الصفحة 49 من 49« الصفحة الأولي...102030...4546474849

بسم الله نبدأ – 2005-11-14

فهذا الموقع وقد سميناه (دربنا Darbuna) إنما هو مولود جديد في درب الدعوة يحبو، وبدعائكم وسديد رأيكم يشتد وينمو، حاولنا مااستطعنا أن نجعل فيه زاداً جديداً في درب قديم مااستطاع أحد أن يزعم له بدلاً، فالدعوة إلى الله هي عمل الأنبياء والرسل الكرام، ولقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أن يَكُونَ لَكَ حُمْرِ النَّعَمِ (رواه البخاري-المناقب 3701).

دربنا بالوعي نملؤوه، ولانرضى السذاجة في دربنا، ولانسير تقليداً من دون بصيرة، بل نبحث عن الصواب فنعلنه، ونرفع له راية، وتبقى دعوتنا أغلى من أن نجامل في حقائقها، أونغِّيب صريح معانيها.

من توفيق الله أن يكون انطلاق موقعنا في شهر التقوى، في رمضان ولله در رمضان ما أكرمه:

فلأنفاس رمضان … عبقٌ لايُنسى.

في الصيام نداوة التوحيد ، ومدرسة التقوى.

وعندما تكاد الأمة تتشرذم أو تضيع :

وفيه يكون الري … إذا جفت الينابيع والسواقي.

وإلى نفحات الهداية من المعلم الهادي صلى الله عليه وسلم … يكون الحنين.

رمضان عالَمُ إيمانٍ … أخاذٌ آسِر .

فلنغترف منه .. فإن القلوب إلى ريه لظماء.

ببركة الله نبدأ سيرنا، وبكم إخوتنا تزدان الأرض وتمتلئ هداية وإيماناً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على بسم الله نبدأ – 2005-11-14 مغلقة

أولويات الأحكام الشرعية

أ. رياض أدهمي

مفهوم الأولويات في اعتبار الأحكام الشرعية مفهوم شرعي أصيل مبثوث في آيات القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وفتاوى العلماء والمجتهدين. ومعرفة الأولويات ومعرفة ترتيبها وضوابطها تعين المسلم على الخروج من الحيرة والتردد عندما تواجهه الحياة بمشكلات وأحوال يصعب ردها الى احاد الأحكام والفتاوى التي صيغت ودوِّنت في إطار نظري لا يعطي في الغالب الوضع النسبي للفتوى أو الحكم من مجمل احكام الشريعة.
ومفهوم الأولويات في اعتبار الأحكام الشرعية هو الذي يعين على تقدير الخصوصيات التي تؤثر على اختيار حل من الحلول المتعددة والذي يحقق أكبر قدر من المصالح المعتبرة حسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والأشخاص.
ومعرفة الاولويات في اعتبار الأحكام الشرعية لا تختص ولا تنحصر بالمختصين من المشتغلين بالفتوى واستنباط الاحكام، لان كل مسلم مطالب بتنزيل الاحكام الشرعية المطلقة على واقعه النسبي، ومطالب بالاجتهاد في تحقيق المناط الذي يمكن أن يعرف بأنه واجب المسلم في معرفة تعلق الحكم الشرعي بالحالة التي يواجهها، ومطالب كذلك بالتأكد من أن هذا الحكم الشرعي لا يزاحمه ولا يتقدمه في الاعتبار -في حالته- حكم شرعي اخر.

فإذا عرف المسلم قول الله تعالى (إنما الصدقات للفقراء) فهو مطالب بالتحقق من وجود وصف الفقر في من يؤدي له صدقته، ومطالب كذلك بمعرفة أولويات الانفاق (إبدأ بنفسك ثم بمن تعول…) و(كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). وإذا عرف المسلم قول الله تعالى (يا أيها الذين امنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا… وإن كنتم جنباً فاطهروا… ) فهو مطالب بالتحقق من وجود وصف الماء المطلق الذي يجوز الغسل به، وهو مطالب كذلك بمعرفة ما يتقدم على واجب الغسل في حالة المشقة أو المرض ( قتلوه قتلهم ا، ألا سألوا إذا لم يعلموا).
فالأحكام الشرعية هي منظومة من الأحكام المرتبة شاقولياً حسب الأهمية، وليست مجموعة من الأحكام المتساوية في صلاحيتها ومناسبتها للتطبيق بترتيب أفقي مطلق.
ومن الملفت للنظر أن القران الكريم عرض كثيراً من الأحكام الشرعية بصورة توحي بوجوب اعتبار ظروف التطبيق أو الوضع النسبي للحكم من جملة الأحكام وهو ما أسميناه بمفهوم الأولويات.

أمثلة من القران الكريم
مثلاً قوله تعالى (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِّل به لغير ا فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه، إن الله غفور رحيم) البقرة-173. فقد نقل ابن كثير عن مسروق قوله فمن اضطر فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. والآية تقدم حفظ الحياة على حرمة تناول الاطعمة الخبيثة.
(فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر) البقرة ـ 185. والآية تقدم اعتبار المرض ومشقة السفر على واجب الصوم في الشهر المحدد.
(ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محِلَّه، فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) البقرة ـ 196. والآية تقدم اعتبار المرض على واجب ترتيب مناسك الحج.
(فإن خفتم ألا يقيما حدود ا فلا جناح عليهما فيما افتدت به) البقرة ـ 229. والآية تقرر أن احترام المسلم والبعد به عن موارد المشقة والعسر مقدم على كراهة الطلاق وفسخ الزوجية.
(ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات… ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم) النساء ـ 25. والآية تقرر أن الزواج بالإماء وما يتبعه من العبودية لأولادهن أخف ضرراً من الوقوع في الفاحشة.
(والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم في شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدِّين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) الأنفال ـ 72.
والآية تقرر أن الوفاء بالعهد والميثاق مقدم على واجب نصر المسلم ومساعدته.
(وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) النساء. والآية تقدم حفظ حياة الكفيل الفقير على الأمر باجتناب أخذ مال اليتيم.
(وإن كنتم جنباً فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً) المائدة ـ 6. والاية تقدم اعتبار المرض أو المشقة على وجوب التطهر بالماء.
(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بايات ا وأولئك هم الكاذبون، من كفر با من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان). النحل ـ 105. نـزلت الآيات في عمار بن ياسر، عذبه المشركون حتى أعطاهم ما أرادوا مُكرهاً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال له رسول الله (ص) كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالايمان، قال: فإن عادوا فعد. والآية تقدم اعتبار حفظ النفس على واجب حفظ اللسان عما يعارض الإيمان.
والتأمل في الآيات السابقة يدلنا على أن القران الكريم لم يأت بأوامر مطلقة مجردة عن اعتبار الزمان والمكان والأشخاص، ولكن الأوامر والتوجيهات كانت تأتي مع إشارات واضحة إلى اعتبار ظروف التطبيق وتقرر البديل الذي يناسب حال المكلف ويخرج به عن موارد المشقة والعسر والحرج، وهذا الاعتبار لظروف تطبيق الأوامر الشرعية هو ما يمكن أن يسمى (اعتبار الأولويات).

أمثلة من السنة المشرفة
فإذا انتقلنا الى سنة النبي (ص) وجدنا معنى اعتبار الأولويات مبثوثاً في كثير من المواقف والتعليقات والأوامر والتوجيهات التي تلقاها الصحابة الكرام وفهموا منها ترتيب أولويات الاحكام الشرعية:
خرج جماعة من أصحاب رسول الله (ص) في سفر فأصابت أحدهم شجة في رأسه ثم اصابته الجنابة، فسأل أصحابه فقالوا: لا نرى لك الا أن تغتسل فاغتسل فمات، فلما رجعوا الى النبي (ص) سألوه فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال) رواه أبو داود وابن ماجه.
والحديث يقرر أن اعتبار رخصة التيمم مقدم على واجب الغسل للتطهر من الجنابة عند المرض. وبالاضافة الى ذلك ففي الحديث إشارة صريحة إلى وجوب التفقه بفقه الأولويات لآحاد الناس وسواد الأمة.
جاء رجل الى النبي (ص) يستأذنه في الجهاد، فسأله النبي (ص): (أحيّ والداك؟) قال نعم. قال النبي (ص): (فيهما فجاهد) رواه مسلم. والحديث يقرر أن القيام بشؤون الوالدين ورعايتهما يتقدم في الاعتبار -في حالة السائل- على واجب الجهاد في سبيل الله.
عن أنس رضي الله عنه قال كنا مع النبي (ص) في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال فنـزلنا منـزلاً في يوم صار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال فسقط الصوَّام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) رواه مسلم. والحديث يقرر أن القيام بمصالح الناس العامة وإصلاح الضروري من أمر حياتهم يتقدم في الاعتبار التطوع في العبادة.
سئل النبي (ص) عما يرى الرجل من امرأة يريد أن يتزوجها فقال: (إن استطعت أن ترى منها ما يرغبك فيها فافعل) رواه ابو داود. والحديث يقرر أن ما يرغب الخاطب في الزواج ويطمئنه الى وجود الميل والتوافق مقدم على الامر بغض النظر.
كان ابن عباس رضي الله عنه جالساً عند الكعبة فنظر إليها وقال: (ما أعظمك وما أعظم حرمتك، وللمسلم أشد حرمة عند الله منك) رواه الترمذي. وكلام ابن عباس في هذا المقام يقرر أن إيذاء المسلم أشد حرمة من الاستهانة أو الإعتداء على حرمة الكعبة.
وروي عن ابن عمر قوله: (لإن أمشي في حاجة أخي أحب إلي من اعتكاف سنة). ويؤكد هذا الفهم من ابن عمر أن قضاء حاجات الناس وإزالة همومهم مقدم في الإعتبار والأجر على نوافل الطاعات.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لسعد عندما أوصى بماله في سبيل الله (الثلث، والثلث كثير. لأن تدع عيالك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) رواه البخاري. والحديث يقدم حاجة العيال وكفايتهم على التوسع في الإنفاق في سبيل الله.
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) مهتما بحفر الخندق -قبل غزوة الاحزاب- ففاتته صلاة العصر فقال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقلوبهم نارا) رواه البخاري. والحديث يقدم الضروري من أمر الجهاد على واجب أداء الصلاة في وقتها.

وعند تأمل الامثلة المذكورة يتبين بوضوح أن مفهوم الاولويات عند اعتبار الأحكام الشرعية، فكرة أصيلة في سنة النبي (ص) وفي فهم الصحابة رضي الله عنهم ففي كل مثال كان هناك تقديم لحكم شرعي آخر، أو مقارنة بين وضعين واختيار لأحدهما وامر وتوجيه بإطراح الحكم الاخر، أو بيان لفضيلة وأهمية أحدهما على الاخر.

شواهد من أقوال الفقهاء
وبالاضافة الى ما تقدم من الايات الكريمة والأحاديث النبوية، نذكر بعض الفتاوى عن العلماء والتي يبدو بوضوح أنها تنبع من فكرة الاولويات:
يجوز التيمم عند بيع الماء بسعر أغلى من المعتاد (الاختيار ج1 ـ 22)
تسقط الجمعة والجماعة عند الخوف واضطراب الامن (فقه العبادات 358).
يجوز كشف العورة للتداوي الاختيار (ج ـ 154).
يحرم نبش قبر الميت إلا أن يكون القبر في أرض مغصوبة (فقه العبادات 250).
تجوز الصلاة قاعداً أو مستلقياً عند العجز أو خوف زيادة المرض (الاختيار ج1 ـ 6).
ذكر الإمام الغزالي في الإحياء ـ كتاب الحلال والحرام ـ أنه لا يجوز سؤال المسلم عن مصدر رزقه عندما يقدم طعاماً لضيوفه -محاولة منهم للتورع عن الشبهات- لأن إيحاش قلب المسلم بهذا السؤال أشد حرمة من أكل المال الحرام.

وفي جميع ما تقدم نرى أن الاحكام الشرعية الثابتة قدمت بصورة توضح أن الأحكام الشرعية ليست على وزن واحد في كل الأوقات وفي كل الأحوال. وبعبارة أدق، أنه لا بد من اعتبار الاحكام الشرعية وفق ترتيب متدرج في الأولوية أو الأهمية.

* * *

وبعد هذا البيان لمدى أصالة مفهوم الأولويات في مصادر الشريعة وفتاوى الفقهاء، لا بد من استحضار بعض المقدمات والقواعد والضوابط التي تعين على معرفة الأولويات وتدرج الأحكام الشرعية في الأهمية.
وأول ما يجب علمه في هذا المجال أن الله تعالى قد قرر الاحكام وأمر ونهى لاصلاح أمر الخلق ورعاية مصالحهم في دنياهم واخرتهم، فا سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج الى شيء لا تنفعه طاعة الصالحين، ولا تضره مخالفات العاصين: (يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم.. ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي انكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني).
فأوامر واحكام الشريعة هي هداية ورحمة رب العالمين اللطيف الخبير ليعيش الناس حياة طيبة في الدنيا ليس فيها عسر ومشقة وضيق وحرج، ويستحقوا النعيم في الاخرة بكرمه وفضله سبحانه وتعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى) ؛ (من عمل صالحاً من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
ومما يجب علمه من مقدمات معرفة الأولويات أن الله تعالى لم يضع الشرائع والأوامر عبثاً، وأن الأحكام لم تشرع بمعزل عن مفهوم العلة والقصد والغاية. فلكل أمر حكمة ولكل تشريع غاية ومقصد ومعنى يرتبط بتحقيق مصالح العباد في الدنيا و استقرار حياتهم الطيبة فيها. والمسلم مطالب – لهذا – في محاولته للتدين بالأوامر والإنصياع للأحكام أن يتحرى المعنى وأن يتفقد المقصد والغاية ليجعل من تدينه و التزامه موجهاً لحياته إلى الخير و الصلاح، ولا يكون من الذين (إذا ذكّروا بآيات ربهم خروا عليها صُماً وعُمياناً).

وقد عرض القران الكريم مفهوم العلة والغاية والقصد وأصّل اعتبار المعنى عند التدين بالأوامر بأساليب متنوعة، فلام التعليل، وصيغ لعلكم، والامر بالنظر الى العاقبة، والأمر بالاعتبار والسير في الأرض والنظر والتدبر، وذكر قصص الأقوام السابقين، و ذكر قصص بني اسرائيل وما نقم الله منهم من الشكلية والحرفية والطقوسية… كل ذلك لا يمكن أن يكون إشارات عابرة، ولكنه الإرساء والتأصيل لمفهوم الغاية والعلة، و كأن الله تعالى يأمرنا باعتبار المعنى والقصد عند الفهم عنه ومحاولة التدين بالتزام أوامره وتشريعاته سبحانه وتعالى. وقد قرر الامام الشاطبي بأن هذا الامر مقطوع به وأنه مستمر في جميع تفاصيل الشريعة (الموافقات ج2 ـ 3).

وهنا لا بد من وقفة لتوضيح بعض اللبس و الإشكال، فقد يتحرج البعض من تقرير مفهوم العلة و الغاية و القصد و يحسب أن هذا يتعارض مع واجب المسلم في التسليم للأوامر مقطوعة عن غاياتها و حكمتها ، فلو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخفّ أولى بالمسح من ظاهره. و نسارع إلى القول أنّ هذا الكلام صحيح لا يخالف فيه مسلم إذا تعلق الأمر بالعبادة و الشعائر، فالعبادة حق الله على عباده و واجبهم أن يعبدوه بما شرع بلا زيادة و لا نقصان و لا قياس تعبداً و خضوعاً . أما إذا تعلق الأمر بإقامة مصالح الدنيا و معايش الناس فلا بد من اعتبار المعنى و النظر إلى مقاصد التشريع. و قد قرر العلماء أن الأوامر الشرعية التي تتعلق بمصالح الدنيا و التي لا يفهم ارتباطها بالمصالح و المقاصد نادر و لا بد إن وجد من الإقتصار على حدود المنصوص فيه تعبداً بلا تعدية و لا زيادة ( راجع إن شئت ما كتبه الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في – مقاصد الشريعة الإسلامية – ص 47 عند كلامه عن تعليل الأحكام و عكسه المسمى بالتعبدي ).
و يتحرج البعض الآخر من إثبات مفهوم العلة و القصد و الغاية من جهة اخرى ، إذ يظن أن في ذلك جراءة على الله تقدح في الإيمان و التسليم . فالله سبحانه و تعالى (لا يسأل عما يفعل) و أحكامه و تشريعاته هي من أفعاله التي لا نسأله فيها : لم ؟ أو لماذا ؟ بل يجب أن نسارع إلى الإلتزام بها فهمت أم لم تفهم . و نجيب على ذلك بما قرره العلماء أن الله تعالى لا يسأل سؤال محاسبة أو استنكار، و لكنه سبحانه يسأل سؤال استفهام و طلب علم و معرفة. و قد وقع مثل هذا السؤال – بهذا المعنى – من ملائكة مقربين و رسل و أنبياء صالحين من دون أية إشارة إلى هجنة السؤال أو اية معاتبة على وقوعه منهم. و قد سبق الوهم إلى هذا المعنى عند بعض العلماء نتيجة تعلقهم بآثار و مخلفات المعارك الكلامية و الجدل بين الفرق الذي استحكم في بعض الفترات حتى أكثر من الغبش و الخلط حول أساسيات الفهم عن الله في أوامره و هديه ( انظر إن شئت ما كتبه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسير الآية – لا يسأل عما يفعل – في التحرير و التنوير ج17 ص 46 ).

فإذا انتهينا إلى أن البحث في العلة و المقاصد هو الأساس في فهم و توجيه الأوامر الشرعية لتحقيق المصالح و تجنب المفاسد فلا بد من وقفة لتعريف المصلحة الشرعية المعتبرة. وقد عرّف الشيخ العز بن عبد السلام المصالح بأنها اللذات و أسبابها و الأفراح و أسبابها ، و عرّف المفاسد بأنها الآلام و أسبابها و الغموم و أسبابها وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية ( قواعد الأحكام ).
و لإحتمال اختلاط المصلحة المعتبرة شرعاً بالهوى المذموم فقد أكد العلماء أن الشريعة إنما جاءت لإخراج العبد عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله ، وأن المصالح المجتلبة و المفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للآخرة، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية ( راجع إن شئت كتاب المقاصد في الموافقات للشاطبي ).
و قد يزيد تعريف المصلحة الشرعية وضوحاً ما قرره علماء الأصول وفي مقدمتهم الإمام الغزالي والإمام الشاطبي أن أحكام الشريعة و أوامرها تدور حول رعاية و تأصيل و تزكية و حفظ كليات و أساسيات خمسة و هي الدين و النفس و النسل و العقل و المال . فالمصلحة الشرعية المعتبرة هي كل عمل يحقق و يؤصل و يزكي و يحفظ إحدى كليات الشريعة التي تمثل أساسيات الحياة الإنسانية الراشدة .
فمقاصد الشريعة هي ما يزيد الحياة الإنسانية إستقراراً و طيباً و عدلاً و نماءً و تزكية بحفظ عناصرها وإقامة مصالحها ودرء الفساد الواقع أو المتوقع فيها. وبعبارة اخرى فالله تعالى سبحانه يعلم أن حياة الانسان لا تستقر ولا تنمو ولا ترتقي إلا اذا تأصلت فيها عناصر أساسية خمسة تدور حول حفظها ورعايتها وحمايتها أحكام الشريعة وجميع تفصيلاتها.
1-الدين
يمثل الدين العنصر الأساسي في استقرار الحياة الانسانية ونموها وزكاتها. فاستقرار التصور الصحيح عن الكون والإنسان، وبداية الكون وغايته ونهايته، ومركز الانسان في هذا الكون، واستقرار مصدر التلقي للقيم والموازين والشرائع… كل ذلك يعتبر الاساس لاستقرار الحياة الانسانية. ولا مطمع للانسانية في حياة كريمة يسودها العدل والحق والخير إذا ترك الحكم في هذه الامور الهامة للانسان المحدود القاصر الذي تحكمه الميول والرغبات. فالعقيدة في أصولها العامة، ومعرفة الله سبحانه بصفات جلاله وكماله وأصول العبادات، وأصول الاخلاق والقيم… هي الدين.
ولا بد من الاشارة الى أن اقتصار معنى الدين على اسم الملة أو العبادة وحدها أو العقيدة مقطوعة عما تقتضيه من عمل ـ ولو كانت جميعاً من مضمون معنى الدين ـ يحرم المسلم من الفهم المقصدي للاحكام ويوقعه في الشكلية الطقوسية.

2-النفس
تعتبر النفس الإنسانية بعناصرها المادية و المعنوية هي محل الدين و مجال عمله ، و لذلك كان ما يقوم به الجسم الإنساني من متطلبات مادية كالغذاء و اللباس و المسكن و المركب و الدواء و الأمن ، و كذلك كل ما تسمو به النفس من أمور معنوية مثل الكرامة و الشرف الخصوصية ، كان كل ذلك مدار تعليمات الدين و تشريعاته لإستقرار الحياة الإنسانية . فلا تتصور الحياة ممكنة نامية زاكية و الإنسان مهدد في حياته و حاجات حياته الفطرية الطبيعية لا يجد ما يلبيها إلا بشق الأنفس وإهدار الكرامة.

3-النسل
تعتبر متطلبات وشروط النشأة السليمة المستقرة للنسل الإنساني والمتمثلة في نظام الاسرة وقيم ومثل هذا النظام، الهدف والمقصد الشرعي الذي تدور حوله التوجيهات والتشريعات الاجتماعية. فرعاية النسل الانساني وتربيته في أسرة متماسكة مستقرة، وحماية نظام الاسرة من طغيان الانانية الفردية، واعتبار العلاقة الزوجية وعقد الزواج هو الوسيلة الوحيدة –حصراً- لتلبية الدوافع والحاجات الجنسية و حاجة الإنجاب و اتخاذ الذرية عند الرجل والمرأة على حد سواء، واعتبار أي تلبية للحاجات الجنسية خارج إطار العلاقة الزوجية عدواناً على المجتمع بأسره وخطراً يهدد الأمن الاجتماعي بتهديد نظام الاسرة. كل ذلك يمثل وجوهاً من التوجيه الإجتماعي لاستقرار الحياة الإنسانية و استقرار ضوابطها الأخلاقية و القانونية .
ويلحق بحفظ النسل كل ما يتعلق بترتيبات تأصيل نظام الاسرة كالأمر ببر الوالدين وصلة الارحام ورعاية الايتام، وكذلك كل ترتيبات دفع الفساد المتوقع على نظام الاسرة كالامر بغض النظر وستر العورة، وتحريم الخلوة بالأجنبية والامر بالجدِّية و الحشمة في اللهجة وموضوع الكلام عند تخاطب النساء والرجال، وإباحة الطلاق عند تنافر الطباع وتعذر الوفاق.

4-العقل
العقل الإنساني هو مناط الكرامة والتكليف. وحفظ العقل هو حفظ قانون السببية فيه عند التعامل مع الواقع المادي والاجتماعي أو التعامل مع اللغة وقوانين المعاني فيها.
فالانسان مطالب بالفهم لأوامر الله ومطالب بمعرفة ظروفه وما يحيط به من أمور مادية واجتماعية واقتصادية، ومطالب باجراء الموافقة والمطابقة لتنـزيل الامر الإلهي على واقعه. فالتدين بالامر الشرعي هو الفهم للأمر المطلق و تنـزيله في محله المناسب في الواقع و بشكل يحقق مقاصد الأمر المطلق و غاياته ، وهذا الفهم وهذه المطابقة تحكمها قوانين المعرفة التي غرسها الله سبحانه في الفطرة الانسانية. ولا تتصور الحياة الانسانية مستقرة راشدة إلا باستقامة التعامل مع قوانين المعرفة في الفطرة و العقل و الواقع المادي و الإنساني . و لا تتصور الحياة راشدة كذلك إلا بحماية العقل من أي تعطيل مادي بالمسكرات و المخدرات أو من أي تعطيل وظيفي بالتقليد أو بترويج الخرافة أو إهمال النظر في قوانين السببية و التسخير. فتحريم المسكرات والمخدرات، وتحريم السحر والتنجيم والكهانة والعرافة وضرب الرمل وزجر الطير والتطير والفأل و تحريم الإستقسام بالأزلام والأمر بالبعد عن اتباع الظن والامر باتباع الدليل واقتفاء العلم وطلب البرهان والامر بالنظر الى العواقب… كل ذلك هو حفظ لوظيفة العقل بحفظ قوانين المعرفة والسببية فيه وحمايته من الخرافة والأوهام وصيانته عن التعطل بالمسكرات والمخدرات.

5-المال (الثروة)
تعتبر الإمكانيات و الموارد على النطاق الفردي والجماعي القاعدة المادية الضرورية التي تمكن من خدمة و رعاية و تأصيل الكليات الإنسانية الاخرى، ويتمثل مقصد حفظ المال في رعاية و ضبط و حفظ الثروات و كل ما تقوم به الحياة من المنافع و الخدمات و استقرار دوران هذه الخدمات و المنافع في المجتمع . فالأمر بالعمل و التكسب ، و الأمر بتأمين الكفاية الفردية و الجماعية ، و تحريم الإسراف و التبذير و هدر الموارد و تضييع الثروات ، و جميع تدابير استقرار قوانين التبادل للخدمات والسلع و تحريم كل ما يصادمها أو يمزجها بالظلم و الإستغلال و المشقة و العسر، وحماية الدورة الاقتصادية من التعطل بالكنز والاحتكار… وحماية الملكية الفردية من السرقة والغصب والظلم، ومنع الغرر والغش والجهالة المفضية الى النـزاع… والامر بالوفاء بالعقود ورد الأمانات وتحريم الربا… كل ذلك يمثل أمثلة لرعاية الشريعة للقاعدة المادية التي يقوم عليها كيان الأمة و الأفراد .

* * *

وبعد بيان معاني الكليات الشرعية و آفاقها و مجالاتها و التي تمثل مقاصد الأحكام الشرعية ، نذكر بعض القواعد التي تساعد في معرفة الأولويات وتدرج الأحكام في الاهمية عند التعارض والتزاحم، مستفيدين مما قرره الامام الشاطبي في بحثه عن مقاصد الشريعة في كتاب الموافقات.

اعتبار الأولويات عند التعارض و التزاحم
شرع الله سبحانه و تعالى الأوامر و النواهي و هو يعلم طبيعة الإنسان و قصوره و ضعفه فرفع الحرج و العسر عن الدين فلم يأمر إلا بما يتناسب مع فطرة الإنسان و حياته العادية المستقرة . فأصل الشريعة لا ينطوي على عسر و ضيق و مشقة و لابد من الإلتزام بالأوامر و النواهي بحدودها كما جاءت بدون تضييع أو تهاون.
ولكن الحياة لا تجري دائماً على نسق واحد ، فتتدخل العوارض و الأحوال في بعض الاحيان فتجعل في الإلتزام بالأوامر و النواهي حرجاً و ضيقاً و عسراً تتنزه عنه شريعة الرحمة . و عندها – فقط – لا بد من اعتبار الأولويات لإسقاط الأمور التي تضيع بالتزامها مصالح أعلى و معان شرعية اسمى و أولى بالإتباع و الإعتبار و ليس لمعنى يرتبط بالهوى و التهاون و التكاسل .و في هذه الحال يعتير التمسك بالمصالح المرجوحة إثماً و ذنباً يستحق المعاتبة أو العقوبة ( كما أوردنا الأثر عن مسروق في أنه من اضطر فلم يأكل و لم يشرب حتى مات دخل النار ).

الترتيب النسبي لكليات الشريعة
تعتبر أهمية مقاصد الشريعة في حفظ و تأصيل و رعاية الكليات الأساسية للحياة الانسانية حسب الترتيب المذكور. فالدين يأتي في المرتبة الاولى من الاهمية ثم يليه الكلية الشرعية – النفس – بالمعنى و الآفاق المذكورة أعلاه ، ثم كلية (النسل) ثم كلية (العقل) ثم كلية (المال) . ولكن هذا الترتيب الإجمالي لا يكفي فلا بد من إعتبار ترتيب آخر :

الترتيب النسبي للأحكام ضمن الكليات الشرعية
تنقسم الأحكام الشرعية التي شرعت لضبط و رعاية أي عنصر من عناصر الحياة الانسانية الى ثلاث مراتب:
أحكام لحفظ الضروريات.
أحكام لحفظ الحاجيات.
أحكام لحفظ التحسينيات.
فليست كل الأحكام التي شرعت لرعاية أمر من الامور على وزان واحد و أهمية واحدة ، فهناك الأركان و هناك الواجبات و هناك المندوبات و إن كانت جميعها تدور حول رعاية عبادة واحدة مثل الصلاة او الصوم او غيرها . و هذا المعنى مستمر في جميع الأحكام . و قد عقد الإمام الشاطبي فصلاً مطولاً لبيان هذا الترتيب في المسألة الرابعة من النوع الأول من كتاب المقاصد من (الموافقات).
وقد عرّف الإمام الضروريات و الحاجيات و التحسينيات:
فالضروريات هي الامور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث اذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الاخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.
فالامور الضرورية هي التي يعود اختلالها و فقدانها على أصل المصلحة بالالغاء أو الفوات أو الاضطراب البالغ، فالأكل ضروري للحياة و الدواء واللباس و المسكن كذلك . و الضروريات كذلك هي الامور التي قدر الشرع حدّاً معلوماً عند اقتحام ما يناقضها ، أو توعد بالعذاب المهين أو الخلود في الجحيم عند اقتراف ما يلغيها أو يعطلها.
و الحاجيات هي الامور المفتقر اليها من حيث التوسعة على العباد ورفع الضيق المؤدي في الغالب الى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. وبعبارة اخرى فإن ضابط الأمور الحاجية أن أصل المصلحة لا يزول ولا يلغى عند فقدها ، بل يدخل على النفس مشقة وضيقا ًوحرجاً قد يعود على أصل المصلحة والضروري منها ببعض الخلل والقصور. فبعض الامراض لا تؤدي بالمريض عادة إلى الموت و لكن الألم و الوهن المصاحب للمرض يدخل المشقة و العسر و الحرج على المريض و يدخل الخلل على معنى الحياة.

والتحسينيات معناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. فالنظافة و الطهارة و الجماليات و الكماليات لا يدخل الحرج و المشقة على تاركها ، و لكنها تزيد الحياة جمالاً و حسناً و بهاءً – إلا إذا صار الترك كلياً جماعياً فعندها يرد الحرج و تصبح الحياة عسيرة شاقة.
فالأحكام التي شرعت لحفظ الضروريات مقدمة على أحكام حفظ الحاجيات والتحسينيات في الاهمية والاعتبار . وكذلك تتقدم الاحكام التي شرعت لحفظ الحاجيات على احكام حفظ التحسينيات في الاهمية والاعتبار. فالاحكام الشرعية ضمن كل كلية من مقاصد الشرع تنقسم على ثلاث مراتب من الأهمية: الضروري فالحاجي فالتحسيني.

الأمور الكلية مقدمة على الأمور الجزئية
يختلف وزن الامور باختلاف سعة الدائرة التي تتأثر بها . فحكم أمر يحدث مرة واحدة يختلف عن حكمه إذا صار عادة مستحكمة مستمرة. و كذلك فإن حكم أمر يؤثر على فرد واحد يختلف عن حكم الأمر نفسه إذا عمّ مجتمعاً كاملاً أو جيلاً أو أمّة . فلا بد من النظر إلى معنى الكلية و الجزئية في الأحكام . فالأحكام الكلية تتقدم في الإعتبار على الأحكام الجزئية . و يرتفع وزن الامور الكلية عند مقارنتها مع أمور جزئية و لو كانت في نفس الترتيب من حيث كونها ضرورية أو حاجية أو تحسينية . ولذلك فقد قرر العلماء أن الحاجة العامة تنـزل منـزلة الضرورة الفردية . و قرر الامام الشاطبي أن الأمر الكلي التحسيني يرتقي ليصبح أمراً حاجياً ، و الامر الكلي الحاجي يرتقي ليصبح في مرتبة الضروري.

ترتيب أولويات الأحكام
يمكن أن نعيد صياغة ما تقدم فنقول : هناك ترتيبان متداخلان للاحكام الشرعية: ترتيب الكليات الخمسة فيما بينها (الدين فالنفس فالنسل فالعقل فالمال) و ترتيب الأحكام على ثلاث مراتب (ضرورية فحاجية فتحسينية) ضمن كل كلية شرعية. ولفهم هذا الترتيب المتداخل لأولويات الأحكام الشرعية يمكن صياغته على شكل جدول يرتب الأحكام على خمسة عشرة مرتبة.
1. الضروري في حفظ الدين
2. الضروري في حفظ النفس
3. الضروري في حفظ النسل
4. الضروري في حفظ العقل
5. الضروري في حفظ المال
6. الحاجي في حفظ الدين
7. الحاجي في حفظ النفس
8. الحاجي في حفظ النسل
9. الحاجي في حفظ العقل
10. الحاجي في حفظ المال
11. التحسيني في حفظ الدين
12. التحسيني في حفظ النفس
13. التحسيني في حفظ النسل
14. التحسيني في حفظ العقل
15. التحسيني في حفظ المال
شرح جدول الأولويات
عندما تواجهنا الحياة بمواقف متداخلة و أمور متشابكة ، يصعب تحليل الامور بشكل مباشر إذ يتوزع الإهتمام على طرفي المسألة المتداخلة بين نفي و إثبات.
و الخطوة الاولى في الإستفادة من الجدول تبدأ بمعرفة المصلحة التي يتعلق بها الحكم الشرعي ، فهل تتعلق المسألة بالدين أم بالنفس أم بالنسل أو العقل أو المال. فلكل الامور في الحياة أحكام دينية بمعنى أن الدين له منها موقف و توجه ، وليس بمعنى أن كل ما ورد في الشريعة حكمه فهو من كلية حفظ الدين. فأحكام الطعام و الشراب هي من أحكام حفظ النفس ، و أحكام البيوع و العقود هي من أحكام حفظ المال ، و أحكام و آداب الاسرة و الزواج و الطلاق و النفقة و هي أحكام لحفظ النسل و هكذا.
و الخطوة الثانية هي تحديد مرتبة المصلحة، هل هي من الضروريات أم من الحاجيات أم من التحسينيات . وعند ذلك يمكن أن نلحق المصلحة بمرتبتها على الجدول ثم مقارنتها بما يزاحمها بعد معرفة مرتبة الامر المزاحم كذلك . و النتيجة أننا نقدم المصلحة الأعلى على الجدول و نهمل المصلحة الأدنى، و يكون هذا التقديم أو التأخير هو الحكم الشرعي في المسألة المعروضة على البحث. ونضرب مثلاً مسألة كشف العورة للتداوي .
فمعلوم أن التداوي يندرج تحت كلّية حفظ النفس (فهذا هو البعد الأول)، أما البعد الثاني و قد يكون ذلك ضرورياً إذا كان المرض يؤدي – في الغالب – إلى الموت ، وقد يكون التداوي حاجياً إذا كان المرض يسبب الألم و المشقة و لكنه لا يؤدي – الغالب – إلى الموت. فالتداوي على هذا يمكن أن يأخذ المرتبة رقم 2 أو 7 . أما ستر العورة فهو حكم شرعي يتعلق بكلية حفظ النظام الإجتماعي – حفظ النسل – أو بكلية حفظ النفس في طرفها التحسيني المتعلق بصون كرامة الإنسان بمواراة سوأته ، و على هذا فكشف العورة لا يعدو مسألة إدخال الحرج على النفس ، وتتراوح مرتبته بين حاجي في حفظ النسل ( 8 ) أو تحسيني في حفظ النفس ( 12 ) و النتيجة الواضحة أن الحكم الذي وزنه (7 ) في أدنى الحالات مقدم على الحكم الذي وزنه ( 8 ) في أسوأ الحالات . فلا نتردد في القول أنه يجب التداوي و لا حرج من كشف العورة و لا إثم و لا معاتبة.

والمثال الثاني هو ما نقله الفقهاء من حرمة نبش قبر الميت إلا إذا كان القبر في أرض مغصوبة .
و هنا نجد أن حرمة نبش القبر تتعلق بمعنى تجميلي و تحسيني يتعلق بحفظ كرامة المسلم بعد الموت و ستر ما يصير إليه مما يؤذي و يتعارض مع التكريم و الإحترام . فحرمة نبش القبر لا تعدو أن تكون تحسينياً في حفظ النفس، و مرتبة هذا الحكم (12) . و حق المسلم في الإنتفاع بأرضه هو في منـزلة الحاجي في حفظ المال ، لأن وجود القبر يؤذي صاحب الأرض و يدخل عليه شيئاً من الحرج و المشقة و لا تفوت مصلحة الإنتفاع بالأرض أصلاً ، فمرتبة هذا الحق هي ( 10 ) . و لذلك نقدم الامر ذي المرتبة ( 10 ) على الأمر ذي المرتبة ( 12 ) و نقول إن إيذاء المسلم بأخذ شيء من حقه أشد حرمة و أشد ضرراً من نبش قبر الميت و الذي يقرر العلماء أنه حرام .

والمثال الثالث الإستدانة بقرض ربوي لشراء بيت أو سيارة أو آلة عمل.
و نبدأ القول بأن جميع الأحكام المتعلقة بالمعاملات المالية تندرج تحت الكلية الشرعية – حفظ المال . و المعاملات الفاسدة شرعاً هي عقود مخالفة لضروري في حفظ المال إذا أدت إلى تلف أصل المنفعة أو أصل المال ، أو مخالفة لحاجي في حفظ المال إن أدّت إلى ظلم أو غبن أو حرج و مشقة .
فعند تعين مرتبة التعامل بالمعاملات الفاسدة عند انعدام البديل الحلال أو تعذره (مخالف لضروري في حفظ المال -5 – أو لحاجي في حفظ المال –10-) نقارن هذه المرتبة بمرتبة المنفعة المتحققة من القرض أو الشراء بالمعاملة الفاسدة . فإذا كانت المصلحة أو المنفعة في مرتبة ضروري أو حاجي في حفظ النفس أو النسل أو العقل و كان مقدار الظلم أو الغبن أقل من يذهب أصل المنفعة أو أصل المال ، عرفنا أن في الأمر سعة و رخصة فلا حرج . و إن كانت المصلحة أو المنفعة في مرتبة التحسيني أو الكمالي و التزييني فلا يجوز الإقدام على مخالفة مرتبتها أعلى و أشد من مرتبة المصلحة و المنفعة .
و نظراً لنسبية حال كل فرد في تقدير المصلحة المترتبة أو الضرر الحاصل ، يتعذر إعطاء حكم عام و لا بد لأن يتولى تقدير المصلحة أو المفسدة صاحب العلاقة بنفسه ملاحظاً معنى التقوى و الصدق في التقدير .

وبالعودة الى جميع الامثلة المذكورة في أول البحث ووضع كل مثال في مكانه المناسب على جدول الألويات نجد مطابقة تامة بين الجدول في ترتيبة وبين مدلول الايات والأحاديث.
فإذا استعان الدارس بالتعاريف التي تحدد مرتبة المصلحة على الجدول، واستعان بالامثلة التي اقتبسناها من القران الكريم والاحاديث النبوية الشريفة وبعض فتاوى الفقهاء، امتلك وسيلة ميسورة لمعرفة الأوليات ومعرفة ما يجب اعتباره أو إهماله في كل حال أو وضع من الاوضاع. ولا بد من الاشارة الى أن وضع أي حكم من الأحكام على الجدول لا علاقة له بمنـزلة هذا الحكم-فرض أو مندوب أو مباح أو مكروه أو حرام- لأن الجدول يبين المكان النسبي لمجمل الأحكام عند التعارض واستحالة الجمع، فإذا لم يكن ثمة تعارض فالمسلم مطالب بالاحكام جميعاً مهما تكن مرتبتها.

مهندس وعالم وداعية دمشقي متخصص بفقه المقاصد الشرعية وباحث وكاتب والمقالة مأخوذة عن موقع مجلة الرشاد

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على أولويات الأحكام الشرعية مغلقة

أوضاع الجالية المسلمة في بريطانيا

د. رنا قباني
يعود الفضل في إجبارنا علي الانفتاح علي الآخر إلي القضية التي كانت قد أثيرت في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين حول رواية آيات شيطانية للكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي. حتي ذلك الوقت كنا جالية غير مرئية إذا جاز التعبير وإذا ما تسني استخدام مثل هذا الوصف في حق جماعة تبلغ من التنوع ما نبلغه، فلغاتنا متعددة وأصولنا القومية والعرقية متباينة ونتوزع علي كافة الطبقات الاجتماعية والاقتصادية. رغم هذا الاختلاف والتنوع فقد هاجمتنا العقارب العنصرية التي أطلقت من جحورها لتنال منا وتلدغنا دونما تمييز.

وجدنا أنفسنا محصورين بين نوعين من الطغيان، الخميني بما أصدره من حكم بالإعدام علي كاتب (مهما كان خاطئاً أو أحمق)، والفتوي الليبرالية القاسية ضد هويتنا الدينية، والتي أصدرت علينا حكمها التعميمي المحقر دونما تمييز واصفة إيانا بالأجانب والبربريين. لقد أفرزت تلك الأزمة حالة من الاستقطاب بلغت مداها حينما حفزت حتي أولئك الذين اقتصر فهمهم للإسلام وعلاقتهم به علي بعض الأعراف الاجتماعية والعادات العائلية أو الاختيارات الشخصية إلي أن يتحولوا فجأة إلي محاربين في سبيله. في هذا الخضم خلت مواقف الفريقين من أدني مساحة للحنكة. مررنا حينها بظروف مؤلمة ومربكة وأبعد ما تكون عن الشفقة.

إلا أن الأزمات تعلم وتسيس، وقد سيستنا تلك الأزمة وفرضت علينا أن نرتب أوضاعنا. كانت تلك بداية صياغة مصطلح المسلمون البريطانيون ، ذلك المصطلح الذي ولد من رحم عصر الهستيريا الإعلامية التي لم تترك لنا خياراً سوي اللجوء إليه ربما في محاكاة غير مقصودة لمصطلح آخر سبقه وتفوق عليه ألا وهو مصلح اليهود البريطانيون الذي يعبر عن أقلية دينية أخري لا يتجاوز تعدادها ربع تعداد المسلمين، ومع ذلك فقد تمكنت عبر قرن من العمل الجاد والجيد وبفضل ما حققت من ثراء وأنجزت من تضامن من أن تجد لنفسها مكاناً تحت الشمس البريطانية التي لا تكاد تبزغ. لقد تمكنت الجالية اليهودية من أن تحظي بنفوذ ووزن لا يضاهيان وذلك بفضل ما حققته من نفوذ هائل داخل البرلمان وبفضل تواجدها الواضح والمؤثر في الإعلام وفي الأوساط المالية وبفضل ما تملكه من وسائل ضغط سياسية وشعبية.

مقارنة باليهود، كنا معشر المسلمين لا نحسن العلاقات، وكانت مآسينا الناجمة عن استعمار الغرب لبلادنا إما غير معروفة أو لا تحظي باهتمام أحد. وكنا في شقاق مع أنفسنا ومع البلد المضيف لنا، وكنا نفتقر إلي النفوذ سواء السياسي أو الاقتصادي، ولم يكن لنا صوت في وسائل الإعلام التي كان شغلها الشاغل وبشكل يومي تشويه صورتنا، ولم تكن لدينا القدرة علي معرفة كيف نرتقي فوق ما هو شخصي وفردي حتي يتسني لنا خدمة مصالح المجموع الذي غدا جالية مسلمة بريطانية مستقرة وكبيرة الحجم.

كان الاندماج الحقيقي هو العقبة الأكبر والأشق، وكانت اللغة، أو بمعني أصح عدم إتقانها، هو المظهر الأهم لهذه العقبة. ككل المهاجرين الآخرين، اكتسب الجيل الأول مستويات متباينة من إتقان التحدث بالإنكليزية، ولكننا كنا كلما بكينا أو سخطنا نصيح ونلعن بلغاتنا الأصلية، بالأردو أو بالعربية أو بالبنغالية أو بالعفارية أو التركية. كنا ما نزال مواظبين علي قراءة جرائد بلادنا القديمة وكانت الأخبار الواردة من البوسنة أو من العراق أو من كشمير أو من فلسطين تنال منا وتكاد تفتك بنا. وكنا خلال ذلك كله نزداد سخطاً بسبب السياسات البريطانية المعادية لمصالح أمتنا في كل واحدة من هذه القضايا التي كانت تستحوذ علي اهتمامنا نحن معشر المليوني مواطن من مواطنيها. لم يكن الحبل السري الذي ربطنا ببلادنا الأصلية قد انقطع بعد، ومع ذلك فلم نتمكن من العناية به بأنفسنا. كانت الأوضاع في بلادنا الأم دموية وفي غاية الفوضي، ولم يكن ثمة قابلة محلية قادرة علي مساعدتنا في إنجاز هذه الولادة العسرة التي عجزنا وحدنا عن إتمامها.

ما من شك في أن الاندماج يتطلب شارعاً معتني به ومفتوحاً للسير في الاتجاهين لا طريقاً مسدوداً ومجمعاً للنفايات كالذي خصص لنا. فحتي لو كنا في أمس الحاجة إلي الاندماج ـ وكثيرون منا يتوقون لذلك ويريدونه ـ بمعني أن ننحي جانباً كل ما لم يعد ضرورياً وأساسياً من شخصياتنا السابقة، ما كان بإمكاننا إنجاز ذلك دون يد حانية ومرحبة يمدها إلينا شركاؤنا الجدد في المواطنة. ولكن مثل هذه المبادرات الكريمة نادرة جداً، وما قوبلنا به بدلاً من ذلك كان مزيجاً من الحذر والشح والريبة علي المستويين الشعبي والحكومي. تركنا نعاني الآثار النفسية والمادية لمنعزلاتنا إلي أن لوح لنا براية التعددية الثقافية فاستلمناها ولوحنا بها ذات اليمين وذات الشمال طائعين.

وكالعادة، تمتع الأثرياء منا بالحماية، إذ كانت الإقامة الدائمة وما يترتب عليها من اكتساب للجنسية البريطانية لسنوات عديدة تمنح مقابل الاستثمار المالي داخل بريطانيا، وكأنما لسان حال القائمين علي القطاع المالي في البلاد هو: أعطونا أموالكم المكدسة بدلاً من أعطونا جماعاتكم إذا ما أردتم الهجرة بغرض الإقامة بين ظهرانينا.

ولكن حتي بين من كانوا أقل ثراءً، كانت ثمة تباينات واضحة. فالذين جاءوا منا بثقة من مدن راسخة وعريقة مثل دمشق وبومبي واسطنبول ولاهور لم تسرهم الحياة في مانشستر أو في ليفربول أو حتي في لندن، ولكن سريعاً ما تأقلموا مع حياة تلك المدن بما أوتوا من حصافة. أما أولئك الذين قلعوا من مواطنهم في القري الريفية في باكستان أو مصر فلم يتمكنوا من التغلب علي الأعراض الناجمة عن إعادة زرعهم في بيئات غريبة عليهم، فما كان منهم إلا أن وهنوا سريعاً. وتماماً كما حصل مع المزارعين الإنكليز الذين جردتهم الثورة الصناعية من ممتلكاتهم قبل قرن، فقد فقد هؤلاء المسلمون بوصلتهم. ونظراً لأن حياة القرية لم تتوغل في المراكز الحضرية، فقد تقوقعوا علي الذات متمسكين بأفكار دينية ومسلكية ضيقة الأفق رغم أن مثل هذه الأفكار قد تغيرت واستبدلت في الأرياف التي جاءوا يوماً منها وتركوها وراءهم.

في مثل هذه الظروف لا مفر من حدوث صدام حاد بين الأجيال، وخاصة بعد أن أنجب جيل الآباء ذرية لا تفهم ـ ولا تريد أن تفهم ـ اللغة التي ينطق بها الآباء سواء في صياغاتها الحرفية أو بمعانيها التشبيهية. وسبب ذلك هو تدخل بريطانيا الحديثة ـ بمدارسها ولغات شوارعها وأنماط معايشها ـ بين الجيلين، بين الأب وابنه وبشكل أكثر خطورة بين الأب وابنته. ثم ما لبثت هذه المتدخلة أن انسحبت تاركة إياهم في حالة من الضياع والريبة والغضب.

خلق هذا الوضع من الانفصام، في القطاعين الخاص والعام، بيئة خام وفراغاً لم يكن مستغرباً أن تستغله المؤسسة الدينية المنظمة (الممولة من الخارج بمباركة أمريكية ومن جيوب أكثر العناصر تخلفاً في الباكستان والخليج) لتستقطب التائهين من أبناء المسلمين في بريطانيا.
ففي غياب وسط جماعي يستقطبهم، أو مؤسسات علمانية تجتذبهم، أو أموال تنفق علي تحسين أوضاعهم المعيشية أو توفر لهم فرصاً تدريبية تؤهلهم أو مهناً كريمة يسترزقون منها، تدفق الشباب المسلم ـ ، وقد خلا الأفق أمامهم من أي بارقة أمل بمستقبل مطمئن ـ علي المسجد الذي فتح أبوابه مشرعة ليستقبلهم ثم ليستوعبهم تاركاً أولياء أمورهم في حيرة من أمرهم نظراً لأن هذا التحول كان في كثير من الأحيان يأتي مفاجئاً وبلا مقدمات.

ونتيجة لسياسة عدم تدخل الدولة التي تنتهج في بريطانيا، والتي تترجم عملياً في صورة إهمال مريع، ونظراً لأن الحركات الإسلامية السرية نشطة جداً في ملء هذا الفراغ، فإن نوعاً من الانعزال الآلي حل محل أي أمل في تحقيق اندماج طبيعي للكثير من أبناء الجيل الثاني والثالث من مسلمي بريطانيا الذين ارتكب في حقهم من الخطايا أكثير بكثير مما وقعوا فيه هم أنفسهم من خطايا. وكانت العواقب الكارثية لذلك أن انتهي المطاف بعدد ممن يحملون جوازات السفر البريطانية من المسلمين أن يحتجزوا في أقفاص معتقل غوانتانامو بي (في كوبا). بقدر ما هو صعب أن يقال (وأقوله وقلبي يعصره الأسي والحزن) وبقدر ما هو مؤلم أن يسمع، فإن علينا أن نصرح بأن بريطانيا خذلت مسلميها، والتاريخ وحده سيحكم إن كان هذا الخذلان مقصوداً أم غير مقصود.

بعد أن أمضيت في بريطانيا زهاء العشرين عاماً، أناضل في سبيل موقع ولو نصف محترم كإمرأة متعلمة ومتجنسة، أي كمسلمة بريطانية، وصلت إلي قناعة بأن فشل هذا البلد في التعامل مع جاليتي المسلمة كان وسيبقي فشلاً في الإرادة وفي التصور هو انعكاس لفشل هذه البلاد في أن تعيد ترتيب أوضاعها علي نحو أقل أنانية بعد أن أفلت عنها الشمس ولم تعد امبراطورية كونية يحسب لها كل حساب.

من المثير للانتباه أن أشكال التمييز الاجتماعي التي صيغت في المستعمرات جلبت إلي عقر دار المستعمر وسخرت بطريقة شريرة ضد الأغلبية البيضاء في بريطانيا ـ والتي تمثل ذوي الدخل المحدود والفقراء ـ وليس فقط ضد الأقليات الملونة التي تمثل ظاهرة نجمت بدورها عن السياسة الاستعمارية الخرقاء. فما يزال نظام التعليم القائم علي الفصل العنصري هو المعمول به اليوم في بريطانيا تماماً كما كان عليه الوضع حينما عممت المدارس الحكومية لتستجيب لاحتياجات الإدارة (والنخب المحلية الموالية لها) في مد الأساطيل الاستعمارية بما تحتاجه من الرجال حتي تظل سيدة البحار.

حينما زرت شمال إنكلترا لأول مرة لدراسة أوضاع المسلمين هناك ـ وقد أهملوا وألقي بهم كما يلقي بالنفايات تماماً كما لو كانوا مخلفات صناعية بعد أن تبخرت وظائفهم إثر إغلاق المصانع ـ أذهلني أن أري الفقراء من البريطانيين البيض الذين أضحوا هم الآخرين نفايات بشرية بعد أن أفــــقروا وأعدمــــوا من ممتلكاتهم وأصبحوا بلا فائدة، تكتظ بهـــــم الأحياء الداخلية للمدن وضواحيها علـــي حــــد سواء، وقد بتروا بلا رحمة من خارطة بريطانيا الحديثة تماماً كما هو حال معظم الآسيويين والأفارقة البريطانيين.

لقد رأت بريطانيا أن من المناسب أن تتحول إلي بلد يملكه الأغنياء حصراً، ناكرة جميل طبقتها العمالية التي عفا عليها الدهر ومحقرة لها (مع العلم أن مصطلح الطبقة العمالية لم يعد له قيمة ولا احترام بفضل الخصخصة وصناعة الخدمات والمناورات السياسية التي تمارسها الحكومة)، فأقدمت بقدر كبير من اللامبالاة علي إزالة صمامات الأمان التي كانت يوماً قد وفرتها لحماية هؤلاء العمال، السود والبيض منهم والمسلمين والمسيحيين علي حد سواء، متظاهرة في نفس الوقت بمنحهم وذراريهم رعاية صحية أقرب ما تكون إلي المرض منها إلي الصحة وخدمات تعليمية بدائية وقاصرة عن الوفاء باحتياجاتهم. أي أن بريطانيا باختصار سلكت مع العمال ما يمكن أن يتوهم في الظاهر بأنه الوداد بينما كان سلوكها في الحقيقة هو نفسه الفساد، لا تشذ في ذلك عن الأنظمة البائسة في الأقطار النامية من العالم الثالث حيث كانت بريطانيا حتي عهد قريب المستعمر والسيد المطاع.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على أوضاع الجالية المسلمة في بريطانيا مغلقة

قبل السير قف لحظة… فهل تعرف الطريق

قبل السير قف لحظة …. فهل تعرف الطريق ؟؟
هل تزودت قبل أن تمضي …

أول الطريق إصلاح النفس ، وهذه أنوار للسالك يستعين بها في الدرب الطويل ، ولا تظنن أنها كلمات مجردة فوراءها من التجارب مالا يدركه غير المجرب ….
فاتعب لها كي لا تعود من حيث بدأت … فالسير طويل ….

القسم الأول:
– إن أقواماً غرهم ستر الله وفتنهم حسن الثناء فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك
– لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله
– ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر
– اجتهادك في ما ضمن لك وتقصيرك فما طلب منك دليل على انطماس بصيرتك
– قال الشافعي : (كلما ازددت علماً ازددت معرفة بجهلي ) ذلك حال العلماء والجاهل يقعد على عرش العجب والتكبر فما يصله من الخير والعلم شيء .. وإنما هو مغرور يتوهم
– ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله
– فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة السير سير القلب
– لا تعامل من عصى الله فيك إلا بأن تطيع الله فيه
– طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب
– فاستقم كما أمرت والإستثناء لا يقلد
– بصر العينين من الدنيا وبصر القلب من الآخرة وإن الرجل ليبصر بعينيه فلا ينتفع ببصره فإذا أبصر بالقلب انتفع
– لا تذهب نور قلبك وتطمس بصيرتك بظلمة المعصية
– لا يخالف قولك فعلك ولا فعلك نيتك ولا تخالف نيتك ما يرضاه الله تعالى أبداً
– الغرور قاصم والعجب مهلك والرياء شرك
– نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل
– معصية أورثت ذلاً و استصغاراً خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً
– هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لحفظهم
– إن من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه
– اغتراف اللسان يذيقك طعم القلب
– ابتعد عن الفتنه بالتقوى عند الغضب الهاجم
– التفت إلي عيب نفسك فإن في النفس لشغلاً عن الناس ومن علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واهتمامه بعيوب الناس
– ما أحسب أحداً تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه
– مجالس الإيمان تزيل قسوة القلب
– إياك وإتباع الهوى وانظر ماذا خالط قلبك
– المحبوس من حُبس قلبه عن ربه و المأسور من أسره هواه
– حب الظهور كم قصم الظهور

القسم الثاني:

– من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة
– فاقد الشيء لا يعطيه
– إنما يقع كلامك في القلوب بمقدار موقعه من قلبك
– من لم ينتفع بلحظك لم ينتفع بلفظك
-طالب الوديعة خائن
– رأس مالنا الوقت فاحرصوا عليه
– دقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالغفلة
– إنما يعين القائد همم الرجال من حوله
– الفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء
– الجندية طريق القيادة
– خير لك أن تكون ذنباً في الحق من أن تكون رأساً في الباطل
– احذروا مصارع العقول عند التهاب الشهوات
– نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها
– غرور الفقيه يمنع تأميره ولا ينصحك من خان نفسه
– الساكت عن الحق شيطان أخرس
– رب كلمة حق أريد بها باطل
– الناس يمدحونك لما يظنونه فيك فكن ذاماً لها لما تعلمه منها فإن الأحمق من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس
– لا تهربوا من خشونة كلامي فما رباني إلا الخشن في دين الله عز وجل
– يدخل الشيطان على قلب أحدكم بسبعين باباً من الخير كي يدخل معه بابأ من الشر
– إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق
– نجوى الجيوب ضلالة ويد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية
– إن أمراً رؤساءه أهل باطل لأمر سوء
– اللهم إنا نعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة
– الاجتهاد لا ينمو في الجيوب و ( ما انتجى قوم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة )
– المؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل
– إياك ومساجد الضرار
– بداية الفتنة تأويل
– لا خير في طاعة هاوية
– لا يحمل الرجل في الكتيبة إلا بإذن أميره
– العلم بحر إن أعطيته كلك أعطاك بعضه فإن أعطيته بعضك لم يعطك شيء
– من يقاتل العدو إذا اعتزلتم
– علق تضحيتك على أمر قيادتك
– (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدل)
– لا تعن بلسانك على سفك دم الدعوة

القسم الثالث:
-أول الطريق سهل ثم يأتي الحزن ؛ في البداية إنفاق الوقت والسرور وفي التوسط إنفاق النفس وفي النهاية بذل ليس فوقه بذل حتى تلقى الله
– أول الطريق بذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات
– المحنة منحة من الله ألبسها ثوب المحنة لكي لا نحسد عليها
– الزمن جزء من العلاج ولكنكم قوم تستعجلون
– الانتقاء يقي المصارع وصعود الثقات رأس الوقاية
– لا نفصل بين الإدارة و التربية
– الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة
– لا يغرنك من الرجل لسانه ورفع وخفض رأسه في المسجد
– ركز جهودك على مصنع الثقات
– التطوير ينطلق من المعاناة
– سعة التجميع تتناسب مع طاقة التربية
– التوسع موزون والانتشار متأني
– نريد التركيز لا التكاثر وقد ألهاكم التكاثر بالأمس فاتزنوا
– المركز ثابت والانسياب موزون
– اختلاف المنطق ينفي اللقاء
– إن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة
– أنت لله ودعوته وليس لك من نفسك شيء
– ليس الزمان زمان حفظ الطريقة ، الزمان زمان حفظ الإيمان ، وكثيرون يدخلون الجنة دون طريقة ، ولكن لا أحد يدخل الجنة دون إيمان.
– أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم في أرضكم
– العمل الساذج يعالج ببث الوعي وطول الأمل يقصر بذكر الموت وظلام العوائق يبدد بأنوار الفطنة

القسم الرابع:
– اعرف الحق تعرف أهله
– من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف
– من صحت بدايته صحت نهايته ومن فسدت بدايته فالهلاك مآله
– إن من تفرس في نفسه وعرفها صحت له الفراسة في غيره وأحكمها
– إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس
– إهمال ساعة يفسد رياضة سنة
– من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته (وأمور دينه ودعوته) وقلبه فارغ
– رب حامل فقه لمن هو أفقه منه
– عزلة الزهاد مفضولة
– لا تستكثر عملك وتستقل عمل غيرك
– من سامى بنفسه فوق ما يساوي رده الله تعالى إلى قيمته
– إن من علامة المنافق أن يحب المدح بما ليس فيه ويكره الذم بما فيه ويبغض من يبصره عيوبه
– ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة
– آخر شهوة تخرج من القلب حب الرئاسة ومن عشقها فقد تُودع من صلاحه
– إذا تصدر الحدث فاته علم كثير
– أنوار الفطنة تبدد ظلمات الفتنة
– لا تظلم نفسك باختيار الظلام
– لا يكون الرجل تقياً حتى يكون تقي المطعم تقي الغضب
– كن مثل عمر ( لسب بالخب ولا الخب يخدعني ) ولا تكن ساذجاً

القسم الخامس:
– الأخوة ركيزة دعوتنا وقلوبنا كقلب واحد
– ابتسامة الأخوة مفتاح الأنوار وتبسمك في وجه أخيك صدقة
– لا تعاتب بين الأخوة بل تراحم وتغافر
– اتخذ صاحباً أميناً يحصي عليك وخذ بيده فأمنا ساعة
– الحر من راعى وداد لحظة أو انتمى لمن أفاده لفظة
– نزن الناس بحسناتهم وسيئاتهم ولا نعتدي
– نحاسب بالحسنى ولا نفضح فالصادق ينصح والفاجر يفضح
– من طلب أخاً بغير عيب بقي بغير إخوة
– من غلب فضله على نقصه وهب قليل نقصه لكثير فضله

مفاهيم شاملة:
– قال تعالى : (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك )
– قال عليه الصلاة والسلام:
– (إنما الأعمال بالنيات )
– (الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله لأئمة المسلمين وعامتهم)
– (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
– (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)
– (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
– (من أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )
– عجبت لمن يقرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقرآته
– أنزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملاً
– (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…)
– (وماأرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

فامض يا أخي معنا وكن من أحبتنا السالكين درب الدعوة الطويل
أحباب ديني أخـوتي في ليلنا كالشمـعة
تبـكي وتحرق نفسها في لهفة للدعـوة
بـنودهـا ولهيبهـا أمحو ظلام الغـربة
والعين تعكس ما ترى بعد الأسى بمـودة
ابكي دمـاً من أعين لما تكن في ذلـة
ويفيض قلبي حسرة وتحـرقاً للأمـة
من أين تأتي رقـتـي يا أخوتي في ليلتي
بعـيـن قلبي لا أرى إلا دموع أحـبتي

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…

كُتب في المناهج | التعليقات على قبل السير قف لحظة… فهل تعرف الطريق مغلقة

التوبة من الذنوب الجماعية : بداية الطريق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمد الشاكرين ، والصلاة والسلام على المعلم الهادي محمد وعلى آله وصحبه

يتوب الكثيرون من الذنوب الفردية ، ولكن التوبة من الذنوب الجماعية أضعف بكثير وقد لايحصل أصلاً ؛ ربما لأن له مقدمات طويلة لايفطن لها أكثر الناس ، مع أن الأمر والتكليف الشرعي في القرآن الكريم إنما هو في أكثره جماعي ابتداءً من (إياك نعبد وإياك نستعين)[1] ، وقد لاحظت في بعض البلاد أنه كلما أحاطت بالأمة نكبة أو مصيبة ؛ كثرت حلقات قراءة كتب أشراط الساعة! صحيحها وسقيمها ؛ حتى يكاد أولئك الإخوة الطيبون يمهدون لأنفسهم وللأمة الاستسلام لكل محنة آتية ، فكل منها لها مع إحدى علامات الساعة نسب! وترى العمل السنني والتكليف الشرعي حتى الفردي يكاد يخبو ، وكأن تلك القراءة هي البديل عن العمل العنيد المستمر لرفع إيمانيات الأمة وتقدمها إلى الريادة والفلاح.

ضياع الأندلس[2] له في قلوب المسلمين لوعة وأسى ، ولم يخرج منه المسلمون حتى اليوم بدرس عميق أوعبرة ، حتى صار في عالم المسلمين اليوم مائة أندلس تضيع وبقي التباكي عند أهل الغيرة هو المألوف والفعل والذكرى.
وفيما يلي إشارات ومعان تدندن حول الأمر وتبحث عن بعض منافذ النجاة.

الإشارة الأولى :الإدمان ممنوع:
أما المتبلدون (الذين نسأل الله لنا ولهم العافية) فليس لنا معهم الآن حديث! وإنما يهمنا صاحب الغيرة الذي يحترق قلبه على الأمة فلا يجد سبيلاً غير أن يتابع أخبار المسلمين هنا وهناك ولايترك فضائية إلا وتسمرت عيناه على ماتبثه ، وقلبه يكاد ينفطر على حال المسلمين!
إن فقه الفضائيات فيه خطر كبير ومنافع للناس ، وخطره أكبر من نفعه إلا لمرتاض حاذق متوازن! ومنا من يتابع أخبار الشر في الأرض دون منهج سليم ، فيؤدي ذلك إلى هبوط المعنويات ؛ بل ربما التهيؤ النفسي لقبول كل أنواع الضعف في الأمة.
وهذه الأمة وجدت لتبقى ، ورغم كل مايحيط بنا فقد قررنا أن نبقى كما قال الأستاذ الغزالي رحمه الله يوماً، ولكن الحالة الإيمانية التي هي مناط الثبات عرضة للزيادة والنقصان.
ونجد في فترة مبكرة وخطوة استباقية منهجاً رائداً لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه في التعامل مع الشر، وهو منهج راشد وينبغي أن يتجمل به دعاة الإيمان في كل أرض! وفي الصحيحين أنه قال : كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني! فقلت: يارسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشرٍ ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرٌ؟ قال صلى الله عليه وسلم نعم فقلتُ له: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: صلى الله عليه وسلم نعم ، وفيه دَخَنٌ ، قلتُ : ومادَخَنُهُ؟ قال: صلى الله عليه وسلم قومٌ يستنون بغير سُنتي ويهتدونَ بغير هديي ، تَعرفُ منهم وتنكر فقلت: هل بعد ذلك الخيرِ من شرٍ؟ قال: صلى الله عليه وسلم نعم ، دعاة على أبواب جهنمَ ؛ من أجابهم إليها قذفوه فيها ، فقلت: يارسول الله ، صفهم لنا ، قال: صلى الله عليه وسلم نعم ، هم قومٌ من جِلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت: يارسول الله ، ماترى إن أدركني ذلك؟ قال: صلى الله عليه وسلمتلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: صلى الله عليه وسلم تعتزلُ تلكَ الفرقَ كلها، ولو أن تعض على أصل شجرةٍ ، حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنت على ذلك[3].

إن فقهنا للشر لضعيف ، ومبادرة حذيفة تبحث عن صاحب يرفع رايتها من بعده عالياً فيراها المؤمنون فيتحلقون حولها يحيون فقهاً كاد يضيع!
وأول القصة رواه حذيفة رضي الله عنه فقال: صلى الله عليه وسلم تعلم أصحابي الخير ، وتعلمت الشر[4]، لذا كان أعلم الناس بالمنافقين والأقدر على صد مكرهم وكشف نفاقهم.
ثم جاء تفريع على كلامه بأن الإدمان مرفوض حتى في العبادة! فكيف بفضول الأمور، فعاتب المتكلم أصحابٌ له فأرشدهم إلى حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت ؛ فقلت له: قد قلتهُ بأبي أنت وأمي ، قال: صلى الله عليه وسلم فإنك لا تستطيع ذلك فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر قلت: إني أطيق أفضل من ذلك! قال: صلى الله عليه وسلمفصم يوما وأفطر يومين قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: صلى الله عليه وسلم فصم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود عليه السلام وهو أفضل الصيام فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك[5]. قال ابن حجر: ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك مفضولة! وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم:لاصام من صام الأبد مرتين[6]. وأهل الخبرة يعلمون أنه ماخرج أحد عن التوازن الشرعي مهما ظن أنه يفعل من الطاعات إلا كان ذلك على حساب جانب آخر من دينه ، فما بالك بمن يدمن بعض الأمور حتى ليظن العافية فيها ، وربما أوهمته بأنها عين ما ينتصر الإنسان فيه للحق ، وماثمة إلا وهم ، فإن العمل شيء والأمنية غيره ، وقد كثر في الأمة شيب وشباب يحبون الإسلام ويجتمعون من أجله فيرمي كل منهم إلى جلسائه بما سمع من الأخبار وتكون زفرة كل واحد منهم أطول من أختها ثم ينصرفون ولم يتفقوا على شيء من الخير يتواصون به ، أوعمل يفعلونه للأمة أو حتى لأنفسهم ؛ بل تزداد صدورهم ضيقاً بما أتحفهم به إخوانهم من أخبار مصائبَ فاتهم علمها ومحن غاب عنهم هولها ، وصار الأمر مثل جلسات المدمنين ، ولكن على أخبارٍ الكذب فيها أكثر من الصدق ، وتبادلِ همومٍ ، والقليلُ منهم من ينتصب بين إخوانه منذراً ، يُعلمهم أن كثرة إلقاء اللوم على الأعداء فيه حيلة لطيفة للنفس تستريح فيها من آلام التأنيب ، وتلقي بالمسؤولية على المفسدين في الأرض ، ويخبرهم بأن هذا ربما غيَّبَ عنهم حقيقة أوردها الكتاب المبين قل هو من عند أنفسكم[7].

ولما قال أحدهم لأخيه مستنكراً: خبرني بربك ماذا يمكن لأحدنا أن يفعل غير اجترار الأحاديث ، ونقل الأخبار ، والتحسر على الأحوال؟ تصدى له فقيه نفس يذكره بكلام ابن عطاء الله : (اجتهادك فيما ضُمن لك وتقصيرك فيما طُلِبَ منكَ دليلُ انطماس بصيرتك) ففغر المستنكر فاه ثم تدارك قائلاً: ألا ترى من حولنا من أمم الأرض كيف اجتمعوا علينا ، وما منا أحد بقادر على فعل شيء!

فرد أخوه : وهل علاج ذلك الغرق في اليأس أم الفورة في المشاعر أم البحث عن سبل النجاة التي أضعنا منها الكثير.
يجب أن نعلم أن التقصير في الفرائض الجماعية جد خطير، وأن من مقدمات تدارك ذلك أن نتقن فقه الجماعة ( لا ببعد حزبي ضيق ) بل بما يصلنا ثانية بحضارية الإسلام ومنهجيته العالمية ، فينطلق الفرد من خلالها وينبذ التقوقع الذي صار عادة وطبعاً ، ويدرك خطورة إدمان المناهج الضيقة والمرور من ثقوب الإبر، وأن التكافل والعدل والشورى والإتقان والدقة والتراحم بل حتى التواضع والحفاظ على البيئة وسلامة الحياة وبذل الخير لكل الناس إنما هي فروض إيمانية حضارية تلزم الجماعة ، وكون غيرنا يدندن عليها لا ينزع عنها قيمتها الشرعية ، إن ديننا يعلمنا أن الله غفر لبغي سقت كلباً شربة ماء[8] ، وأن الله أدخل رجلاً الجنة في غصن شوك رفعه عن الطريق كي لا يؤذي الناس[9] ، وأن رجلاً أشفق من ذبح شاة فقال عليه الصلاة والسلام : والشاة إن رحمتها رحمك الله[10].
إن الإدمان الذي نفعله يسبب تحجيم الكثير من الأمور وقلب التوازنات الإيمانية وتكبير الصغير وتهوين الخطير ، والسطحية بل البدائية ومن ثم تقزيم الحركة والمنهج والفكرة والتفريغ المخيف لكل معاني البناء والاستمرار.
ولابد حتى تستعيد ساحتنا الداخلية توازناتها من تجاوز سلبياتنا التي يظن البعض في بعضها فضائلاً ، ولابد من أفق إيماني أعلى وأرحب نطل منه على الدنيا ونملأ منه يديها خيراً وبركة وعملاً صالحاً.

الإشارة الثانية : كن صاحب فعل لا تابعاً لغيرك:
مما تعلمناه من الحكماء أن الشيطان يدخل إلى قلب الإنسان بمئة باب من الخير كي يُدخل معه باباً واحداً من الشر؟
ويا أيها المسلم إنما أنت ظبي سابقٌ ، فلماذا تطيل الالتفات؟
وعجيب هو مكر الخصوم ، ولكن الأعجب منه سذاجة أهل الحق ، وانخداعهم ببعض حيل المبطلين ، ومن أمثلة ذلك منكرات جرت في بعض بلاد العرب منذ فترة قريبة ، وأشغلت الناس ، وكان محورها مسابقة لنجم الطرب الذي ليس معه نجم! فتبارى أهل الغفلة في الترويج لذلك وهم أهل لذلك (ردهم الله إليه) ولكن عجبي لم ينقضِ من أهل علم زادوا اشتغال الناس بالموضوع وملئوا خطبهم ودروسهم ومجالسهم بذلك حتى أوصلوا العلم بذلك إلى من لم يكن يعلم ، وليتهم إشاروا إلى ذلك إشارة عابرة ، وليتهم بنوا الحق بدل أن يتحدثوا عن الباطل ، وتذكرت ما أورده ابن القيم رحمه الله في مدارجه فقال : (ولما كان طالب الصراط المستقيم طالبَ أمر أكثر الناس ناكبون عنه ، مريداً لسلوك طريقٍ مرافقهُ فيها في غاية القلة والعزة ، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد ، وعلى الأنس بالرفيق ، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذا الطريق ، وأنهم هم الذين (أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)[11] فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له ، وهم الذين أنعم الله عليهم ، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه ، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط : هم الذين أنعم الله عليهم ، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له ، فإنهم هم الأقلون قدراً ، وإن كانوا الأكثرين عدداً ، كما قال بعض السلف : (عليك بطريق الحق ، ولا تستوحش لقلة السالكين ، وإياك وطريق الباطل ، ولاتغتر بكثرة الهالكين) وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق ، واحرص على اللحاق بهم ، وغض الطرف عمن سواهم ، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك ، فلا تلتفت إليهم ، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك)[12]، ثم ذكر مثالاً عن ذلك أن الظبي أشد سعياً من الكلب ، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه ، فيدركه الكلب فيأخذه.

فمتى يا أبناء الإسلام وبناته الأطهار سنبني إذا كنا لن نشتغل إلا بما يوضع لنا لنشتغل به ، ومتى نخرج من رد الفعل فنكون السابقين إلى إعادة الفطرة إلى النفوس ، ومتى سنوقظ في الناس حب الإيمان وجمال الدين ، بدل أن يكون محور حركتنا الحديث عن عمل المفسدين ، وكما هم أرادوا لا كما نحن نريد.

إن من الخطر الشديد أن نفكر كما يفرض علينا رد الفعل أن نتصرف أو أن نسير في الطريق الذي رُسِمَ لنا وأن تتغير بعض أخلاقنا لأن عدونا هو الذي يختار ويفرض أسلوب المعركة والتوقيت ، ولعلنا نلاحظ أنه كان في بعض الأوقات هجوم شديد على الإسلام جعل بعض أبنائه يحاولون إظهاره للناس إمعة يسير كيفما تريد المصالح الدولية أن يسير، وأن يقلِّموا منه كل شوكة وسبب قوة ، ولكن من الخطير أيضاً (ولنقل بصراحة) أن يفرض علينا أعدائنا أخلاقهم الحربية فيظهر في الأمة من يظن (ولو مجرد ظن) أن الإسلام لا يرتوي ظمؤه من شرب الدماء , وأن قتل الأبرياء فيه مباح! فمتى سيحمل المسلمون أمام أهل الأرض جميعاً دينهم كما أراده الله ، جامعاً لكل إيمان وقوة ورحمة وطاعة واستقامة ، جهاداً وحضارة ، ومدنية واستقراراً.
متى سنزرع في قلوب الناس نداوة التوحيد ولذة الطاعة والشوق إلى الجنان بدل أن نكون ممن يؤجج النيران.

إن النزوات لاتأتي بفائدة ومكر الماكرين لا يعادله إلا سذاجة العجولين الغضاب ، والذين إن رزق بعضهم كثيراً من الإخلاص ، إلا أنهم أربكوا الأمة بقلة الصواب.
حزنت لما أخبرني ثقة أن مسئولا في أحد المساجد أخبره طلابه من الشباب أن من رفاقهم في الحي والمدرسة من يدخل إلى المواقع الإباحية في الانترنيت ، فغار صاحبنا على الخلق الكريم وأمر تلامذته فجمعوا له أسماء تلك المواقع! ثم كتبها على لوح كبير في المسجد! محذرأ أهل الأيمان من دخولها!! فقلت: ماذا؟ قال: نعم … وقد حضر بعدها شباب كثر! فقلت: ليطلبوا العلم؟ قال: لا بل لينقلوا أسماء المواقع التي كتبها الشيخ!

هذا مثال مفهوم للكل ولكن أمثلة أخرى قد تضيع فيها أمة بكاملها تحتاج إلى بصر شديد وفي فهمكم كفاية .(اللهم غفرانك).

الإشارة الثالثة : إملأ رصيدك من الخيرواحذر الاستنزاف:
عند كل منا رصيد من الإيمان والعلم والتجربة والثقافة ، وهذا الرصيد عرضة للزيادة والنقصان ، ومن خلاله نتعامل مع الأمور التي تحيط بنا ولن أتحدث عن ضرورة زيادة رصيدنا كجانب معرفي وثقافي فقد كتب في ذلك الكثير.
إشارتي هنا إلى أكبر معيق عن كل أنواع الصالحات ، وقد أظهر وأبان ذلك حديث أنس رضي الله عنه إذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ثلاث مهلكات ، وثلاث منجيات ؛ فالمهلكات : شُحٌّ مطاعُ ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ، والمنجياتُ : تقوى الله تعالى في السر والعلانية ، والعدلُ في الغضب والرضا ، والقصدُ في الفقر والغنى)[13].
إن حركة الحياة كلها من الذرات الى المجرات أساسها محور تدور حوله ، ومرجع نسبي منه تستمد ، ولا فاعل حقيقة إلا الله تعالى ومنه المدد الحق ، وإتباع الهوى يخرج الإنسان من حركته المتناسقة المنتظمة المدهشة ، يظن نفسه محوراً صالحاً وهو محور صدٍ عن الاستجابة والهداية (فإن لم يستجيبوا لكَ فاعلم أنَّما يتبعونَ أهواءهُم ومَن أضلُّ مَِّمنِ اتَّبَعَ هواهُ بغيرِ هُدىً منَ اللهِ إنَّ اللهَ لا يهدي القومَ الظالمين)[14].
كثير من المحن التي مرت بها الأمة سببها الأول إتباع الهوى ، الذي لايرى صاحبه معه شيئاً غيره فيصل إلى مرحلة تأليه نفسه (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)[15].

إن من الذنوب الجماعية حقاً أن ينتشر إتباع الهوى في الأمة ثم لا يكون التصدي له بمقدار الخطر المنبعث منه ، ولقد تكلم كثير من الأفاضل عنه ولكننا لم نحسن ربطه جيداً حتى الآن بالعواقب المدمرة الناشئة عنه ، لأن المحور الفردي هو الأساس في ثقافتنا رغم كل المفردات الكثيرة التي نتحدث فيها عن الجماعة والأمة ، ومن الحكمة الظاهرة ما ذكره الدكتور عبد الكريم بكار في أحد كتبه من أن الفرد في المجتمعات الضعيفة يبحث عن نفسه كيلا يضيع وفي المجتمعات القوية يبحث عن الجماعة كيلا يضيع ، وأمثلة ذلك لا تكاد تعد ؛ ففي المجتمعات القوية يقوم الحاكم بالشورى وفي الضعيفة بالاستبداد ، والحكومات الصالحة تعتبر أن الغنى إنما هو غنى المجتمع ، وفي المجتمعات المتخلفة تجمع الحكومات كل المال في يد أوصياء على الشعب ، وفي المجتمعات المستقرة يبذل العالم العلم لكل الناس ، وفي المجتمعات الجاهلة يستأثر به ليحظى بوضع خاص ، وفي المجتمع المتين لا يخشى الإنسان من قولة الحق ، وفي المجتمع المتوحش يتعرض للأذى وربما الفناء.

في المجتمع القوي لايخشى الإنسان من طرح فكرة خطرت في باله لأن المجتمع يقوِّمُها بيد حانية حريص صاحبها على الصواب ، وحتى إن كانت حائدة عن كل ثوابت المجتمع فإن القانون الرباني : (فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)[16] يضعها في حجمها الصحيح ، ولكن في المجتمعات المتآكلة فإن التعانف والفكر التكفيري الغضوب هو سيد الموقف أبداً ، وفي المجتمع المؤمن الراشد فإن المرأة خلقت كما خُلق الرجل من نفس واحدة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)[17]، وفي المجتمعات التي لا رُشد فيها فإن المرأة أشبه بأَمَةٍ ذليلة ليس لها كيان ولا كرامة.

لقد ضاعت أمم مسلمة بكاملها بسبب نزوات أفراد منها حكاماً أو محكومين ، أفما نحتاج إلى الوقوف قليلاً لنقرر كيف سنضبط أهوائنا الفردية ، كي لانكون أصحاب الخرق الذي يهوي بالسفينة كلها إلى القعر العميق!

5- الإشارة الرابعة: اتخاذ الأسباب :
قال تعالى (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يُجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا)[18]؛ قال الإمام ابن كثير: والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا التمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال أنه هو على الحق يُسمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان.

لقد علم الهادي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أمته أن تتعرف وتحفظ أسباب ديمومتها بصلتها مع الله تعالى ؛ فأخرج الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك ؛ احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ؛ رفعت الأقلام وجفت الصحف)[19]، وفي رواية الإمام أحمد بسند صحيح: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)[20].
والتقط هذا الفقه ابن القيم رحمه الله فأعلن وذكر وأفصح : (بل لاتتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسببَّاَتها شرعا وعقلا ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل)[21].
ونصوص الكتاب والسنة تشهد لفقه ابن القيم بالصواب.
قال تعالى: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)[22].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)[23] ، وقال الإمام النووي في شرح الحديث : (استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون وتبلغون مقصودكم) ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إياكم والجلوس في الطرقات ؛ فقالوا يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها ؛ فقال عليه الصلاة والسلام: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ؛ قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله ؛ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[24]. فمنع الناس من الجلوس في الطرقات مما لا يمكن ؛ لمصادمته طبيعتهم فعلمنا الهادي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا نصدم الأمر بل أن نستثمره ونمسك بزمامه لنقوده إلى الفعل الإيجابي ، وقد فطن الإمام ابن القيم إلى المغزى العميق والدلالات السننية لمثل هذه التوجيهات فقال في كتابه الفوائد: (العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهل عليهم الإجابة ، والزاهد يدعو الناس إلى الله بترك دنياهم فتشق عليهم الإجابة) ، ومما ذكره أهل التربية أن من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ ، وأوصى أحد الحكماء بطريقة للعثور على إنسان عاقل لمؤاخاته فقال: أغضب أخاك فإن أنصفك في غضبه فآخه و لم يقل: إن لم يغضب ؛ بل قال: فإن أنصفك في غضبه. فمنع الغضب بالكلية مصادم للفطرة ، أو السنة ، أو القانون … سمه ما شئت ولكن خذ حظك من عظته ، ولذا قال تعال: (والكاظمين الغيظ)[25] ولم يقل (والفاقدين الغيظ). وفقيه الدعوة الفطن لا يصدم قوانين الحياة وسنن الكون ؛ بل يحتال عليها فيمسك بمعاقدها ، ومن كان يحمل معولا وصادفته صخرة صماء فلا يضيعن الوقت في الطرق عليها وهي صماء صلداء ؛ فإنه بذلك يستنزف قوته وربما حطم معوله ولكن ليحفر التراب الذي حولها فلا بد أن تهوي ، وحتى الدين كله قد يفشل إذا صادم حَمَلَتُهُ سنن الله في خلقه ؛ فدين الزهاد خرب الاقتصاد ، ودين الرهبان خرب الفطرة ، وفتح أبواب الفساد ، ودين المتنطعين أمات الحيوية في الأمم وقتل أرواح العباد ، ودين المتفرنجين والمتغربين والمبهورين أرضى النزوات وألغى العقول وأطاع الشهوات ، ودين الله الحق هو الفطرة والتوازن والعدل والرحمة والشمول والواقعية والإنسانية والربانية ، وصدق تعالى إذ يقول: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)[26]، وصدق تعالى إذ يقول: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)[27] وصدق تعالى إذ يقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[28].

والذي أراه (والله أعلم بالصواب) أن فقه السننية في العالم الإسلامي أضعف بكثير من المستوى الذي يجب أن يكون عليه ، والخرافة ليست فقط بما اخترعه الدجالون ، بل ربما وقعنا في الخرافة أيضاً عند تجاوزنا السنن ، ونظرنا من خلال الأماني ، وقفزنا فوق التاريخ.

خلاصة الموضوع :
1- الإدمان مرفوض كي لا تحتل جزئية مكان الكليات.
2- إتباع الهوى أكبر عائق عن نهوض الأمة.
3- الاستنزاف خطير وعلينا التعويض الدائم.
4- السنة تمضي وعلينا الحذر من فوات القطار.

فلتزدد صلتنا ببعضنا ولنملأ مجالسنا بكل نافع ومفيد ، ولنحضر ورقة وقلماً لنحصى بوابات التقصير (فردية وجماعية) ، ثم لنضع خططاً قصيرة وأخرى متوسطة لدرء التقصير ثم فلنتعاهد عليها ، ولنتابع بعضنا فيها ، مع متابعة التعلم والاستفادة من كل تجربة ، ولن يشبع مؤمن خير حتى يكون منتهاه الجنة.

وأخيراً ورغم كل ما يعترينا ففينا خير كثير ، وأخطر أمر يحيط بنا هو البعد عن الإيمان الصحيح وإهمال تربية النفس روحياً ، والأخطر منه أن ننطلق من الفردية في فقه الإسلام ، فلنجعل من الجماعة منطلقنا ولنبدأ بزراعة المقدمات الفردية التي تحفظنا من الذنوب الجماعية ، وماأنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء[29]، (فكيف يُنكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت بقربها من بارئها ، وأنسها به ، وحبها له ، وتنعمها بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ، وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه ، أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية، ولاينكر هذا إلا أجهل الناس ، وأغلظهم حجاباً ، وأكثفهم نفساً ،وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية)[30]. وبالرجوع واتخاذ أسباب الدواء تكون العاقبة : (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)[31].
اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أحمد معاذ الخطيب الحسني

[1] – سورة الفاتحة ، الآية 5.
[2] – انظر في ذلك كتاب : محنة العرب في الأندلس ؛ للدكتور: أسعد حومد ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2 ، 1988.
[3] – فتح الباري ، كتاب المناقب (61) الحديث 606، 6 ، 712.
[4] – فتح الباري ، كتاب المناقب (61) الحديث 3607 ، 6 ، 712
[5] -فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني ، كتاب الصوم (30) ، الحديث 1976، 4 ، 259.
[6] – فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني ، كتاب الصوم (30) ، الحديث 1977 ، 4 ، 260.
[7] – سورة آل عمران ، الآية 165.
[8] – مسلم ، كتاب السلام ، الحديث 2245.
[9] – البخاري ، كتاب الأذان ، الحديث 654.
[10] – مسند الإمام أحمد ، الحديث 19851 سنده متصل ورواته ثقات.
[11] – سورة النساء ، الآية 69.
[12] – تهذيب مدارج السالكين ، كتبه ابن القيم وهذبه عبد المنعم العزي ، الإمارات المتحدة ، وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، ص 30.
[13] – مجمع الزوائد 1/91 والترغيب والترهيب 82.
[14] سورة القصص ، الآية 50.
[15] – سورة الفرقان ، الآية 43.
[16] سورة الرعد ، الآية 17.
[17] سورة النساء ، الآية 1.
[18] – النساء 123.
[19] – الترمذي ، القيامة والرقائق والورع 2516 ، قال : هذا حديث حسن صحيح.
[20] – أحمد ، مسند بني هاشم 2800.
[21] -زاد المعاد ، ابن قيم الجوزية ، 3 ، 15.
[22] – فاطر43. وفي المصحف تكتب (سنة) بالتاء المبسوطة : (سنت) وأثبتناها بالمربوطة تسهيلاً.
[23] –
[24] –
[25] – سورة آل عمران ، الآية 134.
[26] – سورة الإسراء ، الآية 105.
[27] – سورة النجم ، الآية 3-4.
[28] – سورة الحشر ، الآية 7.
[29] – فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني ، الطب 10 ، 113.
[30] – زاد المعاد ، ابن قيم الجوزية ، 3،12.
[31] – سورة السجدة ، الآية 53.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على التوبة من الذنوب الجماعية : بداية الطريق مغلقة

سلسلة البناء الدعوي-1

سلسلة البناء الدعوي
الموضوع الأول: من صفات الداعية
1-الصلاح قبل الإصلاح.
2-التواضع.
3-الصبر في الحالين.
4-الالتجاء إلى الله.
5-الثبات حتى اليقين.
6-أدب العلم قبل حرفه.
7-صواب لا أدري.
8-المؤمن صاحب نصيحة.

لابد لمن يدعو إلى الله من حيازة صفات مميزة نورد فيما يلي أهمها:
1- الصلاح قبل الإصلاح : يقول الإمام الجيلاني : (عظ نفسك أولا ثم عظ نفس غيرك ، عليك بخويصة نفسك ، لاتتعدَ إلى غيرك وقد بقي عندك بقية تحتاج إلى إصلاحها ، ويحك أنت تعرف كيف تخلص غيرك ، أنت أعمى كيف تقود غيرك ، إنما يقود الناس البصير ، إنما يخلصهم من البحر السابح المحمود)[1]، وزاد الجيلاني الطريق وضوحا فأرشد السالك أن : (كُن صحيحا تكن فصيحا … كُن صحيحا في السر تكن فصيحا في العلانية)[2].

فقه الصلاح والإصلاح جمعتها آية واحدة في كتاب الله ، إذ يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [3]، أي: (وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم ، وتقويتنا إياهم على الهداية ، إذ صبروا على طاعتنا ، وعزفوا أنفسهم عن لذات الدنيا وشهواتها ، أما من قرأ: (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم ، وكلا القراءتين مشهورة ، فالمعنى يكون: إذ صبروا ، وحين صبروا ، أي صاروا أئمة هدى لصبرهم عن الدنيا وشهواتها ، واجتهادهم في طاعتنا ، والعمل بأمرنا)[4]. لما صلُحَتِ القلوبُ صارت على إصلاح غيرها قادرة ، ومن عجز عن إخراج الدغل من قلبه فهو عن غيره أعجز ، وبوارق الصلاح إنما أسها الإخلاص وتصحيح النية ، ومن فاته الإخلاص والنية الصالحة هلكَ وأهلكَ.

2- لوعة القلب : جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً ، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذُبـُّهُنَّ عنها ، وأنا آخذ بحُجَزِكُم عن النار وأنتم تفلتون من يدي))[5].
ومن يتصدى للدعوة بحس بليد وقلب لالوعة فيه واحتراق ، يظنها ألقابا ومناصبا وحرفة وشقشقة كلام ، فهو نصل في خاصرتها ، وميت القلب هو قبر يمشي ، ولايكون خير ممن لايغتفر إساءة إلى ذاته ، وينام عن إستباحة كرامة الإسلام.
إن فاقد الشىء لايعطيه ، وهداة الخلق إلى الله ، ينتقل النور من قلوبهم إلى قلوب العباد كسراج يقتبس من سراج ، واللوعة التي في قلوبهم تغني عن كثير من فصاحة اللسان ، وإن الدعوات الناجحة رزقت حملة ذوي مواصفات خاصة ، وهذا سر قوتها ، وكثيرون قد يحتارون من النتائج الهائلة التي يكرم الله بها الصادقين من دعاته ، ويتلمسون سرها في سبل شتى ، ولكنهم يبحثون في السراب ، مالم يعرفوا الحقيقة البسيطة العظيمة ، والتي لايعسر إدراكها على الصادقين.

3- حب الهداية : إن للداعية أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يخرج إلى القبائل يدعوها إلى الله ، فلا يلقى إلا المعاندة والأذى ، وعلَّمَنا القرآن الكريم كيف يتحرق الداعية : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)[6]، فحتى بعد الموت يطمع الداعية أن يعلم الغافلون عن الله ماأعدَّ الله لمن اصطفاهم من أهل محبته ، لعلها تتحرك قلوب من قتلوه ، ويملأ الايمان جنباتها . وعلى هذا الطريق ينبغي أن يسير الدعاة ، أما من يريد الدعوة بقلب حقود ونفس حانقة فيقال له: ياهذا أخطأت الطريق ، فارجع من حيث أتيت ، وإن فاقد الشيء ماكان أبدا ليعطيه ؛ (فمن قام لله حتى أوذي في الله : حرم الله عليه الانتقام ، كما قال لقمان لابنه : (يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[7][8].

4- التواضع : يلاحظ أحيانا أن بعض من يتصدون للدعوة لايكون عندهم التواضع المطلوب ، وقد يتعلل البعض بأنهم يتخذون بعض المواقف لإشعار الناس بوجوب الاحترام اللازم للعلم وأهله ، وقد يصدق هؤلاء في مواطن قليلة ؛ ولكن ما بالهم يشمخون على إخوانهم بأنوفهم ، وينظر بعضهم إلى الناس بل ربما أقرانه نظره إلى التراب ، (وتمام التواضع : أن لايرى العابد لنفسه حقاً على الله لأجل عمله ، فإنه في عبودية وفقر محض ، وذل وانكسار ، فمتى رأى لنفسه على الله حقاً : فسدت عبوديته ، وصارت معلولة وخيف منها المقت)[9].

تقدم السيرة السلوكية العملية للنبي صلى الله عليه وسلم القدوة لكل داعية إذ (كان أشد الناس تواضعا ، وأبعدهم عن الكبر ، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك ، وكان يعود المساكين ، ويجالس الفقراء ، ويجيب دعوة العبد ، ويجلس في أصحابه كأحدهم ، قالت عائشة : كان يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشراً من البشر يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ويخدم نفسه … لم يكن فاحشا ولامتفحشا ، ولالعانا ، ولاصخابا في الأسواق ، ولايجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، وكان لايدع أحدا يمشي خلفه … كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولاغليظ ، ولاصخاب ، ولافحاش ، ولاعتاب ، ولامداح … ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق …وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب ، وصيره قائدا تهوي إليه الأفئدة ، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء ، حتى دخلوا في دين الله أفواجا)[10].

5- الصبر في الحالين : يحتاج الداعية إلى زاد عظيم من الصبر ، لتتحقق فيه إمامة الهداية ؛ قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)[11]، ومن مواطن الصبر العظيمة : الصبر عند التبليغ ، والصبر عند التخذيل ؛ فإن الصبر ضياء ، ولايزال ينير سبيل السالك مااستعان به ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون))[12]، وليس الصبر شيئا يظنه المرء كما يشتهي بل ضابطه واضح عند أهل العلم ؛ (فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط ، وحبس اللسان عن الشكوى ، وحبس الجوارح عن التشويش)[13]، وماكل أحد بقادر عليه إلا بعد الرياضة الطويلة ؛ (وإنما كان صعبا على العامة : لأن العامي مبتدىء في الطريق وليس له دُربَةٌ في السلوك ،ولاتهذيب المرتاض بقطع المنازل ، فإذا أصابته المحن أدركه الجزع ، وصعب عليه احتمال البلاء ، وعز عليه وجدان الصبر ، لأنه ليس من أهل الرياضة فيكون مستوطنا للصبر، ولامن أهل المحبة ، فيلتذ بالبلاء في رضاة محبوبه)[14]؛ (والصبر من آكد المنازل في طريق المحبة ، وألزمها للمحبين . وهم أحوج الى منزلته من كل منزلة . وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها)[15].

6- الالتجاء إلى الله في كل عمل : روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((والله إني لأستغفر الله ، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))[16]، وخلال تحرك الداعية فإن كثيرا من المواطن لاينفع فيها إلا الاستمداد من الله ، وإن مخالطة الناس ربما يكون معها ضيق صدر ، وشدة وطأة ، وقد يأتي الداعية مالايطيق ، وقد يذكره الناس بنفسه لكثرة شكواهم وجحودهم ، وقد تنتقل غفلتهم إلى قلبه ، وعليه أن يفطن لكل ذلك فيقصيه ، وأعون العون على ذلك الاستغفار ، فيكون دائما لله ومع الله ، ويحذر الإمام ابن القيم فيقول: (وليحذر كل الحذر من طغيان: أنا و لي و عندي ، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون ،(فأنَا خَيرٌ مِنهُ)[17] لإبليس ، و(ِلي مُلكُ مِصرَ)[18] لفرعون ،و (إنَّمَا أوتِيتُهُ عَلى عِلمٍ عِندِي)[19] لقارون . وأحسن ماوضعت أنا؛ في قول العبد: أنا العبد المذنب المخطىء المستغفر المعترف ، ولي ؛ في قولِهِ: لي الذنب ولي الجرم ولي المسكنة ولي الذلة والفقر، وعندي؛ في قوله : اغفر لي ِجدي وهزلي وخطئي وعَمدي وكل ذلك عندي)[20].

7- الثبات حتى اليقين : يقتبس الداعية ثباته من خطاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد لقي مالقي من الصد والاستهزاء : )وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ([21]، والمعنى : (واعبد ربك في جميع أوقاتك ومدة حياتك حتى يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك)[22] ، فصاحب الرسالة يبقى ماضيا فيها حتى يلقى وجه ربه .

8- أدب العلم قبل حرفه : تعلمنا سورة الحجرات أن هناك آدابا شرعية ينبغي للمؤمن أن يراعيها ؛ قال تعالى : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)[23] (وفي سورة الحجرات جملة من الآداب التي تزين الأمة وتصون كيانها ، أولها أدب المسلمين مع رسولهم، ثم آداب المسلمين بعضهم مع بعض ، ثم علاقة الأمة كلها بسائر الأمم)[24]، (وقد قيل للشافعي رضي الله عنه : كيف شهوتك للأدب؟ فقال أسمع بالحرف منه مالم أسمعه ، فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم به ، قيل : وكيف طلبك له؟ قال : طلب المرأة الضالةِ ولدها وليس لها غيره)[25].
إن فوات جملة الآداب الشرعية أمر خطير ، أعظمه حبوط العمل ، وأدناه نفور القلوب ، والداعية لاينبغي أن يعرف الأدب وحسب ، بل ينبغي أن يكون قمة فيه.

9- صواب لاأدرى : إن من أتقن لاأدري يبقى في الصواب أبدا: وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لايعلم : الله أعلم ؛ فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)[26] ….)[27].
لا أدري هي نصف العلم ، وعلى الداعية إتقانها ، وإلا هلك ، وقد جاء في الحديث الصحيح : ((إن الله لايقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعهُ من العباد ، ولكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العلماءِ ، حتى إذا لم يُبق عالماً ، اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً فسُئلوا بغيرِعلمٍ ، فضلُّوا وأضلُّوا))[28].
وقد بوب الإمام البخاري في كتاب العلم: (باب:مايستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم ، أن يكل العلم إلى الله) وذكر فيه قصة سيدنا موسى مع الخضر، وكيف عتب الله على موسى صلى الله عليه وسلم (إذ لم يرُدَّ العلم إليه)[29]، وهو حديث عظيم فيه للدعاة في كل عصر ومكان من العبر الكثير.

10- صاحب نصيحة : فإن المؤمن مرآة أخيه ، و((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُد بعضه بعضا ، وشبك [صلى الله عليه وسلم]أصابعه))[30] وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة))[31] ، وهي أمر لابد أن يكون متبادلاً بين الجميع بذلاً وقبولاً فإن \\\”من استغنى برأيه ضل وذلَّ وزل ، إذا استغنيت برأيك حُرمت الهداية والحماية لأنك ماطلبتها ولا دخلت في سببها)[32].
(وقيل لأبي حنيفة رضي الله عنه : في المسجد حلقة ينظرون في الفقه ، فقال : ألهم رأس؟ قالوا : لا . قال : لايفقه هؤلاء أبدا)[33].
إن فقه التناصح لابد من إحيائه ، ومن لايرى إلا نفسه فهيهات أن يكون ناصحاً أومنصوحاً ، وهو ما أشار إليه مولانا ابو الحسن الندوي فقال: (ما أضر بالدعوة من شيء مثل ما أضر بها الأنا الأنا الفردية والأنا الجماعية)[34]، فعند بروز الأنا تغيب الجماعة ، وتتقوض كل مرجعية ، وتبرز عبادة النفس ، وعندها يكون الهلاك.

كتبه أفقر العباد إلى الله
أحمد معاذ الخطيب الحسني
[1] – عبد القادر بن موسى الجيلاني (561 هـ/ 1166م) ، الفتح الرباني والفيض الرحماني ، القاهرة ، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ، الطبعة الأخيرة ، 1380/1960 ، ص5.
[2] – المرجع نفسه ، ص64.
[3] – سورة السجدة ، آية 24.
[4] – محمد بن جرير الطبري (310 هـ/923م) ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، هذبه وحققه: د.بشارعواد معروف ـ عصام فارس الحرستاني ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1415/1994 ، 6 ، ص152.
[5] – أحمد بن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ،كتاب الرقاق ، باب الانتهاء عن المعاصي ، الحديث (6483).
[6] – سورة يس ، الآيات 26ـ27.
[7] – سورة لقمان ، ص17.
[8] – عبد المنعم صالح علي العزي ، تهذيب مدارج السالكين ، مرجع سابق ، ص424.
[9] – المرجع نفسه ، ص433.
[10] – صفي الرحمن المباركفوري ، الرحيق المختوم ، جدة ، دار القبلة ، ط6 ، 1411هـ/1991م ، ص546-549.
[11] – سورة السجدة ، ص 24.
[12] – أحمد بن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب أحاديث الأنبياء ، الحديث (3477).
[13] – عبد المنعم العزي ، تهذيب مدارج السالكين ، مرجع سابق ، ص253.
[14] – المرجع نفسه ، ص356.
[15] – المرجع نفسه ، ص357.
[16] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ،كتاب الدعوات ، باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم ، الحديث (6307).
[17] – سورة ص ، آية 76.
[18] – سورة الزخرف ، آية 51.
[19] – سورة القصص ، آية 78.
[20] – ابن قيم الجوزية : محمد بن أبي بكر الزرعي ، (691هـ/751م) ، زاد المعاد في هدي خير العباد ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1399هـ/1979م ، 2، ص475.
[21] – سورة الحجر ، الآيات 97، 98 ، 99.
[22] – عبد الغني الدقر ، مختصر تفسير الخازن ، دمشق ، دار اليمامة ، 1415هـ/1994م ، 2 ، ص895.
[23] – سورة الحجرات ، الآيات 2 ، 3.
[24] – محمد الغزالي ، نحو تفسير موضوعي ، القاهرة ـ بيروت ، دار الشروق ، 1416/1995 ، ص 404.
[25] – بدر الدين بن جماعة ، تذكرة السامع والمتكلم ، بيروت ، دار إقرأ ، ط2 ، 1406/1986 ، ص63.
[26] – سورة ص ، آية 86.
[27] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب تفسير القرآن ، باب وما أنا من المتكلفين، الحديث (4809) .
[28] – المرجع نفسه ، كتاب العلم ، باب كيف يقبض العلم ، الحديث (100) .
[29] – المرجع نفسه ، كتاب العلم ، باب مايستحب للعالم إذا سئل ، الحديث (122).
[30] – المرجع سابق ، كتاب الصلاة ، باب تشبيك الأصابع في المسجد ، الحديث (481).
[31] – المرجع نفسه ، كتاب الإيمان ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة ، الحديث (42).
[32] – عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ، مرجع سابق ، ص114.
[33] – بدر الدين بن جماعة ، تذكرة السامع والمتكلم ، مرجع سابق ، ص95.
[34] – محمد أبو الفتح البيانوني ، بصائر دعوية ، القاهرة ، دار السلام ، 1422هـ/2002م ، ص 49.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على سلسلة البناء الدعوي-1 مغلقة

قيم المجتمع الأميركي نحو فهم الآخر

مازن هاشم

أثار طرح صموئيل هنتنغتون “تصادم الحضارات” جدلاً عريضاً على الصعيدين السياسي و الأكاديمي، و أصبح كتابه اليوم شائع التداول لأنه اعتبر مفسراً للأحداث العالمية. وقد رد عليه الكثير من الكتاب وأثارت الردود جولة أخرى من الردود، وليس من غرضي أن أستعرض هذا السجال العلمي بل غرضي أن أسجل نقطة منهجية أجعلها مدخلاً لما أريد أن أطرحه في هذا المقال.

إن مشكلة رئيسية في طرح هنتنغتون تكمن في الخلط بين مستويات التحليل. وذلك لأن فكرة وجود أنماط حضارية متمايزة ليست فكرة جديدة، والنموذج الحضاري يوجه الفعل الحضاري باتجاهٍ ما ويعطيه طابعه وصبغته فيتجلى ذلك في الأدب والفن والمعمار وغيرها. فالنموذج الإغريقي مثلاً يفترق بشكل واضح في فنونه وآداب أهله عن فنون وآداب الحضارة الصينية أو الحضارة الإسلامية وأهلها. وإنه أذا كان هذا واضحاً ومفهوماً فإنه يجب الإنتباه إلى أن مفهوم النموذج الحضاري مجرد واسع الإستيعاب ولا يمكن تصويره كمعمل للتعليب الثقافي. فالنموذج الحضاري الواحد ينتج تجليات متعددة، فالصوفية و الفقهية القانونية مثلاً نشأتا ضمن مناخ حضاري واحد و كذلك الرواقية والنفعية كذلك نشأتا في مناخ حضاري مختلف آخر. أي أن القول بتميز النموذج الحضاري لا يمنع من وجود التنوع (المتباعد في ما بين أشكاله أحياناً)، وإن كان هذا التنوع ذاته ينصبغ أيضاً بصباغ مستمد من خصوصية حضارية.

وانطلاقاً من هذه الملاحظة فإني أشير إلى ثلاثة إشكالات منهجية في طرح مفهوم تصادم الحضارات: الأولى هي الإغفال الكامل للتنوع الداخلي ضمن كل حضارة، والثانية تكمن في رحابة مفهوم الحضارة وشموله بحيث لا يصح معه الاهمال التام للتلاقح بين الحضارات، والثالثة – وهو ما يهمني في هذا المقال – استخدام هذا المفهوم التحليلي لتفسير ظاهرة على مستوىً آخر. وهنا لا بد من بعض التفصيل.

إن لكل مفهوم تحليلي دائرة أو مجال يصح استخدامه فيها، ولا يصح تعميم النتائج المتعلقة بمجال ما لتشمل أموراً متعلقة بظاهرة أخرى في مجال آخر. فلو طورنا مفهوماً حول كيفية انتشار الجراثيم وتكاثرها في الدم فإنه لا يصح على الإطلاق أن أستخدم هذا المفهوم لتفسير انتشار الجراثيم في بيت المريض. ولو طورت مفهوماً لتفسير الصراعات الإثنية فلا يصح استخدامه لتفسير الخلافات الأسرية، ولو وقعنا على بعض التشابه بين هذين المسألتين فإنه يعتبر تشابهاً عابراً لا يستقيم به التفسير العلمي وإن كان يمكن إيراد ذكر التشابه على سبيل المجاز و تقريب الفهم. وعلى هذا فإنه يصح أن يطرح مفهوم التباين الحضاري كتفسير للتوجهات الثقافية أو النمط السياسي والاقتصادي العام، ولكن لا يصلح أن يستخدم في تفسير الفعاليات والوقائع العملية السياسية والاقتصادية الخ. ولكن يمكن تعقب أوجه التباين بين نموذجين حضاريين في أمر ما لدراسة الأبعاد التي يدخلها في حسابه كل منهما وشدة التركيز على هذا الأبعاد. وحين يلتقي نموذجان حضاريان في مسرح تاريخي واحد فالذي يحدث عملياً ليس التنافر المطلق بل التلاقح و التأثير البطيء المتبادل علاوة على التنافر.

والخلاصة أن الذي لا يصح منهجياً هو استخدام مفهوم الحضارة لتفسير صراعات سياسية أو تنافس اقتصادي (محلي أو إقليمي) مع تجاوز تحليل أفعال وتصرفات المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية2 و أثر ذلك على إدارة الصراع، ولا سيما إذا وصف بالحتمية. والتخالف الحضاري قد يشير إلى شهوة الصراع واستساغته أكثر من الأسباب الداعية له والموصلة إليه. ولا يخفى أن نغمة صراع الحضارات تُعجب السياسي أحياناً لأنها تعطي المبرر الأخلاقي لأفعاله الناشزة، كما تجدر الإشارة الى أن معظم أدبيات الحركة الإسلامية تقع في هذا الفخ المنهجي فيطرحون التاريخ طرحاً مؤدلجاً مثل ما يفعل غيرهم.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على قيم المجتمع الأميركي نحو فهم الآخر مغلقة

الكلمة الشهرية (رمضان المبارك) 1426هـ – 2005-10-16

الحمد لله الذي إليه يرجع الأمر كله ، وأزكى صلاة على الهادي سيدنا محمد وآله وصحبه وعلى أهل الحق في كل البلاد.

 

إخواننا الأحبة، أخواتنا الغاليات: عليكم سلام الله دائما أبداً ورحمته وبركاته وبعد:

فهذا الموقع وقد سميناه (دربنا Darbuna) إنما هو مولود جديد في درب الدعوة يحبو، وبدعائكم وسديد رأيكم يشتد وينمو، حاولنا مااستطعنا أن نجعل فيه زاداً جديداً في درب قديم مااستطاع أحد أن يزعم له بدلاً، فالدعوة إلى الله هي عمل الأنبياء والرسل الكرام، ولقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أن يَكُونَ لَكَ حُمْرِ النَّعَمِ” (رواه البخاري-المناقب 3701).

من خلال موقعنا سنزرع الخير ألوانا، وسنتواصل مع كل إخواننا وأخواتنا في بقاع الأرض كلها، ولن نترك مورداً عذباً إلا وننهل منه؛ نرتاد ونستقي فنسقي، وفي موقعنا نرفع للنصح راية ونعيد السمت الأول إذ نجتمع على الأصل الذي إليه كلنا ينتسب فلا نحصر الإسلام في مدرسة ألفناها ولانجعل الأوسع حبيس الأضيق، بل نفزع إلى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء-92) ومن روح الأمة الواحدة نتناصح، ونبحث عن أفضل وسائل الدعوة إلى الله، وندرس مسائلها ونحيي فقهها مرة أخرى، ونُعَرِّجُ على سير السابقين من أعلام الأمة فنلتمس البركة من تجاربهم ونلصق خدنا بالأرض اعترافاً بفضلهم وسبق جهدهم، مع علمنا بأنهم بشر والكل يصيب ويخطئ، ومامن باب خير إلا وندقه، ولنا في ذلك منطلقات تحت دوحة الإيمان استظلت، وفي شغاف القلب نقشناها.

 

وإن سهت أعيننا فأنين أهل الحق يوقظنا، وحال البشرية التائهة يؤلمنا، والأجر من الله حادينا.

دربنا بالوعي نملؤوه، ولانرضى السذاجة في دربنا، ولانسير تقليداً من دون بصيرة، بل نبحث عن الصواب فنعلنه، ونرفع له راية، وتبقى دعوتنا أغلى من أن نجامل في حقائقها، أونغِّيب صريح معانيها.

 

من توفيق الله أن يكون انطلاق موقعنا في شهر التقوى، في رمضان ولله در رمضان ما أكرمه:

 

فلأنفاس رمضان … عبقٌ لايُنسى.

ودروب الخير فيه … تمتد بلا انتهاء.

في الصيام نداوة التوحيد ، ومدرسة التقوى.

وفيه الجهاد الأكبر والأصغر … يكون.

وعندما تكاد الأمة تتشرذم أو تضيع :

يلملم رمضان شملها … ويعيد زمرة القلب الواحد.

وفيه يكون الري … إذا جفت الينابيع والسواقي.

وبرحمة الله تعالى … يكون الفرح وإليها الشوق.

وإلى نفحات الهداية من المعلم الهادي صلى الله عليه وسلم … يكون الحنين.

وتحت المآذن والقباب … تولد الجموع من جديد.

رمضان عالَمُ إيمانٍ … أخاذٌ آسِر .

وشمس هداية لاتغيب … ومشكاة صدقٍ وتقوى … ومواساة وتراحم … ونصر وتأييد .. التقوى فيه ألوان لاتُعد..

فلنغترف منه .. فإن القلوب إلى ريه لظماء.

 

ببركة الله نبدأ سيرنا، وبكم إخوتنا تزدان الأرض وتمتلئ هداية وإيماناً.

نسأل الله السداد والرشاد والتوفيق

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

أحمد معاذ الخطيب الحسني

كُتب في كلمة الشهر | التعليقات على الكلمة الشهرية (رمضان المبارك) 1426هـ – 2005-10-16 مغلقة

سلسلة البناء الدعوي – 3

المبحث الثالث
أسلوب الداعية
مطلب : اعتماد طريقة المصحف البشري.
مطلب : ندعو الناس من خلال دنياهم.
مطلب : حديث لافتنة فيه.
مطلب : الهداية والتربية لا التعبئة والاستعداء.
مطلب : وعاء للخير كله.
مطلب : التدرج في الطرح.
مطلب : المبادرة.
مطلب : خير دائم وإن قل.

يقدم المنهج السليم ضمانات كبرى في تحقيق المطلب الشرعي ، ولكن ذلك لابد من اقترانه بأسلوب سليم أيضاً ، وكم من حق ضاع بسبب أسلوب لم يواكب المقصد والغاية ، ويقرر ذلك قوله تعالى : )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ([1] ، وفي ذلك أيما عبرة لحامل الحق والهداية ، ومما يزكي أسلوب الداعية مراعاته مايلي:
1- اعتماد طريقة المصحف البشري : يلاحظ في عديد من الدول الإسلامية انتشار هائل لمعاهد تحفيظ القرآن الكريم ، ولفت أحد الإخوة انتباهي إلى أنه لم يقرأ على لافتة واحدة اسم معهد لتفهيم القرآن الكريم!
لماذا لا تمتد عالمية الدعوة فتكون في مستواها الأول ؟ ولماذا لايتحول القرآن ليكون محور الحياة لا للمسلمين فقط بل للبشرية جمعاء. إن كثيرين من المسلمين يردون الانحسار الى الأسباب الخارجية والكيد والقوى المرصودة لحرب الاسلام ؛ والآية الكريمة توضح أن السبب الأول لكل علة مرده الى أمر داخلي: )أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ([2] .
من أهم عوامل الضعف الداخلية اختفاء كثير من المصاحف البشرية ، وتكريم القرآن والاهتداء به لايكون بوضعه على الجدران ، بل بأن يسكن القلوب وتتحرك به الجوارح وتبذل له النفوس . تحول الانسان المسلم الى مصحف بشري أصبح في غاية الندرة ، وأغلب البلاد الاسلامية فتحتها المصاحف البشرية قبل أن تصلها جيوش المسلمين ، والسيوف ربما ُتقهر ، أما المصاحف البشرية فلا يقيدها شيء.
الإمام بديع الزمان سعيد النورسي كان مصحفا بشريا ؛ قاوم سياسة الماسونيين في تركيا ، ولما أرسلوا له قرهصو اليهودي لمساومته ، خرج من عنده وهو يقول: (لقد كاد هذا الرجل العجيب أن يزجني بحديثه في الإسلام)[3]. كان النورسي يتدفق ايمانا واخلاصا ، ولما سألوه في السجن عما اذا كانت له طريقة صوفية قال : (إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الايمان لاحفظ الطريقة.. إن كثيرين يدخلون الجنة بغير الانتماء إلى طريقة صوفية ، ولكن أحدا لايدخل الجنة بغير ايمان)[4].
إن الإخلاص مفتاح أساسي لفقه القرآن ، والإخلاص هو حادي العمل ، ويقول الإمام الجيلاني: (كم تتعلم ولاتعمل ، اطو ديوان العلم ثم اشتغل بنشر ديوان العمل مع الإخلاص وإلا فلا فلاح لك )[5].
2- ندعو الناس من خلال دنياهم : قال الإمام ابن القيم : (العارف لايأمر الناس بترك الدنيا فإنهم لايقدرون على تركها ، ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم ، فترك الدنيا فضيلة ، وترك الذنوب فريضة …. العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم ، فتسهل عليهم الإجابة ، والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا ، فتشق عليهم الإجابة)[6].

 

الحياة الطيبة في الدنيا هي بعض موعود الله لمن استقام :)مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ([7]. قال سعيد بن جبير وعطاء : (هي الرزق الحلال والعيش في الطاعة ، وحلاوة الطاعة ، والقناعة)[8].
3- حديث لافتنة فيه : أمر الله تعالى أن )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ([9]، وقال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ([10] ، وجاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون أتُحبُّون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله)[11]، وقد غلب عند بعض المسلمين فقه معين عمموه حتى صار عند كثيرين أصلاً يظنون الإسلام لايتسع لغيره، وطالما حصل بذلك صد غير مقصود عن سبيل الله ، وحرج وضيق بل إغلاق أبواب وتعسير سير، ومن ذلك مايظنه البعض من أن رد السلام على غير المسلم لايجوز بحال ! والتبس الأمر على البعض وفيه تفصيل ، وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن المدى الذي يمكن للمسلمين أن يتعاملوا به مع من حولهم من غير المسلمين؟ فقال في جملة جوابه : (يقول الله عز وجل : )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ([12] ؛ أما مبرتهم فأن نحسن إليهم ، وأما الإقساط إليهم فأن نعاملهم بالعدل ، ومعاملة الإنسان لغيره لاتخلو من ثلاث حالات: إما أن يعامل بالإحسان ، وإما أن يعامل بالعدل ، وإما أن يعامل بالجور ؛ فالمعاملة بالجور محرمة ، حتى في حق غير المسلمين ؛ لايجوز لك أن تعاملهم بالجور والظلم ، حتى أن ابن القيم رحمه الله لما تكلم على قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا سلم أهل الكتاب فقولوا وعليكم)) قال : هذا إذا قالوا السلام غير واضح بحيث يشتمل ويظن أنهم قالوا : السام ؛ أما إذا قالوا: السلام عليكم بلفظ صريح فإنك تقول : وعليكم السلام ، بلفظ صريح ، لقوله تعالى: )وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا([13] وقال : هذا هو مقتضى العدل ، وأما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم ؛ فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم علته في حديث ابن عمر قال: إن أهل الكتاب يقولون: السام عليكم ، فإذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم\\\” فبين الرسول r علة هذا الحكم ؛ على هذا نقول إنه لاحرج إذا سلموا علينا بلفظ صريح أن نرد عليهم السلام بلفظ صريح … )[14].
إن عالمية الرسالة تقتضي انفتاحاً واستيعاباً أشمل من النظرة الأحادية التي تساهم في انكماش مد الإسلام في الأرض ، وعالمية الرسالة تقتضي اغتنام كل جوانب الفقه ومدارسه الواسعة ، ليكون الإسلام بحق ديناً عالمياً صالحاً لكل زمان ومكان.
4- الهداية والتربية لاالتعبئة والاستعداء: من أسهل الأمور الاشتباك مع الناس ، وهذا مما لاتستقيم الدعوة به ، ولقد قال تعالى: )وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ([15].
في أحيان كثيرة فإن صبر الداعية واستيعابه للظرف يجعله يكسب الأطراف الأخرى ، وإن كثيرين من الناس انحرفوا لأنهم لم يجدوا يداً حانية هادية تمتد إليهم لتنقذهم من ظلمات الضياع ، ويذكر الداعية المرحوم عمر بهاء الدين الأميري أنه كان متوجهاً للتعزية بالشيخ البشير الإبراهيمي في الجزائر ، وتوقفت الطائرة ليلة في جنيف ، وكان يشرب البرتقال وحيداً عندما جلست بجانبه إحدى المضيفات طالبة منه أن يقدم لها كأساً من الخمر ؛ فقال لها : (معاذ الله ! كيف أقدم الأذى للناس وقد صنت عنه نفسي! قالت: وماذا يهمك من أمري؟ قلت: نحن من أسرة واحدة! عجبت [المضيفة] ، وسألت: كيف؟ قلت: أسرة الإنسانية ؛ إنها كلها أسرة المسلم ؛ قالت : ومن أنبأك أني إنسانة؟ لقد أُنسيتُ ذلك من زمن طويل! قلت: بل إنسانة والمسلم لاينسى الحق ؛ قالت: دعك من إنسانيتي! أنا هنا لأمارس حيوانيتي … قلت: وليس مكانك هنا! قالت: وأين؟ قلت: إلى جوار سرير طفل ؛ في كنف زوج! فأخذتها حُرقة ، وتساقطت من عينيها دموع ، وتمتمت : ما أرحمك ، وما أظلمك! ذكرتني بإنسانيتي فأحييتني حتى أبكيتني! ولكن ما الجدوى؟ إنسانة ولا أستطيع ان أعيش إنسانيتي ربع ساعة ….)[16].
إننا نحتاج حقيقة إلى روح الإيمان العظيمة الآسرة ، وعندها ستتبدل الحياة على أيدينا إلى الأصلح مصداقاً لقوله تعالى: )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ([17].
5- وعاء للخير كله : هناك معان يفترض أن تعانق كل ذرة فينا ، ولنأخذ مثالاً عن ذلك حب الجمال في الحياة ؛ والذي علينا أن نأخذ منه بالحظ الأوفى ؛ فالمُشاهد أن أغلب الانحرافات تأتي ممن حرم نعمة تذوقه ، فهو قمة التناغم والتوافق والتألق والعطاء ، و((إن الله جميل يحب الجمال))[18] ، وعلى هذا فالإيمان هو ذروة الجمال ، والكفر هو غاية القبح ، وتذوق الجمال الإيماني مدعاة لكل بر ومعروف ، وفي ديننا يعلمنا الرسول r أن ((كل معروف صدقة))[19]، وهذا يمتد فيشمل حتى الحيوان البهيم فـ ((بينما كلب يطيف بركية ، كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ؛ فنزعت موقها فسقته ، فغُفِر لها به))[20].
لايمكن للمد الدعوي أن يتسع ويتعمق في حياة الأمم حتى يكون أهل الدعوة أوعية لكل خير، وسباقون لكل معروف ، والمؤسف أن هذا أمر شديد الضمور ، فـ (لماذا لم يتضح في حس المسلمين أن محاربة جنون التسلح والتجارب النووية ، وإيقاف التلوث والحفاظ على البيئة ، ومنع انتشار المخدرات وغيرها ؛ فروض حضارية ومحور أساس في عالمية الإسلام وشموله)[21]، فليست دعوة الهداية كلاماً بل حالاً ، وروحاً تدب في الموات فتحييه ، وهي ليست كذلك جزئيات مبعثرة ، بل عقيدة صالحة تمتد في كل زمان ومكان.

6- التدرج في الطرح : إن الدهشة تعتري الباحث المسلم حين يرى الخلط العجيب عند بعض الدعاة بين الحكم الشرعي ، والتدرج في طرح ذلك الحكم ، ويؤدي ذلك إلى نتائج كارثية على الدعوة ، وعلى سبيل المثال فإن تحريم الخمر أمر لايختلف فيه مسلمان ، ولكن حمل ذلك إلى الأفراد والمجتمعات بحاجة إلى نظر حسب الظرف ، ومن أكثر الأمثلة إيلاماً ماذكره المؤرخون من أن بعض المسلمين البلغار قاموا حوالي عام 988 م بمحاولة إدخال الامبراطور فلاديمير إلى الإسلام (ولم يقف في سبيل تحوله هو ورعاياه إلى هذا الدين إلا الختان وتحريم الخمر المستعملين عند المسلمين ، وصرح بأن الروس لا يعدلون عنهما)[22]، لقد جعل بعض المسلمين الختان فريضة ، ولم يستطيعوا إقناع الامبراطور أن يترك الخمرة الحرام ، وكان يسعهم أن يخبروه بأن الله حرمها لحكم عظيمة ، ومن لايستطع تركها فليحاول قدر مايستطيع ، وقد نحصل بذلك على جيل مسلم فيه شربة خمر ، وهو خير من أمة كافرة .
7- المبادرة : ليست الدعوة شقشقة كلام ، وإنما هي خير عميم ينتظره الداعية بشوق عجيب ، ودعاة مجالس الكلام لايفلح على يدهم الكثير، والدعوة بحاجة للمبادرة ، والمبادرة أساسها الحركة الصحيحة، )وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ([23]، وقد فقه الإمام الجيلاني مريديه بذلك فقال: (عليك بالصف الأول لأنه صف الرجال الشجعان ، وفارق الصف الأخير فإنه صف الأجبان [الجبناء])[24].
(وقد ظهر أن أمة أوجماعة ليس فيها روح الدعوة ، والتقدم ، والهجوم ، لاتحافظ على وجودها ، وعلى مبدئها وعقيدتها ، وإن موقف المدافعِ موقفُ الضعيف المعرض للخطر ، وكل من لايكون داعيا يكون هدفا لدعوة أخرى ، وقد ثبت بالتجربة أن خير وسيلة للإيمان بالمبدأ والثبات عليه ، ومتانة العقيدة والاستماتة في سبيلها ،هي الدعوة إليها)[25].
8- دائم وإن قل (الإستمرار) : من آفات بعض الدعاة البداية بمشاريع دعوية كثيرة ثم الانصراف عنها ولما تتم ، ولقد أمرنا الله تعالى بالاستمرار في العبادة والخير فقال: )وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ([26] ، وقد (سئل النبي r: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل ، وقال: اكلفوا من الأعمال ماتطيقون\\\”[27].
لابد للداعية من الاستمرار ومن معارضات ذلك قلة الهمة ، حتى قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: (البكاء ينبغي أن يكون على خساسة الهمم\\\”[28]، وإن ضعف الأمة الداخلي والكيد الخارجي علاجه الاستمرار في حمل الحق والاصرار العنيد على ذلك : )وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ([29].
ومن عجائب الدعاة واستمرارهم المهندس محمد توفيق المصري ، مؤسس دار تبليغ الإسلام ، وقد استمر في مراسلة أحد الأوربيين سبعة عشر عاماً حتى ظفر به مسلماً موحداً ، وفي هذا قال رحمه الله : (إنني في مجال تبليغ الدعوة للأجانب ، لا أترك الأجنبي الذي يراسلني بصدد دعوة الإسلام ، إلا بعدما يعلن الشهادتين)[30].

——————————————————————————–

[1] – سورة آل عمران ، آية 159.
[2] – سورة آل عمران ، آية 165.

[3] – إحسان قاسم الصالحي ، بديع الزمان سعيد النورسي ، نظرة عامة عن حياته وآثاره ، إستانبول ، دار سوزلر ، ط2 ، 1987 ، ص30.
[4] – المرجع نفسه ، ص80.
[5] – عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ، مرجع سابق ، ص200.
[6] – ابن قيم الجوزية ، ابن قيم الجوزية ، محمد بن أبي بكرالزرعي الحنبلي ( 751 هـ ) ، الفوائد ، تحقيق بشير محمد عيون، بيروت ، مكتبة دار البيان ، ط2، 1408/1984، ص299.

[7] – سورة النحل ، آية 97.
[8] – عبد الغني الدقر ، مختصر تفسير الخازن ، مرجع سابق ، 2 ،ص 923.
[9] – سورة النحل ، آية 125.
[10] – سورة إبراهيم ، آية 4.
[11] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب العلم ، باب من خص بالعلم قوما دون قوم ، 1 ، ص272 ، وهو حديث علقه الإمام البخاري.
[12] – سورة الممتحنة ، 8.
[13] – سورة النساء ، ص86.
[14] – محمد بن صالح العثيمين وآخرين ، الأقليات المسلمة في العالم (بحوث وتوصيات المؤتمر العالمي السادس للندوة العالمية للشباب الإسلامي ، الرياض ، دار الندوة العالمية ، 1420هـ/1999م ، 3 ، ص 1339.
[15] – سورة الأنعام ، ص 108.
[16] – عمر بهاء الدين الأميري ، الإسلام في المعترك الحضاري (دراسات حضارية معاصرة) ، بيروت ، دار الفتح ، 1388هـ/1968م ، ص 40.
[17] – سورة السجدة ، آية 24.
[18] – يحيى بن شرف النووي ، شرح صحيح مسلم ، مرجع سابق ،كتاب الإيمان ، باب تحريم الكبر ، ص172.
[19] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب الأدب ، باب كل معروف صدقة ، الحديث (6021).
[20]- المرجع نفسه ، كتاب أحاديث الأنبياء ، الحديث (3467).
[21] – أحمد معاذ الخطيب الحسني (بالاشتراك مع مؤلفين آخرين) ، مالا نعلمه لأولادنا (فصل: قضايا كبرى في بناء أطفالنا)، جدة ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، 1423هـ/2003م ، ص30.
[22] – توماس أرنولد ، الدعوة إلى الإسلام ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية ، ، ط3 ،1970، ص274.
[23] – سورة يس ، آية20.
[24] – عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ، مرجع سابق ، ص 220.
[25] – أبو الحسن الندوي، نحو التربية الإسلامية الحرة ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، ط2، 1397هـ/1977م ،ص 18.
[26] – سورة الحجر ، آية 99.
[27] – ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، مرجع سابق ، كتاب الرقاق ، باب القصد ، الحديث (6465).

[28] – سيد بن حسين العفاني ، صلاح الأمة في علو الهمة ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1420 ط2 ، هـ/1999م ، 1 ،
ص 591.
[29] – سورة العصر ، آية 1-3.

[30] – سيد بن حسين العفاني ، صلاح الأمة في علو الهمة ، مرجع سابق ، 2 ، ص119.

كُتب في ركن الدعوة | التعليقات على سلسلة البناء الدعوي – 3 مغلقة
الصفحة 49 من 49« الصفحة الأولي...102030...4546474849