يقصدون بتلك العبارة (أن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين احتمال الحرب) وليس حتمية الحرب. وذلك واضح مما يذكرونه من أحكام تتعلّق بنزع صفة الحربي لأقل سبب.
– فالحربي يحصل على الأمان من أي مسلم بالغ عاقل، بل حتى من الصبي المميّز وهو الذي جاوز السبع سنوات عند مالك وأحمد ومحمد بن الحسن .
– وإذا دخل الحربي دار الإسلام بغير أمان، ماذا يحصل له؟ الفهم المتبادر عندنا أن يقتل لأنه حربي وليس عنده أمان. لكن الفقهاء يقولون: لو قال – أي الحربي – دخلت لسماع كلام الله تعالى، أو دخلت رسولاً – سواء كان معه كتاب أو لم يكن – أو دخلت بأمان مسلم دون أن يأتي ببيّنة على ذلك صُدِّق ولم يتعرّض له لاحتمال ما يدّعيه، ولأن قصده ذلك يؤمنه من غير احتياج إلى تأمين. هذا قول الشافعية والحنابلة. وعند المالكية يُردّ إلى مأمنه إلاّ أن توجد قرينة كذب. وعند الأحناف يطالب بالبيّنة لإمكانها غالباً . ولم يقل أحد من الفقهاء إنّه يُقتل لمجرّد أنّه كافر حربي، مع أنّه يُعتبر حربياً في نظر الجميع.
– والحربي يمكن أن يصير ذمياً بالتراضي، أو بالإقامة مدة سنة في دار الإسلام .
إذاً فالحربي في مثل هذه الحالات لا يعامل بأخلاق الحرب ولا تطبّق عليه أحكامها.
إنه لا يعتبر حربياً بالفعل وتطبّق عليه أحكام الحرب، إلاّ عند قيام الحرب الفعلية بينه وبين المسلمين. لكن بما أن الراجح في التاريخ الماضي أن الكفار الحربيين كانوا دائماً يستعدون لحرب المسلمين ويخوضون هذه الحرب كلّما أمكنهم ذلك، وحتى لا يقصّر المسلمون في الاستعداد المقابل، اعتبر الفقهاء أن (أحكام الحرب) واقعياً ترجّح قيام حالة الحرب من جانبهم، مهما كنّا نفضّل السلام. ولذلك قالوا باعتبار الحرب هي الأصل في العلاقات مع الكفّار، بناءً على هذا الواقع.
4. وانطلاقاً من ذلك فإننا نرى أن ما ينسب إلى جمهور الفقهاء من (أن الأصل في العلاقات الحرب) يفهم في هذا العصر على غير ما قصده الفقهاء في عصورهم. بل إننا نقول إن عبارة (الأصل في العلاقات السلم) هي التي تعبّر عن نظرة الإسلام الأساسية للعلاقات الإنسانية، وهي تنسجم مع ما قصده فقهاؤنا في عصورهم ولنا على ذلك الأدلة التالية:
أ. إنّ الله تعالى خلق الإنسان، وكلّفه بالإيمان به وبعبادته، وسمح له إن شاء أن يكفر، وجعل عاقبة كفره شقاء في الدنيا وعذاباً في الآخرة، ولم يعاقبه على كفره بالقتل، قال تعالى:
{يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلّكم تتقون ..}
{والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}
{ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى ..}
{وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنّا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سُرادقها، وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمُهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقاً}
ب. إنّ الله تعالى أرسل الرسل لجميع الناس { وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذير } ، وحصر مهمّة الرسل بالبلاغ فقط { فهل على الرسل إلاّ البلاغ المبين؟}. وأضاف لسيدنا محمد خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم مهمّة التعليم والتزكية، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين}.
ث وممّا لا يشكّ فيه عاقل أنّ السلم هو الوضع الأمثل مع الكافرين لقيام الرسل بواجب التبليغ والتعليم والتزكية.
. عندما شرع الله تعالى الجهاد للمسلمين، وأمر به نبيّه صلى الله عليه وسلم، وذلك من أجل حماية المسلمين وحماية الدعوة لإسلامية، أمر المسلمين قبل الحرب وبعدها بالدعوة لأنّها الأصل، وهي المهمّة الأولى لهم.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميراً على جيش أوصاه إذا لقي عدوّه من المشركين: “أُدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ..” وعندما أرسل علي بن أبي طالب لقتال اليهود يوم خيبر قال له: “أُدعهم إل الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر النِّعَم” .
والإيمان بالله وعبادته لا تكون بالإكراه، بل بالدعوة والإقناع، وهذه تكون في جوّ السلم أفضل بكثير من جوّ الحرب، الذي يستثير الغرائز تحت ستار الدفاع عن النفس. ولمّا كان السلم هو أفضل الظروف لانتشار الدعوة، كان هو الأصل في العلاقات الإنسانية.
ث. كلمة (الأصل) في عبارة (الأصل في العلاقات الإنسانية السلم أو الحرب)، إمّا أن تعني الأقدم زماناً، أو الأهمّ، أو الأساس.
– فإن كانت تعني (الأقدم زماناً) فالأصل هو السلم بإجماع الفقهاء الذين يوجبون البدء بالدعوة قبل القتال. وإذا كان القليل من الفقهاء قد أجازوا قتال الكفّار ولو لم تبلغهم الدعوة فقد خالفوا في ذلك أحكاماً شرعية بدهيّة، حتّى قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم تحت هذا الرأي: إنه باطل.
– وإن كانت تعني (الأهمّ)، فإنّ السلم يكون تارة هو الأهمّ بل هو الأوجب أحياناً، كما أنّ الحرب في بعض الظروف تكون هي الأهمّ. وليس هناك خلاف على ذلك بين العقلاء، فكيف يكون هناك خلاف بين الفقهاء؟.
– وإن كان المعنى هو (الأساس) الذي تُبنى عليه العلاقات بين الناس فهو السلم أيضاً، لأنّه أفضل ظرف لتبليغ الدعوة، ولأنّه أساس التعارف الذي أمر به ربّ العالمين {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}، ولأنّه مناط التجارة التي أجمع الفقهاء على إباحتها مع دار الحرب.
ج. إنّ القتال شُرع في الإسلام لسببين، وعلى ذلك أجمع الفقهاء قديماً وحديثاً:
– الدفاع عن المسلمين: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إنّ الله لا يحبّ المعتدين}.
– منع الفتنة، أي الدفاع عن حرية الإنسان في اختيار الدين الذي يشاء {وقاتلوهم حتّى لا تكـون فتنـة..}
ومعنى ذلك أنّه إذا لم يقع أحد هذين السببين فلا يجوز للمسلمين أن يلجأوا إلى القتال، ممّا يؤكّد أنّ الأصل في العلاقات السلم وليس الحرب.
ح. أمّا جواز قتال غير المسلمين من أجل إجبارهم على الخضوع للنظام الإسلامي، مع المحافظة على حرّيتهم في عدم اعتناق الإسلام فهو رأي قال به بعض الفقهاء قديماً وحديثاً، لكنّنا نعتقد خطأ هذا الرأي لمصادمته لمبدأ {لا إكراه في الدين}.
والدين يشمل العقيدة والنظام، والإكراه على الخضوع للنظام الإسلامي لا يجوز في رأينا إلاّ إذا كان نتيجة حرب تسبّب بها غير المسلمين، وبهدف منع تجدّد أسباب الحرب في المستقبل، حرصاً على العلاقات السلمية بين الناس.
فضلاً عن أنّ مثل هذا الرأي – حتّى ولو كان صحيحاً من الناحية النظرية – لا يمكن قبوله شرعاً في العصر الحاضر، حيث يملك غير المسلمين القنابل الذرّية والهيدروجينية وأسلحة الدمار الشامل.
فلو افترضنا أنّنا أقمنا دولة إسلامية من أقوى دول الأرض، وأنّ هذه الدولة استطاعت أن تجمع الشعوب الإسلامية بكلّ إمكانيّاتها البشرية والاقتصادية والعسكرية.
ثمّ أرادت هذه الدولة أن تقوم بواجبها في الدعوة إلى دين الله فما الذي يحصل؟
إنّ الأنظمة الحاكمة اليوم في البلاد الغربية غير المسلمة تعتبر حرّية التفكير والتعبير واعتناق العقيدة من حقوق الإنسان الأساسية، فلو أنّ هذه الدول لم تمنع الدعاة إلى الله، ولم تسجن أو تقتل من دخل في الإسلام من أبنائها كما يحدث حتى الآن، واستطاع المسلمون أن يستعملوا كلّ الوسائل العصرية المتاحة للدعوة، من قنوات فضائية وإنترنت وكتب وأشرطة ومجلاّت.
ماذا يمكن أن يكون موقف الدولة الإسلامية؟

الإسلام أو الجزية أو القتال:
يظنّ البعض أنّ الموقف الشرعي الواجب على هذه الدولة المسلمة أن تخيّر الدول الأخرى بين الإسلام أو الجزية أو القتال التزاماً بظاهر بعض الأحاديث الصحيحة عندما تفهم مقطوعة عن ظروفها التاريخية.
وهذا في رأينا غير صحيح، وتسلسل النصوص الشرعية والأحداث التاريخية يؤيّد ذلك. فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن استقرّ له الأمر في المدينة المنوّرة، كتب رسائل إلى الملوك من حوله يدعوهم إلى الإسلام وإلى الإيمان بالله وحده لا شريك له. فكتب إلى قيصر ملك الروم، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس عظيم القبط، وإلى الحارث ملك تخوم الشام. وطلب من هؤلاء الملوك أن يبلّغوا دعوته إلى شعوبهم، وإلاّ فإنّهم يتحمّلون إثم هؤلاء الناس. وذلك بسبب ما كان معروفاً أنّ الملوك يمنعون شعوبهم أن يدينوا بغير دينهم.
ثمّ كانت الفتوحات الإسلامية، وكان تخيير هؤلاء بين الإسلام أو الجزية أو القتال مبنياً على سببين:
الأول: هو مبادرة بعضهم إلى قتال المسلمين كما حدث مع كسرى الذي مزّق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكتب إلى نائبه في اليمن (باذان) أن يبعث له هذا الذي يدّعي أنّه نبي. وكما حدث مع الحارث الغسّاني الذي رمى كتاب النبي وعزم أن يسير إليه ليقاتله، وكما حدث في غزوة تبوك عندما تجمّع الروم لغزو المدينة، وقتلوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في كتب السيرة.
الثاني: هو منع هؤلاء الملوك لشعوبهم من حرّية قبول الإسلام أو رفضه بناء على العرف العام – في تلك العصور – الذي يمنع الشعوب أن تعتقد ديناً يخالف دين ملوكها. وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حمّل الملوك مسؤولية رعاياهم، وهذه هي الفتنة التي أمر المسلمون بالقتال لرفعها عن جميع الناس.
إذاً فتخيير الشعوب غير المسلمة بين الإسلام أو الجزية أو القتال ليس حكماً إلزامياً مطلقاً في جميع الظروف، إنّما هو حكم شرعي يترتّب على:
البدء بالقتال ضد المسلمين
وعلى فتنة الناس ومنعهم من الدخول في الإسلام.
وحين لا يحصل أيّ من هذين السببين يكون الواجب الدعوة فقط. وهذا ما يؤيّده الحديث المشهور الذي رواه الإمام مالك
دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم” وعندما سُئل عن صحّة هذا الحديث قال: (ما زال الناس يتحامون غزوهم).

الاكتفاء بالدعوة:
ولو أنّ الدولة المسلمة في هذا العصر رأت أن تخيّر الدول الأخرى بين الإسلام أو الجزية أو القتال فماذا يحدث؟
من الطبيعي أن ترفض هذه الدول الدخول في الإسلام طالما أنّ هذه الدعوة تأتيها ضمن تهديد، وليس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولما عندها من شبهات وأحقاد ضدّ الإسلام.

ليس هناك إذاً إلاّ القتال.
إنّ حرباً كهذه لو اندلعت في وجود التقنية الحديثة والرؤوس النووية والأسلحة البيولوجية والكيماوية الفتّاكة، فإنّها ستؤدّي حتماً إلى دمار شامل للبشرية كلّها ومنها المسلمون. فهل هذا هو المقصود؟ وهل من المعقول أن يسعى الإسلام لقتل المسلمين وإنهاء الدعوة إلى الله كلّياً بسبب هذا التصرّف؟
رحم الله فقهاءنا الأقدمين الذين لفتوا النظر إلى العمل بالمآلات ، ومعناه أنّ العمل المباح أصلاً يمكن أن يكون حراماً إذا أدّى في ظرف معيّن إلى الحرام.
ومن أجل ذلك فإنّنا نقول في هذا العصر: طالما أنّ باب الدعوة مفتوح، وطالما أنّ بإمكان غير المسلم أن يدخل في الإسلام دون أن يتعرّض إلى إيذاء أو قتل، فإنّ السبب الشرعي للقتال غير موجود. وأنّ الاكتفاء بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ وإلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هو الواجب الأول والأخير. فالله تعالى استخلف الإنسان في الأرض لعمارتها لا لتخريبها، والإسلام دين الله ينظّم كيفية عمارة الأرض على الوجه المراد.
والدعوة إلى الله تعالى هي أحسن كلمة وأحسن عمل يقوم به المسلم {ومن أحسنُ قولاً ممّن دعا إلى الله وعمِلَ صالحاً وقال: إنّني من المسلمين؟}. ومن الطبيعي أن تواجَه الدعوة بكلّ أنواع التآمر والكيد من أتباع الشيطان، ولكنّ الله تعالى علّمنا كيف نواجه كلّ هذه الحملات المضادة مهما بلغ سوءها فقال: {إدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم}. فالكلمة الطيّبة وردّ السيّئة بالحسنة هو الذي ينتزع من الصدور كلّ أنواع الغلّ والحقد، ويجعلها مستعدّة لقبول هذه الدعوة المباركة. ومثل هذه الدرجة – أي ردّ السيّئة بالحسنة – والتسامح مع الآخرين حتّى عند إساءتهم، هي درجة عالية جداً {وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا، وما يلقّاها إلاّ ذو حظٍ عظيم}.
حشرنا الله تعالى في زمرة هؤلاء الدعاة الصابرين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب مغلقة

العدل عند الدعاة

الداعية الشيخ سلمان بن فهد العودة .

ج- العدل في الحكم على الدعوات و الحركات :
منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات و حركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية و الحكم الإسلامي ، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين ، أو إلى إحياء السنة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .
وهذه الدعوات تختلف في منهاجها و أسسها و أهدافها ، و تختلف في قربها أو بعدها عن منهج الكتاب و السنة.
وقد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات و درسوها من جوانب مختلفة ، و الأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو ‘ العدل ‘ ، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة ، معجب بمناهجها و طرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا ، و يدعي وصلاً بليلى ! و آخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة ، و بين هذا و ذاك تضيع الحقيقة .
والله تعالى يحب العدل ، و يكره الجور ، و من قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصراً في كل جانب ، و لا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .

أحياناً تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيراً يصرفه عن معناه المباشر الظاهر ، و يؤول تصرفاتهم تأويلاً قد يصدق في بعضها و لا يصدقها في كثير منها ، و التعميم في هذا الموضع خطأ ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات و مناهجها التفصيل و الدقة و ضبط العبارة و ذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب المعتمة .
و أئمة أهل السنة و الجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم و يحذرون منهم ، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة ، أو في دعوة بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام ، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين مبتدعين ، و هذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب ، أو في ردّ بعض هجمات الأعداء العسكرية ، أو في أعمال خيرية قاموا بها .
فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور ، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب بدعة ، بل نجمع بين الأمرين .

د – العدل في النظر إلى الجهود و الأعمال الدعوية:
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة ، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين ، أو طوائف منهم ، و هي جهد بشري يخطئ و يصيب ، و ليس له من العصمة نصيب ، و لذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن ‘ تقوّم ‘ هذه الأعمال تقويماً صحيحاً معتدلاً ، يحقق الانتفاع بالإيجابيات و توسيعها و تعميقها ، و تلافي السلبيات و الخلاص منها ، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها و يعود المسلمون من حيث بدؤوا .
و لكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين :
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه ، فيرمي بسهام الاتهام و الشك كل من يوجه نقداً أو ملاحظة .
و طرف لا يبصر إلا العيوب ، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئاً يمكن الانتفاع به !
· خذ مثلاً : الجهاد الأفغاني .. جهاد ما يزيد على عشر سنوات من العرق و الدمع و التضحية و السهر و العناء !
قد تجد من يصوره على أنه خال من الأخطاء ، بريء من العيوب ، حتى كأنه جهاد الصحابة رضوان الله عليهم ، و لا يقبل فيه النقد و التوجيه و الملاحظة .
و في المقابل قد تجد من يتحدث عن المجاهدين فيصمهم بالجهل و البدعة دون تروٍ أو تفصيل ، و يتعلل بأن منهم من يعلق التمائم ! ، أو بأن عندهم بدعاً في بعض المساجد ، بل تجاوز الأمر أن صرّح أحدهم قائلاً :
هؤلاء مشركون يحاربون ملحدين !!
و قرأت بخط أحدهم تعليقاً طائشاً عن إحدى الجماعات السلفية هناك ، بأنّ من لم يكفرهم فهو كافر !!
فإذا كان هذا حكمه على فئة سلفية .. فما بالك بغيرها ؟! و الله المستعان .
أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة ؟
و هل هذا هو الاتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، الذي كان يعرف للناس أقدارهم ، و لا يبخسهم أشياءهم ، و كان يثني على الإنسان بما فيه من خلال الخير ، إذا كان ثم مصلحة – و لو لم يسلم من الأخطاء !
أليس قد أثنى – صلى الله عليه و سلم – على النجاشي ، و وصفه بأنه ‘ ملك لا يظلم عنده أحد ‘(2) مع أنه حينها كان كافراً لم يسلم بعد ؟!
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة ، إما بعين الرضا فتنسى العيوب و الأخطاء التي تعرف لتعالج و تقوم ،و إما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ :
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة *** و لكن عين السخط تبدي المساويا

إذا كان المحبّ قليل حظٍّ *** فما حسناته إلا عيوبا !

و يجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه و تنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلباً أو إيجاباً :
‘ و لا يَجرمنك شنآن قـــــوم على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ‘ [ المائدة : 8 ] .

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على العدل عند الدعاة مغلقة

من روائع حضارتنا

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين

مقدمة الترجمة البوسنية لكتاب من روائع حضارتنا

 

(من روائع حضارتنا) كتاب مدهش ألفه عالم متميز ، ورغم أن الكتاب لطيف الحجم إلا أن مؤلفه جمع فيه خلاصة عشرات المراجع التاريخية ، وبذل في سبيل ذلك جهداً لايخفى.

نلاحظ من خلال دراسة الكتاب أن المؤلف يهمه أن يبين لنا أمرين اثنين :

الأمر الأول منهما : هو ماتنطوي عليه الحضارة الإسلامية من روائع وماقدمته للبشرية من استقرار وتوازن ، ومايحف بها من جمال أخاذ وشمول بديع وروح سامية ويد متقنة في كل دروب الحياة.

يقول أحد كبار العلماء المسلمين وهو الإمام الشافعي أن (من جهل شيئاً عاداه) وهناك عدد غير قليل حتى من المثقفين ، ليست لديهم أية فكرة عن الإسلام وحضارته ، بل لديهم صورة سلبية زرعتها مصادر غير موثوقة في عقولهم ، وتصورات خاصة أقرب إلى الانفعالات النفسية التي بقيت تدور في نفوسهم حتى صدقوا الكثير منها دون أية دراسة منصفة أو بحث عميق.

وبالتالي فقد كانت النتيجة الوحيدة عند أولئك هي زيادة البعد عن الإسلام ونظامه وحضارته لأن الإنسان عدو مايجهل ، لذا يقدم هذا الكتاب صورة شاملة وغير متكلفة ستدهش الكثيرين ولكنها بالتأكيد ستعطيهم أفقاً آخر وبداية جديدة للتعامل مع الإسلام.

ويوجز المؤلف خصائص الحضارة الإسلامية في خمسة محاور:

1- الوحدانية المطلقة : فللكون إله واحد قادر عظيم لايحتاج إلى أحد والكل يحتاجه وهذا الإله لم يلد ولم يولد ولم يكن كفواً له أحد ، وليس بين هذا الإله وعباده أية واسطة وكل الناس سواسية بين يديه ، ويطلبون المغفرة منه مباشرة دون أي وسيط من البشر حتى لو كان نبياً ، وقد طبع هذا التوحيد آثاره في الإسلام بدءاً من الإيمان ومروراً بالفنون الجمالية والعمارة والخط والزخرفة ، بل في كل مناحي الحياة.

2- النزعة الإنسانية : فقد أعلن كتاب المسلمين المقدس (القرآن الكريم) وحدة النوع الإنساني وأن البشر كلهم من أصل واحد ولافضل لفرد أوشعب على آخر إلا بالتقوى ، وأن الأساس في العلاقة بين الناس هو التعارف واللقاء .

كما أن القرآن الكريم حدد بشكل دقيق الهدف من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

3- الأخلاقية : فللأخلاق في الحضارة الإسلامية المحل الأول في كل نظمها ، وهذا المبدأ مقدم على كل مصلحة ، وقد أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

4- الإيمان بالعلم : فلم يكن في الإسلام يوماً أي تضاد أو عداء بين الدين والعلم ، بل العلم اليقيني يقوي الإيمان ، والعقيدة الإسلامية تجعل طلب أي علم من العلوم النافعة (من كل الاختصاصات الدنيوية) فريضة على الأمة ، وبذا فقد جمعت الحضارة الإسلامية بين العقل والقلب ، والدين والعلم ، والفرد والجماعة.

5- التسامح الديني : إن الكثيرين ممن لم يعيشوا بين المسلمين لديهم أفكار بعيدة عن الصواب تماماً ، وسواء في التاريخ أو الحاضر فإن أي احتكاك بالمجتمعات المسلمة سيوضح بشكل سافر تماماً تلك الروح المتسامحة التي يحملها المسلمون تجاه الآخرين ولو خالفوهم في عقيدتهم ودينهم ، وكتب التاريخ حافلة بحرص المسلمين على رعاياهم من غير المسلمين والذين وصلوا إلى أعلى المراتب وعاشوا بين المسلمين في غاية الأمن والاحترام.

الأمر الثاني : الذي حرص المؤلف على بيانه هو حاجة البشرية كلها اليوم إلى أساس تقوم عليه ، فلقد أُنهكت البشرية ضمن عالم المادة التي احتل فيها كل شيء ، وكاد بل ألغى في كثير من الأحيان خصيصة البشر الأساسية وهي الروح.

لقد وصلت البشرية إلى مستوى متقدم جداً في النواحي التقنية والمادية ، ولكنها في الوقت نفسه وصلت إلى مستوى مزر من الضياع الروحي والتأزم الأخلاقي والإفلاس الإيماني ، وإن الإيمان الذي يفترض فيه أن يهذب الروح ، ويكبح الغرائز ، ويجعل الحياة مثل جنة لله في الأرض ؛ هذا الإيمان أقصي من ساحة الحياة فانتشرت أمراض الروح ، وبدأ الاضطراب يزحف دون أن يقف عند حدود.

إن التفكك الاجتماعي ومشاكل الكحول والمخدرات ، والنزعات الفردية والأنانية ، والجشع والظلم والعدوان مهما وضعت لها القوانين فلاشيء يصد هجومها ويقي من غوائلها غير الإيمان. بل إن جنون التسلح والعدوان المرعب على البيئة والنزاعات المسلحة ، والكراهية بين الأمم وسرقة الشعوب الضعيفة والنهم الاقتصادي للدول الصناعية وغير ذلك من الكوارث لا علاج له أبداً من دون الحضارة الإيمانية الشاملة لكل أنشطة البشر المشروعة ، والتي يدعو المؤلف الجميع إلى البحث عنها في الإسلام وحضارته المتميزة.

إن هذا الكتاب لم يكتب من أجل المتعة التاريخية فقط بل ليقول للبشرية : أنت تغرقين وفي الإسلام مشروع إنقاذ فادرسيه بموضوعية وإنصاف.

تكلمنا عن الكتاب ولكننا لم نتكلم عن العالم الذي كتبه؟

إن المؤلف عالم شهير في العالم الإسلامي ، وهو المرحوم الدكتور مصطفى السباعي ، وقد ولد في بلاد الشام من أسرة علمية عريقة (مدينة حمص عام 1915م) وقد حفظ القرآن الكريم صغيراً ثم التحق بالثانوية الشرعية وتخرج منها عام بتفوق باهر لفت أنظار أساتذته وبعدها سافر إلى مصر وانتسب إلى كلية أصول الدين ثم حصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1949بدرجة الامتيازحول (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي).

عين السباعي أستاذاً في كلية الحقوق عام 1950م فكان من ألمع الأساتذة فيها وأكثرهم إنتاجاً ونشاطاً ، وقد بذل جهوداً مضنية حتى استطاع تأسيس أول كلية للشريعة في سورية عام 1955 وكان أول عميد لها وأنشأ موسوعة للفقه الإسلامي وكان يريد إخراج علماء دعاة محيطين بالواقع الذي حولهم ، ورغم مرضه الشديد فقد بقي حتى آخر أيامه يزرع الهمة في نفوس من حوله.

أما حياته الميدانية فقد كانت عجيبة ، فقد ألف جمعية لمقاومة جهود السلطات الفرنسية التي كانت تحتل سورية ثم بدأ يقود المظاهرات ويخطب في الناس فاعتقله الفرنسيون ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره ، وتحت الضغط الشعبي أفرجوا عنه فعاد إلى العمل ضدهم فاعتقل ثانية لعدة أشهر وبعد الإفراج عنه عاد إلى محاربة الفرنسيين وشارك في المقاومة العسكرية ضدهم لتحرير سورية.

وبعد الاستقلال كان نائباً في البرلمان (1949-1954م) وكان نائب الرئيس ورفض الكثير من العروض لاستلام مناصب في الدولة.

أسس السباعي منذ كان شاباً صغيراً العديد من الجمعيات الإسلامية ، ولكن سفره إلى مصر أحدث تغييراً جذرياً لديه من خلال اجتماعه مع الأستاذ حسن البنا ، وقد بلغ نشاط السباعي إلى درجة أن القيادة البريطانية في مصر قد اعتقلته ثم سلمته إلى سلطات الاحتلال البريطاني في فلسطين فبقي في السجن أربعة أشهر ثم تم تسليمه إلى السلطات الفرنسية في سورية والتي سجنته لمدة سنتين ونصف وتعرض خلالها للأذى والتعذيب!

لما اغتيل البنا عام 1948م تولى السباعي قيادة الحركة كلها لفترة قصيرة ، وقد حاولت السلطات الإنكليزية اعتقاله لكنها لم تفلح ، وقد عاد بعدها إلى سورية ليتابع عمله الذي أسسه من قبل تحت نفس الاسم الذي عمل من خلاله مع الأستاذ البنا.

كانت للقضية الفلسطينية أهمية خاصة لدى السباعي وقد قاد فصائل مسلحة في فلسطين وأسس أعمال مقاومة واسعة وقام بجولات واسعة للتعريف بالخطر الصهيوني.

في عام 1951 رأس السباعي وفد سورية إلى المؤتمر العالمي في باكستان ، وعام 1954 رأس وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي المسيحي في لبنان ، كما أوفدته الجامعة السورية عام 1956 إلى أوربة فزار أغلب دولها واجتمع مع كبار المستشرقين ، ودحض حججهم وشبهاتهم عن الإسلام ، كما ألقى عشرات الدروس والخطب في المساجد والجامعات ، وفي عام 1957 زار السباعي معظم الجامعات الروسية والتقى مع علماء الدراسات الشرقية وأعلن رأيه بصراحة في وجه شبهاتهم ، وموقف المسلمين من الشيوعية.

أما في ميادين الخدمة الاجتماعية فقد تبنى السباعي حركة العمال وطالب بإنصافهم ، وأدخل قضيتهم بقوة إلى المجلس النيابي ، كما ساهم في إنشاء مدارس مجانية للعمال في كل أنحاء سورية قامت بتخريج أكثر من ثلاثة آلاف عامل ، كما ألف لجاناً لدعم القرية والقيام بالخدمات الطبية والتعليمية فيها ، وأنشأ مدرسة ثانوية للشباب وأخرى للبنات ، كما ساهم في تأسيس العديد من النوادي الرياضية ، وفضلاً عن العديد من الجمعيات الخيرية التي ساهم فيها ، فقد نظم يوماً سنوياً للفقير ، ودعم إنشاء العديد من المستوصفات المجانية والخيرية للفقراء.

عمل الأستاذ السباعي في ميدان الصحافة فأنشأ جريدة المنار عام 1947 ولما أوقفت أسس بعد سنوات جريدة الشهاب وفي نفس الوقت أصدر مجلة المسلمون التي كانت تصدر في مصر ثم غير اسمها إلى حضارة الإسلام والتي كانت في طليعة المجلات الإسلامية في العالم الإسلامي لأكثر من عشرين عاماً قبل إيقافها.

أما على صعيد التأليف فله أكثر من عشرة كتب قيمة (الكتاب الذي بين أيديكم أحدها) ومن أعظمها كتابه في الدفاع عن السنة النبوية ، وللأستاذ شعر جميل رائق ، وفيه حلق عالياً وخصوصاً في مناجاته لله تعالى أو في محبته للنبي الهادي صلى الله عليه وسلم.

أما أخلاقه فقد كان شديد الغيرة على الإسلام لايخشى في الله لومة لائم ، فيه حدة ودعابة ومرح ، وفي غاية الكرم والجود مع ضيوفه ، كما كان رجاعاً إلى الحق واسع الصدر مع المخالفين ، قوي الحجة والبيان خطيباً مصقعاً قل نظيره.

كان عند العلامة السباعي شوق عظيم إلى بلاد الحرمين وكان الحج يوصله إلى مراتب من السمو الروحي لايمكن وصفها وقد حج ثلاث مرات واعتمر مرتين ، وكتب عن رحلاته نثراً وشعراً بما لايمكن للعين إلا أن تدمع وهي تقرأ عن شدة محبته لله ورسوله.

يلاحظ أن الكثيرين ممن يعملون في النشاط السياسي والدعوي تقسو قلوبهم مع الوقت وقد يزدادون خشونة ؛ إلا السباعي وأمثاله فهم يزدادون رقة ولوعة مع الأيام ، ويحسون تماماً أن عملهم الدعوي والتربوي إنما هومحفوف بفضل الله ورحمته ، محفوظ بعنايته فيزدادون حرصاً عليه ويلجأون إلى الله في كل حال من أحوالهم.

وبسبب استغراقه الشديد في حمل هموم المسلمين فقد كان يخطب أحياناً في المسجد الأقصى في القدس أيام الجهاد ولمدة ساعة ثم يلقي بعدها درساً لاينتهي إلا قبل العصر بقليل ناسياً أن يأخذ دواء مرض السكري أو الضغط ، حتى ينفجر الدم من أنفه!

ربما يظن البعض أن السباعي كان وافر الصحة متين الجسم ، عاش لسنوات طويلة حتى بنى كل ذلك البناء!

الحقيقة أن السباعي مر بمحنة قاسية بعد أمراض عديدة ، فقد أصابه مايشابه الشلل النصفي عام 1957 فتمرد على آلامه وبقي يقود ويدعو ويحاضر ويكتب ويوجه ويربي ؛ حتى أن محاضرته عن (اشتراكية الإسلام) استغرقت أكثر من ثلاث ساعات (وهو مريض!) ثم طبعت بعدها في كتاب كبير أحدث دوياً وجدلاً لم ينته! وكذلك محاضرته الرائعة عن (المرأة بين الفقه والقانون) ، وبقي السباعي خلال ثماني سنوات يصارع المرض ولايسمع منه أحد إلا كلمات الحمد لله والشكر على نعمائه!

وقد تعرض السباعي لمحاولة اغتيال فشلت ، ولكن الأمر الأكثر قسوة هو الانشقاقات التي قامت بها جهات معروفة والتي كانت تريد جر العمل الإسلامي وشبابه إلى المذبحة ، وتشيع فكر الصدام المسلح مع الحكام ، وهو الشيء الذي كان السباعي يرفضه ، ويرى أن بيان الحق وحمله والصبر عليه هو سبيل الأنبياء والدعاة.

وعندما أحس السباعي أن وطأة المرض لن تسمح له بمتابعة قيادة العمل الذي أسسه مد يده يبايع الأستاذ عصام العطار لقيادة العمل من بعده ..

وأخيراً وبعد رحلة محفوفة بالعناء والتعب وفي يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964م استراح السباعي من هذه الدنيا المضنية ، وانطفأت فيه شعلة الحياة ولم يتجاوز الخمسين من العمر!

مضى السباعي (الذي كان أمة في رجل) ليلقى وجه الله تعالى الذي كان يعمل دائماً في سبيله ، وترك وراءه نموذجاً متقناً فريداً وعينة نادرة وقدوة لاتغيب من صنع الإسلام العظيم.

وما الكتاب الذي بين أيديكم أيها القراء الكرام إلا نموذج عما يصنعه الإسلام ويقدمه للبشرية سواء على مستوى الحضارة الإسلامية الفريدة أو على مستوى فرد متميز صنعه الإيمان ، مثل مصطفى السباعي رجل الإسلام الأول في بلاد الشام.

أحمد معاذ الخطيب الحسني

خطيب جامع بني أمية الكبير سابقاً

كُتب في كتب, منائر | التعليقات على من روائع حضارتنا مغلقة

تذكرة

أخوكم : أحمد معاذ الخطيب الحسني

أخي الغالي …. سلام الله عليك وألف رحمة تغمرك وخير بركة تحيط بك ..

تمضي الأيامُ يا أخي وتفتحُ الدنيا لنا أبوابها … حتى كأنا خُلقنا لها وخُلقت لنا ، ومن تحتِ رُكامها ينبثقُ فرعُ نبتةٍ عنيدةٍ ، وعليه وريقات أخوة ما استطاعت الدنيا أن تُحيلها حَطباً ويَبَسا ، ومن نُسغها الأخضر السرمدي تتجددُ عزائمنا مرةً بعد مرةٍ ، وبتلك الوريقات نستعيدُ من مكنون أخوتنا ظلال خير وارفٍ ، ودوحةَ إيمان ما نسيناها وإليها المرجع ،ولو أغرقت الدنيا كل مراكبنا وأقبلت أعاصيراً تجتاح شواطينا.

مازال حُبُّ الله في دمنا والإيمان يرسو في مَوانئنا ومازالت القباب والمآذن تشهدُ لنا بأنا من أهاليها، وفي بلاد بعيدةٍ … في الشام أرض الطهر… مازالت محاريبٌ ومساجدُ تذكرنا وكلها شوق إلينا فتبكينا.

ودعنا الشام وفي دمنا عشق الصلاة والتوحيد حادينا.

كم لنا عبرة إذ بالأمس كان (يوسف الإدلبي)[1] حياً يربينا بهمته، واليوم صار في ديار الحق ينادينا: أن هلموا إلى الخير وذروا حب الدنيا ونزغَ الشيطان، وذروا التمرغ في الأوحال والطينا.

ياأيها القوم: بالأمس كان المؤذن الكهل في حسرة يذكركم، وكان حصير المسجد، وأهل المرؤة والجيران، وكتاب الفقه … كلهم في لهفة يُصغونَ.

فيا إخوة الدرب القديم جددوا درب الرشاد، وللخير في رمضان كونوا قادة وأئمة وساعينا .

صوم العامة عن الشهوات معلوم، وأخص منه أن تكونوا لحفظ الجوارح مُتِمِّينا، وقال الغزالي صوم خصوص الخصوص فوق ذلك عن الهمم الدنيئة، وأن تكونوا لرضى الرحمن راجينا.

ذكريات الابتداء تعيدكم إلى الشكر بعد الفتور، فلا تنسوها أحبتنا، أتذكرون السير الأول إلى المسجد، وأول مرة بكى واحدنا فيها من خشية الله، وأول مرة صافحت وجوهنا جباهُ إخوةٍ مثلَ البدورِ وقد تلألأت بأنوارِ السجود، وأول مرة تاب فيها أحدنا وأنابَ بعدَ هفوةٍ وعثرة، وأولُ مرةٍ اهتز قلبه فيها لنداوة التوحيد فإذا كل ذرة فيه تشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، والمسجد العتيق، وصوت الأذان الندي، ووشوشات الأحبة وصيحات الشباب فرحين، وذلك القيام في الليالي المعتمات، وتلك الرحلة وذلك الوادي، ولمسة الرفق من المربي، وألسن الأحباب تردد الأذكار العِذاب، والنشيدُ الهادرُ، وضجيج الصغار خلف الصفوف، وخرير الماء في بركة المسجد، والسيرُ إلى الصلواتِ تحت حباتِ المطر أوفي الحر الشديد.

ألا تذكرون كيف كانت قلوبكم …. طهراً وسكينة وبراءة وصفاءً ….

يا إخوتاه، عودوا كما كنتم ، فاملئوا الأرض إيماناً وأُخوةً وطيوباً وعطراً، ولا تَدعوا بالله عليكم عكَرَ الدنيا يسكن القلوب، فإن لنا مع كل درب طاعة سببٌ ونسبٌ ومع كل سبيل خير رَحِماً وقربى…

تغافروا فيما بينكم وأحيوا السمت الأول بالإخاء وليقُم واحدنا فليصل إخوانه كما يصل أرحامَه، وليراجع كلٌّ منا نفسه ولنتُب جميعاً إلى الله؛ فإنه ما تحابَّ أخَوانِ في الله فيُفرَّقَ بينهما إلا بذنب يُحدثه أحدهما.

اللهم أعنا على التراحم فيك ، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم ، وتقبل منا صالح أعمالنا ، اللهم وأعنا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان …

وبارك الله لكم في شهركم ولا تنسونا من صالح الدعاء.
الهوامش:

[1] – الأستاذ يوسف الإدلبي ، أبو عبد الرحمن ، من قدماء الدعاة في دمشق ، كان يشد إخوانه بهمته ، صبر وأوذي ، وبقي على الطريق ثم افترسه المرض ولقي ربه قبل أشهر (توفي الخميس 14 نيسان 2005م) رحمه الله ، رحمه الله، رحمه الله ، وقد فتحت بموته ثغرة لانعرف من يسدها بعده

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على تذكرة مغلقة

قل هو من عند أنفسكم

من أسباب ضياع الأمة

قال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في كتاب : تأويل مختلف الحديث : (وحدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور سمر ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم ، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصدَ الشهوات ، وإيثار اللذات ، والدخول في معاصي الله عز وجل ومساخطه ؛ جهلا منهم باستدراج لله تعالى وأمنا من مكره تعالى فسلبهم الله تعالى الملك والعز ونقل عنهم النعمة ، فقال له صالح بن علي : يا أمير المؤمنين إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هارباً فيمن اتبعه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر ، فركب إلى عبيد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ،ويسأله عن ذلك ؛ فأمر المنصور باحضاره وسأله عن القصة فقال :
ياأمير المؤمنين قدمت أرض النوبة بأثاث سَلِم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثاً فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا ، فدخل عليَ رجل طوال أقنى حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب فقلت : مايمنعك أن تقعد على ثيابنا ، فقال : إني ملك ، وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله عز وجل إذ رفعه الله ، ثم أقبل علي فقال لي : لم تشربون الخمور وهي محرمة ، فقلت : اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا . قال : فلم تطؤون الزرع بدوابكم والفساد حرام ؟ قلت : يفعل ذلك جهالنا . قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم ، فقلت : زال عنا الملك ، وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. فأطرق ملياً وجعل يقلب يده ، وينكت في الأرض ثم قال : ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ماحرم عليكم وركبتم ماعنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله تعالى العز وألبسكم الذل بذنوبكم وآثامكم ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزودوا مااحتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي ففعلت ذلك).

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على قل هو من عند أنفسكم مغلقة

همسات المعالي

يلحظ المراقب الناقد لصفات الأجيال الدعوية المتعاقبة نوعا من الهبوط في مستوى الالتزام بدقائق الأخلاق الإيمانية والذوقية، إذ ليس اللاحق على مثل جودة السابق، مع احتمال أن يكون أوعى منه سياسيا وعلميا، وأطلق لسانا، وأحكم تنظيما، ولربما وجدت اليوم شيئا من الغيبة، وسوء الظن، وسرعة الغضب، وورود اللفظ الخشن على لسان المتكلم، وعدم إباء أُذُن جليسه السامع لهذا اللفظ، بل وقد تطرب له، وهي أمور لم يبرأ الجيل الأول منها، ولكنها كانت نادرة، تأتي كالفلتات، أو يقل عدد المتورطين بها، بينما تترادف اليوم، ويزداد الاستدراج، بحيث أصابت الصورة المثالية التي كنا عليها ثلمة، وما زالت مثالية بحمد الله تعالى، لكن درجات الإحسان التي ندرج عليها توجب علينا براءة شبه تامة.

 

يظن البعض أن هذا التباين إنما هو ظاهرة طبيعية ناتجة من ارتفاع همة من يتولى التأسيس، تبعا لمعنى التحدي عند نشوء الدعوة في كل بلد، وهذا سبب صحيح، لكنه ليس السبب الوحيد ولا الأهم، والراجح أن هذه الثلمة إنما هي من تأثر بالمحيط العام والبيئة السياسية والفكرية والإعلامية التي تعقدت بعد التحولات الثورية في كثير من البلاد، فإن الداعية فرد في هذا المجتمع العام قبل انضمامه لتيار الدعوة، خاضع للمؤثرات فيه، ثم هو بعد انضمامه يخالط الفجرة مثلما يخالط البررة، في الجامعة أو عند أداء عمله المهني، وفي السوق والشارع والمنتديات العامة، بل يخالط فجرة من عائلته، من بين شقيق أو ابن عم وخال، فيقلدهم في أشياء، إذا غفل، ويسري إليه عيبهم دون أن يشعر، وتظهر على لسانه عبارات عامية يفترض أن يتعفف عنها طالب العلم وصاحب الفكر، بله المتوضئ، ويفعل النشاز الذي يأباه الذوق أو ترفضه المروءة، إذا شاهد فاجرا يذهب في الإسفاف إلى أبعد منه، كأنه يفتي نفسه بأنه أفضل من ذاك المسف المبعد، بدلالة الاقتصار منه ومدى الاختصار ، ذاهلا عن أن الثلمة الصغيرة التي لم يستكبرها يمكن أن تشوه الصورة وتعكر الصفاء أيضا، وأنها سبب في ضعف الحساسية الإيمانية التي تمنحه الأنفة عن الابتذال، والعزة على أهل السوء.

وليست هي الخلطة فقط، وإنما مثلها ردود الفعل لأساليب الأحزاب العلمانية وأنواع تصرفات منتسبيها وأفكارهم التي يعرضونها، إذ تكون ردود الداعية أحيانا على غير ما فقه صائب إذا استفزه الحزبيون، وكذلك اللغة الصحفية والإذاعية الرديئة المبنى والجرس والنبرة فضلا عما فيها من معنى منحرف وشتيمة وظلم واستهزاء وحشو، كل ذلك يقسي قلب المسلم عن طريق التقليد اللاشعوري لما يسمع ويرى، ويجعل الجرأة على الفاضل مستساغة عنده، فيقل احترام الكبير، من أستاذ أو شيخ مرب أو أمير متقدم، وتكون منه أنواع من المنافسة للقرين المماثل، من حسد خفي أو صريح، وتكذيب، ويصبح يضيق به ذرعا إذا رآه يأتي من العمل ما يعجز عنه أو يكون أفصح في درس أو كتابة مقال ، ولربما تجاوز عدوانه الكبير والقرين ليصيب المستجد والتلميذ والناشئ الصغير، فيتعامل معهم بلا رفق، ويكثر منه الزجر لهم والقسوة عليهم.

 

إنها فلتات لا يبرأ منها رجال منا، ولسنا نتكلف التهمة لهم، وإنما هناك قرائن تشهد وحوادث ترتكب، وابن آدم لا بد أن يلازمه خطأ، والشيطان يستزل، والموفق من لم يغالط نفسه ويغالط الآخرين، وتكون له مسارعة إلى التوبة والعلاج والترميم والاستدراك، بدل المكابرة والإصرار، وإذا كان أحد من منحرفي النفوس يعتاد التشهير بنا معتمدا على مثل هذه المكاشفة فإن المفروض أن لا يصدنا ذلك عن كمال المصارحة، إذ نكله إلى نيته الحائدة عن الحق والإصلاح، ونلوذ بعز التوبة.

إن ظاهرة نقص الأفراد هي من الظواهر المبتوت بصحة وجودها، وإنما أردنا أن نثبت بكلامنا آنفا ما هو أوسع من ذلك، من تأثر جيل بكامله برداءة المحيط والبيئة، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم، وأما الغالبية فقد ألمت أو قارفت، وكأنها تورطت، لكن منهم الموغل المكثار، ومنهم المتخفف، ومنهم صاحب الفلتات النادرة.

إن هذه الملاحظات لا يلاحظها أفراد الأجيال الجديدة، لأنهم لم يعيشوا لذة صفاء الأجيال السابقة القديمة قبل أن تفسد الحزبيات والثورات البقية التي كانت باقية من جمال الحياة، مع قلة حجم تلك البقية، وفاقد الشيء لا يعطيه، ويمكن أن يدرك ما نقول الأخوة القدماء الذين عاصروا بداية الدعوة ومراحلها الأولى، يوم كان الخير في الناس وافرا، وبين الدعاة عامرا، ويوم لم يكن الحاكم يتفنن في أذى الشعب كما يتفنن اليوم ويبتكر، ولا يرغمهم على سماع اللغو منه أو من إذاعته وتلفازه وصحفه كما يرغمهم اليوم.

ويظن البعض أن وجود ضعفاء من الجيل القديم تؤثر عنهم مثل هذه الأدواء ينقض صحة هذا الاستنتاج ويدفع التهمة عن الأجيال الجديدة . وليس هذا الظن على سعته، لأن الذي يرى ضعيفا من القدماء فهو إنما يرى نموذجا واهن التكوين أصابه المحيط الملوث أيضا، واستوى مع الجدد في ذلك، وتلك زيادة تأكيد على صحة ما ذهبنا إليه، فإن فساد البيئة إذا كان ينحت فضل القديم الراسخ فأحرى أن تلين أمامه قناة المستجد الطارئ، وإنما أردنا الإشارة إلى موقف هذا القديم في أيامه القديمة التي هي أقرب إلى النقاء وبيئته التي كانت محافظة على مزايا الصفاء: كيف أنه كان أنزه روحا، وأسلم قلبا، وأجود معدنا، وأشد ركنا.

 

والمتفحص للأمر، المقارن بين قصص الحياة اليومية الحاضرة والماضية، يجد أن التأثر بالسوء حاصل بصورة عامة لدى جميع الناس بصورة أعمق، وأن الخير والفعل الجميل في تناقص، بل أن الذي نسبناه للدعاة ما هو إلا بمقدار عشر المعشار منه، وتولدت في الناس غلظة وجفوة وقطيعة رحم ما كان يعرفها الجيل الذي عاصر حياة ما قبل الحرب العالمية الأولى مثلا، يوم كان العرق الأخير للدولة العثمانية ينبض، حتى أصبحنا نرى من عقوق الوالدين والعدوان على الجيران والغش في التعامل والبخل على الضيف والظلم عند المقدرة أشياء كان يتعفف عنها الناس سابقا، أغلب الناس .. وحتى أصبحت الحكايات الحقيقية لمكارم الأخلاق، والتي كانت اعتيادية: ضربا من الرمز والخيال المستبعد تكراره في تقدير من يسمعها، وهذا الوضع كان وما يزال مستمرا في بلاد عديدة، وبداياته تتزامن مع تطبيق مناهج التعليم الحديثة قبل ما معدله ستين سنة، أو أقل أو أكثر قليلا، ومع ما صاحب ذلك من انفتاح على الغرب والشرق، ومع نشوء الصحافة المقلدة للصحافة العالمية التي يسيطر عليها التوجيه اليهودي، بل نجزم أن بلاد النصارى في الغرب، وبلاد البوذية وأمثالها في الشرق، كانت حياتها الماضية لا تخلو من تراحم بين أهلها، وبقايا عفة، وآثار مروءة، هي خالية منها الآن.

 

إننا لا نريد بهذا الكلام أن نقذف يأسا في قلوب الدعاة، أو نولد إحباطا وشعورا من الأسف أو الزهد بالعمل الإسلامي ونتائجه، ولم نسرد خبر الأمس واليوم من أجل متعة تاريخية أو إثبات حقيقة إحصائية، وإنما أردنا توجيه الغد، وأن يكون لنا في التجربة موعظة.

إن لكلامنا مقاصد خمسة:

· الأول: إيراد نمط من التحليل والتسبيب يوسع آفاق تفكير الدعاة إذا أرادوا فهم ظاهرة معينة في الحياة الدعوية، بحيث تتكشف جذور المسألة وجذور المداخلات التي تحيط بها، وضغط المجتمع، وتأثيرات السياسة.

· الثاني: إخراج الداعية من الإطلاق في الحكم على الأمور، إلى النسبية، ومن الاستعجال، إلى التأمل، ومن العفوية، إلى المنهجية، ومن الغفلة، إلى نقد الذات والتدقيق مع النفس، مع أن هذا المسلك خطر، إذ أن بعض المنافسين والحاسدين سينحرفون بهذا المقصد النقدي الإصلاحي الواعظ إلى جعل كلماتنا وثيقة اتهام لنا يدللون بها على ضعفنا، وما دروا أن الحساسية المفرطة هي التي تنطقنا، وإن صف الدعاة – بحمد الله – أنقى وأرفع من أي صف آخر رغم ملاحظتنا.

· الثالث: الانتصار للأجيال الجديدة! وإعادة الاعتبار لها إزاء أحكام يصدرها عليهم بعض المتشددين من أفراد الجيل القديم، بتقرير ما ذهبنا إلى ترجيحه من أن هذه الأجيال إنما هي ضحية البيئة الملوثة أخلاقيا وفكريا وسياسيا، وأن الخيرية مركوزة فيها أيضا، ولكن تغطى شيئا منها الأوساخ المحيطة أو تميل بها العواصف الداهمة! وأن هذا كله من دلالات الظاهرة التربوية العامة التي تجعل تأثر كل فرد بالمسموع والمنظور محتملا، ومن نتائج تضاد التربيات المتزاحمة.

· الرابع: إثبات وجوب التربية التي تعالج هذه السلبيات الأخلاقية، وضرورة أن يتواضع كل داعية أمام ما تستوجبه هذه الظاهرة من خضوع لمنهج يعظ القلوب بكثافة، ويعيد ذكر بديهيات الطريق وأسس الإيمان والأخلاق ، وليس بصواب أن يضع داعية نفسه فوق التربية، ويستعلي على حديث يزجره عن السوء ولو سمعه مائة مرة، فإن في النفوس – كل النفوس – قابلية لطيش في أوقات الغفلة، فتنزل إلى مستوى العوام، وان استقام صاحبها على دين الخواص الفقهاء العباد دهرا، أو حاز على أعلى شهادة وأرقى منصب وأضخم رصيد مالي، بل وإن ابيضت لحيته وتجاوز الكهولة سنه.

· الخامس: التخطيط الدعوي لإصلاح أخلاق الناس عامة وأذواقهم وأعرافهم، وإعادة إحياء عواطفهم، وتجديد الحس الإيماني بعد ضموره فيهم، ويبدأ هذا التخطيط والتنفيذ له ابتداء من يومنا هذا في مرحلتنا التي نحن فيها، رغم ثقل أحمالنا وجزالة همومنا، ثم يمتد إلى مراحل التمكين، بل يجب أن يتركز هذا التوجه آنذاك ويشتد، وليس من شأننا أن نخطط سياسيا واقتصاديا فقط، أو نبث علم اللسان فحسب، فإن طريقنا يمر قبل السياسة والاقتصاد وخلاف الفقهاء بتطهير الجنان. إن دعوتنا هي دعوة المروءة والنبل والعفة، ورقة التعامل والذوـق الرفيع، قبل أن تكون دعوة سياسية، أو حملة جهادية، أو مدرسة علمية، ولن ينزل الطغاة إلى نهاياتهم ما لم تتسام أخلاقنا صعدا، ونعود إلى بداياتنا..

 

من سلسلة رسائل العين (نحو المعالي) للداعية المجدد الأستاذ عبد المنعم علي صالح العزي (محمد أخمد الراشد).

 

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على همسات المعالي مغلقة

أشجار الإيمان

 من كتاب الرقائق للداعية الأستاذ محمد أحمد الراشد

وحدة العبودية ، و تكاملها ، في أجزاء هذا الكون ، لله تعالى الذي خـلقه : حقيقة يراها المتـفكر ، إذا استطاع أن يفلت من الصخب الملهي و يتأمل في هدوء ورَوية .

منها : عبودية لا تشوبها الوساوس ، لبساط الأرض جميعه ، حشائشه و الباسقات ، نبهك القرآن لها ، في قوله عزّ وجلّ : { والنجم و الشجر يسجدان } .

قال الطبري : ‘ يعني بالنجم : ما نَجَم من الأرض من نبت ، وبالشجر : ما استـقـل على ساق ‘ [1]

فهو منظر سجود دائم يراه المؤمن ليكون له تذكرة حين تثـقله الغفلة ، يديم له سجوداً قلبياً ، آيته الرضا عن الله ، والتسليم لحكم حلاله وحرامه ، به يستكمل سجود جبهتـه مغزاه .

ومتى ذاق المؤمن ، بالخلوات المسترسلة ، لذة مراقبة هذا السجود الأخضر ، المتوشح بألوان الزهر ، وأذن لقلبه أن يبالغ في الهبوط مقلداً ، حتى يلامس أوطأ الإخبات : نادى غيره للمشاركة ، وعرض عليه الرفقة ، منخلعاً عن حسد واحتكار .

وتلك هي دعوة إقبال ، لما ظفر بسر السياحة الإيمانية الصامتة ، في البراري الناطقة ، ونبهك إلى إنصات واجب ، لتسبيح دائب ، و أوصاك أن :

دع الدور و اطلب فسيح البراري **** و انظر إلى صفحات الجمال

على حافة الماء دون ملال **** تأمل ترقق ماء زلال

وحدق إلى نرجس ذي دلال **** وقبِّل عيوناً له كاللآلي [2]

و كان عبد الوهاب عزام أول مجيب له ، وطفق يستغرق في التأمل ، فرآه جاهل بما هنالك فأنكر عليه ، فقال :

لست أخلو لغفلة و سكون **** وفرار من الورى و ارتياح

إنما خلوتي لفكر و ذكر **** فهي زادي وعُدّتي لكفاحي

و ما زاد بهذا على أن جدّد مذهباً سالفاً ، و عرفاً عند أول المسلمين ، في استلال ساعة من بين حركاتهم في التعلم و التعليم ، والأمر و النهي ، و ضرورات المعيشة ، يميلون فيها إلى التـفرد خارجاً ، والركون إلى أرباض مدنهم ، و الجلوس بين الزروع ، يرجون لأنفسهم بصائر و تذكرة .

وروى ابن القيم أن شيخه ابن تيميه ، رحمهما الله ، كان يتركهم غادياً بعد الفجر مراراً ، فراقبه ، فوجده يعتـزل في غوطة دمشق و حقولها ، حتى غدت عنده عادة .

وما ذاك على أسلوب القرآن بغريب ، ولا على رموز النص الشريف المأثور و تشبيهاته ، بل هو ارتباط واضح خلالهما بين الخضرة و خصال الفطرة ، ترك طابعه على طرائق المؤمنين في التعبير و التمثيل ، في نحو على منحاهما ، يدلك على قـلوب فقهت المناسبة ، واستوعبت الإشارة ، وشهدت الرابط الجامع في لقيا الشجر و معاني الإيمان إنها غاية من أشجار الإيمان ، فيها أيك ملتف متشابك ، تجعل سيرك في ظل وارف ، و مداعبة من زكي العبيق .

 

· تفجؤك فيها شجرة التوحيد .

وهي شجرة غرسها القرآن ، تستـلقي تحت أغصانها حين تـقرأ قول الله تبارك وتعالى :

{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تُؤتي أُكُلَها كلَّ حين بإذن ربها ، و يضرِب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون }

قال ابن القيم : ‘ فإنه سبحانه شبّه شجرة التوحيد في القـلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل ، الباسقة الفرع في السماء علواً ، التي لا تـزال تؤتي ثمرتها كل حين . و إذا تأملت هذا التشبيه رأيتـه مطابقاً لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب ، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء . ولا تـزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء . ولا تـزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت ، بحسب ثباتها في القلب ، ومحبة القـلب لها ، وإخلاصه فيها ، ومعرفته بحقيقتها ، و قيامه بحقوقها ، ومراعاتها حقّ رعايتها ‘ [3]

و من السلف من قال : إن الشجرة الطيبة هي النخلة ، ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيح ، وقال الربيع بن أنس : ذلك المؤمن ، أصل عمله ثابت في الأرض ، و ذكره في السماء .

قال ابن القيم :

‘ ولا اختلاف بين القـولين ، و المقصود بالمثل : المؤمن ، و النخلة مشبهة به ، وهو مشبه بها ‘ [4]

– و من مكانك تحتها تشم عبير ورود بقربها ، من شجرة تسمى شجرة الطاعة ، شهدت منحة الرضوان ، لما أسبغت ، يوم نزلت : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ، فعلم ما في قلوبهم ، فأنزل السكينة عليهم ، وأثابهم فتحاً قريباً }

و يفتأ المستظل بظلها اليوم ساكن الفؤاد ، غير مضطرب لحرمان وفـوات ، ينتظر فتحاً لحركة الإسلام تـندكّ به صروح الضلال ، قد قدّم له التبايع على الموت ثمناً .

– فإن اختار الله لك المحنة سبيلاً لهذه المنحة ، وحَزَبَك الأمر : لجأت إلى شجرة الترحاب ، تطلب الطمأنينة عندها ، هازاً جذعها ، لتغدق عليك من بركتها ، وتـفعل ما فعلت مريم عليها السلام لما ضاقت عليها الأرض ، فجاءها نداء: { و هزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رُطباً جَنياً فكلي و اشربي و قرّي عينا } .

فتأكل رطيبات وتـقنع بها ، عازفاً عن بطر المترفين ، وتغرف من ثَمّ من سَرِي بين يديك يجري ، مستعلياً بعزة دونك مدارجها ، ترقى إليها و تَسري .

– و للنبي صلى الله عليه وسلم غِراس في هذه الغابة ، كما أن الحكمة أشهدت الشجر مواقف من سيرته الشريفة ، إيماء إلى هذا الارتباط ، ربما ، و إثارة لتطلع الغافل .

منها : شجرة الوفاء ، عنوان امتـزاج الأرواح الذاكرة ، تـنطق بالشكر ، و تحفظ الفضل لأهله ، و تعلن عِرفان الجميل .

وهي نخلة ، تَنَهَّدتْ عند الفِراق .

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه :

( كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وُضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العِشار ، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده عليه ) [5]

أي كأصوات النياق التي أثـقلها حمل بطنها وقَرُب مخاضها . وتـلك من معجزاته ، عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام .

جذع أنيلَ الشرف ، فوفى ، واجتمع له الحَنين ، فاستبدَّ به استبداداً ، فَرَّق منه الأنين .

وما من أحد إلا وفي بيته ديوان حديث ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم واقف عنده يُفقِّه أمرَ دينه ، و يُلقنه شرائع الأسلام ، و الوفاء يليق لمثلنا ، نتعلمه من الجذع ، و نترجمه صُوراً من الاتّباع و الاقـتـفاء .

– و شجرة خامسة تسمى شجرة الثبات ، تلوذ بها يوم تتوزع الناس الأهواء ، فتطلب النجاة معتـزلاً الفِرَق كلها ، ( ولو أن تعضّ بأصل شجرة ) [6]

وتصون لسانك إلا عن قولك مع عبد الله بن أبي مُليكة : \’ اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن \’ [7] فلأمر ما مما نقول كان هذا الاعتصام بالشجر ، في إلحاح يزيد معه المعتصم شدّ نواجذه ضاغطاً ، لو تخيّلته ، لتردّد قلبك يهتـز في قلق ، بين رهبة من استرخاء يعتري فيَجرِف ، و أمل في إتمام يُنجي .

إلا أن رحيق هذه الشجرة يرويك إذ الناس تلهث عطشاً ، ويبل حلقك بارداً ، فتضاعف العضّ مُبالغاً ، كأنك تمص الثبات راضعاً .

– و سادسة تُعرف بشجرة الأنس ، تُصاحبك عند الوحشة ، و تخفف رطوبتها جفاف هـفواتـك . غَرَسها النبي صلى الله عليه وسلم لما مَرَّ بقبرين يُعذبان ، فكان أن : ( أخذ جريدة رطبة ، فشقها بنصفين ، ثم غرز في كل قبر واحدة ، فقالوا : يارسول الله : لِمَ صنعت هذا ؟ فقال : لعـله يخفـف عنهما مالم يَيْبسا ) [8]

ففهم بُريدة الأسلمي – رضي الله عنه – من ذلك أنها سُنة ، فأوصى أن يُجعل في قبره جريدان ، فما زال الناس يُقلدونه في ذلك .

وقد لا نخلوا من لمم يكدر صفـو العمل ، أو من تَتَبع بفـضول لما في يد أهل الدنيا من أموال الاستـدراج ، يكون معه الأرق المتـلف ، واضطراب النوم ، فيضعف الاستعداد للفجر الآتي ، ولعل سويعة لك تحت سعف النخيل تخفف لهـفـك .

– ثم شجرة المفاصلة ، شهدت كيف يُتمم استـقلال الوسيلة عند المسلم استـقلال الهدف ، و ذلك لما تبع مشرك جيش المهاجرين والأنصار حين سيره نحو بدر ، يريد أن يقاتل معهم ، حمية و نصرة لقومه ، فلما وصلوا شجرة ضخمة كانت مَعْلماً في الطريق ، ذكرتها عائشة رضي الله عنها : لحق بهم ، فالتـفـت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( ارجع ، فلن أستعين بمشرك ) [9]

فمضى ذلك أصلاً ، لم يطرأ عليه الاستـثـناء إلا في حوادث ضيقة .

و تحاصر جبهات الأحزاب اليوم دعوة الحق ، تبثّ إرجافها ، متهمة إياها بتخلف عن ركب سياسي مجتمع ، فيقصد الدعاة الأشجار المعالم الضخام ، فتشهد بانتـفاء اللقاء ، و عيب النزول بعد الاستعلاء .

– ولما فَقه الناس هذه الأمثال : تتابعوا في سباق يغرسون ، فكانت شجرة ثامنة عرفت بينهم أنها شجرة الاغتـفار .

وهي شجرة عنب كثيرة الثمر ، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له : اقتطف عنقـوداً ودعاه ، فيأكله ، وينصرف شاكراً .

فلما كان اليوم العاشر : قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها : ماهذا من أدب الضيافة ، ولكن أرى إن دعوت أخاك ، فأكل النصف ، مددت يدك معه مشاركاً ، إيناساً له ، و تبسطاً و إكراماً .

فقال : لأفعلن ذلك غذاً .

فلما كان الغد ، و انتصف الضيف في أكله : مدّ الرجل يده و تـناول حَبّة ، فوجدها حامضة لا تساغ ، وتـفلها ، و قطّب حاجبية ، و أبدى عَجَبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها .

قال أبو حيان التوحيدي : فقال الضيف : قد أكلت من يدك ، من قَبلُ على مر الأيام حُلواً كثيراً ، و لم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك عطاءك السالف [10].

و ما هذه من قصص الأغاليط ، ولكنه مَثـَل ضرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له ، ومجاز تدلف منه إلى العدل مفتوح أمامك .

فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة و استـقام له الصواب ، فإن أخطأ معك أخ لك فلا تجرمنـَّك كبوته على الهجران ، و التأفف ، و الضجر و الانتقاص منه ، بل ولا على العتاب , إنما تـتصبر ، و تكظم و تعفو في سرك مستحضراً جمال سابقاته ، و جياد أفعاله ، و حلو مكرماته ، إذ لعله قد أعانك على توبة أو ظاهرك عند تعلمك رديفاً و رفيقاً و سميراً ، أو علّمك باباً مما علّمه الله و طريفه .

– فإن استـفدت و نشرت الانصاف ، فقد أذن لك في أن تستـلقي تحت شجرة هيفاء ، كثيرة الثمار و الورود ، يخلب نظر الرائي جمالها ، و تُنطق المستمتع حمداً لرفيع ذوق غارسها .

اسمها : شجرة الزهد .

وهي شجرة قلبية فريدة ، و لم يَسبق صاحبها أحد إلى استـنبات مِثلها ، فجاءت بدعة ، و وصفها فقال :

غَرسَ الزهدُ بقلبي شجره **** بعد أن نقّى بجهدٍ حَجَرَه

وسَقاها إثرَ ما أَودَعها **** كَبِدَ الأرضِ بدمعٍ فَجَّرّه

ومتى أبصرَ طيراً مُفسداً **** حائماً حول حِماها زَجَرَه

نمتُ في ظلٍ ظليلٍ تحتَها **** رَوّح القلبُ و نَحى ضَجَره

تم بايعت إلهي وكذا **** بيعة الرضوان تحت الشجرة

فانظروا أطوار رعايته لها ، وعنايته بها ، وكيف بدأ بتطهير قلبه مما هنالك من أحجار الحسد و الرياء و التكبر و سوء الظن ، و كيف سقاها بدموع الخشية في الأثلاث الأخيرة ، وكيف زجر شياطين الإنس و الجن لما حامت حول بذرتها تبغي التـقاطها ، وقلِّده ، و أفعل فعله : تورق لك أختها ، و تتفتّح لك منها الزهور بألوان و عطور ، فتـنام تحتها كما نام ، تستشعر شعور أهل بيعة الرضوان ، و كأنك فيهم و معهم ، تغمرك نشوة البيعة على الموت في سبيل الله دفاعاً عن الإسلام .

– و وعى الإمام حسن البنا – رحمه الله – فَن زراعة أشجار الإيمان ، فغرس لك الشجرة العاشرة ، وهي شجرة الحِلم ، و صفها مخاطباً الدعاة فقال : \’ كونوا كالشجر، يرميه الناس بالحجر ، و يرميهم بالثمر \’ . ولقد أجاد وأفاد ، فإن في أكثر الناس سرعة جنوح إلى الجهل ، يميلهم إلى تكذيب دعاة الإسلام و إيذائهم بالباطل . ولو جهل الداعية مثـل جهل الجاهلين ، وقابل الإساءة بإساءة ، لعـفـت رسوم الإحسان واندثرت ، و لكنه الصدر الواسع ، والاحتساب ، والاستغفار لقومه الذين لا يعلمون .

أما بعد :

فليس الإمام البنا بآخر غارس في غابة الإيمان ، و إنما وضعنا في يدك الفأس ، و أعطيناك البذر ، فأبذر : تجد الثمر و فيراً ، مباركاً .

فاخرج و تجوّل متأملاً : تجد أخلاق الإيمان قد مازجت الخضرة ، و إن لكل شجرة تعبيراً عن شيء من محاسن الخصال يمازج سجودها ، و يقترن بمظهر عبوديتها لله خالقها .

ومن ها هنا كانت سويعات الخلوة بين الشجر سبب ذكرى للغافلين ، و سبيل إنابة .

و مما ينبيك عن صدق ظننا الحَسَن هذا بالأشجار أن الله سبحانه ضرب مثل الكلمة الخبيثة المنافية للتوحيد كشجرة خبيثة ، لكنها ليست قائمة ، بل اجتُثتْ من فوق الأرض ما لها من قرار .

فليس من شجر واقف إلا و يعظك بكلمة من الإيمان .

 
[1] تفسير الطبري 1/516 – طبعه دار المعارف .

[2] ديوان رسالة المشرق 30 .

[3] إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/188 طبعة الوكيل .

[4] إعلام الموقعين عن رب العالمين 1 / 188 – طبعة الوكيل .

[5] صحيح البخاري 2/11 .

[6] صحيح البخاري 9/65 .

[7] صحيح البخاري 9/58 .

[8] صحيح البخاري 2/14 .

[9] صحيح مسلم 5/201 .

[10] الامتاع و المؤانسة 2/121 .

كُتب في تذكرة, منائر | التعليقات على أشجار الإيمان مغلقة

سلسلة البناء الدعوي – 2

ســلامة منهـج الداعيـة

مطلب: الكمال في القرآن.
مطلب: الإخراج من التيه.
مطلب: يسروا ولا تعسروا.
مطلب: رحمة عامة شاملة.
مطلب: شعب الإيمان تحدد المسار.
مطلب: يحمل هذا العلم عدوله.

إن سلامة المنهج شرط أساسي للصواب، وكم من مناهج قارفها الزلل ابتداءً فلم يكن من ورائها طائل، بل سببت سلبيات وربما كوارث على الدعوة والدعاة، ونحاول هنا تلمس ملامح أساسية في سلامة المنهج :
1- الكمال في القرآن : إن الدارس للقرآن الكريم يجد أنه مامن ظرف ولاحالة ولاإشكال ولامحنة قد يمر بها الداعية إلا وبُينت له منارات التوجه السليم فيها .
(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)1. وخصصت سور كاملة لتروي تجارب أنبياء الله الكرام . (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)2. فكتاب الله مَعِينُ الداعية أبدا، وفيه كافة التجارب اللازمة للهداية ورد الناس إليه تعالى.
إن أساليب الدعوة كما وردت في القرآن الكريم، هي الأساليب الشرعية التي لاينبغي العدول عنها (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)3، وقد زكاها الله في كتابه، وأثنى على حملتها فقال : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)4.
2- الإخراج من التيه : (إن سيئة واحدة إذا ألقاها واحد منا في ساحة هذا الوجود، يوشك أن تصبح بعد سنوات من الزمن جريمة لاتنسب إلى فرد معين ولاتنحصر في شخص، بل تنصبغ بها ملايين من النفوس الإسلامية، وستكشف لكم الأيام والأعوام القادمة عن أمثلة كثيرة لصدق هذه الحقيقة )5، ومن المؤسف أن هذا الأمر لاينتبه له العديد من الدعاة، والتعصب الشديد يأخذ ببعضهم، ويصبح الحط من قدر الآخرين ديدنهم، حتى أن المسلم الجديد يكاد يضيع، ويروي أحدهم تجربته العملية في ذلك بين الجماعات المختلفة: (وكنت أشعر في بعض الأحيان أن كلاً منها كان يحاول جذبي إلى صفوفهم؛ ففي كثير من الأحيان كان بعضهم يأخذني جانباً ويهمس في أذني محذراً بالقول : ألاّ أقترب كثيراً من هؤلاء الإخوة. وكانت كل فرقة تخبرني أن الفرقة الأخرى ضالة عن الإسلام، وعند ذلك في الواقع لم أكن قادراً على تحديد موقفي … وفي كل مرة كانت كل مجموعة تسألني عما قالته المجموعة الأخرى، ثم تقوم بتصحيح بعض الأشياء التي تعلمتها من تلك المجموعة، وسرعان ماتولد لدي انطباع وهو أنه بالرغم من أن الإسلام ينهى عن الغيبة والنميمة فإن المسلمين نمامون ومغتابون بالعادة ، وأن ذلك هو الشغل الشاغل للجالية الإسلامية)6.
3- يسروا ولا تعسروا وبشروا ولاتنفروا : يغلب على بعض الدعاة نوع من التشدد في طرح بعض الأمور، وهذا المنهج بحاجة للمراجعة على هدي الكتاب والسنة: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)7، ويبين الله تعالى منهجه القويم: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ8 .
لم يكن فقه التعسير أبداً بسديد، والتشدد يحسنه كل أحد، والصلابة إنما ينبغي أن تكون في الثوابت القطعية لا الظنيات، وقول الله تعالى لنبيه: (طَهَ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى)9 هو خطاب لكل مسلم.
لقد منيت الدعوة بخسائر فادحة جداً من وراء التعسير والذي وراءه التنفير، ولقد عقب الإمام ابن حجر العسقلاني على حديث سلمان رضي الله عنه إذ يطلب من أبي الدرداء رضي الله عنه يعطي كل ذي حق حقه ؛ بقوله: (وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن يفضي ذلك إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور10 .
أفما من حق للإسلام والدعوة وفقه التيسير، ذلك إن كان الأمر مستحباً ؛ فكيف بالمرجوح والمفضول ؛ وكيف بما يؤدي إلى فتنة في الدين وازدراء بالمسلمين ، والتعسير بدل التيسير ، والتنفير بدل التبشير؟ .
4- رحمة عامة شاملة : لقد قال تعالى في حق رسوله الكريم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)11، وبكى عليه الصلاة والسلام وقام الليل مفتقراً إلى الله تعالى : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)12.
لاينبغي لبعض الظروف والمآسي التي يتعرض لها المسلمون أن تصرفهم عن أصل رسالتهم، وواجبهم في القيام بعمل الأنبياء.
إن البشرية تئن حقيقة وتتألم وهي بحاجة لمن يمد لها يد الرحمة فلقد طحنها المفسدون في الأرض ومحوا كرامتها ولابد من منقذ، فمن تراه يكون غير المؤمنين المصلحين الرحماء.

5- شُعَبُ الإيمان تحدد المسار: إن شعب الإيمان قد انحسر العديد منها عملياً في حياة بعض المسلمين، فـ ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لاإله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان))13.
في أحيان عديدة فإن إعطاء بعض الأمور أكثر من أهميتها أوأقل يؤدي إلى اختلالات في فقه الإسلام، وإن العجز عن رؤية الصورة الكلية أوحملها بالشكل الصحيح أدى إى مناهج ضيقة وتشويهات مريعة يدفع الإسلام ثمناً مرهقاً لها؛ (فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذاً صورت صورة مثمرة. وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفواً وأولياً، وإن كان ثم مايعارضه من كلي أوجزئي ؛ فكأن العضو الواحد لايعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكماً حقيقياً؛ فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به)14.
أكثر الثغرات الملاحظة في ساحة العمل الدعوي هو الفقه الاجتزائي، وعدم إدراك علاقة الفروع بالأصول، وانفصال المبدأ عن السلوك، والتركيز غير المتوازن، وانقلاب أحجام الأحكام الشرعية، وإذا ترافق ذلك مع سذاجة واعتداد بالنفس فإن عجزاً معيباً سيطوق حركتنا، ولا مخرج من ذلك إلا بإعادة التفقه بشعب الإيمان.

6- يحمل هذا العلم عدوله : هناك خلط عند عوام الدعاة بين قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)15، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((بلغوا عني ولو آية))16، ولقد ذكر الإمام العسقلاني في شرح الحديث عن المعافى النهرواني في كتاب الجليس أن (الآية في اللغة تطلق على ثلاثة معانٍ: العلامة الفاصلة، والأعجوبة الحاصلة، والبلية النازلة …. ويجمع بين هذه المعاني الثلاثة أنه قيل لها: آية لدلالتها وفصلها وإبانتها ؛ وقال في الحديث (ولوآية) أي واحدة ليسارع كل سامعٍ إلى تبليغ ماوقع له من الآي ولوقل ليتصل بذلك نقل جميع ماجاء به محمد عليه الصلاة والسلام)17؛ فما نراه من مسارعة البعض إلى الفتيا الجازمة في كل أمر مع ضيق العطن وقلة العلم وانتفاخ الأوداج وضعف الفهم مستدلين بالحديث الشريف السابق فليس من البلاغ في شيء، فإن التبليغ إنما يكون في الأمور القطعية التي لايُعذر بجهلها الناس فتقوم الحجة على الجميع لإبلاغها ورفع الجهالة عمن لابسته.
أما دقائق الأمور وغوامضها ومايتصل بغيره من الأمور ومايتعلق بظروف وأحوال خاصة فالأمر فيه موكول إلى أهل العلم بلا خلاف امتثالاً للآية الكريمة، ووقد نقل القاسمي عن القاشاني في تفسير سورة التوبة – الآية 122 مايلي: (فالمراد من التفقه علم راسخ في القلب؛ ضارب بعروقه في النفس، ظاهر أثره على الجوارح؛ بحيث لايمكن صاحبه ارتكاب مايخالف ذلك العلم وإلا لم يكن عالماً)18.
العامي من الدعاة لايطيق أن يرى له مخالفاً، وربما وصمه بالبدعة لأية مخالفة لما هو عليه، ولم يفرق بين بدعة اللغة وبدعة الدين، ولو فرَّقَ لجزم بحبوط عمل مخالفه، وأن مصيره جهنم بلا خلاف، وكل ذلك قمعاً للبدعة وظناً أنه يُبلغ الآية التي يعلمها، أما ابن تيمية فيقول: (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلقٌ كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين؛ وهو خير من أن يكونوا كفارا)19، ومن لطائف مانقل عن العلماء أن الخليفة المأمون [رغم تعصبه] كان رجلاً عالماً وعنده صفات تليق بالدعاة ، (وقد كان يرد على الملحدين وأهل الأهواء، وإذا قال لمرتد كان أسلم على يديه: أخبرني مالذي أوحشك مما كنت به آنساً من ديننا؟ وقال له المرتد غير هياب ولا وجل: أوحشني منكم مارأيت من الاختلاف في دينكم، لم يتنكر له المأمون، وإنما كان يرد عليه فلا يزال يخرج من حجة إلى حجة حتى يرجع به إلى الإسلام)20، فرحم الله من قال: إذا سكت من لايعلم سقط الخلاف.

————————
1- سورة هود ، آية 120.
2- سورة يوسف ، آية 111.
3- سورة الشورى ، آية 15.
4- سورة يوسف ، آية 108.
5- سعيد النورسي (بديع الزمان) ، الخطبة الشامية (سلسلة رسائل النور) ، ترجمة محمد سعيد رمضان البوطي ، دم ، دن ، دت ، ص21. [وقد ألقى النورسي خطبته الشهيرة أثناء زيارته لدمشق عام 1911م]
6- جيفري لانغ ، حتى الملائكة تسأل (رحلة إلى الإسلام في أميركا) ، بيروت-دمشق/دار الفكرالمعاصر-دار الفكر ، 1422هـ/2001م ، ص282-283.
7- سورة الأحزاب ، ص21.
8- سورة البقرة ، ص 185.
9- سورة طه ، الآيات 1-2.
10- ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، كتاب الصوم ، باب من أقسم على أخيه ليفطر، الحديث (1968).
11-سورة الأنبياء ، ص107.
12- سورة المائدة ، ص 118.
13- يحيى بن شرف النووي (676هـ/1277م) ، شرح صحيح مسلم ، دم ، المطبعة الكستلية ، 1283هـ ، كتاب الإيمان ، باب بيان عدد شعب الإيمان ، ، 1 ، ص 126.
14- إبراهيم بن موسى الشاطبي (790هـ/1388م) ، الاعتصام ، القاهرة ، المكتبة التجارية الكبرى ، دت ، ص 245.
15- سورة النحل ، ص 43.
16- ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ماذكر عن بني إسرائيل ، الحديث (3461) .
17- ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، 6،575.
18- جمال الدين القاسمي ، محاسن التأويل ، مرجع سابق ، 8 ، 3300.
19- عبد الكريم بكار ، فصول في التفكير الموضوعي ، دمشق ، دار القلم ، 1413هـ/1993م ، ص120.
20- شفيق جبري ، الجاحظ معلم العقل والأدب ، دمشق ، دار البشائر ، ط2، 1422هـ/2001م ، ص 83.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على سلسلة البناء الدعوي – 2 مغلقة

بسم الله نبدأ – 2005-11-14

فهذا الموقع وقد سميناه (دربنا Darbuna) إنما هو مولود جديد في درب الدعوة يحبو، وبدعائكم وسديد رأيكم يشتد وينمو، حاولنا مااستطعنا أن نجعل فيه زاداً جديداً في درب قديم مااستطاع أحد أن يزعم له بدلاً، فالدعوة إلى الله هي عمل الأنبياء والرسل الكرام، ولقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أن يَكُونَ لَكَ حُمْرِ النَّعَمِ (رواه البخاري-المناقب 3701).

دربنا بالوعي نملؤوه، ولانرضى السذاجة في دربنا، ولانسير تقليداً من دون بصيرة، بل نبحث عن الصواب فنعلنه، ونرفع له راية، وتبقى دعوتنا أغلى من أن نجامل في حقائقها، أونغِّيب صريح معانيها.

من توفيق الله أن يكون انطلاق موقعنا في شهر التقوى، في رمضان ولله در رمضان ما أكرمه:

فلأنفاس رمضان … عبقٌ لايُنسى.

في الصيام نداوة التوحيد ، ومدرسة التقوى.

وعندما تكاد الأمة تتشرذم أو تضيع :

وفيه يكون الري … إذا جفت الينابيع والسواقي.

وإلى نفحات الهداية من المعلم الهادي صلى الله عليه وسلم … يكون الحنين.

رمضان عالَمُ إيمانٍ … أخاذٌ آسِر .

فلنغترف منه .. فإن القلوب إلى ريه لظماء.

ببركة الله نبدأ سيرنا، وبكم إخوتنا تزدان الأرض وتمتلئ هداية وإيماناً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على بسم الله نبدأ – 2005-11-14 مغلقة

أولويات الأحكام الشرعية

أ. رياض أدهمي

مفهوم الأولويات في اعتبار الأحكام الشرعية مفهوم شرعي أصيل مبثوث في آيات القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وفتاوى العلماء والمجتهدين. ومعرفة الأولويات ومعرفة ترتيبها وضوابطها تعين المسلم على الخروج من الحيرة والتردد عندما تواجهه الحياة بمشكلات وأحوال يصعب ردها الى احاد الأحكام والفتاوى التي صيغت ودوِّنت في إطار نظري لا يعطي في الغالب الوضع النسبي للفتوى أو الحكم من مجمل احكام الشريعة.
ومفهوم الأولويات في اعتبار الأحكام الشرعية هو الذي يعين على تقدير الخصوصيات التي تؤثر على اختيار حل من الحلول المتعددة والذي يحقق أكبر قدر من المصالح المعتبرة حسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والأشخاص.
ومعرفة الاولويات في اعتبار الأحكام الشرعية لا تختص ولا تنحصر بالمختصين من المشتغلين بالفتوى واستنباط الاحكام، لان كل مسلم مطالب بتنزيل الاحكام الشرعية المطلقة على واقعه النسبي، ومطالب بالاجتهاد في تحقيق المناط الذي يمكن أن يعرف بأنه واجب المسلم في معرفة تعلق الحكم الشرعي بالحالة التي يواجهها، ومطالب كذلك بالتأكد من أن هذا الحكم الشرعي لا يزاحمه ولا يتقدمه في الاعتبار -في حالته- حكم شرعي اخر.

فإذا عرف المسلم قول الله تعالى (إنما الصدقات للفقراء) فهو مطالب بالتحقق من وجود وصف الفقر في من يؤدي له صدقته، ومطالب كذلك بمعرفة أولويات الانفاق (إبدأ بنفسك ثم بمن تعول…) و(كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). وإذا عرف المسلم قول الله تعالى (يا أيها الذين امنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا… وإن كنتم جنباً فاطهروا… ) فهو مطالب بالتحقق من وجود وصف الماء المطلق الذي يجوز الغسل به، وهو مطالب كذلك بمعرفة ما يتقدم على واجب الغسل في حالة المشقة أو المرض ( قتلوه قتلهم ا، ألا سألوا إذا لم يعلموا).
فالأحكام الشرعية هي منظومة من الأحكام المرتبة شاقولياً حسب الأهمية، وليست مجموعة من الأحكام المتساوية في صلاحيتها ومناسبتها للتطبيق بترتيب أفقي مطلق.
ومن الملفت للنظر أن القران الكريم عرض كثيراً من الأحكام الشرعية بصورة توحي بوجوب اعتبار ظروف التطبيق أو الوضع النسبي للحكم من جملة الأحكام وهو ما أسميناه بمفهوم الأولويات.

أمثلة من القران الكريم
مثلاً قوله تعالى (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِّل به لغير ا فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه، إن الله غفور رحيم) البقرة-173. فقد نقل ابن كثير عن مسروق قوله فمن اضطر فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. والآية تقدم حفظ الحياة على حرمة تناول الاطعمة الخبيثة.
(فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر) البقرة ـ 185. والآية تقدم اعتبار المرض ومشقة السفر على واجب الصوم في الشهر المحدد.
(ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محِلَّه، فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) البقرة ـ 196. والآية تقدم اعتبار المرض على واجب ترتيب مناسك الحج.
(فإن خفتم ألا يقيما حدود ا فلا جناح عليهما فيما افتدت به) البقرة ـ 229. والآية تقرر أن احترام المسلم والبعد به عن موارد المشقة والعسر مقدم على كراهة الطلاق وفسخ الزوجية.
(ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات… ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم) النساء ـ 25. والآية تقرر أن الزواج بالإماء وما يتبعه من العبودية لأولادهن أخف ضرراً من الوقوع في الفاحشة.
(والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم في شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدِّين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) الأنفال ـ 72.
والآية تقرر أن الوفاء بالعهد والميثاق مقدم على واجب نصر المسلم ومساعدته.
(وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) النساء. والآية تقدم حفظ حياة الكفيل الفقير على الأمر باجتناب أخذ مال اليتيم.
(وإن كنتم جنباً فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً) المائدة ـ 6. والاية تقدم اعتبار المرض أو المشقة على وجوب التطهر بالماء.
(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بايات ا وأولئك هم الكاذبون، من كفر با من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان). النحل ـ 105. نـزلت الآيات في عمار بن ياسر، عذبه المشركون حتى أعطاهم ما أرادوا مُكرهاً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال له رسول الله (ص) كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالايمان، قال: فإن عادوا فعد. والآية تقدم اعتبار حفظ النفس على واجب حفظ اللسان عما يعارض الإيمان.
والتأمل في الآيات السابقة يدلنا على أن القران الكريم لم يأت بأوامر مطلقة مجردة عن اعتبار الزمان والمكان والأشخاص، ولكن الأوامر والتوجيهات كانت تأتي مع إشارات واضحة إلى اعتبار ظروف التطبيق وتقرر البديل الذي يناسب حال المكلف ويخرج به عن موارد المشقة والعسر والحرج، وهذا الاعتبار لظروف تطبيق الأوامر الشرعية هو ما يمكن أن يسمى (اعتبار الأولويات).

أمثلة من السنة المشرفة
فإذا انتقلنا الى سنة النبي (ص) وجدنا معنى اعتبار الأولويات مبثوثاً في كثير من المواقف والتعليقات والأوامر والتوجيهات التي تلقاها الصحابة الكرام وفهموا منها ترتيب أولويات الاحكام الشرعية:
خرج جماعة من أصحاب رسول الله (ص) في سفر فأصابت أحدهم شجة في رأسه ثم اصابته الجنابة، فسأل أصحابه فقالوا: لا نرى لك الا أن تغتسل فاغتسل فمات، فلما رجعوا الى النبي (ص) سألوه فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال) رواه أبو داود وابن ماجه.
والحديث يقرر أن اعتبار رخصة التيمم مقدم على واجب الغسل للتطهر من الجنابة عند المرض. وبالاضافة الى ذلك ففي الحديث إشارة صريحة إلى وجوب التفقه بفقه الأولويات لآحاد الناس وسواد الأمة.
جاء رجل الى النبي (ص) يستأذنه في الجهاد، فسأله النبي (ص): (أحيّ والداك؟) قال نعم. قال النبي (ص): (فيهما فجاهد) رواه مسلم. والحديث يقرر أن القيام بشؤون الوالدين ورعايتهما يتقدم في الاعتبار -في حالة السائل- على واجب الجهاد في سبيل الله.
عن أنس رضي الله عنه قال كنا مع النبي (ص) في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال فنـزلنا منـزلاً في يوم صار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال فسقط الصوَّام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) رواه مسلم. والحديث يقرر أن القيام بمصالح الناس العامة وإصلاح الضروري من أمر حياتهم يتقدم في الاعتبار التطوع في العبادة.
سئل النبي (ص) عما يرى الرجل من امرأة يريد أن يتزوجها فقال: (إن استطعت أن ترى منها ما يرغبك فيها فافعل) رواه ابو داود. والحديث يقرر أن ما يرغب الخاطب في الزواج ويطمئنه الى وجود الميل والتوافق مقدم على الامر بغض النظر.
كان ابن عباس رضي الله عنه جالساً عند الكعبة فنظر إليها وقال: (ما أعظمك وما أعظم حرمتك، وللمسلم أشد حرمة عند الله منك) رواه الترمذي. وكلام ابن عباس في هذا المقام يقرر أن إيذاء المسلم أشد حرمة من الاستهانة أو الإعتداء على حرمة الكعبة.
وروي عن ابن عمر قوله: (لإن أمشي في حاجة أخي أحب إلي من اعتكاف سنة). ويؤكد هذا الفهم من ابن عمر أن قضاء حاجات الناس وإزالة همومهم مقدم في الإعتبار والأجر على نوافل الطاعات.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لسعد عندما أوصى بماله في سبيل الله (الثلث، والثلث كثير. لأن تدع عيالك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) رواه البخاري. والحديث يقدم حاجة العيال وكفايتهم على التوسع في الإنفاق في سبيل الله.
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) مهتما بحفر الخندق -قبل غزوة الاحزاب- ففاتته صلاة العصر فقال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقلوبهم نارا) رواه البخاري. والحديث يقدم الضروري من أمر الجهاد على واجب أداء الصلاة في وقتها.

وعند تأمل الامثلة المذكورة يتبين بوضوح أن مفهوم الاولويات عند اعتبار الأحكام الشرعية، فكرة أصيلة في سنة النبي (ص) وفي فهم الصحابة رضي الله عنهم ففي كل مثال كان هناك تقديم لحكم شرعي آخر، أو مقارنة بين وضعين واختيار لأحدهما وامر وتوجيه بإطراح الحكم الاخر، أو بيان لفضيلة وأهمية أحدهما على الاخر.

شواهد من أقوال الفقهاء
وبالاضافة الى ما تقدم من الايات الكريمة والأحاديث النبوية، نذكر بعض الفتاوى عن العلماء والتي يبدو بوضوح أنها تنبع من فكرة الاولويات:
يجوز التيمم عند بيع الماء بسعر أغلى من المعتاد (الاختيار ج1 ـ 22)
تسقط الجمعة والجماعة عند الخوف واضطراب الامن (فقه العبادات 358).
يجوز كشف العورة للتداوي الاختيار (ج ـ 154).
يحرم نبش قبر الميت إلا أن يكون القبر في أرض مغصوبة (فقه العبادات 250).
تجوز الصلاة قاعداً أو مستلقياً عند العجز أو خوف زيادة المرض (الاختيار ج1 ـ 6).
ذكر الإمام الغزالي في الإحياء ـ كتاب الحلال والحرام ـ أنه لا يجوز سؤال المسلم عن مصدر رزقه عندما يقدم طعاماً لضيوفه -محاولة منهم للتورع عن الشبهات- لأن إيحاش قلب المسلم بهذا السؤال أشد حرمة من أكل المال الحرام.

وفي جميع ما تقدم نرى أن الاحكام الشرعية الثابتة قدمت بصورة توضح أن الأحكام الشرعية ليست على وزن واحد في كل الأوقات وفي كل الأحوال. وبعبارة أدق، أنه لا بد من اعتبار الاحكام الشرعية وفق ترتيب متدرج في الأولوية أو الأهمية.

* * *

وبعد هذا البيان لمدى أصالة مفهوم الأولويات في مصادر الشريعة وفتاوى الفقهاء، لا بد من استحضار بعض المقدمات والقواعد والضوابط التي تعين على معرفة الأولويات وتدرج الأحكام الشرعية في الأهمية.
وأول ما يجب علمه في هذا المجال أن الله تعالى قد قرر الاحكام وأمر ونهى لاصلاح أمر الخلق ورعاية مصالحهم في دنياهم واخرتهم، فا سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج الى شيء لا تنفعه طاعة الصالحين، ولا تضره مخالفات العاصين: (يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم.. ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي انكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني).
فأوامر واحكام الشريعة هي هداية ورحمة رب العالمين اللطيف الخبير ليعيش الناس حياة طيبة في الدنيا ليس فيها عسر ومشقة وضيق وحرج، ويستحقوا النعيم في الاخرة بكرمه وفضله سبحانه وتعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى) ؛ (من عمل صالحاً من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
ومما يجب علمه من مقدمات معرفة الأولويات أن الله تعالى لم يضع الشرائع والأوامر عبثاً، وأن الأحكام لم تشرع بمعزل عن مفهوم العلة والقصد والغاية. فلكل أمر حكمة ولكل تشريع غاية ومقصد ومعنى يرتبط بتحقيق مصالح العباد في الدنيا و استقرار حياتهم الطيبة فيها. والمسلم مطالب – لهذا – في محاولته للتدين بالأوامر والإنصياع للأحكام أن يتحرى المعنى وأن يتفقد المقصد والغاية ليجعل من تدينه و التزامه موجهاً لحياته إلى الخير و الصلاح، ولا يكون من الذين (إذا ذكّروا بآيات ربهم خروا عليها صُماً وعُمياناً).

وقد عرض القران الكريم مفهوم العلة والغاية والقصد وأصّل اعتبار المعنى عند التدين بالأوامر بأساليب متنوعة، فلام التعليل، وصيغ لعلكم، والامر بالنظر الى العاقبة، والأمر بالاعتبار والسير في الأرض والنظر والتدبر، وذكر قصص الأقوام السابقين، و ذكر قصص بني اسرائيل وما نقم الله منهم من الشكلية والحرفية والطقوسية… كل ذلك لا يمكن أن يكون إشارات عابرة، ولكنه الإرساء والتأصيل لمفهوم الغاية والعلة، و كأن الله تعالى يأمرنا باعتبار المعنى والقصد عند الفهم عنه ومحاولة التدين بالتزام أوامره وتشريعاته سبحانه وتعالى. وقد قرر الامام الشاطبي بأن هذا الامر مقطوع به وأنه مستمر في جميع تفاصيل الشريعة (الموافقات ج2 ـ 3).

وهنا لا بد من وقفة لتوضيح بعض اللبس و الإشكال، فقد يتحرج البعض من تقرير مفهوم العلة و الغاية و القصد و يحسب أن هذا يتعارض مع واجب المسلم في التسليم للأوامر مقطوعة عن غاياتها و حكمتها ، فلو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخفّ أولى بالمسح من ظاهره. و نسارع إلى القول أنّ هذا الكلام صحيح لا يخالف فيه مسلم إذا تعلق الأمر بالعبادة و الشعائر، فالعبادة حق الله على عباده و واجبهم أن يعبدوه بما شرع بلا زيادة و لا نقصان و لا قياس تعبداً و خضوعاً . أما إذا تعلق الأمر بإقامة مصالح الدنيا و معايش الناس فلا بد من اعتبار المعنى و النظر إلى مقاصد التشريع. و قد قرر العلماء أن الأوامر الشرعية التي تتعلق بمصالح الدنيا و التي لا يفهم ارتباطها بالمصالح و المقاصد نادر و لا بد إن وجد من الإقتصار على حدود المنصوص فيه تعبداً بلا تعدية و لا زيادة ( راجع إن شئت ما كتبه الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في – مقاصد الشريعة الإسلامية – ص 47 عند كلامه عن تعليل الأحكام و عكسه المسمى بالتعبدي ).
و يتحرج البعض الآخر من إثبات مفهوم العلة و القصد و الغاية من جهة اخرى ، إذ يظن أن في ذلك جراءة على الله تقدح في الإيمان و التسليم . فالله سبحانه و تعالى (لا يسأل عما يفعل) و أحكامه و تشريعاته هي من أفعاله التي لا نسأله فيها : لم ؟ أو لماذا ؟ بل يجب أن نسارع إلى الإلتزام بها فهمت أم لم تفهم . و نجيب على ذلك بما قرره العلماء أن الله تعالى لا يسأل سؤال محاسبة أو استنكار، و لكنه سبحانه يسأل سؤال استفهام و طلب علم و معرفة. و قد وقع مثل هذا السؤال – بهذا المعنى – من ملائكة مقربين و رسل و أنبياء صالحين من دون أية إشارة إلى هجنة السؤال أو اية معاتبة على وقوعه منهم. و قد سبق الوهم إلى هذا المعنى عند بعض العلماء نتيجة تعلقهم بآثار و مخلفات المعارك الكلامية و الجدل بين الفرق الذي استحكم في بعض الفترات حتى أكثر من الغبش و الخلط حول أساسيات الفهم عن الله في أوامره و هديه ( انظر إن شئت ما كتبه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسير الآية – لا يسأل عما يفعل – في التحرير و التنوير ج17 ص 46 ).

فإذا انتهينا إلى أن البحث في العلة و المقاصد هو الأساس في فهم و توجيه الأوامر الشرعية لتحقيق المصالح و تجنب المفاسد فلا بد من وقفة لتعريف المصلحة الشرعية المعتبرة. وقد عرّف الشيخ العز بن عبد السلام المصالح بأنها اللذات و أسبابها و الأفراح و أسبابها ، و عرّف المفاسد بأنها الآلام و أسبابها و الغموم و أسبابها وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية ( قواعد الأحكام ).
و لإحتمال اختلاط المصلحة المعتبرة شرعاً بالهوى المذموم فقد أكد العلماء أن الشريعة إنما جاءت لإخراج العبد عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله ، وأن المصالح المجتلبة و المفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للآخرة، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية ( راجع إن شئت كتاب المقاصد في الموافقات للشاطبي ).
و قد يزيد تعريف المصلحة الشرعية وضوحاً ما قرره علماء الأصول وفي مقدمتهم الإمام الغزالي والإمام الشاطبي أن أحكام الشريعة و أوامرها تدور حول رعاية و تأصيل و تزكية و حفظ كليات و أساسيات خمسة و هي الدين و النفس و النسل و العقل و المال . فالمصلحة الشرعية المعتبرة هي كل عمل يحقق و يؤصل و يزكي و يحفظ إحدى كليات الشريعة التي تمثل أساسيات الحياة الإنسانية الراشدة .
فمقاصد الشريعة هي ما يزيد الحياة الإنسانية إستقراراً و طيباً و عدلاً و نماءً و تزكية بحفظ عناصرها وإقامة مصالحها ودرء الفساد الواقع أو المتوقع فيها. وبعبارة اخرى فالله تعالى سبحانه يعلم أن حياة الانسان لا تستقر ولا تنمو ولا ترتقي إلا اذا تأصلت فيها عناصر أساسية خمسة تدور حول حفظها ورعايتها وحمايتها أحكام الشريعة وجميع تفصيلاتها.
1-الدين
يمثل الدين العنصر الأساسي في استقرار الحياة الانسانية ونموها وزكاتها. فاستقرار التصور الصحيح عن الكون والإنسان، وبداية الكون وغايته ونهايته، ومركز الانسان في هذا الكون، واستقرار مصدر التلقي للقيم والموازين والشرائع… كل ذلك يعتبر الاساس لاستقرار الحياة الانسانية. ولا مطمع للانسانية في حياة كريمة يسودها العدل والحق والخير إذا ترك الحكم في هذه الامور الهامة للانسان المحدود القاصر الذي تحكمه الميول والرغبات. فالعقيدة في أصولها العامة، ومعرفة الله سبحانه بصفات جلاله وكماله وأصول العبادات، وأصول الاخلاق والقيم… هي الدين.
ولا بد من الاشارة الى أن اقتصار معنى الدين على اسم الملة أو العبادة وحدها أو العقيدة مقطوعة عما تقتضيه من عمل ـ ولو كانت جميعاً من مضمون معنى الدين ـ يحرم المسلم من الفهم المقصدي للاحكام ويوقعه في الشكلية الطقوسية.

2-النفس
تعتبر النفس الإنسانية بعناصرها المادية و المعنوية هي محل الدين و مجال عمله ، و لذلك كان ما يقوم به الجسم الإنساني من متطلبات مادية كالغذاء و اللباس و المسكن و المركب و الدواء و الأمن ، و كذلك كل ما تسمو به النفس من أمور معنوية مثل الكرامة و الشرف الخصوصية ، كان كل ذلك مدار تعليمات الدين و تشريعاته لإستقرار الحياة الإنسانية . فلا تتصور الحياة ممكنة نامية زاكية و الإنسان مهدد في حياته و حاجات حياته الفطرية الطبيعية لا يجد ما يلبيها إلا بشق الأنفس وإهدار الكرامة.

3-النسل
تعتبر متطلبات وشروط النشأة السليمة المستقرة للنسل الإنساني والمتمثلة في نظام الاسرة وقيم ومثل هذا النظام، الهدف والمقصد الشرعي الذي تدور حوله التوجيهات والتشريعات الاجتماعية. فرعاية النسل الانساني وتربيته في أسرة متماسكة مستقرة، وحماية نظام الاسرة من طغيان الانانية الفردية، واعتبار العلاقة الزوجية وعقد الزواج هو الوسيلة الوحيدة –حصراً- لتلبية الدوافع والحاجات الجنسية و حاجة الإنجاب و اتخاذ الذرية عند الرجل والمرأة على حد سواء، واعتبار أي تلبية للحاجات الجنسية خارج إطار العلاقة الزوجية عدواناً على المجتمع بأسره وخطراً يهدد الأمن الاجتماعي بتهديد نظام الاسرة. كل ذلك يمثل وجوهاً من التوجيه الإجتماعي لاستقرار الحياة الإنسانية و استقرار ضوابطها الأخلاقية و القانونية .
ويلحق بحفظ النسل كل ما يتعلق بترتيبات تأصيل نظام الاسرة كالأمر ببر الوالدين وصلة الارحام ورعاية الايتام، وكذلك كل ترتيبات دفع الفساد المتوقع على نظام الاسرة كالامر بغض النظر وستر العورة، وتحريم الخلوة بالأجنبية والامر بالجدِّية و الحشمة في اللهجة وموضوع الكلام عند تخاطب النساء والرجال، وإباحة الطلاق عند تنافر الطباع وتعذر الوفاق.

4-العقل
العقل الإنساني هو مناط الكرامة والتكليف. وحفظ العقل هو حفظ قانون السببية فيه عند التعامل مع الواقع المادي والاجتماعي أو التعامل مع اللغة وقوانين المعاني فيها.
فالانسان مطالب بالفهم لأوامر الله ومطالب بمعرفة ظروفه وما يحيط به من أمور مادية واجتماعية واقتصادية، ومطالب باجراء الموافقة والمطابقة لتنـزيل الامر الإلهي على واقعه. فالتدين بالامر الشرعي هو الفهم للأمر المطلق و تنـزيله في محله المناسب في الواقع و بشكل يحقق مقاصد الأمر المطلق و غاياته ، وهذا الفهم وهذه المطابقة تحكمها قوانين المعرفة التي غرسها الله سبحانه في الفطرة الانسانية. ولا تتصور الحياة الانسانية مستقرة راشدة إلا باستقامة التعامل مع قوانين المعرفة في الفطرة و العقل و الواقع المادي و الإنساني . و لا تتصور الحياة راشدة كذلك إلا بحماية العقل من أي تعطيل مادي بالمسكرات و المخدرات أو من أي تعطيل وظيفي بالتقليد أو بترويج الخرافة أو إهمال النظر في قوانين السببية و التسخير. فتحريم المسكرات والمخدرات، وتحريم السحر والتنجيم والكهانة والعرافة وضرب الرمل وزجر الطير والتطير والفأل و تحريم الإستقسام بالأزلام والأمر بالبعد عن اتباع الظن والامر باتباع الدليل واقتفاء العلم وطلب البرهان والامر بالنظر الى العواقب… كل ذلك هو حفظ لوظيفة العقل بحفظ قوانين المعرفة والسببية فيه وحمايته من الخرافة والأوهام وصيانته عن التعطل بالمسكرات والمخدرات.

5-المال (الثروة)
تعتبر الإمكانيات و الموارد على النطاق الفردي والجماعي القاعدة المادية الضرورية التي تمكن من خدمة و رعاية و تأصيل الكليات الإنسانية الاخرى، ويتمثل مقصد حفظ المال في رعاية و ضبط و حفظ الثروات و كل ما تقوم به الحياة من المنافع و الخدمات و استقرار دوران هذه الخدمات و المنافع في المجتمع . فالأمر بالعمل و التكسب ، و الأمر بتأمين الكفاية الفردية و الجماعية ، و تحريم الإسراف و التبذير و هدر الموارد و تضييع الثروات ، و جميع تدابير استقرار قوانين التبادل للخدمات والسلع و تحريم كل ما يصادمها أو يمزجها بالظلم و الإستغلال و المشقة و العسر، وحماية الدورة الاقتصادية من التعطل بالكنز والاحتكار… وحماية الملكية الفردية من السرقة والغصب والظلم، ومنع الغرر والغش والجهالة المفضية الى النـزاع… والامر بالوفاء بالعقود ورد الأمانات وتحريم الربا… كل ذلك يمثل أمثلة لرعاية الشريعة للقاعدة المادية التي يقوم عليها كيان الأمة و الأفراد .

* * *

وبعد بيان معاني الكليات الشرعية و آفاقها و مجالاتها و التي تمثل مقاصد الأحكام الشرعية ، نذكر بعض القواعد التي تساعد في معرفة الأولويات وتدرج الأحكام في الاهمية عند التعارض والتزاحم، مستفيدين مما قرره الامام الشاطبي في بحثه عن مقاصد الشريعة في كتاب الموافقات.

اعتبار الأولويات عند التعارض و التزاحم
شرع الله سبحانه و تعالى الأوامر و النواهي و هو يعلم طبيعة الإنسان و قصوره و ضعفه فرفع الحرج و العسر عن الدين فلم يأمر إلا بما يتناسب مع فطرة الإنسان و حياته العادية المستقرة . فأصل الشريعة لا ينطوي على عسر و ضيق و مشقة و لابد من الإلتزام بالأوامر و النواهي بحدودها كما جاءت بدون تضييع أو تهاون.
ولكن الحياة لا تجري دائماً على نسق واحد ، فتتدخل العوارض و الأحوال في بعض الاحيان فتجعل في الإلتزام بالأوامر و النواهي حرجاً و ضيقاً و عسراً تتنزه عنه شريعة الرحمة . و عندها – فقط – لا بد من اعتبار الأولويات لإسقاط الأمور التي تضيع بالتزامها مصالح أعلى و معان شرعية اسمى و أولى بالإتباع و الإعتبار و ليس لمعنى يرتبط بالهوى و التهاون و التكاسل .و في هذه الحال يعتير التمسك بالمصالح المرجوحة إثماً و ذنباً يستحق المعاتبة أو العقوبة ( كما أوردنا الأثر عن مسروق في أنه من اضطر فلم يأكل و لم يشرب حتى مات دخل النار ).

الترتيب النسبي لكليات الشريعة
تعتبر أهمية مقاصد الشريعة في حفظ و تأصيل و رعاية الكليات الأساسية للحياة الانسانية حسب الترتيب المذكور. فالدين يأتي في المرتبة الاولى من الاهمية ثم يليه الكلية الشرعية – النفس – بالمعنى و الآفاق المذكورة أعلاه ، ثم كلية (النسل) ثم كلية (العقل) ثم كلية (المال) . ولكن هذا الترتيب الإجمالي لا يكفي فلا بد من إعتبار ترتيب آخر :

الترتيب النسبي للأحكام ضمن الكليات الشرعية
تنقسم الأحكام الشرعية التي شرعت لضبط و رعاية أي عنصر من عناصر الحياة الانسانية الى ثلاث مراتب:
أحكام لحفظ الضروريات.
أحكام لحفظ الحاجيات.
أحكام لحفظ التحسينيات.
فليست كل الأحكام التي شرعت لرعاية أمر من الامور على وزان واحد و أهمية واحدة ، فهناك الأركان و هناك الواجبات و هناك المندوبات و إن كانت جميعها تدور حول رعاية عبادة واحدة مثل الصلاة او الصوم او غيرها . و هذا المعنى مستمر في جميع الأحكام . و قد عقد الإمام الشاطبي فصلاً مطولاً لبيان هذا الترتيب في المسألة الرابعة من النوع الأول من كتاب المقاصد من (الموافقات).
وقد عرّف الإمام الضروريات و الحاجيات و التحسينيات:
فالضروريات هي الامور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث اذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الاخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.
فالامور الضرورية هي التي يعود اختلالها و فقدانها على أصل المصلحة بالالغاء أو الفوات أو الاضطراب البالغ، فالأكل ضروري للحياة و الدواء واللباس و المسكن كذلك . و الضروريات كذلك هي الامور التي قدر الشرع حدّاً معلوماً عند اقتحام ما يناقضها ، أو توعد بالعذاب المهين أو الخلود في الجحيم عند اقتراف ما يلغيها أو يعطلها.
و الحاجيات هي الامور المفتقر اليها من حيث التوسعة على العباد ورفع الضيق المؤدي في الغالب الى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. وبعبارة اخرى فإن ضابط الأمور الحاجية أن أصل المصلحة لا يزول ولا يلغى عند فقدها ، بل يدخل على النفس مشقة وضيقا ًوحرجاً قد يعود على أصل المصلحة والضروري منها ببعض الخلل والقصور. فبعض الامراض لا تؤدي بالمريض عادة إلى الموت و لكن الألم و الوهن المصاحب للمرض يدخل المشقة و العسر و الحرج على المريض و يدخل الخلل على معنى الحياة.

والتحسينيات معناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. فالنظافة و الطهارة و الجماليات و الكماليات لا يدخل الحرج و المشقة على تاركها ، و لكنها تزيد الحياة جمالاً و حسناً و بهاءً – إلا إذا صار الترك كلياً جماعياً فعندها يرد الحرج و تصبح الحياة عسيرة شاقة.
فالأحكام التي شرعت لحفظ الضروريات مقدمة على أحكام حفظ الحاجيات والتحسينيات في الاهمية والاعتبار . وكذلك تتقدم الاحكام التي شرعت لحفظ الحاجيات على احكام حفظ التحسينيات في الاهمية والاعتبار. فالاحكام الشرعية ضمن كل كلية من مقاصد الشرع تنقسم على ثلاث مراتب من الأهمية: الضروري فالحاجي فالتحسيني.

الأمور الكلية مقدمة على الأمور الجزئية
يختلف وزن الامور باختلاف سعة الدائرة التي تتأثر بها . فحكم أمر يحدث مرة واحدة يختلف عن حكمه إذا صار عادة مستحكمة مستمرة. و كذلك فإن حكم أمر يؤثر على فرد واحد يختلف عن حكم الأمر نفسه إذا عمّ مجتمعاً كاملاً أو جيلاً أو أمّة . فلا بد من النظر إلى معنى الكلية و الجزئية في الأحكام . فالأحكام الكلية تتقدم في الإعتبار على الأحكام الجزئية . و يرتفع وزن الامور الكلية عند مقارنتها مع أمور جزئية و لو كانت في نفس الترتيب من حيث كونها ضرورية أو حاجية أو تحسينية . ولذلك فقد قرر العلماء أن الحاجة العامة تنـزل منـزلة الضرورة الفردية . و قرر الامام الشاطبي أن الأمر الكلي التحسيني يرتقي ليصبح أمراً حاجياً ، و الامر الكلي الحاجي يرتقي ليصبح في مرتبة الضروري.

ترتيب أولويات الأحكام
يمكن أن نعيد صياغة ما تقدم فنقول : هناك ترتيبان متداخلان للاحكام الشرعية: ترتيب الكليات الخمسة فيما بينها (الدين فالنفس فالنسل فالعقل فالمال) و ترتيب الأحكام على ثلاث مراتب (ضرورية فحاجية فتحسينية) ضمن كل كلية شرعية. ولفهم هذا الترتيب المتداخل لأولويات الأحكام الشرعية يمكن صياغته على شكل جدول يرتب الأحكام على خمسة عشرة مرتبة.
1. الضروري في حفظ الدين
2. الضروري في حفظ النفس
3. الضروري في حفظ النسل
4. الضروري في حفظ العقل
5. الضروري في حفظ المال
6. الحاجي في حفظ الدين
7. الحاجي في حفظ النفس
8. الحاجي في حفظ النسل
9. الحاجي في حفظ العقل
10. الحاجي في حفظ المال
11. التحسيني في حفظ الدين
12. التحسيني في حفظ النفس
13. التحسيني في حفظ النسل
14. التحسيني في حفظ العقل
15. التحسيني في حفظ المال
شرح جدول الأولويات
عندما تواجهنا الحياة بمواقف متداخلة و أمور متشابكة ، يصعب تحليل الامور بشكل مباشر إذ يتوزع الإهتمام على طرفي المسألة المتداخلة بين نفي و إثبات.
و الخطوة الاولى في الإستفادة من الجدول تبدأ بمعرفة المصلحة التي يتعلق بها الحكم الشرعي ، فهل تتعلق المسألة بالدين أم بالنفس أم بالنسل أو العقل أو المال. فلكل الامور في الحياة أحكام دينية بمعنى أن الدين له منها موقف و توجه ، وليس بمعنى أن كل ما ورد في الشريعة حكمه فهو من كلية حفظ الدين. فأحكام الطعام و الشراب هي من أحكام حفظ النفس ، و أحكام البيوع و العقود هي من أحكام حفظ المال ، و أحكام و آداب الاسرة و الزواج و الطلاق و النفقة و هي أحكام لحفظ النسل و هكذا.
و الخطوة الثانية هي تحديد مرتبة المصلحة، هل هي من الضروريات أم من الحاجيات أم من التحسينيات . وعند ذلك يمكن أن نلحق المصلحة بمرتبتها على الجدول ثم مقارنتها بما يزاحمها بعد معرفة مرتبة الامر المزاحم كذلك . و النتيجة أننا نقدم المصلحة الأعلى على الجدول و نهمل المصلحة الأدنى، و يكون هذا التقديم أو التأخير هو الحكم الشرعي في المسألة المعروضة على البحث. ونضرب مثلاً مسألة كشف العورة للتداوي .
فمعلوم أن التداوي يندرج تحت كلّية حفظ النفس (فهذا هو البعد الأول)، أما البعد الثاني و قد يكون ذلك ضرورياً إذا كان المرض يؤدي – في الغالب – إلى الموت ، وقد يكون التداوي حاجياً إذا كان المرض يسبب الألم و المشقة و لكنه لا يؤدي – الغالب – إلى الموت. فالتداوي على هذا يمكن أن يأخذ المرتبة رقم 2 أو 7 . أما ستر العورة فهو حكم شرعي يتعلق بكلية حفظ النظام الإجتماعي – حفظ النسل – أو بكلية حفظ النفس في طرفها التحسيني المتعلق بصون كرامة الإنسان بمواراة سوأته ، و على هذا فكشف العورة لا يعدو مسألة إدخال الحرج على النفس ، وتتراوح مرتبته بين حاجي في حفظ النسل ( 8 ) أو تحسيني في حفظ النفس ( 12 ) و النتيجة الواضحة أن الحكم الذي وزنه (7 ) في أدنى الحالات مقدم على الحكم الذي وزنه ( 8 ) في أسوأ الحالات . فلا نتردد في القول أنه يجب التداوي و لا حرج من كشف العورة و لا إثم و لا معاتبة.

والمثال الثاني هو ما نقله الفقهاء من حرمة نبش قبر الميت إلا إذا كان القبر في أرض مغصوبة .
و هنا نجد أن حرمة نبش القبر تتعلق بمعنى تجميلي و تحسيني يتعلق بحفظ كرامة المسلم بعد الموت و ستر ما يصير إليه مما يؤذي و يتعارض مع التكريم و الإحترام . فحرمة نبش القبر لا تعدو أن تكون تحسينياً في حفظ النفس، و مرتبة هذا الحكم (12) . و حق المسلم في الإنتفاع بأرضه هو في منـزلة الحاجي في حفظ المال ، لأن وجود القبر يؤذي صاحب الأرض و يدخل عليه شيئاً من الحرج و المشقة و لا تفوت مصلحة الإنتفاع بالأرض أصلاً ، فمرتبة هذا الحق هي ( 10 ) . و لذلك نقدم الامر ذي المرتبة ( 10 ) على الأمر ذي المرتبة ( 12 ) و نقول إن إيذاء المسلم بأخذ شيء من حقه أشد حرمة و أشد ضرراً من نبش قبر الميت و الذي يقرر العلماء أنه حرام .

والمثال الثالث الإستدانة بقرض ربوي لشراء بيت أو سيارة أو آلة عمل.
و نبدأ القول بأن جميع الأحكام المتعلقة بالمعاملات المالية تندرج تحت الكلية الشرعية – حفظ المال . و المعاملات الفاسدة شرعاً هي عقود مخالفة لضروري في حفظ المال إذا أدت إلى تلف أصل المنفعة أو أصل المال ، أو مخالفة لحاجي في حفظ المال إن أدّت إلى ظلم أو غبن أو حرج و مشقة .
فعند تعين مرتبة التعامل بالمعاملات الفاسدة عند انعدام البديل الحلال أو تعذره (مخالف لضروري في حفظ المال -5 – أو لحاجي في حفظ المال –10-) نقارن هذه المرتبة بمرتبة المنفعة المتحققة من القرض أو الشراء بالمعاملة الفاسدة . فإذا كانت المصلحة أو المنفعة في مرتبة ضروري أو حاجي في حفظ النفس أو النسل أو العقل و كان مقدار الظلم أو الغبن أقل من يذهب أصل المنفعة أو أصل المال ، عرفنا أن في الأمر سعة و رخصة فلا حرج . و إن كانت المصلحة أو المنفعة في مرتبة التحسيني أو الكمالي و التزييني فلا يجوز الإقدام على مخالفة مرتبتها أعلى و أشد من مرتبة المصلحة و المنفعة .
و نظراً لنسبية حال كل فرد في تقدير المصلحة المترتبة أو الضرر الحاصل ، يتعذر إعطاء حكم عام و لا بد لأن يتولى تقدير المصلحة أو المفسدة صاحب العلاقة بنفسه ملاحظاً معنى التقوى و الصدق في التقدير .

وبالعودة الى جميع الامثلة المذكورة في أول البحث ووضع كل مثال في مكانه المناسب على جدول الألويات نجد مطابقة تامة بين الجدول في ترتيبة وبين مدلول الايات والأحاديث.
فإذا استعان الدارس بالتعاريف التي تحدد مرتبة المصلحة على الجدول، واستعان بالامثلة التي اقتبسناها من القران الكريم والاحاديث النبوية الشريفة وبعض فتاوى الفقهاء، امتلك وسيلة ميسورة لمعرفة الأوليات ومعرفة ما يجب اعتباره أو إهماله في كل حال أو وضع من الاوضاع. ولا بد من الاشارة الى أن وضع أي حكم من الأحكام على الجدول لا علاقة له بمنـزلة هذا الحكم-فرض أو مندوب أو مباح أو مكروه أو حرام- لأن الجدول يبين المكان النسبي لمجمل الأحكام عند التعارض واستحالة الجمع، فإذا لم يكن ثمة تعارض فالمسلم مطالب بالاحكام جميعاً مهما تكن مرتبتها.

مهندس وعالم وداعية دمشقي متخصص بفقه المقاصد الشرعية وباحث وكاتب والمقالة مأخوذة عن موقع مجلة الرشاد

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على أولويات الأحكام الشرعية مغلقة
الصفحة 49 من 50« الصفحة الأولي...102030...4647484950